الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

تظهر أعماله تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».



صبغة شَعر برائحة القرفة... لون يدوم بعد 30 غسلة

القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)
القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)
TT

صبغة شَعر برائحة القرفة... لون يدوم بعد 30 غسلة

القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)
القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)

طوَّر باحثون في الصين صبغة شَعر جديدة مصنوعة من مركّبات نباتية وأيونات الزنك، تمنح الشعر لوناً أسود مائلاً إلى البنفسجي، وتتميّز برائحة القرفة، مع إمكان تقليل تهيّج البشرة مقارنةً ببعض المكوّنات الكيميائية المستخدمة في الصبغات التجارية.

وأوضح الباحثون من معهد شنغهاي للتكنولوجيا أنّ التركيبة الجديدة تستهدف تطوير بديل أكثر أماناً وراحةً لصبغات الشَّعر التقليدية، التي قد تحتوي على مواد تسبّب تهيُّج الجلد أو الحساسية، فضلاً عن الروائح الكيميائية النفّاذة لبعضها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «الكيمياء والهندسة المستدامتان».

وتُستخدم صبغات الشَّعر التقليدية لتغيير اللون أو إخفاء الشيب، وتعتمد أنواع كثيرة منها على مواد كيميائية، مثل الأمونيا وبيروكسيد الهيدروجين، تساعد على فتح الطبقة الخارجية للشَّعرة وتمكين الصبغة من التغلغل إلى داخلها، بما يضمن ثبات اللون لفترة أطول. لكنّ بعض هذه المواد قد يسبّب تهيُّج الجلد أو تفاعلات تحسّسية.

وللبحث عن بدائل أقلّ ضرراً، اختبر الفريق استخدام جسيمات نانوية تتكوّن من أصباغ نباتية وأيونات معدنية، وتتميّز بألوان غنية وقدرتها على الارتباط بالبروتينات. واستعان الباحثون بصبغة نباتية حمراء تُعرف باسم «الأليزارين»، يمكنها تكوين طبقة ملوّنة على الشَّعر، الذي يتكوّن معظمه من بروتين الكيراتين.

كما أضافوا مادة «سينامالدهيد»، وهي المركَّب المسؤول عن النكهة الرئيسية للقرفة، للاستفادة من خصائصها المحتملة المضادّة للميكروبات ورائحتها العطرية.

وبعد اختبار تركيبات مختلفة، توصّلوا إلى أنّ مزج «الأليزارين» مع جسيمات تحتوي على أيونات الزنك و«السينامالدهيد» بنسبة اثنين إلى واحد ينتج اللون الأغمق.

وعند تطبيق الصبغة على عيّنات من شَعر بشري جرى تفتيحه كيميائياً، احتفظت بنحو 80 في المائة من لونها الأسود المائل إلى البنفسجي بعد 30 عملية غسل بمنظّف شائع، مقارنةً بنحو 68 في المائة للصبغة التجارية المستخدمة في المقارنة.

كما سجّل الشَّعر المعالَج بالتركيبة الجديدة مستويات أقلّ من 3 أنواع من الكائنات الحيّة الدقيقة التي يُعتقد أنّ لها دوراً في الإصابة بقشرة الرأس، مقارنةً بالشَّعر المفتّح من دون معالجة. وأكّد المشاركون في اختبار الرائحة أنّ العيّنات المصبوغة تفوح منها رائحة القرفة.

ولتقييم سلامة التركيبة، أجرى الباحثون تجربة قبل سريرية على فئران، وضعوا خلالها الصبغة على فرائها وراقبوا حالتها لمدة 14 يوماً. واحتفظ الفراء بلونه من دون ظهور تغيّرات في جلد الحيوانات، في حين ظهرت علامات تهيّج لدى الفئران التي عُولج فراؤها بمادة «بارا فينيلين ديامين»، المستخدمة في صبغات الشَّعر التجارية، خلال 3 أيام.

كذلك، لم يرصد الباحثون اختلافات كبيرة في بقاء خلايا جلد بشرية أو أسماك الزيبرا على قيد الحياة، أو في نموّ براعم الفاصوليا، عند مقارنتها بعيّنات لم تتعرّض للصبغة.

ولا تزال هذه النتائج أولية، إذ لم تُثبت الاختبارات الحيوانية والخليوية وحدها سلامة الصبغة للاستخدام البشري على نطاق واسع.

ويأمل الباحثون أن تُسهم النتائج في تطوير منتجات صبغ شَعر أكثر أماناً وراحةً، ويعملون حالياً على تسويق التركيبة تجارياً، إلى جانب بحث فرص التعاون مع شركات متخصّصة لتطويرها.


«مؤتمر النقد السينمائي» في الرياض... هل يُغيّر الذكاء الاصطناعي وجه النقد؟

يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)
يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)
TT

«مؤتمر النقد السينمائي» في الرياض... هل يُغيّر الذكاء الاصطناعي وجه النقد؟

يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)
يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)

انطلقت في الرياض أعمال النسخة الرابعة من «مؤتمر النقد السينمائي الدولي»، متناولةً أبعاداً فنية وثقافية تتجاوز التقييم التقليدي للفيلم إلى قراءة لغته البصرية وسردياته.

وتسلّط نقاشات النسخة الرابعة من المؤتمر، الذي تنظّمه «هيئة الأفلام» على مدى يومَي الخميس والجمعة، الضوء على قضايا نقدية بارزة، تتصدّرها ذاكرة النقد في الصحافة السعودية، ومستقبل المقالة النقدية في عصر الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى قراءة السينما المحلّية بين واقعية القصص وأصالة الموروث، بمشاركة نخبة من النقّاد والباحثين وصنّاع الأفلام من مختلف دول العالم.

وأكّد الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام»، عبد الله القحطاني، أنّ النسخة الرابعة من «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» تعكس الإيمان العميق بأهمية النقد، على أنه مكوّن أساسي وركيزة محورية لنموّ الثقافة السينمائية ونضج الصناعة.

وأوضح القحطاني، في كلمته خلال افتتاح المؤتمر، أنّ بناء صناعة سينمائية مستدامة لا يتوقّف عند تطوير القدرات الإنتاجية أو توسيع الأسواق وزيادة الفرص الاستثمارية فحسب، وإنما يتطلّب الاستثمار في بناء بيئة ثقافية ومعرفية قادرة على قراءة الإنجازات، ومناقشة التحوّلات، وتطوير أدوات التحليل والنظر في العمل السينمائي.

الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام» عبد الله القحطاني خلال كلمته في افتتاح المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأضاف أنّ «هيئة الأفلام» تنظر إلى الاستثمار في النقد والمعرفة السينمائية على أنه جزء أصيل من مسؤوليتها في بناء منظومة سينمائية متكاملة، تتطوّر فيها الممارسة الإبداعية جنباً إلى جنب مع نموّ الحوار النقدي والثقافي حولها.

وختم القحطاني كلمته بالإشارة إلى طموح «الهيئة» في أن يتجاوز حضور السينما السعودية مجرّد المشاركة، ليصل إلى الإسهام الفاعل في المشهد السينمائي العالمي وحواره الفكري والنقدي، عبر تقديم أصوات وتجارب ورؤى تنطلق من خصوصية التجربة السعودية، وتتفاعل في الوقت ذاته مع الأسئلة الإنسانية والجوانب الجمالية المشتركة.

المشرف العام على «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» مشاري الخياط خلال كلمته (الشرق الأوسط)

تعزيز حضور الثقافة السينمائية

أبرز المُشرف العام على «مؤتمر النقد السينمائي الدولي»، مشاري الخياط، المسار التراكمي الذي حقّقه المؤتمر منذ انطلاقه عام 2023، مشيراً إلى أنه عمل على توسيع دائرة الحوار الإقليمي، وتعزيز حضور الثقافة السينمائية وإيصالها إلى جمهور أوسع في مختلف مناطق السعودية.

واستعرض الخياط، خلال كلمته في افتتاح المؤتمر، حصيلة النسخ الثلاث الماضية، التي نجحت في استقطاب أكثر من 29 ألف زائر من أكثر من 20 دولة، بمشاركة ما يزيد على 180 متخصّصاً، مبيّناً أنّ الفعاليات والملتقيات المصاحبة امتدّت إلى 8 مدن سعودية، إلى جانب العاصمة الرياض.

وأكّد المُشرف العام أنّ هذه الحصيلة تعكس اتّساع نطاق المشاركة والاهتمام، وتمثّل خطوات متواصلة لترسيخ حضور النقد السينمائي وتوسيع دوائر الحوار حوله، لافتاً إلى أنّ النسخة الرابعة تواصل البناء على ما تحقّق، عبر برنامج يمتدّ على يومين، يجمع بين عروض الأفلام والجلسات الحوارية وورشات العمل، بما يتيح للمشاركين التفاعل مع موضوعات المؤتمر وتبادل التجارب والرؤى.

وأوضح الخياط أنّ النسخة الحالية تركّز على محاور رئيسية تتناول ذاكرة النقد السينمائي في الصحافة السعودية، والمقالة النقدية في زمن الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى قراءة الفيلم السعودي بين القصص الواقعية والموروث المحلّي.

وختم كلمته بالإعراب عن طموح القائمين على المؤتمر إلى تقديم تجربة ثرية تجمع بين الخبرة والنقاش والتفاعل، وتمنح الجمهور والمشاركين فرصة لاكتشاف رؤى جديدة وتعميق النقاش حول السينما وممارساتها النقدية.

يجمع المؤتمر النقّاد والباحثين وصنّاع الأفلام والمهتمّين بالسينما لتبادل الرؤى (الشرق الأوسط)

بين ذاكرة الصحافة وآفاق الذكاء الاصطناعي

يتضمّن برنامج المؤتمر في نسخته هذا العام عدداً من الجلسات الحوارية وورشات العمل، إضافةً إلى عرضَيْن للأفلام.

ويسلّط المؤتمر الضوء على التحوّلات التي تشهدها الممارسة النقدية مع انتشار المنصّات الرقمية وتطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من تساؤلات حول أدوات التحليل وأساليب التعبير النقدي وسبل الوصول إلى الجمهور. وتكتسب هذه النقاشات أهميةً في سياق تطوّر المشهد السينمائي السعودي والعربي، وما يصاحبه من تنوّع في التجارب والأعمال والموضوعات المطروحة.

ويُفرد البرنامج النقاشي للمؤتمر مساحةً محوريةً لبحث تاريخ الممارسة النقدية ومستقبلها عبر ندوتَين رئيسيتَين؛ إذ تستعيد الندوة الأولى، التي تُقام بعنوان: «ما قبل المنصّات ومواقع التواصل... ذاكرة النقد السينمائي في الصحافة السعودية»، المرحلة التي شكّلت فيها المطبوعات الورقية الفضاء الأساسي لقراءة الأفلام ومناقشتها، والتحوّلات التي طرأت على لغة النقد وانتشاره مع انتقاله إلى المساحات الرقمية، بمشاركة الصحافي محمد الرشيدي، والكاتب السينمائي محمد بازيد، والمخرج عبد المحسن الضبعان، والناقد أحمد العياد.

وفي سياق متّصل، تطرح الندوة الأخرى، بعنوان: «المقالة النقدية في زمن الذكاء الاصطناعي»، تساؤلات جوهرية حول حدود الاستعانة بالتقنيات الحديثة في التحليل وإنتاج المحتوى، وتفكّك الفوارق بين الرؤية النقدية الإنسانية والمعالجة الآلية للمعلومات، ومدى قدرة النقد على الحفاظ على قيمته المعرفية، بمشاركة الدكتور مصعب العمري، والناقدة سماهر الضامن، والناقد السينمائي علي سعيد، ومديرة برامج مهرجان أفلام السعودية ندى اللحيدان.

ويتيح المؤتمر مساحةً للقاء النقّاد والباحثين وصنّاع الأفلام والمهتمّين بالسينما، وتبادل الرؤى حول العلاقة بين الإبداع السينمائي والقراءة النقدية، وكيفية تطوير الممارسات التي تُسهم في فهم الأفلام والتفاعل مع مضامينها، بما يعزّز حضور النقد في النقاش الثقافي المرتبط بالسينما.


فضل شاكر: حفلات جدة فاقت توقّعاتي

فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
TT

فضل شاكر: حفلات جدة فاقت توقّعاتي

فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)

لم يكن الفنان اللبناني فضل شاكر بحاجة إلى اختبار ذاكرة جمهوره في جدة، فما إنْ بدأ الغناء على مسرح «عبادي الجوهر أرينا»، حتى بدا أنّ سنوات الغياب الطويلة لم تنتزع أغنياته من ذاكرة محبّيه. أصوات تتعالى مع المقاطع المألوفة، وأخرى تسبق المطرب إلى كلمات أغنياته، في أمسية تحوّل فيها الجمهور من متلقٍّ إلى شريك في الغناء، وكأنّ اللقاء تأخَّر سنوات، لكن موعده لم يغب عن الذاكرة.

وجاءت ليلة الخميس امتداداً لرحلة «عودة الغايب»، التي أعادت شاكر إلى المسارح بعد نحو 14 عاماً من الغياب، متنقّلاً بين الرياض والمنطقة الشرقية، قبل أن يصل إلى جدة في حفل رفع شعار «كامل العدد»، واستعاد خلاله جانباً كبيراً من رصيده الغنائي، إلى جانب مفاجآت جمعت الفنانة اللبنانية يارا ونجله محمد شاكر، وموهبة تركية صغيرة أدهشت الحضور بعزفها على آلة القانون.

فضل شاكر يُحيي حفله في جدة (بنش مارك)

ومنذ اللحظات الأولى، بدا أنّ العلاقة بين فضل شاكر وجمهوره تجاوزت حدود الاستماع إلى الأغنيات؛ فمع «أحلى رسمة»، التي يعرفها الجمهور بمقطع «إلا وأنا معاك»، ارتفعت الأصوات مردّدة كلماتها، قبل أن تتوالى الأغنيات التي صنعت حضوره في الذاكرة العاطفية العربية، مثل «لو على قلبي»، و«وافترقنا»، و«فين لياليك»، و«يا حياة الروح»، وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بمراحل مختلفة من مسيرته.

ولم يُخفِ فضل شاكر دهشته من حرارة الاستقبال؛ إذ قال مخاطباً الحضور إنه كان يسأل قبل وصوله عن أجواء حفلات جدة، ويسمع أوصافاً جميلة عنها، لكنه وجدها على أرض الواقع أروع مما نُقل إليه. وجاء تعليقه وسط تفاعل جمهور لم يكتفِ بالتصفيق، وإنما رافقه بالغناء في معظم الفقرات.

ولم تقتصر الأمسية على استعادة أغنياته القديمة؛ إذ قدّم شاكر أحدث أعماله «نام الليل»، التي طرحها قبل الحفل بيومين، ضمن ألبومه المُرتقب «حلم جديد»، في إشارة إلى أن عودته إلى المسرح تتزامن مع مرحلة جديدة من الإنتاج الغنائي.

الطفل آيتاش دوغان جونيور يُظهر براعته في العزف على القانون (بنش مارك)

ومن أبرز مفاجآت الحفل ظهور الطفل التركي آيتاش دوغان جونيور (Aytaç Doğan Jr)، حفيد الموسيقار التركي الشهير آيتاش دوغان، أحد أعضاء فرقة «تاكسيم تريو». ورغم أعوامه الثمانية، فإن العازف الصغير استطاع جذب أنظار الحاضرين ببراعته في العزف على آلة القانون، خلال أغنيتَي «معقول» و«صحّاك الشوق»، مقدّماً عزفاً منفرداً كشف عن موهبة لافتة وقدرة على التعامل مع المقامات الشرقية.

وجاءت مشاركته ضمن أمسية قاد فرقتها الموسيقية المايسترو مجد جريدة، بمشاركة مجموعة من الموسيقيين العرب، بينهم عازف القانون العراقي حسن فالح، الذي أضفى حضوره لمسة شرقية على التوزيعات الموسيقية.

وحمل ظهور محمد شاكر إلى جانب والده لحظة خاصّة؛ إذ تشاركا غناء «كذبة وصدّقتها»، قبل أن يغادر فضل المسرح، تاركاً المجال لنجله الذي قدّم مجموعة من الأغنيات، بينها «ضحكة الدنيا»، و«يا غايب ليه ما تسأل»، و«سهران حبيبي»، و«يا حياتي اسأل عليّ».

وبدا اللقاء بين الأب وابنه أحد المَشاهد التي منحت الحفل طابعاً عائلياً، وجمعت على المسرح تجربتين غنائيتين تنتميان إلى جيلَيْن مختلفَيْن.

الفنانة يارا تُشارك فضل شاكر في أداء أغنية «خدني معك» (بنش مارك)

أما المفاجأة الأخرى، فكانت ظهور الفنانة اللبنانية يارا، التي شاركت فضل شاكر أداء أغنيتهما الشهيرة «خدني معك»، بعد نحو عقدين من صدورها عام 2006. وأعاد اللقاء إلى ذاكرة الحاضرين أحد الثنائيات التي ارتبطت بالأغنية الرومانسية العربية، وسط تفاعل كبير مع عودة الصوتَيْن إلى الغناء معاً.

وواصل شاكر تقديم عدد من أعماله، بينها «يا غايب»، و«بيّاع القلوب»، و«فاكر لما تقولي»، و«الله أعلم»، كما اختار أن يغنّي لفيروز «سألوني الناس»، مستحضراً صوتها الذي عبَّر عن اشتياقه إليه، في إحدى اللحظات الهادئة التي تخلّلت الأمسية.

وبين الأغنيات التي رافقت الجمهور لسنوات، ومشاركة ابنه ويارا، وموهبة الطفل التركي، حملت ليلة جدة أكثر من مجرّد استعادة لنجاحات سابقة؛ فقد قدّمت صورة لفنان يعود إلى المسرح بأعمال جديدة، مستنداً إلى رصيد غنائي لا يزال حاضراً لدى محبّيه.

ومع ختام الحفل، بدا أنّ سنوات ابتعاد فضل شاكر عن المسرح لم تُضعف صلته بجمهوره، الذي استقبله بالغناء كما ودّعه به، مؤكّداً أن «الغايب» عاد إلى خشبة المسرح، بينما ظلّت أغنياته حاضرة طوال سنوات غيابه.