مصر: حيرة «تضرب» صغار المستثمرين بعد ارتباك الذهب والدولار والعقار

دعوات إلى «تنويع الاستثمار حتى لو كان بسيطاً أو محدوداً»

الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)
الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)
TT

مصر: حيرة «تضرب» صغار المستثمرين بعد ارتباك الذهب والدولار والعقار

الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)
الذهب أحد الحلول التي يلجأ إليها المصريون لحفظ مدخراتهم (شعبة الذهب والمجوهرات)

مع عودته من الولايات المتحدة لقضاء عطلة قصيرة في مسقط رأسه بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، ضربت الحيرة رأس المصري محمد طه؛ فمع رغبته في استثمار أمواله، لجأ إلى استشارة دائرة الأقارب والأصدقاء متسائلاً: «كيف أستثمر أموالي؟»، ليجد أن الإجابات لديهم مُشوّشة بين الدولار والذهب والعقار، وهي الأوعية التي يفضّلها المصريون للمحافظة على قيمه مدخراتهم من الانخفاض.

فبين إجابات حذَّرته من اللجوء إلى الدولار كونه «كل ساعة بحال»، أي متقلِّب، وتخويفه من الذهب «لأنه وصل إلى أقل سعر»، ونصائح بتمهله في اللجوء إلى العقارات «ذات الأسعار المرتفعة للغاية حالياً»، تولدت الحيرة في عقل الشاب الأربعيني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الرؤية غير واضحة لاتخاذ قرار صحيح».

وتمر مصر بظرف نادر، يجد فيه بعض الميسورين أنفسهم في حيرة إثر سؤال «أين أضع مدخراتي؟»، إذ بدت الإجابة عنه صعبة في الشهور الأخيرة، لكون المسارات الثلاثة، التي اعتاد صغار المستثمرين في مصر اللجوء إليها، غلب عليها الاضطراب، وتحولت الرؤية بصددها إلى غائمة.

ففي ظل توترات سياسية ومتغيرات اقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، مع حرب أميركا وإسرائيل على إيران، تمر المسارات الثلاثة بحالة من الارتباك، وهو ما انعكس على الأمان الاستثماري الذي يبحث عنه المواطن المصري.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

وشهدت أسعار الذهب في السوق المحلية تراجعاً حاداً خلال يونيو (حزيران) الماضي، بعد تسارع كبير خلال مارس (آذار)، وصل فيه إلى أعلى مستوياته، إذ وصل سعر غرام المعدن الأصفر عيار 21 (الأكثر تداولاً) إلى 7660 جنيهاً (الدولار يساوي 50.5 جنيه)، قبل أن تتغير اتجاهات الأسواق مع تطورات الأحداث، وارتفاع أسعار النفط، وهو ما عزز الطلب على الدولار، ليصل سعره السبت إلى 50.50 جنيه.

ومنذ اندلاع الحرب، سجل سعر الدولار مستويات قياسية في مصر تجاوزت 54 جنيهاً، بعد أن كان يتم تداوله في مستوى 47 جنيهاً قبل الحرب، فيما تم تداوله على مدى الشهرين الأخيرين عند مستوى 49 جنيهاً، قبل أن يتجاوز الأيام الأخيرة حاجز الـ50 جنيهاً.

أما العقارات، فشهدت ارتفاعات في أسعارها، لا يربطها خبراء القطاع بزيادة الطلب، وإنما بارتفاع تكلفة البناء والتشييد بسبب الحرب، وسط حديث يتراوح بين التأكيد والنفي حول وجود «فقاعة عقارية».

ومع ما تشهده المسارات الثلاثة؛ لم يعد غريباً أن تتكرر حيرة «طه» لدى عشرات غيره، إذ لا يمر يوم إلا ويطرح رواد منصات التواصل الاجتماعي في مصر السؤال المعتاد عن أيها الأفضل حالياً، ليبدأ «أنصار» كل مسار بعرض نصائحهم وانتقاداتهم، فمن يتحيز للذهب يراهن على أنه في «آخر 20 سنة زاد ضعف العقار»، فيما يرى منتقدوه أنه «طالع نازل»، (متقلب)، بينما يرى «أنصار العقار» أنه «حصن قوي يحفظ قيمة المدخرات»، مقابل ما يراه المنحازون إلى الدولار من أنه يظل دائماً أداة تحوّط قوية.

وهي الحالة التي يراها الخبير الاقتصادي، الدكتور أشرف غراب، «طبيعية» نتيجة التوترات والاضطرابات الجيوسياسية الراهنة، مؤكداً «أن حالة الحيرة التي تسيطر على صغار المستثمرين في مصر مؤقتة، ولا تعكس تغيراً هيكلياً دائماً في السوق».

ويؤكد غراب لـ«الشرق الأوسط»، أن المسارات الثلاثة «الذهب والدولار والعقار أصبحت إمّا مغلقة، وإما أن الرؤية بشأنها غير واضحة حالياً، وهذا يرجع لتذبذب الأسعار العالمية للذهب، وإجراءات ضبط سوق الصرف محلياً، وارتفاع أسعار العقار وتكاليف البناء».

ويشير إلى أن الذهب يشهد تذبذباً حاداً عالمياً ومحلياً بفعل سياسات «الفيدرالي الأميركي» والتوترات الجيوسياسية، إضافةً إلى ارتباطه بسعر الصرف في مصر. أما الدولار، فبعد توحيد سعر الصرف وتوفره في البنوك، باتت المضاربة عليه صعبة، إذ يستهدف «البنك المركزي المصري» استقرار السوق ومنع القفزات الكبيرة التي كانت تجذب المواطنين للاستثمار فيه.

ويوضح غراب أن العقار لم يعد استثماراً سريع العائد كما كان، بل تحول إلى مجرد «تخزين قيمة»، فارتفاع أسعار مواد البناء جعل الشقق أغلى بكثير، بينما العائد منها ضعيف، يضاف إلى ذلك، زيادة المعروض وتراجع الطلب الفعلي، مما أدى إلى تباطؤ حركة البيع والشراء.

العقارات في مصر شهدت ارتفاعات أخيرة بأسعارها نتيجة زيادة تكلفة البناء (وزارة الإسكان المصرية)

بدوره، أوضح الخبير المالي والاقتصادي الدكتور ياسر حسين لـ«الشرق الأوسط»، أن التضخم أدى إلى تآكل المدخرات لدى كثير من المصريين، مما يفرض ضرورة إعادة توجيهها نحو الاستثمار بدلاً من تركها تتراجع في قيمتها، لافتاً إلى «أن الحل تجاه ما تشهده الأسواق، يكمن في تنويع الاستثمار، حتى لو كان بسيطاً أو محدوداً، لضمان الأمان المالي والتحوط ضد تقلبات الأسواق على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة».

وسجلت معدلات التضخم في مصر تباطؤاً للشهر الثالث على التوالي في يونيو (حزيران) الماضي، بعدما سجل معدل التضخم السنوي في المدن 14.3 في المائة مقارنةً بـ14.6 في المائة في الشهر السابق، وفق بيانات رسمية.

وأضاف الخبير المالي أن القاعدة المعروفة «لا تضع البيض في سلة واحدة يجب أن تكون البوصلة في هذه المرحلة»، مبيناً أن أبرز فرص الاستثمار في المرحلة المقبلة «تتمثل في سوق الأسهم المصرية، التي تشهد نشاطاً متزايداً مع توقع دخول شركات جديدة، إضافةً إلى شهادات الاستثمار البنكية التي توفر عوائد مرتفعة سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية، وكذلك إمكانية الاستثمار في الصكوك والسندات، بوصفها أدوات آمنة نسبياً».

في المقابل، حذّر حسين من الاستثمار في العملات الأجنبية، موضحاً أن «تحرير سعر الصرف والقضاء على السوق السوداء للعملة جعلا هذا الاستثمار عالي المخاطر».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

العالم العربي اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

ناقش تجمع دول «الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيراه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن والمصري الدكتور بدر عبد العاطي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيريه المصري والقطري جهود دعم أمن المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي، السبت، مع نظيريه القطري والمصري، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية» الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدة ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء مصري - تشادي في ليبيا ناقش تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين (الخارجية المصرية)

مصر وتشاد تتفقان على التنسيق والتشاور لمواجهة «تحديات مشتركة»

شددت مصر وتشاد على التنسيق والتشاور المستمر، لمواجهة «تحديات مشتركة»، بما يدعم الاستقرار الإقليمي، وذلك وسط تصاعد التوترات في منطقة القرن الأفريقي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)

الأسعار في مصر صعدت مع الدولار... فهل تنخفض بتراجعه؟

أثار التعافي المحدود لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على أسعار السلع والأغذية التي شهدت ارتفاعاً في الآونة الأخيرة مع صعود الدولار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

أعادت مصر، السبت، فتح سفارتها في العاصمة الليبية طرابلس بعد إغلاقها في عام 2014 على وقع الانقسام السياسي وأعمال العنف المرتبطة به.

وافتتح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مقر السفارة، عقب وصوله إلى طرابلس في وقت سابق من اليوم حيث شارك أيضاً في دورة لتجمع دول الساحل والصحراء.

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، إن إعادة فتح مقر السفارة «يعكس عمق العلاقة والترابط التاريخي والجغرافي الذي يجمع بين الشعبين الشقيقين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي لدى إعادة افتتاح مقر سفارة بلاده في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وتسعى ليبيا إلى التعافي من الفوضى التي أعقبت إطاحة حكم معمر القذافي عام 2011.

وتتنافس حكومتان حالياً على السلطة، إحداها في طرابلس تحظى باعتراف الأمم المتحدة ويقودها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة منافسة لها في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.

ووفق بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال الاحتفال إلى ما تحمله إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية التاريخي في طرابلس من دلالة تاريخية ودبلوماسية، منوهاً بأن مواصلة استخدامه كمقر للسفارة المصرية يمنح تاريخه امتداداً حياً، يجمع بين أصالة المكان ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، وبشرى لاستئناف أداء رسالته كأحد جسور التعاون والتنسيق المتواصلين بين الدولتين الشقيقتين.

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وأضاف عبد العاطي أن هذا المبنى التاريخي يمثل جزءاً لا ينفصل عن ذاكرة مدينة طرابلس بما تتمتع به من عمق تاريخي ومكانة ثقافية، فهو شاهد على تاريخها السياسي والدبلوماسي، كما تلتقي قيمته التاريخية مع ما تحمله العلاقات المصرية - الليبية من أواصر إنسانية وثقافية راسخة. وأوضح أن المباني التاريخية لا تحفظ ملامح الماضي فحسب، بل تستحضر أيضاً ما شهدته من أحداث، وما احتضنته من لقاءات، فضلاً عما تمنحه للأجيال المتعاقبة من فرصة للتعرف على محطات من تاريخ بلادها، وعلاقاتها بالعالم.

تأتي إعادة فتح السفارة بعد أسابيع من مصادقة البرلمان الليبي في بنغازي بشرق البلاد، على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وهو ما أثار غضب القاهرة التي اعتبرت أن الاتفاقية تنتهك منطقتها البحرية.

وأعرب وزير الخارجية المصري عن الشكر والتقدير للدعم الذي قدمته الدولة الليبية وأجهزتها لإتمام أعمال صيانة وتجديد المبنى، منوهاً بأن العلاقات بين مصر وليبيا علاقات تاريخية وأخوية، لطالما استندت إلى روابط الجوار المباشر، والتشابكات الاجتماعية والثقافية، ووشائج الأخوة والمصاهرة، والمصالح المشتركة.


مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية»، الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدةً ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية، وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحفظ مصالح البلدين.

وجاء الموقف المصري على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، السبت، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء.

وترفض مصر مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، وأكدت عبر مواقف وتصريحات متعددة أن ‌التصديق ⁠على الاتفاقية ​لا يترتب عليه «أي ⁠آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على أهمية مراعاة الشواغل المصرية في مسألة ترسيم الحدود البحرية، انطلاقاً من «العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين الشقيقين، ووفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحقق مصالح البلدين الشقيقين، وهو ما تم التوافق عليه».

من جهته، أعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

وتأتي التصريحات في أعقاب موافقة مجلس النواب الليبي، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على مذكرة التفاهم الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، إلى جانب مواقف أوروبية منتقدة للاتفاق في مراحل سابقة.

وسبق أن أكد الدبيبة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حرص حكومته على مراعاة الشواغل المصرية بشأن المذكرة، وذلك بعد أيام من إعلان القاهرة رفضها تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق، بما يعكس استمرار حضور الملف في العلاقات بين البلدين.

وفي سياق متصل، تناولت مباحثات عبد العاطي والدبيبة تطورات الأزمة السياسية الليبية، إذ جدد الوزير المصري تمسك بلاده بالحل السياسي باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، من خلال حوار شامل بملكية وقيادة ليبية، يستند إلى توافق وطني واسع.

وأكد عبد العاطي، حسب البيان، ضرورة الالتزام بمرجعيات الحل السياسي، في مقدمتها اتفاق الصخيرات، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وتصون مؤسسات الدولة وتدعم توحيدها، بما يضع حداً للانقسام القائم.

وتشهد ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة، ومقرها طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تدير مناطق في شرق البلاد وأجزاء من جنوبها، ضمن نطاق نفوذ الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وضعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مسار الحوار السياسي المصغر أمام اختبار مهم، بعد التلويح بإمكانية توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية، إذا لم تحقق لجنة «4+4» تقدماً ملموساً في تنفيذ تفاهماتها، وسط استمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر التوافق على الانتخابات.

ويعكس هذا التوجه تمسّك المبعوثة الأممية هانا تيتيه بالاتفاق، الذي توصلت إليه اللجنة المصغرة في 30 أغسطس (آب) الماضي، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن «استعداد البعثة للبحث عن بدائل سياسية، إذا أخفقت الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية».

وكانت اللجنة قد توصلت، بعد أشهر من المشاورات، إلى تفاهمات بشأن المسار الانتخابي، حظيت بدعم أطراف ليبية ودولية، غير أن تنفيذها لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بمواقف المؤسسات السياسية، واستمرار الخلافات بشأن القواعد المنظمة للانتخابات والحكومة الموحدة.

وفي ختام زيارة إلى بنغازي، قالت تيتيه، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، إن البعثة تعمل مع الأطراف المعنية لاتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الاتفاق، والتوصل إلى حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات، مؤكدة مواصلة متابعة مسار «4+4»، باعتباره المدخل الحالي للعملية السياسية.

وربطت المبعوثة الأممية الخطوات المقبلة بتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ التفاهمات، محذرة من أن «عدم تحقيق النتائج المطلوبة قد يدفع البعثة إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها عقد اجتماع سياسي موسع، يضم أطرافاً تتجاوز المشاركين في الحوار المصغر».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

وحسب مراقبين «يحمل هذا التلويح رسالة إلى المؤسسات والقوى الليبية بأن استمرار الرهان الأممي على اللجنة المصغرة ليس مفتوحاً بلا سقف زمني أو سياسي»، وأن تعثر تنفيذ التفاهمات «قد يُعيد طرح فكرة توسيع قاعدة المشاركة في المفاوضات، بحثاً عن مخرج للأزمة».

وجاءت تصريحات تيتيه بعد قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، في خطوة أكدت «استمرار الدعم الدولي للمسار السياسي، وشجعت البعثة على تعزيز حضورها واتصالاتها في شرق ليبيا وجنوبها، دعماً لتوحيد المؤسسات».

وفي هذا السياق، أجرت تيتيه سلسلة لقاءات مع قيادات سياسية وعسكرية في بنغازي، ركزت على فرص تنفيذ التفاهمات الأخيرة، وتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم إجراء الانتخابات، في مسعى لتوسيع قاعدة التأييد السياسي والمؤسسي للاتفاق.

وناقشت المبعوثة الأممية مع الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما وصفته بالتقدم المحرز في إطار الحوار المصغر، والخطوات المطلوبة لتنفيذ اتفاق اللجنة المعروفة باسم «4+4»، وفق بيان صادر عن البعثة.

تيتيه خلال لقاء مع رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي الأسبوع الماضي (مجلس النواب)

كما التقت رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، في أول لقاء بينهما، وهنأته على انتخابه، مؤكدة استعداد الأمم المتحدة للعمل من كثب مع المجلس، ومختلف المؤسسات الليبية لدفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات.

وكان رئيس مجلس النواب قد دعا الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في التعامل مع الأطراف المعرقلة، مشيراً إلى أهمية توحيد المؤسسات السيادية والرقابية والقضائية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مستدامة.

وفي موازاة المسار السياسي، شملت لقاءات تيتيه اجتماعاً مع المدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، تناول فرص التعاون في مجالات التنمية المستدامة، وإعادة بناء البنية التحتية، في ظل ارتباط مشروعات الإعمار باستقرار المؤسسات وتوحيد إدارتها.

كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، واطلعت على جهود إعادة إعمار المؤسسة التعليمية، وبحثت فرص التعاون مع الأمم المتحدة والأوساط الأكاديمية الليبية. ووضعت إكليلاً من الزهور على ضريح عمر المختار، مشيدة بإرثه بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وتأتي تحركات تيتيه في بنغازي امتداداً لمشاورات أممية شملت لقاءات مع أطراف سياسية ومؤسسات ليبية، واجتماعات الحوار المصغر في لندن أخيراً، التي تناولت توسيع المشاورات بشأن توحيد المؤسسة القضائية، بما يعكس اتساع الملفات المطروحة أمام مسار التسوية السياسية.