«الحرس الثوري» يسلب مزارعي طرطوس أراضيهم

الحكومة تتراجع عمّا وهبته «ثورة البعث» للفلاح السوري

«الحرس الثوري» يسلب مزارعي طرطوس أراضيهم
TT

«الحرس الثوري» يسلب مزارعي طرطوس أراضيهم

«الحرس الثوري» يسلب مزارعي طرطوس أراضيهم

حين دخل الحليف الإيراني إلى سوريا لدعم دمشق في مواجهتها الاحتجاجات الشعبية عام 2011، لم يكن بالحسبان حلول يوم تسلب فيه المشاريع الإيرانية من حاضنة النظام الشعبية وخزانه البشري في مناطق الساحل السوري، أراضي مزارعين منحتها لهم «ثورة العامل والفلاح» كأحد أهم منجزات (انقلاب) الثامن من مارس (آذار) 1963، وذلك بحجة استيفاء إيران ديونها على سوريا المقدَّرة بنحو 50 مليار دولار.

وقد ضجَّت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع إعلامية سورية، مؤخراً، بما كشف عنه الصحافي السوري كنان وقاف المنحدر من مدينة طرطوس الساحلية، حول قيام مستثمر إيراني في سوريا بالاستيلاء على الأراضي الزراعية المحيطة بمقبرة زاهد في طرطوس، مهدِّداً الفلاحين بالإخلاء فوراً تحت طائلة المسؤولية، بزعم أنها تتبع المقبرة.

أرشيفية لمنشأة مزرعة زاهد في طرطوس (سانا)

وقال الصحافي عبر حسابه في «فيسبوك»، إنه «دون سابق إنذار، قام المستثمر الإيراني بوضع علامات وأعمدة بيتونية لبناء سور إسمنتي في تلك الأراضي وضمها إلى حرم المقبرة»، مشيراً إلى استقدام قوة أمنية كبيرة لإرغام المزارعين على تسليم الأراضي. وفي المقابل تجمع المزارعون وهددوا بالتصعيد وأجبروا القوة الأمنية على التراجع.

وأرفق وقاف وثائق تؤكد حق المزارعين في أراضيهم، ومراسلاتهم مع الجهات الحكومية، وتُظهر تضرر أكثر من 64 مزارعاً سورياً من الاستثمار الإيراني.

مجاورة القاعدة الروسية

تكتسب الأراضي جنوب طرطوس على الساحل السوري، أهمية استراتيجية بالنسبة لإيران تتجاوز أهمية المشروع الزراعي، فهي على بُعد كيلومترات قليلة من القاعدة البحرية الروسية، وتشكل عمقاً لمرفأ الحميدية الذي كان مصنفاً مرفأ للتنزه والصيد، قبل أن تحصل شركة «خاتم الأنبياء» الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري» الإيراني على عقد إنشائه عام 2019، ليكون متعدد الأغراض ويضاهي مرفأ طرطوس الذي استحوذت عليه روسيا لـ49 عاماً.

كما أن مشروع مقبرة زاهد يمتد على عدة قرى (الدكيكة، وشماص، وزاهد، والصفصافة)، قريباً من الحدود مع شمال لبنان. علماً بأن محيط بلدة الحميدية تعرَّض لغارة إسرائيلية في أغسطس (آب) الماضي، وقالت وسائل إعلام إسرائيلية في حينها، إنها استهدفت أنظمة دفاع جوي إيرانية دخلت إلى هناك عبر البحر.

صور نشرتها الوكالة الرسمية «سانا» لمناورات عسكرية مشتركة في قاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)

مصادر حقوقية في دمشق، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن شركة «خاتم الأنبياء» الموكل إليها تحصيل الديون الإيرانية على سوريا، هي الجهة المستثمرة لمقبرة زاهد. وكان الاتفاق بداية شراكة مع مستثمرين سوريين، وبعد مفاوضات طويلة استُبعد السوريون، العام الماضي، وتولت الشركة الإيرانية مع عناصر من ميليشيا «حزب الله» إدارة المشروع.

وعندما شرعت الإدارة في تسوير الأراضي التي حصلت عليها بموجب العقد، ومساحتها نحو 276 هكتاراً «بوصفها أملاك دولة»، اصطدمت بمزارعين محليين حصلوا عليها بـ«وضع اليد» منذ سنوات طويلة، حاولوا خلالها تحويل ملكيتها إلى خاصة، لكنّ الحكومة ومع انطلاق الاستثمار الإيراني، دفعت إلى إصدار قرار بالاستملاك، ليصار إلى نزعها قانوناً من المزارعين.

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان ونظيره السوري فيصل مقداد في طهران 31 يوليو بعد زيارة وفد رسمي سوري (أ.ف.ب)

وأشارت المصادر إلى أن هذا النوع من الملكيات من أعقد المشكلات التي تواجه الاستثمارات الخارجية، فهناك مساحات واسعة من الأراضي آلت ملكيتها إلى الدولة بموجب قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، الصادر في عهد الوحدة المصرية - السورية، والذي نصَّ على تحديد الملكيات الزراعية وإعادة توزيعها على صغار الفلاحين أو المُعدمين. وقد عُدل في أعوام 1962، و1968، و1969.

وبموجب تلك القوانين، حلَّت الدولة محل مالك لرقبة العقارات التي خضعت لقانون الإصلاح الزراعي؛ قبل أن تعيد توزيع «حق الانتفاع» من دون حق ملكية الرقبة على المستفيدين من القانون، بصفتها أراضي أميرية تُطبَّق عليها أحكام الانتفاع والقوانين الخاصة بالإصلاح الزراعي. ومع تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة وإصداره حزمة من المراسيم والقرارات، تحت عنوان «التحديث والتطوير»، صدر القانون 61 عام 2004، ونص على تعديل أحكام قوانين الإصلاح الزراعي وعد ملكية المنتفع ملكية تامة لأراضي الدولة، وتخضع لأحكام الإرث العامة. لكن يمكن للحكومة انتزاعها بموجب قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 الذي ينظم عمليات الاستيلاء، فالاستملاك حسب القانون هو «نزع الملكية للمنفعة العامة عن طريق إجراء إداري يُقصَد به نزع مال عقاري، قهراً، عن مالكه بواسطة الإدارة لتخصيصه للنفع العام مقابل تعويض يُدفَع له».

الصحافي المشار إليه تحدثت مصادره عن نزاع قضائي بين المزارعين ووزارة الزراعة، كونها أراضي غير مفرزة يستثمرها الفلاحون منذ ستين عاماً بـ«وضع يد»، وأن الحكومة بدل الانحياز للمزارعين أو انتظار حكم القضاء، قامت بتوجيه عدة كتب إلى وزارة الزراعة ودائرة المصالح العقارية بطرطوس لاستملاك هذه الأراضي وانتزاعها من الفلاحين من أجل تسليمها للمستثمر الإيراني.

ويعد مشروع زاهد الزراعي، أول الاستثمارات الزراعية الإيرانية في سوريا، التي مُنحت لإيران، مع أنه لم يكن خاسراً اقتصادياً، كنظيرته من منشآت القطاع الحكومي التي يتم طرحها للاستثمار.

سيطرة إيرانية على الحدود

وتسعى إيران لتوطيد دعائم نفوذها العسكري في سوريا في مناطق الحدود مع لبنان، حيث تنتشر ميليشيا «حزب الله»، وعلى الساحل السوري من خلال مرفأي «اللاذقية» و«الحميدية»، وعلى الحدود مع العراق شرق دير الزور، حيث تسيطر الميليشيات التابعة لها على مدينتي الميادين والبوكمال.

وتقول المصادر الحقوقية: «تحت غطاء الاستثمارات الهادفة لتحصيل الديون من سوريا والمقدَّرة بنحو 50 مليار دولار، حسب تسريبات إيرانية، حصلت إيران على عقود استثمارات 5 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية»، بزعم تغطية ما يقدَّر بـ25 مليون دولار على مدى 25 عاماً.

وأكد المصادر أن إيران تركز كثيراً على مسألة تحصيل ديونها من سوريا، لتعطي شرعية لاستيلائها على الأراضي، وأن المسألة هي سداد ديون، بينما الواقع هو وجود مشروع تمدد إيراني عسكري في المنطقة تحت غطاء الاستثمار الذي يتركز في محافظة دير الزور ومحافظة طرطوس على الساحل، وقريب من الحدود مع لبنان، علماً بأن ميليشيا «حزب الله» تنتشر على طول الحدود السورية - اللبنانية من الجنوب، والقلمون إلى غرب حمص وجنوب طرطوس. وتسعى إيران لربط تلك المناطق بخطوط إمداد برية، وتطمح إلى ربط خطوط سككية تصلها بطهران عبر العراق.


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يدّعي على 13 شخصاً من «حزب الله» في قضية متفجرات ضهر البيدر

المشرق العربي تمثال لجندي يحمل ميزاناً يرمز إلى العدالة خارج المحكمة العسكرية في بيروت (أ.ب)

القضاء اللبناني يدّعي على 13 شخصاً من «حزب الله» في قضية متفجرات ضهر البيدر

ادّعى القضاء العسكري اللبناني على 13 شخصاً من «حزب الله» بجرائم تشمل الاعتداء على أمن الدولة وحيازة أسلحة ومتفجرات، وأحالهم على التحقيق في قضية ضهر البيدر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام مترئساً الجلسة بغياب وزراء «القوات» (رئاسة الحكومة)

«القوات اللبنانية» تقاطع الحكومة بسبب متفجرات «حزب الله»

انتقل الخلاف داخل الحكومة اللبنانية بشأن إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي لمرحلة جديدة، الخميس، مع مقاطعة وزراء «القوات اللبنانية» جلسة الحكومة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني يحرسون مزارعين أثناء قطف الزيتون وذلك لحمايتهم من أي هجمات إسرائيلية محتملة في بلدة زبقين بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يروّج لـ«بوادر انفراج إيراني - أميركي»

تجمع القوى السياسية على أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تدخل حالياً في «إجازة»، تبقى مدتها معلّقة على هوية المكلّف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبالي رادوفان (رئاسة الجمهورية)

عون: التقدم في المفاوضات لم يتحقق... وبري يحذّر من إنهاء مهمة «يونيفيل»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسّك لبنان بالحلول الدبلوماسية والتفاوضية لمعالجة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (رويترز)

قاسم: لا يعنينا مَن يحكم إسرائيل... ولا نقاش في سلاح «حزب الله»

قال الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، الأربعاء، إن حزبه لا يعنيه من يحكم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

أكد أحد الفصائل العراقية الموالية لإيران، الجمعة، أنه «سيبقى ملتزماً بالحياد» إلا إذا استخدمت الولايات المتحدة الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران.

وعدّ الفصيل المعروف باسم «أنصار الله الأوفياء»، الذي يقوده حيدر الغراوي، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي»، أن استخدام الأجواء العراقية لضرب إيران «خرق يستدعي من الفصيل الرد على الولايات المتحدة».

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، إن الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، مشيراً إلى أن واشنطن مطالبة بالالتزام بعدم خرق الأجواء العراقية، وفق ما أوردته وكالة «شفق نيوز» المحلية.

وحسب الفتلاوي، فإن أي «انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة»، مبيناً أن طبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة.

وتقول الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» إنها رصدت عشرات الاختراقات من الطيران الحربي والاستطلاعي للقوات الأميركية خلال الأيام الماضية.

وأكد الفتلاوي أن الحركة لم تسلّم سلاحها، موضحاً أن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2026 حتى يونيو (حزيران) 2027، وليس سحبه أو تسليمه.

وكانت الحكومة قد أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر 2026 لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

وكان رئيس الحكومة، علي الزيدي، قد حذر مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، «قوى الإطار التنسيقي» من مغبة عدم الالتزام بالمواعيد المحددة لحصر السلاح بيد الدولة.

إلى ذلك، تداولت أوساط سياسية عراقية موقفاً أميركياً من الفصائل المسلحة تضمنت تحذيراً من مواصلة دورها في «سرقة موارد الشعب العراقي».

ونسبت تقارير الموقف إلى متحدث أميركي عن «الخارجية» قوله إن «استراتيجية واشنطن تجاه العراق تقوم على دعم سيادته وتعزيز أمنه واستقراره الاقتصادي»، فيما شدد على أن إيران لا يمكن أن تؤدي أي دور في تحقيق هذه الأهداف، متهمة طهران باستغلال الفصائل المسلحة للاستيلاء على موارد الشعب العراقي.


العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

واصلت إسرائيل، اليوم الجمعة، ولليوم الثامن على التوالي، عمليتها العسكرية في الخليل، بالضفة الغربية، ودفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو منطقة دير بحة غرب المدينة، حيث أجبرت عدداً جديداً من العائلات على النزوح القسري من تلك المنطقة.

ونقلت «وكالة الأنباء الفلسطينية» (وفا) عن شهود عيان قولهم إن قوات الاحتلال دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية ترافقها وحدات هندسية من مدخل الخليل الشمالي «فرش الهوى»، باتجاه منطقة دير بحة المغلقة والمحاصرة من قبل الاحتلال منذ الجمعة الماضي.

وفجرت القوات الإسرائيلية منزلي أحمد وحمودة الجعبة، في منطقة دير بحّة المحاصرة بمدينة الخليل، بعد اقتحامهما برفقة خبراء ووحدة الهندسة والمتفجرات، حيث أقدمت على تفخيخ المنزلين اللذين تفصل بينهما عشرات الأمتار، قبل تفجيرهما عن بعد بشكل متزامن، في ظل مواصلة الحصار والإغلاق المفروضين في محيطهما.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

وكان أحمد وحمودة الجعبة قتلا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عقب إطلاق جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودين على الحاجز العسكري عند المدخل الشمالي للخليل «فرش الهوى»، الرصاص الحي تجاههما.

إلى ذلك، ارتفع عدد العائلات المتضررة جراء العدوان إلى أكثر من 780 عائلة، منها 537 عائلة هُجّرت قسراً بشكل كامل، فيما يواجه نحو 5000 مواطن ظروفاً من الحصار والتهجير القسري، سواء بإجبارهم على النزوح من منازلهم أو محاصرتهم داخلها، لا سيما في منطقتي الجلدة ودير بحة اللتين تخضعان لحصار وإغلاق مشددَّين منذ يوم الجمعة الماضي.

واعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بدء عدوانها، ما يزيد على 115 مواطناً، بينهم فتاة، فيما احتجزت مئات المواطنين وأخضعتهم للتنكيل.

كما تسبب الحصار العسكري المفروض على مناطق في مدينة الخليل ومحيطها في تعطيل التعليم الوجاهي في 66 مدرسة، ما انعكس على 2872 طالباً وطالبة، بينهم 2198 طالباً وطالبة تحت الحصار المباشر، و674 من النازحين قسراً الذين تعذر وصولهم إلى صفوفهم الدراسية.

جندي إسرائيلي يصوّب سلاحه خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد أحياء مدينة الخليل بالضفة الغربية في 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي، تُقدّر الغرفة التجارية في الخليل الخسائر المباشرة الناجمة عن الإغلاقات في المدينة بما يتراوح بين 10 و12 مليون شيقل يومياً، منها نحو مليون شيقل في قطاع الحليب وحده.

وعلى صعيد الإغاثة وتقديم المساعدات، أعلنت لجنة المساندة والإغاثة المكلفة من محافظ محافظة الخليل، اعتماد بيانات 537 أسرة متضررة تضم 3361 فرداً، بينهم 232 رضيعاً، و1193 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنتين و17 عاماً، و326 من كبار السن، و147 امرأة حاملاً ومرضعاً، و32 شخصاً من ذوي الإعاقة، و213 من أصحاب الأمراض المزمنة.

وقد تلقت اللجنة 531 اتصالاً لطلب المساعدة عبر رقمها المجاني، وجرى التعامل مع الاحتياجات بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة للإغاثة والتسكين والتعليم والشؤون القانونية والإعلامية والمالية.

ورأى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن «ما تشهده محافظة الخليل من عدوان وحصار متواصل لليوم الثامن، وتهجير ومحاصرة نحو خمسة آلاف مواطن وتدمير عشرات المنازل وعمليات البطش والتنكيل، هو إرهاب دولة تمارسه حكومة اليمين العنصرية ضمن مشروع تطهير عرقي ممنهج يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع استعماري بالقوة».


«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
TT

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)

أعادت دعوة الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى حوار مع «حزب الله»، يستند إلى حصرية السلاح بيد الدولة، الجدل بشأن جدوى استعادة طاولات الحوار اللبنانية، بعدما بقي سلاح الحزب بنداً خلافياً في معظم محطاتها.

وتتباين المواقف بين اعتباره مدخلاً لتفادي الصدام، ورؤيته وسيلة لتأجيل الحسم، بعد انتقال الملف من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى قرارات حصرية السلاح.

ومنذ طاولة مارس (آذار) 2006 التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، انتقل بحث سلاح «حزب الله» إلى عنوان «الاستراتيجية الدفاعية»، قبل أن تقطع حرب يوليو (تموز) الجلسات.

وبعد مواجهات مايو (أيار) 2008، التي استعمل الحزب فيها سلاحه في الداخل ضد معارضيه، أفضى اتفاق الدوحة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية حصلت فيها المعارضة على 11 وزيراً من أصل 30 وزيراً، بما أتاح لها تعطيل القرارات التي تتطلب أكثرية الثلثين، مع تعهد بعدم استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، من دون الاتفاق على نزعه.

واستؤنف الحوار برعاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وصولاً إلى «إعلان بعبدا» في يونيو (حزيران) 2012، الذي دعا إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لكنه لم يحسم مصير السلاح، ثم انطلق حوار الحزب و«تيار المستقبل» في عين التينة عام 2014 لتخفيف الاحتقان المذهبي، في حين استمر الخلاف على «إعلان بعبدا» حتى لقاء بعبدا عام 2020.

وكلفت الحكومة في أغسطس (آب) 2025 الجيش وضع خطة لحصرية السلاح، ثم حظرت في مارس 2026 أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وطالبته بتسليم سلاحه. وفي المقابل، أعلن أمينه العام نعيم قاسم في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الاستعداد للتعاون في ملف حصرية السلاح، وفق الدستور والقوانين ومن دون إملاءات خارجية، مؤكداً أولوية الانسحاب الإسرائيلي.

 

برّي ونصر الله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ للنائب علي حسن خليل)

الحوارات كرّست اختلال موازين القوى

واعتبر النائب السابق الدكتور فارس سعيد أن «تجارب الحوار الوطني في لبنان أثبتت أن الحزب كان المستفيد الأساسي منها؛ إذ استُخدمت، في رأيه، لتكريس سلاحه ونفوذه على القرار السياسي اللبناني»، مؤكداً أن «العودة إلى طاولة حوار داخلية مع الحزب لم تعد مجدية؛ لأن القرار الفعلي موجود في إيران، وبالتالي فإن أي حوار جدي يجب أن يكون مع طهران، وليس مع (حزب الله) بوصفه مكوّناً سياسياً داخلياً».

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوار الوطني اللبناني - اللبناني الذي جاء بعد نحو 15 عاماً من الحرب الأهلية وسقوط 150 ألف ضحية، أفضى إلى تعديل دستوري وعقد اجتماعي وسياسي جديد تمثّل في اتفاق الطائف»، مشدداً على أن «أي حوار حصل بعد اتفاق الطائف كان يجب أن تكون مرجعيته تنفيذ هذا الاتفاق؛ لأنه لا يمكن أن تأتي نتائج حوار لاحق على حساب النتائج التي أرسى عليها (الطائف) النظام السياسي اللبناني».

ورأى أن «(حزب الله)، مستفيداً من موازين قوى إقليمية ودولية معينة، بعد أحداث 7 مايو 2008، عندما وضع يده بالقوة على القرار في لبنان، حاول استبدال اتفاق الدوحة باتفاق الطائف»، موضحاً أن «اتفاق الطائف قام على مبدأ العيش المشترك الإسلامي - المسيحي، في حين جاء اتفاق الدوحة ليكرّس الثلث المعطل وحق (الفيتو) داخل مجلس الوزراء، بما أتاح لفريقٍ تعطيل القرار السياسي».

وأضاف أن «طاولات الحوار التي انعقدت لاحقاً برعاية رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، والتي كان من المفترض أن تشارك فيها أيضاً جهات عربية لكنها لم تشارك، تحوّلت إلى حوارات هدفها تكريس أمر يتناقض مع الدستور واتفاق الطائف، وهو حق فريق لبناني في الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل».

ووصف الحوارات اللاحقة، ومنها «إعلان بعبدا»، بأنها «شكلية»، معتبراً أنها «لم تتمكن من تغيير موازين القوى أو إعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة». وفي شأن الحوار الثنائي في عين التينة، قال إن «الفكرة التي انطلق منها الحوار كانت تجنيب لبنان تداعيات الاحتقان السني - الشيعي، بعدما أصبحت المنطقة على صفيح ساخن مذهبياً، وكان المطلوب تفادي انتقال هذه المأساة إلى الداخل اللبناني».

وأضاف أن «أي تجربة حوارية جمعت أطرافاً لا تحمل السلاح، مثل (القوات اللبنانية) و(الحزب التقدمي الاشتراكي) و(حركة أمل) و(تيار المستقبل)، مع الفريق الذي يحمل السلاح؛ أي (حزب الله)، كانت في نهاية المطاف لمصلحة الحزب داخل لبنان».

وشدد على أن «أي حوار مع (حزب الله) اليوم، من جانب الجمهورية اللبنانية، يجب أن يكون في حقيقته حواراً بين الجمهورية اللبنانية وإيران، وليس إعادة إنتاج لطاولة حوار داخلية»، معتبراً أن «الحزب لا يملك حرية اتخاذ قرار الحوار؛ لأن قراره موجود في إيران».

 

برّي والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى القرار التنفيذي

رأت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري أن فكرة «الاستراتيجية الدفاعية» التي طُرحت لمناقشة سلاح الحزب تحولت إلى «اللاقرار وعملية شراء الوقت وتأجيل حسم الدولة»، معتبرة أن الخطأ الأساسي كان في إحالة مسألة أمنية تخص الدولة إلى طاولة تجمع قادة الأحزاب والزعامات الطائفية.

وشددت لـ«الشرق الأوسط» على أن «الاستراتيجية الدفاعية تضعها الدولة اللبنانية ومؤسسات الدولة اللبنانية، وليس الأحزاب»، موضحة أن تحديدها يقع ضمن صلاحيات السلطات الدستورية ووزارة الدفاع وقيادة الجيش، وأن مناقشة الأمن القومي بين القوى السياسية بدلاً من المؤسسات المعنية تمثل «عملية لشراء الوقت والتهرب من تحمل المسؤولية».

وقالت إن الحزب «لم يكن لديه أي مشكلة في الحديث عن السلاح، وفي الحديث عن (الاستراتيجية الدفاعية)، بطاولات حوار، بل كان يشجع النقاش ويقدم تصورات تعتبر سلاحه جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دفاعية، وتنسق المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة معه بما يتوافق مع مصالحه». ورأت أن الوثائق ساعدته على تحسين صورته وإظهار الانفتاح على الدولة؛ لأنه «ما دام هناك اعتراض لفظي فقط لا غير، لم يكن الحوار يشكل مشكلة له».

ولفتت إلى أن «البيانات الوزارية المتعاقبة وفرت للحزب غطاءً سياسياً لسلاحه تحت عنوان (المقاومة)، في حين أن اليوم تجاوزت قرارات حكومة نواف سلام الخط الأحمر في علاقته بالدولة، فالسلطة السياسية أخذت قراراً تنفيذياً ولو أنه لم يطبق، مع ضرورة الفصل بين دلالة القرار وإمكان تنفيذه».

وربطت الحريري ذلك بتصاعد هجوم الحزب على الحكومة واتهامه خصومه بالتعاون مع إسرائيل، قائلة إنه يشترط، بحسب قراءتها، التراجع عن قرارَي الخامس والسابع من أغسطس المتعلقين بحصرية السلاح، وعن قرار حظر نشاطه العسكري، قبل استئناف الحوار.

ورأت أن القبول بتلك الشروط سيعيد الحوار إلى «نقاشات طويلة عن (الاستراتيجية الدفاعية) من دون تقدم عملي»، وانتقدت الاكتفاء بتعابير «(حصر السلاح) و(تجميد السلاح) و(احتواء السلاح) إذا لم تقترن بخطوات تنفيذية». وخلصت إلى أن «الحزب يريد مناقشة دمج سلاحه ضمن منظومة الدولة مع الاحتفاظ بسلطة (حزب الله) على هذا السلاح وبقراره في استخدامه، بدلاً من نقل القرار العسكري بصورة حصرية إلى المؤسسات اللبنانية».