البرهان: لا نريد سلاماً يعيدنا إلى ما قبل الحرب

رفض أي تدخلات من الاتحاد الأفريقي في الشأن السوداني

البرهان لدى زيارته السبت معسكراً للجيش في مدينة الدمازين جنوب غربي السودان (موقع مجلس السيادة على «فيسبوك»)
البرهان لدى زيارته السبت معسكراً للجيش في مدينة الدمازين جنوب غربي السودان (موقع مجلس السيادة على «فيسبوك»)
TT

البرهان: لا نريد سلاماً يعيدنا إلى ما قبل الحرب

البرهان لدى زيارته السبت معسكراً للجيش في مدينة الدمازين جنوب غربي السودان (موقع مجلس السيادة على «فيسبوك»)
البرهان لدى زيارته السبت معسكراً للجيش في مدينة الدمازين جنوب غربي السودان (موقع مجلس السيادة على «فيسبوك»)

رفض قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، السبت، أي تدخلات خارجية من قبل الاتحاد الأفريقي، مؤكداً أنه لا يرفض السلام، لكن لا يريد سلاماً يعيد الأوضاع إلى ما قبل نشوب الحرب في السودان بين جيشه وقوات الدعم السريع.

وتفجرت أزمة دبلوماسية حادة بين الخارجية السودانية، والاتحاد الأفريقي، خلال الأيام الماضية، على خلفية حرب بيانات و«مخاشنات» كلامية، دارت بينهما، إثر لقاء أجراه رئيس المفوضية الأفريقية موسى فقي مع مسؤول من قوات الدعم السريع، عدته الخرطوم سابقة سيئة، واعترافاً من الأفريقي بشرعية «ميليشيا متمردة»، متهمة فقي بـ«ازدواجية المعايير»، فيما وصف متحدث باسم الاتحاد الأفريقي لغة البيانات السودانية بأنها «منحطة»، رافضاً التوقف عن الاتصالات مع الأطراف السودانية، التي تهدف إلى إيقاف الحرب.

وقال البرهان خلال زيارته السبت قاعدة عسكرية بولاية النيل الأزرق، جنوب غربي البلاد، إن بلاده يمكن أن تستغني عن مساعدة الاتحاد الأفريقي إذا استمر بذات النهج، «مطالباً إياه بتصحيح موقفه وموقف منسوبيه».

وأضاف: «ليس مسموحاً للاتحاد الأفريقي بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلادنا»، مؤكداً أن مجلس السيادة الانتقالي الذي يرأسه «لا يرفض السلام»، لكن «ليس سلاماً يعيدنا إلى ما قبل 15 أبريل (نيسان) (تاريخ نشوب الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع)»، وشدد قائلاً: «لا نرفض السلام، ونظرتنا أنه سيأتي بعد التخلص من كل من يحاول تكوين جيش آخر، ويعتدي على الآخرين، ويعمل للسيطرة على الدولة، بوسائل غير مشروعة». وتابع قائلاً إن رسالتنا للاتحاد الأفريقي «إذا كان هذا نهجكم فنحن في غنى عن مساعدتكم». وأضاف: «لو انحرفت منظمة الإيغاد (الهيئة الحكومية للتنمية) عن مسارها، فنحن السودانيين قادرون على حل مشاكلنا دون الحاجة لأحد».

النفايات تنتشر في أحياء الخرطوم جراء الحرب الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ ما يقرب من 5 أشهر (أرشيفية)

وذكر البرهان أن بعض منظماتنا الإقليمية لم تتمكن من النظر للأزمة بشكل صحيح. وقال إنه لا يرفض السلام، والدليل على ذلك قبوله كثيراً من المبادرات، بما فيها منبر «جدة»، بيد أنه قطع بعدم القبول بسلام يعيد البلاد إلى ما قبل 15 أبريل الماضي.

ودعا البرهان إلى تصنيف «ميليشيا» قوات الدعم السريع جماعة إرهابية، وأضاف: «نحن شهود على جرائمها التي استعانت فيها بمرتزقة من كل الجنسيات». وجدّد الدعوة لـ«الحركة الشعبية شمال – فصيل عبد العزيز آدم الحلو»، و«مجموعة القائد جوزيف توكا» باللحاق بركب السلام. ودخل الفصيلان المتمردان في مواجهات عسكرية مع الجيش في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق خلال الفترة الماضية.

تجدد اشتباكات الفاشر

في موازاة ذلك، اندلعت اشتباكات عنيفة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وسط أنباء عن وقوع إصابات بين المدنيين. وقالت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر في موقع «فيسبوك»: «تجددت الاشتباكات شمال المدينة، واستخدمت فيها جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة»، مضيفة أن حالة من الهلع والتوتر تسود أوساط المواطنين في المناطق الشمالية والشرقية التي توجد فيها قوات الدعم السريع.

صورة من الدمار الذي خلّفه القتال في الفاشر عاصمة شمال دارفور مطلع سبتمبر (أ.ف.ب)

وأفاد شهود عيان بأن قوات الدعم السريع شنت هجوماً من عدة اتجاهات استهدف عدداً من الأحياء وسوق المدينة. وكانت الفصائل المسلحة الموقعة على اتفاقية «جوبا للسلام» 2020 نشرت قوات مشتركة في الفاشر لتأمين وحماية المدنيين. من جانب آخر، قال سكان إن اشتباكات وتبادلاً للقصف المدفعي بين الجيش وقوات الدعم السريع دارت في أحياء مدينة أمدرمان القديمة. وتفيد أنباء عن شنّ قوات الدعم السريع هجوماً على معسكر للجيش السوداني بمنطقة حطاب بمنطقة الحاج يوسف، شرق النيل.

عرقلة المساعدات

بدورها، اتهمت قوات الدعم السريع، في بيان، السبت، فلول النظام المعزول بنهب المساعدات الإنسانية في مدينة بورتسودان، شرق البلاد، وإعاقة وصولها إلى الخرطوم ودارفور وكردفان. وجاء البيان رداً على تحذيرات أطلقها حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوى، متهماً بعض جهات لم يسمّها بمحاولة عرقلة وصول المساعدات الإنسانية لإقليم دارفور الذي يواجه مواطنوه ظروفاً إنسانية صعبة. وقالت إن وفدها في مفاوضات «جدة» تقدم بطلب «للمسهلين» السعودية وأميركا والمنظمات الإنسانية بضرورة إيصال المساعدات مباشرة إلى تلك المناطق، مضيفاً: «أكدنا استعدادنا للتعاون بفتح مطارات الفاشر ونيالا والجنينة بدارفور ومطار الأبيض بشمال كردفان، لكن قادة الجيش رفضوا ذلك بحجج واهية». وحذّر «الدعم السريع» بشدة من محاولات عناصر النظام السابق استغلال ملف المساعدات الإنسانية لتبرير وتوسيع دائرة الحرب.


مقالات ذات صلة

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

شمال افريقيا جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

واصل الجيش المصري نشر سلسلة مرئية تتضمن شهادات بشأن ضبط الحدود الجنوبية، ومواجهة الخارجين على القانون، لا سيما من عناصر التنقيب غير الشرعي عن الذهب.

محمد محمود (القاهرة)
خاص منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

خاص المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

مع ارتفاع تعريفة المواصلات وتراجع الدخول، والبطالة، تجد آلاف الأسر نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين دفع أجرة التنقل، أو توفير احتياجات أساسية؛ مثل الغذاء والدواء.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

اتهامات إثيوبية لمصر بشأن «سد النهضة» تعمّق الأزمة

اتهامات إثيوبية جديدة توجه لمصر بشأن حديث القاهرة المستمر عن «أحادية الإجراءات» التي تتخذها أديس أبابا حول تشغيل وملء «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

فرضت بريطانيا، الخميس، حزمة عقوبات جديدة استهدفت شبكات تجارة الذهب مرتبطة بالجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سودانية في مخيم الحمانية للنازحين في مدينة العبيد جنوب منطقة كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«مُسيَّرات» تستهدف مدينة الدبة بشمال السودان

شنّت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، مساء الأربعاء، هجمات على مواقع مختلفة في مدينة الدبة شمال السودان، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء بالكامل عن المدينة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
TT

الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

أثار إعلان سياسيين وناشطين ليبيين خلال اجتماع عُقد في جنيف، الجمعة، اختيار مصطفى المجدوب رئيساً لما وصفوه بـ«حكومة ليبية موحدة»، موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك في الأوساط السياسية الليبية، في حين أوضح القائمون على المبادرة أنها «مسعى ليبي خالص لإنهاء الانقسام السياسي».

وجاء الإعلان عبر ما سُمي بـ«ملتقى الحوار السياسي» بعيداً عن المسارات الأممية، قبل أن تنتشر صور الاجتماع ومقاطع مصورة منه داخل ليبيا، لتتحول المبادرة سريعاً إلى محور للنقاش وحتى السخرية، وسط تساؤلات عن شرعيتها، وإمكانية تحولها إلى واقع سياسي.

المجدوب خلال «ملتقى جنيف» الجمعة (صفحة آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

غير أن المجدوب، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من جنيف، السبت، قال إنه يتقبل الانتقادات، بما فيها تلك التي وصفها بـ«اللاذعة»، معتبراً أنها «تأتي في إطار الممارسة الديمقراطية وروح التفاهم، ولا تمثل سبباً للتراجع عن المبادرة، أو وقف التحركات الرامية إلى تسويقها سياسياً داخل ليبيا».

وشدد المجدوب على تمسكه بالمضي في تنفيذ المبادرة، مشيراً إلى أنه أجرى اتصالات مع أعضاء في مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة»، إلى جانب شيوخ قبائل وممثلين عن مكونات اجتماعية، بهدف بناء توافق أوسع حولها، وقال إن الساعات المقبلة «ستشهد مفاجآت» تتعلق بمسار المبادرة، وما ستسفر عنه من اتصالات وتحركات جديدة.

انتقادات واسعة للمبادرة

بحسب مطلقي المبادرة، فإن الملتقى يمثل «مبادرة ليبية خالصة» شارك في إطلاقها نحو 60 شخصية من الأقاليم التاريخية الثلاثة، وتضم ممثلين عن أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقيادات اجتماعية وقبلية، وتهدف إلى التوصل إلى «حل ليبي - ليبي» للأزمة السياسية، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، وهو ما كرره المجدوب في حديثه.

وأوضح المجدوب أن اختياره رئيساً للمجلس الرئاسي المقترح جاء في إطار تصور يستلهم تجربة المجلس الرئاسي السابق، برئاسة فائز السراج، الذي جمع بين رئاسة المجلس والحكومة، معتبراً أن هذه الخطوة تستهدف «إعلاء الحل الليبي»، بوصفها امتداداً لمبادرات عدة طُرحت خلال السنوات الماضية لإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات.

في المقابل، قوبلت هذه المبادرة واختيار المجدوب رئيساً بانتقادات واسعة من شخصيات سياسية وبرلمانية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رأت أنها تفتقر إلى أي سند سياسي أو قانوني أو دستوري.

وشكك عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي في آلية الاختيار عبر دعوة ساخرة إلى اجتماع «سري»، في حين اعتبر عضو «النواب» سعيد مغيب أن سهولة إعلان الحكومات قد تدفع أي مدينة ليبية إلى عقد حوار مماثل لتشكيل حكومة جديدة.

أما رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس انتصار القليب، فقد تساءلت عن الجهة التي منحت المجدوب هذا التفويض، في حين رأى رئيس حزب «صوت الشعب» فتحي الشبلي أن «الشرعية لا تُكتسب بالإعلانات أو شركات العلاقات العامة، بل عبر الإرادة الشعبية والمسارات الدستورية المعترف بها».

ومن زاوية قانونية، حذر أستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني من أن تشكيل حكومة من دون سند قانوني قد يعرّض القائمين عليها للمساءلة، إذا اعتُبر إنشاءً لسلطة موازية، أو مساساً بنظام الحكم.

من جهته، اكتفى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة بالتعليق قائلاً: «من ليبيا يأتي الجديد».

نأي أممي

في خضم هذا الجدل، سارعت بعثة الأمم المتحدة إلى النأي بنفسها عن المبادرة، وقال المتحدث باسمها محمد الأسعدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ليست لنا أي صلة بهذا الحديث». لكن المجدوب رد بالقول إن مهمة البعثة الأممية تتمثل في دعم الحل السياسي، وليس فرض حلول على الليبيين، معرباً عن استغرابه مما وصفه بـ«ازدواجية المعايير»، وتساءل عن سبب التحفظ على مبادرة ليبية، وهو ما لا ينطبق على المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتقوم مبادرة بولس، بحسب ما هو متداول، على تصور لتقاسم السلطة بين الأطراف الرئيسية الليبية، وفق تسريبات بهذا الشأن.

ووفق السيرة الذاتية المنشورة للمجدوب، فإنه يبلغ من العمر 46 عاماً، ويحمل درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة شريف هداية الله الإندونيسية، إضافة إلى درجتَي ماجستير في القانون والاقتصاد، كما شارك في برامج تدريبية متخصصة في القضاء وحقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة.

غير أن الجدل حول المبادرة تزامن مع إعادة تداول مقاطع مصورة للمجدوب خلال قيادته إحدى المجموعات المسلحة أثناء حرب طرابلس بين عامَي 2019 و2020، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول خلفيته، ودوره خلال تلك المرحلة، ومدى انعكاس ذلك على صورته السياسية الحالية.

ورد المجدوب على ذلك بالقول إنه أدى «دوراً في مرحلة كانت فيها العاصمة، مسقط رأسه، تتعرض لهجوم»، مضيفاً أن البلاد انتقلت (اليوم) إلى مرحلة المصالحة، وأن «صفحة الماضي طُويت»، ومبرزاً أن الأولوية باتت لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، بدلاً من استدعاء أحداث الماضي.

وكشف المجدوب أيضاً أنه عقد لقاءً مع رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق أول خالد حفتر في يونيو (حزيران) الماضي «تناول أهمية تجاوز خلافات الماضي، والانخراط في جهود تستهدف توحيد البلاد ودفعها نحو الاستقرار».

وفي معسكر المجدوب كان السياسي الليبي عبد الحكيم بعيو، الذي قال إنه حضر إلى جنيف للتأكيد على أن ليبيا ليست ملفاً تتقاسمه الدول، وإنما دولة ذات سيادة، يجب أن يكون قرارها نابعاً من إرادة أبنائها، مؤكداً أن المبادرة «وطنية خالصة»، ولا تقف وراءها أي دولة أو جهة خارجية.

تأييد حزبي

أعلن تحالف حزبي يسمي نفسه «الحراك الوطني للأحزاب الليبية» تأييده لهذه الخطوة، ودعا جميع القوى السياسية والوطنية ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني إلى دعمها، والتعاون من أجل إنجاحها، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة.

رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» الليبية السابقة فائز السراج (أرشيفية - رويترز)

ورغم محاولات منظمي المبادرة تقديمها بوصفها مساراً وطنياً بديلاً، فإن دبلوماسيين ومحللين ليبيين رأوا أنها تفتقر إلى مقومات التحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ.

وقال الدبلوماسي الليبي محمد المرداس لـ«الشرق الأوسط» إن ما جرى يمثل «قفزة في الهواء»؛ لأنه يفتقد الحاضنة الشعبية الحقيقية، وديناميات القوة على الأرض، فضلاً عن الغطاء الدولي الذي ارتبط بالحكومات الليبية المتعاقبة منذ توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015.

من جهته، قال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ إن أي مجموعة يمكنها إعلان نفسها حكومة أو سلطة، لكن السؤال الحقيقي يبقى حول قدرتها على اكتساب الشرعية، والتأثير في الواقع السياسي.


المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
TT

المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

أعلنت المحكمة الدستورية في الجزائر، اليوم (السبت)، النتائج النهائية والرسمية للانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) 2026، والتي كرَّست الخريطة السياسية الجديدة لـ«المجلس الشعبي الوطني» وهو الغرفة البرلمانية السفلى للبرلمان. وحافظت «جبهة التحرير الوطني» على الريادة، بينما تمَّ نزع عدد من المقاعد لحزب «جبهة المستقبل»، الذي ينتمي للغالبية الرئاسية.

رئيس البلاد خلال التصويت في الانتخابات (رئاسة الجمهورية)

أظهرت النتائج المحيّنة للانتخابات تعديلات طفيفة في بورصة المقاعد، مقارنة بالأرقام الأولية التي أعلنتها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، غير أنَّ هذه التغييرات الجزئية لم تؤثر على الترتيب العام للتشكيلات السياسية، التي حافظت على مواقعها في الخريطة النيابية الجديدة.

وبناءً على المعطيات الجديدة التي قدَّمتها، اليوم (السبت)، رئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، فقد حافظ حزب «جبهة التحرير الوطني» على صدارة البرلمان بـ91 مقعداً (بعد أن كانت 90 مقعداً)، في حين استقرَّ «التجمع الوطني الديمقراطي» في المركز الثاني بـ74 مقعداً (مقارنة بـ73 سابقاً)، وتلتهما «جبهة المستقبل» التي تمكَّنت من حصد 56 مقعداً (بدل 59 مقعداً).

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة (هيئة الانتخابات)

تصحيح التجاوزات

في الوقت الذي تراجعت فيه كتلة المستقلين لتستقر عند 33 مقعداً، سجَّل حزب «صوت الشعب» تقدماً طفيفاً ببلوغه 16 مقعداً. وفي مؤخرة الترتيب، تكرَّس عجز حزب «جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض) عن بلوغ النصاب القانوني لتشكيل كتلة نيابية (المحدد بـ15 مقعداً)، وذلك باكتفائه بـ12 مقعداً، تلاه حزب «الفجر الجديد» بـ6 مقاعد، بينما حصل «حزب العمال» على 3 مقاعد برلمانية.

أمين حزب «جبهة التحرير الوطني» صاحب الريادة في البرلمان (إعلام حزبي)

وعلى صعيد تمثيل الفئات الخاصة داخل قبة البرلمان، أفادت معطيات المحكمة الدستورية بأنَّ المترشحين الشبان، الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، نجحوا في افتكاك 126 مقعداً، وهو ما يمثل نسبة 30.96 في المائة من إجمالي الفائزين، في حين نالت النساء 25 مقعداً، بنسبة بلغت 6.14 في المائة. كما تميَّزت تشكيلة البرلمان الجديد بحضور قوي للكفاءات العلمية، حيث حاز 312 نائباً على مستوى تعليمي جامعي، أي ما يعادل 76.55 في المائة من قوام الغرفة السفلى.

وأفادت رئيسة المحكمة الدستورية بأنَّ هذه النتائج هي باكورة تحقيق وتدقيق في صحة حصيلة العملية الانتخابية، وضبط إعادة صياغة محاضر فرز الأصوات من طرف خبراء المحكمة الدستورية.

رئيسة المحكمة الدستورية مع رئيس سلطة الانتخابات بالنيابة (المحكمة الدستورية)

وأفادت عسلاوي، في معرض إعلانها النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، بإلغاء آلاف الأصوات التابعة لقوائم ترشيحات «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، وحزب «الوحدة الوطنية»، إثر تسجيل «خروقات مؤثرة» مسَّت سلامة العملية الانتخابية في كثير من مكاتب ومراكز التصويت، عبر ولايات الجزائر العاصمة، والبويرة، ووهران، والجلفة، وباتنة، وبجاية.

وأوضحت مسؤولة الهيئة الدستورية أنَّها رصدت تجاوزات مسَّت بسلامة الاقتراع، وتصدَّرتها الدائرة الانتخابية للعاصمة، حيث قضت بإلغاء أصوات قائمة «جبهة المستقبل» في 57 مكتب تصويت، تركَّزت أهمها في بلدية بوروبة، إلى جانب إلغاء أصوات «التجمع الوطني الديمقراطي» في مكاتب عدة أخرى.

وفي ولاية البويرة، طال قرار الإلغاء أصوات قوائم «جبهة المستقبل» في مراكز ومكاتب تصويت متفرقة، عبر بلديات بئر غبالو، والقادرية، والجباحية، وعين بسام، والأخضرية، وسور الغزلان.

أما في ولاية الجلفة، فقد قرَّرت المحكمة إلغاء أصوات قائمة «حزب الوحدة الوطنية»، وكذا أصوات قائمة «التجمع الوطني الديمقراطي» في مكاتب التصويت التابعة لبلدية حاسي بحبح كافة، بالإضافة إلى إلغاء أصوات «جبهة التحرير الوطني» في مراكز انتخابية عدة ببلدية عين وسارة.

وفي غرب البلاد، وتحديداً بولاية وهران، فقد شملت القرارات إلغاء أصوات حزب «صوت الشعب» في 20 مكتباً ببلدية بن فريحة.

وسيرفع الستار رسمياً عن تفاصيل النتائج النهائية مصحوبة بجداولها الملحقة، عبر صدورها في الجريدة الرسمية، على أن يتم تبليغ نسخة منها مباشرة إلى كل من رئيس «المجلس الشعبي الوطني»، ورئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات».

تكريس «الولاء الرئاسي»

طبعت هذا الاستحقاق الانتخابي نسبة مقاطعة مرتفعة، حيث استقرَّت النسبة النهائية للمشاركة عند حدود 21.24 في المائة داخل البلاد (مقارنة بـ20.79 في المائة في النتائج الأولية)، في حين بلغت نسبة تصويت الجالية الوطنية بالخارج 10.75 في المائة.

ومن بين كتلة ناخبة قوامها 24.7 مليون مسجل، أدلى 5.16 مليون ناخب بأصواتهم، في عملية شهدت تسجيل رقم لافت للأوراق الملغاة، تجاوز عتبة 920 ألف صوت (موزعة بين 910230 ورقة ملغاة في الداخل و12630 في الخارج)، ليبلغ بذلك إجمالي الأصوات المعبّر عنها 4.23 مليون صوت.

أعضاء المحكمة الدستورية (المحكمة الدستورية)

وفي توزيع الحصص، تقاسمت كتل الأحرار و22 حزباً سياسياً مقاعد الغرفة السفلى للبرلمان، البالغ مجموعها 407 مقاعد (منها 395 مقعداً مخصصاً للدوائر المحلية و12 مقعداً للمغتربين). ولم تحل هذه النتائج دون استمرار التوازنات العامة للخريطة النيابية السابقة من غير تعديل جذري؛ إذ أفرزت صناديق الاقتراع أغلبية نيابية صريحة، مشكّلة من الأحزاب الموالية لسياسة الرئيس عبد المجيد تبون، وهي معطيات تفيد، استناداً لأحكام دستور 2020، بأن رئيس الدولة سيتجه نحو تعيين «وزير أول» لإدارة الجهاز التنفيذي، بدلاً من «رئيس حكومة».


مصر: حيرة «تضرب» صغار المستثمرين بعد ارتباك الذهب والدولار والعقار

الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)
الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)
TT

مصر: حيرة «تضرب» صغار المستثمرين بعد ارتباك الذهب والدولار والعقار

الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)
الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)

مع عودته من الولايات المتحدة لقضاء عطلة قصيرة في مسقط رأسه بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، ضربت الحيرة رأس المصري محمد طه؛ فمع رغبته في استثمار أمواله، لجأ إلى استشارة دائرة الأقارب والأصدقاء متسائلاً: «كيف أستثمر أموالي؟»، ليجد أن الإجابات لديهم مُشوّشة بين الدولار والذهب والعقار، وهي الأوعية التي يفضّلها المصريون للمحافظة على قيمه مدخراتهم من الانخفاض.

فبين إجابات حذَّرته من اللجوء إلى الدولار كونه «كل ساعة بحال»، أي متقلِّب، وتخويفه من الذهب «لأنه وصل إلى أقل سعر»، ونصائح بتمهله في اللجوء إلى العقارات «ذات الأسعار المرتفعة للغاية حالياً»، تولدت الحيرة في عقل الشاب الأربعيني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الرؤية غير واضحة لاتخاذ قرار صحيح».

وتمر مصر بظرف نادر، يجد فيه بعض الميسورين أنفسهم في حيرة إثر سؤال «أين أضع مدخراتي؟»، إذ بدت الإجابة عنه صعبة في الشهور الأخيرة، لكون المسارات الثلاثة، التي اعتاد صغار المستثمرين في مصر اللجوء إليها، غلب عليها الاضطراب، وتحولت الرؤية بصددها إلى غائمة.

ففي ظل توترات سياسية ومتغيرات اقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، مع حرب أميركا وإسرائيل على إيران، تمر المسارات الثلاثة بحالة من الارتباك، وهو ما انعكس على الأمان الاستثماري الذي يبحث عنه المواطن المصري.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

وشهدت أسعار الذهب في السوق المحلية تراجعاً حاداً خلال يونيو (حزيران) الماضي، بعد تسارع كبير خلال مارس (آذار)، وصل فيه إلى أعلى مستوياته، إذ وصل سعر غرام المعدن الأصفر عيار 21 (الأكثر تداولاً) إلى 7660 جنيهاً (الدولار يساوي 50.5 جنيه)، قبل أن تتغير اتجاهات الأسواق مع تطورات الأحداث، وارتفاع أسعار النفط، وهو ما عزز الطلب على الدولار، ليصل سعره السبت إلى 50.50 جنيه.

ومنذ اندلاع الحرب، سجل سعر الدولار مستويات قياسية في مصر تجاوزت 54 جنيهاً، بعد أن كان يتم تداوله في مستوى 47 جنيهاً قبل الحرب، فيما تم تداوله على مدى الشهرين الأخيرين عند مستوى 49 جنيهاً، قبل أن يتجاوز الأيام الأخيرة حاجز الـ50 جنيهاً.

أما العقارات، فشهدت ارتفاعات في أسعارها، لا يربطها خبراء القطاع بزيادة الطلب، وإنما بارتفاع تكلفة البناء والتشييد بسبب الحرب، وسط حديث يتراوح بين التأكيد والنفي حول وجود «فقاعة عقارية».

ومع ما تشهده المسارات الثلاثة؛ لم يعد غريباً أن تتكرر حيرة «طه» لدى عشرات غيره، إذ لا يمر يوم إلا ويطرح رواد منصات التواصل الاجتماعي في مصر السؤال المعتاد عن أيها الأفضل حالياً، ليبدأ «أنصار» كل مسار بعرض نصائحهم وانتقاداتهم، فمن يتحيز للذهب يراهن على أنه في «آخر 20 سنة زاد ضعف العقار»، فيما يرى منتقدوه أنه «طالع نازل»، (متقلب)، بينما يرى «أنصار العقار» أنه «حصن قوي يحفظ قيمة المدخرات»، مقابل ما يراه المنحازون إلى الدولار من أنه يظل دائماً أداة تحوّط قوية.

وهي الحالة التي يراها الخبير الاقتصادي، الدكتور أشرف غراب، «طبيعية» نتيجة التوترات والاضطرابات الجيوسياسية الراهنة، مؤكداً «أن حالة الحيرة التي تسيطر على صغار المستثمرين في مصر مؤقتة، ولا تعكس تغيراً هيكلياً دائماً في السوق».

ويؤكد غراب لـ«الشرق الأوسط»، أن المسارات الثلاثة «الذهب والدولار والعقار أصبحت إمّا مغلقة، وإما أن الرؤية بشأنها غير واضحة حالياً، وهذا يرجع لتذبذب الأسعار العالمية للذهب، وإجراءات ضبط سوق الصرف محلياً، وارتفاع أسعار العقار وتكاليف البناء».

ويشير إلى أن الذهب يشهد تذبذباً حاداً عالمياً ومحلياً بفعل سياسات «الفيدرالي الأميركي» والتوترات الجيوسياسية، إضافةً إلى ارتباطه بسعر الصرف في مصر. أما الدولار، فبعد توحيد سعر الصرف وتوفره في البنوك، باتت المضاربة عليه صعبة، إذ يستهدف «البنك المركزي المصري» استقرار السوق ومنع القفزات الكبيرة التي كانت تجذب المواطنين للاستثمار فيه.

ويوضح غراب أن العقار لم يعد استثماراً سريع العائد كما كان، بل تحول إلى مجرد «تخزين قيمة»، فارتفاع أسعار مواد البناء جعل الشقق أغلى بكثير، بينما العائد منها ضعيف، يضاف إلى ذلك، زيادة المعروض وتراجع الطلب الفعلي، مما أدى إلى تباطؤ حركة البيع والشراء.

العقارات في مصر شهدت ارتفاعات أخيرة بأسعارها نتيجة زيادة تكلفة البناء (وزارة الإسكان المصرية)

بدوره، أوضح الخبير المالي والاقتصادي الدكتور ياسر حسين لـ«الشرق الأوسط»، أن التضخم أدى إلى تآكل المدخرات لدى كثير من المصريين، مما يفرض ضرورة إعادة توجيهها نحو الاستثمار بدلاً من تركها تتراجع في قيمتها، لافتاً إلى «أن الحل تجاه ما تشهده الأسواق، يكمن في تنويع الاستثمار، حتى لو كان بسيطاً أو محدوداً، لضمان الأمان المالي والتحوط ضد تقلبات الأسواق على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة».

وسجلت معدلات التضخم في مصر تباطؤاً للشهر الثالث على التوالي في يونيو (حزيران) الماضي، بعدما سجل معدل التضخم السنوي في المدن 14.3 في المائة مقارنةً بـ14.6 في المائة في الشهر السابق، وفق بيانات رسمية.

وأضاف الخبير المالي أن القاعدة المعروفة «لا تضع البيض في سلة واحدة يجب أن تكون البوصلة في هذه المرحلة»، مبيناً أن أبرز فرص الاستثمار في المرحلة المقبلة «تتمثل في سوق الأسهم المصرية، التي تشهد نشاطاً متزايداً مع توقع دخول شركات جديدة، إضافةً إلى شهادات الاستثمار البنكية التي توفر عوائد مرتفعة سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية، وكذلك إمكانية الاستثمار في الصكوك والسندات، بوصفها أدوات آمنة نسبياً».

في المقابل، حذّر حسين من الاستثمار في العملات الأجنبية، موضحاً أن «تحرير سعر الصرف والقضاء على السوق السوداء للعملة جعلا هذا الاستثمار عالي المخاطر».

Your Premium trial has ended