مع عودته من الولايات المتحدة لقضاء عطلة قصيرة في مسقط رأسه بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، ضربت الحيرة رأس المصري محمد طه؛ فمع رغبته في استثمار أمواله، لجأ إلى استشارة دائرة الأقارب والأصدقاء متسائلاً: «كيف أستثمر أموالي؟»، ليجد أن الإجابات لديهم مُشوّشة بين الدولار والذهب والعقار، وهي الأوعية التي يفضّلها المصريون للمحافظة على قيمه مدخراتهم من الانخفاض.
فبين إجابات حذَّرته من اللجوء إلى الدولار كونه «كل ساعة بحال»، أي متقلِّب، وتخويفه من الذهب «لأنه وصل إلى أقل سعر»، ونصائح بتمهله في اللجوء إلى العقارات «ذات الأسعار المرتفعة للغاية حالياً»، تولدت الحيرة في عقل الشاب الأربعيني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الرؤية غير واضحة لاتخاذ قرار صحيح».
وتمر مصر بظرف نادر، يجد فيه بعض الميسورين أنفسهم في حيرة إثر سؤال «أين أضع مدخراتي؟»، إذ بدت الإجابة عنه صعبة في الشهور الأخيرة، لكون المسارات الثلاثة، التي اعتاد صغار المستثمرين في مصر اللجوء إليها، غلب عليها الاضطراب، وتحولت الرؤية بصددها إلى غائمة.
ففي ظل توترات سياسية ومتغيرات اقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، مع حرب أميركا وإسرائيل على إيران، تمر المسارات الثلاثة بحالة من الارتباك، وهو ما انعكس على الأمان الاستثماري الذي يبحث عنه المواطن المصري.

وشهدت أسعار الذهب في السوق المحلية تراجعاً حاداً خلال يونيو (حزيران) الماضي، بعد تسارع كبير خلال مارس (آذار)، وصل فيه إلى أعلى مستوياته، إذ وصل سعر غرام المعدن الأصفر عيار 21 (الأكثر تداولاً) إلى 7660 جنيهاً (الدولار يساوي 50.5 جنيه)، قبل أن تتغير اتجاهات الأسواق مع تطورات الأحداث، وارتفاع أسعار النفط، وهو ما عزز الطلب على الدولار، ليصل سعره السبت إلى 50.50 جنيه.
ومنذ اندلاع الحرب، سجل سعر الدولار مستويات قياسية في مصر تجاوزت 54 جنيهاً، بعد أن كان يتم تداوله في مستوى 47 جنيهاً قبل الحرب، فيما تم تداوله على مدى الشهرين الأخيرين عند مستوى 49 جنيهاً، قبل أن يتجاوز الأيام الأخيرة حاجز الـ50 جنيهاً.
أما العقارات، فشهدت ارتفاعات في أسعارها، لا يربطها خبراء القطاع بزيادة الطلب، وإنما بارتفاع تكلفة البناء والتشييد بسبب الحرب، وسط حديث يتراوح بين التأكيد والنفي حول وجود «فقاعة عقارية».
ومع ما تشهده المسارات الثلاثة؛ لم يعد غريباً أن تتكرر حيرة «طه» لدى عشرات غيره، إذ لا يمر يوم إلا ويطرح رواد منصات التواصل الاجتماعي في مصر السؤال المعتاد عن أيها الأفضل حالياً، ليبدأ «أنصار» كل مسار بعرض نصائحهم وانتقاداتهم، فمن يتحيز للذهب يراهن على أنه في «آخر 20 سنة زاد ضعف العقار»، فيما يرى منتقدوه أنه «طالع نازل»، (متقلب)، بينما يرى «أنصار العقار» أنه «حصن قوي يحفظ قيمة المدخرات»، مقابل ما يراه المنحازون إلى الدولار من أنه يظل دائماً أداة تحوّط قوية.
وهي الحالة التي يراها الخبير الاقتصادي، الدكتور أشرف غراب، «طبيعية» نتيجة التوترات والاضطرابات الجيوسياسية الراهنة، مؤكداً «أن حالة الحيرة التي تسيطر على صغار المستثمرين في مصر مؤقتة، ولا تعكس تغيراً هيكلياً دائماً في السوق».
ويؤكد غراب لـ«الشرق الأوسط»، أن المسارات الثلاثة «الذهب والدولار والعقار أصبحت إمّا مغلقة، وإما أن الرؤية بشأنها غير واضحة حالياً، وهذا يرجع لتذبذب الأسعار العالمية للذهب، وإجراءات ضبط سوق الصرف محلياً، وارتفاع أسعار العقار وتكاليف البناء».
ويشير إلى أن الذهب يشهد تذبذباً حاداً عالمياً ومحلياً بفعل سياسات «الفيدرالي الأميركي» والتوترات الجيوسياسية، إضافةً إلى ارتباطه بسعر الصرف في مصر. أما الدولار، فبعد توحيد سعر الصرف وتوفره في البنوك، باتت المضاربة عليه صعبة، إذ يستهدف «البنك المركزي المصري» استقرار السوق ومنع القفزات الكبيرة التي كانت تجذب المواطنين للاستثمار فيه.
ويوضح غراب أن العقار لم يعد استثماراً سريع العائد كما كان، بل تحول إلى مجرد «تخزين قيمة»، فارتفاع أسعار مواد البناء جعل الشقق أغلى بكثير، بينما العائد منها ضعيف، يضاف إلى ذلك، زيادة المعروض وتراجع الطلب الفعلي، مما أدى إلى تباطؤ حركة البيع والشراء.

بدوره، أوضح الخبير المالي والاقتصادي الدكتور ياسر حسين لـ«الشرق الأوسط»، أن التضخم أدى إلى تآكل المدخرات لدى كثير من المصريين، مما يفرض ضرورة إعادة توجيهها نحو الاستثمار بدلاً من تركها تتراجع في قيمتها، لافتاً إلى «أن الحل تجاه ما تشهده الأسواق، يكمن في تنويع الاستثمار، حتى لو كان بسيطاً أو محدوداً، لضمان الأمان المالي والتحوط ضد تقلبات الأسواق على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة».
وسجلت معدلات التضخم في مصر تباطؤاً للشهر الثالث على التوالي في يونيو (حزيران) الماضي، بعدما سجل معدل التضخم السنوي في المدن 14.3 في المائة مقارنةً بـ14.6 في المائة في الشهر السابق، وفق بيانات رسمية.
وأضاف الخبير المالي أن القاعدة المعروفة «لا تضع البيض في سلة واحدة يجب أن تكون البوصلة في هذه المرحلة»، مبيناً أن أبرز فرص الاستثمار في المرحلة المقبلة «تتمثل في سوق الأسهم المصرية، التي تشهد نشاطاً متزايداً مع توقع دخول شركات جديدة، إضافةً إلى شهادات الاستثمار البنكية التي توفر عوائد مرتفعة سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية، وكذلك إمكانية الاستثمار في الصكوك والسندات، بوصفها أدوات آمنة نسبياً».
في المقابل، حذّر حسين من الاستثمار في العملات الأجنبية، موضحاً أن «تحرير سعر الصرف والقضاء على السوق السوداء للعملة جعلا هذا الاستثمار عالي المخاطر».



