«اتفاق السلام مع مصر» يحضر في حسابات الانتخابات الإسرائيلية

المعارضة تتحدث عن «مخاطر» بسبب حكومة نتنياهو

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

«اتفاق السلام مع مصر» يحضر في حسابات الانتخابات الإسرائيلية

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)

دخلت اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، الموقّعة عام 1979، على خط الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بعد توظيف المعارضة مخاوفها من تداعيات سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على واحدة من أكثر ركائز الاستقرار الإقليمي ثباتاً.

وتحدّثت المعارضة عن تسريبات جديدة في قضية «مستشاري نتنياهو» المتعلقة بمزاعم طال بعضها القاهرة والدوحة حول دور البلدين في غزة، وكذلك تحذيرات من انتشار الجيش المصري في سيناء، وأعربت المعارضة عن مخاوفها من تأثير تلك التسريبات على عملية السلام مع مصر.

ويرى خبير مصري مختص بالشؤون الإسرائيلية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا السجال مرتبط بالسباق الانتخابي ورسائل موجهة إلى الداخل حول دور نتنياهو في زعزعة الاستقرار الإقليمي وتوتير العلاقات مع دول الجوار، مشيراً إلى أن اتفاقية السلام لن تستطيع إسرائيل الاقتراب منها «مهما كان حجم التسريبات والأكاذيب»، مضيفاً أن الحكومة الحالية في تل أبيب تستخدم هذا الموضوع، منذ حرب غزة في 2023، في صراعها السياسي الداخلي ضد معارضيها و«مصر تعي ذلك جيداً».

ووقّع البلدان في مارس (آذار) 1979 معاهدة سلام برعاية أميركية، غير أن العلاقات الثنائية لا تزال محصورة في الجوانب الرسمية، سواء دبلوماسياً أو أمنياً، في حين اتخذت العلاقات الاقتصادية اتجاهاً تصاعدياً قبل عقدين، عندما سعت الولايات المتحدة إلى تشجيع البلدين على مزيد من التعاون، يتجاوز الجمود السياسي والرفض الشعبي المصري للتطبيع، وذلك من خلال اتفاقية إنشاء المناطق الصناعية المؤهلة في مصر (كويز) عام 2004.

مخاوف إسرائيلية

واعتبرت المعارضة الإسرائيلية أن تسريب مستشارين مقربين من نتنياهو معلومات بشأن انتشار القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء في إحدى القضايا المعروضة يعرّض معاهدة السلام مع مصر للخطر، حسب إعلام عبري.

ونقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن شخصيات من المعارضة الإسرائيلية سارعت إلى مهاجمة نتنياهو والمقربين منه على خلفية المعلومات الجديدة في القضية المنظورة أمام القضاء المعروفة باسم «قطر غيت».

ونقلت الصحيفة العبرية اتهام رئيس حزب «الديمقراطيين» يائير غولان لمستشاري نتنياهو بـ«خيانة مصالح دولة إسرائيل»، معتبراً أن نقل معلومات حساسة يمكن أن يعرّض اتفاق السلام مع مصر للخطر.

وأشارت إلى أن المعلومات الجديدة تعيد القضية إلى الواجهة السياسية والأمنية في إسرائيل، خصوصاً بسبب حساسيتها بالنسبة إلى العلاقات مع مصر ودور القاهرة في ملفات إقليمية، وعلى رأسها مفاوضات غزة والمختطفين.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور أحمد فؤاد أنور، أن المعارضة الإسرائيلية تستثمر ورقة السلام مع مصر انتخابياً، لتصوير نتنياهو باعتباره مصدر تهديد للاستقرار الإقليمي.

ويعتقد أنور أنه مع اقتراب الانتخابات سيزداد توظيف هذا الملف سياسياً، خصوصاً إذا تصاعدت المخاوف الأمنية، لكنه سيبقى في منافسة مع ملفات الحرب والاقتصاد والأمن الداخلي التي تحظى بأولوية لدى الناخب الإسرائيلي.

سجال مبكر

ومع تصاعد وتيرة الحرب في غزة كان للحديث عن اتفاقية السلام والتهديدات التي تطولها جانب كبير منذ أكتوبر 2023، حيث حذر مسؤولون وشخصيات في البلدين من انتهاكات ومطالبات بإلغاء الاتفاقية أو تجميدها.

وأكثر من مرة نشرت وسائل إعلام يمينية إسرائيلية تقارير تحريضية ضد ما تقول إنه «تعزيز ضخم للقوات العسكرية المصرية في سيناء، بما يشكل خرقاً لمعاهدة السلام بين الجانبين».

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في حوار تلفزيوني، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025: «مصر دائماً دولة كبرى وتحترم التزاماتها، ولو أبرمت معاهدة سلام مع أي دولة، بما فيها إسرائيل، فلا يمكن أن تخرق المعاهدة ما دام التزم (بها) الطرف الآخر».

وأضاف عبد العاطي، وقتها، أن العلاقة مع إسرائيل «شهدت احتقاناً شديداً بسبب حرب غزة، وترك ذلك انعكاسات على التواصل»، مشدداً على «وجود فارق بين إدارة العلاقات ومستواها وتبادلها، ومعاهدة السلام». وقال: «المعاهدة قائمة وملزمة للبلدين، والبلدان يحترمان التزاماتهما طبقاً للمعاهدة».

وأكد أنور أن قطاعاً عريضاً في إسرائيل لا يريد المساس باتفاقية السلام مع مصر، ورغم تلك السوابق التي حدثت سابقاً فإن الاتفاق استمر كونه يحمل نقطة استقرار للمنطقة لا غنى عنها لكل الأطراف، مشيراً إلى أن مصر «تعي جيداً ما يحدث، وتتوقع استمرار استخدام اتفاقية السلام ضمن الصراع السياسي (داخل إسرائيل)» من دون أن يتطور الأمر إلى أكثر من ذلك.


مقالات ذات صلة

مصر: واقعة «مديرة القليوبية» تفتح ملف «المدارس المتهالكة»

شمال افريقيا مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)

مصر: واقعة «مديرة القليوبية» تفتح ملف «المدارس المتهالكة»

كراسي متهالكة، حوائط بألوان باهتة، دورات مياه دون مياه، أدوات قديمة تكاد تنخلع أجزاؤها في أيادي مستخدميها، هذا ما كشفته الجولة الميدانية لمحافظ القليوبية في مصر

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التموين المصري خلال الإعلان عن مبادرة خفض الأسعار الأربعاء (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

الحكومة المصرية لاحتواء الغلاء بضخ «سلع مخفضة» في الأسواق

تسعى الحكومة المصرية إلى احتواء أزمة الغلاء، عبر مبادرة تمتد 6 أشهر، لـ«ضخ السلع الأساسية بأسعار مخفضة» بهدف ضبط الأسواق.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا وزارة السياحة المصرية تؤكد أن تنظيم رحلات الحج والعمرة يتم من خلال شركات السياحة المرخصة (صفحة وزارة السياحة والآثار على فيسبوك)

مصر: تحذيرات من «عروض وهمية» للحج والعمرة

حذرت الحكومة المصرية من «عروض وهمية» لرحلات الحج والعمرة تستهدف استنزاف أموال المواطنين، فيما تواصل السلطات حملاتها التفتيشية الموسعة ضد «كيانات غير شرعية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي سفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز الاثنين 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)

من «هرمز» إلى الصومال... توترات المنطقة تحاصر بحارة مصريين

تحاصر التوترات الأمنية في المنطقة بحارة مصريين في مناطق متفرقة، في وقت تحاول الجهات الحكومية الإفراج عن المختطفين قبالة السواحل الصومالية.

أحمد جمال (القاهرة)

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

في غضون 48 ساعة، أعلن السودان نتيجتين لامتحانين يحملان الاسم نفسه، «الشهادة السودانية»، نظمتهما سلطتان متحاربتان، في واحد من أوضح مظاهر الانقسام الذي نقلته الحرب من الأرض ومؤسسات الحكم إلى التعليم ومستقبل الطلاب.

ففي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، أعلنت السلطة التابعة لتحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الثلاثاء، نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية التي نظمتها في مناطق خاضعة لسيطرتها في دارفور وكردفان. والخميس، تعلن وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة في الخرطوم نتيجة امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2025 - 2026، بعدما اعتمدها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء.

والفارق بين الامتحانين كبير؛ إذ جلس لامتحانات الحكومة 559 ألف طالب وطالبة داخل السودان وخارجه، مقابل 510 آلاف قبل الحرب، بينما سجل 10 آلاف و664 طالباً لامتحانات «تأسيس»، جلس منهم 9314، لكن هذه الأرقام لا تشمل الطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء أي من الامتحانين، في بلد لا يزال فيه 8 ملايين طفل على الأقل في سن الدراسة خارج المدرسة، وفق «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)».

أطفال سودانيون نازحون في مخيم ببورتسودان حيث تشير «يونيسف» إلى أن 8 ملايين طفل خارج المدرسة (رويترز)

لا يعني تنظيم «تأسيس» للامتحانات أنها وصلت إلى جميع الطلاب المؤهلين في مناطق سيطرتها؛ فعدد الجالسين (9314 طالباً) محدود قياساً باتساع مناطق الحرب وحجم الأزمة التعليمية في دارفور وكردفان. وتقدر «يونيسف» أن نحو 4 ملايين طفل في سن الدراسة يعيشون في دارفور وحدها، أكثر من 3 ملايين منهم خارج المدرسة، فيما تعد دارفور وكردفان من أكثر المناطق تضرراً من تعطل التعليم.

كما لا تتطابق خطوط السيطرة العسكرية مع خريطة الامتحانين؛ إذ تمكن عشرات الآلاف من طلاب دارفور وكردفان من الوصول إلى امتحانات الحكومة خارج مناطقهم، بينما منعت الحرب والنزوح وصعوبة الحركة آخرين من الوصول إلى أي امتحان.

وفي يونيو (حزيران)، دعت «يونيسف» إلى إتاحة فرصة متساوية لجميع الطلاب السودانيين للجلوس لامتحان قومي موحَّد ومعترف به، محذرة من أن تعدد الامتحانات قد يخلق انقسامات تحد من فرصهم مستقبلاً. وإلى جانب امتحاني الخرطوم ونيالا، هناك آلاف لا تظهرهم نتائج أي منهما، بعدما حرمتهم الحرب والنزوح وتعطل المدارس من الجلوس للامتحان.

انقسام وجداني

يرى خبير تربوي سوداني (طلب حجب اسمه لأسباب تتعلق بسلامته) أن الخطر يتجاوز وجود امتحانين إلى ما وصفه بـ«الانقسام الوجداني» بين طلاب البلد الواحد.

ويقول إن الشهادة السودانية يُفترض أن تكون متاحة لطلاب الولايات الـ18، وإن حرمان طلاب مناطق الحرب من فرصة متساوية قد يولد شعوراً بالغبن والتهميش، داعياً إلى «اتفاق أخلاقي» بين طرفَي الحرب يعزل الطلاب والتعليم عن القتال، ويتيح إجراء الامتحانات في مناطق آمنة.

ويشير إلى تجربة حرب دارفور، حين كان الطلاب ينتقلون من مناطق سيطرة الحركات المسلحة إلى المدن للجلوس للامتحانات ثم يعودون، مؤكداً أن حق الطالب في التعليم يجب ألا تحدده الجهة العسكرية المسيطرة على منطقته. ويحذر من أن التسرب في مناطق الحرب لم يعد مجرد غياب عن المدرسة؛ إذ اتجه طلاب إلى العمل والتعدين والأعمال الهامشية، وانخرط آخرون في القتال؛ ما يصعب إعادتهم إلى الفصول ويعرض بعضهم لـ«الأمية الارتدادية» نتيجة الانقطاع الطويل. ويرى أن امتحان «تأسيس» جاء محاولة لحفظ حق الطلاب الذين تعذر وصولهم إلى امتحانات الحكومة، لكن تكريس نظامين للشهادة قد يحوّل الانقسام السياسي والجغرافي إلى انقسام تعليمي طويل الأمد.

طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان في ديسمبر (أ.ف.ب)

تقدّم الحكومة ارتفاع عدد الجالسين لامتحاناتها بوصفه مؤشراً على تعافي التعليم. وقال وزير التربية والتعليم، التهامي الزين حجر، إن 559 ألف طالب وطالبة أدوا الامتحانات، بزيادة 49 ألفاً عما قبل الحرب، معتبراً ذلك دليلاً على الاستقرار وانتظام العملية التعليمية. ووفق الوزارة، عقدت الامتحانات في 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه، بينها 84 مركزاً في 14 دولة.

وأشاد البرهان، لدى اعتماده النتيجة، بصمود المعلمين وجهودهم في استمرار العملية التعليمية، مؤكداً التزام الدولة بدعم التعليم.

لكن الخبير التربوي يرى أن زيادة عدد الممتحنين لا تكفي لإثبات التعافي، الذي يجب أن يقاس أيضاً بجودة التعليم والبيئة المدرسية واستقرار العام الدراسي وتراجع التسرب وأوضاع المعلمين والتحصيل الأكاديمي والمناهج. لكن تقديرات «يونيسف» تشير إلى أن 8 ملايين طفل على الأقل لا يزالون خارج المدرسة، مع تركز الأزمة في دارفور وكردفان.

أرقام متباينة للمدارس

يمتد الخلاف إلى عدد المدارس العاملة؛ فالوزير يقول إن 26 ألف مدرسة من أصل 29 ألفاً تعمل بصورة منتظمة، وإن 3 آلاف فقط متوقفة.

لكن لجنة المعلمين السودانيين تشكك في الأرقام، وتقول إن عدد المدارس قبل الحرب كان بين 21 و22 ألفاً، متسائلة كيف ارتفع خلال سنوات الحرب إلى 29 ألفاً، وما إذا كان احتساب المرحلة المتوسطة بصورة منفصلة وراء جانب من الفارق.

طالبات الشهادة الثانوية في مدينة نيالا (إعلام «تأسيس»)

وبحسب اللجنة، كانت ولايات دارفور الخمس تضم 4901 مدرسة، إضافة إلى 740 في جنوب كردفان و1218 في غرب كردفان؛ ما يجعل القول إن ثلاثة آلاف مدرسة فقط متوقفة، في ظل الحرب والسيطرة العسكرية على مناطق واسعة، بحاجة إلى تفسير.

كما تختلف الأرقام الحكومية عن تقديرات منظمات دولية تشير إلى استمرار إغلاق أعداد كبيرة من المدارس وتعطل أخرى بسبب النزوح والحرب.

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على توضيح من وزارة التربية والتعليم بشأن اختلاف الإحصاءات ومعايير احتساب المدرسة «العاملة»، وموقفها من شهادة «تأسيس» وأجور المعلمين ومتأخراتهم، لكن المتحدث الرسمي لم يرد حتى إعداد التقرير.

راتب يغطي 3 في المائة

ووفق دراسة أصدرها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين في سبتمبر (أيلول)، تبلغ تكلفة الاحتياجات الأساسية الشهرية لأسرة من 5 أفراد نحو 4.18 مليون جنيه سوداني، أي نحو 597 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ نحو 7 آلاف جنيه للدولار، ومتوسط راتب المعلم 128 ألفاً و125 جنيهاً سودانياً، يعادل 18 دولاراً بهذا السعر، أي نحو ثلاثة في المائة فقط من تلك التكلفة.

وقال المتحدث باسم لجنة المعلمين سامي الباقر لـ«الشرق الأوسط» إن الدراسة اعتمدت أسعار السوق في ولاية الخرطوم، واحتسبت الغذاء والمواصلات وغاز الطهي والمياه والكهرباء وغيرها من النفقات الأساسية.

وحتى إذا طبقت الزيادات المرتقبة وارتفع متوسط راتب المعلم إلى نحو 395 ألف جنيه، تقول اللجنة إنه لن يغطي سوى 9.4 في المائة من تكلفة المعيشة. وطالبت برفع الحد الأدنى للأجور إلى 370.5 ألف جنيه، وإقرار علاوة طبيعة عمل بنسبة 70 في المائة من الراتب الأساسي، وسداد الرواتب والمتأخرات عن عامي 2023 و2024، ومراجعة البدلات وفق التضخم ومعالجة أوضاع المعلمين في دارفور وكردفان.

من الفصل إلى معادن الذهب

وتكشف قصة المعلم محمد المجذوب الحاج حمد جانباً من تداعيات أزمة الأجور؛ إذ لقي مصرعه إثر انهيار بئر للتعدين عليه، بعدما اتجه إلى التنقيب الأهلي عن الذهب بحثاً عن مصدر رزق بديل.

ويقول الباقر إن ضعف الأجور وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت معلمين إلى أعمال أخرى، فيما ترك بعضهم المهنة أو قلَّص ارتباطه بها.

ويضيف أن المعلمين يقدرون إشادة البرهان بصمودهم، لكنهم ينتظرون قرارات تنعكس على حياتهم، لأن فتح المدارس وعقد الامتحانات لا يعنيان تعافياً مستداماً إذا كان المعلم عاجزاً عن إعالة أسرته أو مضطراً إلى مغادرة الفصل بحثاً عن الرزق.

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

ويطرح إعلان نتيجة «تأسيس»، مشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الشهادة والاعتراف بها؛ فآلاف الطلاب اجتازوا امتحاناً نظمته سلطة لا تعترف الحكومة المركزية بشرعيتها، فيما لم توضح وزارة التربية والتعليم ما إذا كانت ستعترف بالشهادة أو كيف ستتعامل مع حامليها.

وترى لجنة المعلمين أن الطلاب لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الحرب أو الجهة التي تسيطر على مناطقهم، لكنها تحذر من أن استمرار امتحانين قد يقود إلى ما هو أبعد من شهادتين: مناهج مختلفة، واعتراف أكاديمي مختلف، ونظامان تعليميان في بلد واحد.

وتدعو اللجنة إلى حل وطني عاجل عبر لجنة موحدة تضم المؤسسات التعليمية والقوى المهنية، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، للوصول إلى امتحان موحَّد وصيغة تحفظ حقوق الطلاب في جميع المناطق.

ويتفق ذلك مع دعوة «يونيسف» إلى امتحان قومي موحَّد ومعترَف به، يضمن عدالة الفرص ويحمي قيمة مؤهلات الطلاب وخياراتهم المستقبلية.

خلال 48 ساعة، حصل السودان على نتيجتين لشهادة واحدة، تحت سلطتين مختلفتين، بينما بقي ملايين الأطفال خارج المدارس، ويواجه المعلمون أزمة تدفع بعضهم إلى مغادرة الفصول بحثاً عن الرزق.

وبين آلاف الطلاب الذين لم يصلوا إلى الامتحانات، وآخرين يحملون شهادة لا يعرفون مصيرها، ومعلمين تدفعهم أوضاعهم المعيشية إلى مغادرة فصول الدراسة، تطرح الأزمة أسئلة كثيرة أكثر تعقيداً، وأبرزها: أي تعليم سيبقى للسودانيين بعد الحرب؟


مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
TT

مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنه سيقدم لإسبانيا 115 مليون يورو على شكل مساعدات طارئة للمساهمة في تعزيز أمن الحدود ودعم عمليات الإعادة، بعد موجة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الدي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

وعبر أكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة أواخر يوليو (تموز) الماضي، في تدفق غير مسبوق شهد مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة من طرف إلى الآخر، وأثارت هذه الأزمة انتقاد دول أوروبية عدة.

وقالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية: «إن الوضع في سبتة تسبب في ضغط على حدودنا الخارجية». وأضافت: «رسالتنا لا تزال واضحة: نحن ملتزمون بمكافحة الهجرة غير النظامية، وضمان الإعادة السريعة لأولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وطلبت إسبانيا المساعدة من بروكسل في أواخر أغسطس (آب) الماضي. وقال الاتحاد الأوروبي إن الأموال ستُخصص لـ«إجراءات لتعزيز مراقبة الحدود وحمايتها والبنية التحتية المرتبطة بالأمن»، مثل الكاميرات الحرارية والأنظمة العائمة، والمسيّرات العاملة تحت الماء.

وأوضح التكتل أن المساعدة «ستُستخدم أيضاً لإقامة منشآت لفرز المهاجرين، فضلاً عن دعم عمليات إعادة أولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وعاد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، لكنَّ آلافاً منهم بقوا في ظروف معيشية غالباً ما تكون صعبة، وهو ما زاد من حدة التوتر في المدينة الصغيرة وتسبب في أزمة سياسية.

وتسببت الأزمة في توتر بين دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين مدريد وروما بعد قرار الحكومة الإيطالية تشديد إجراءات ضبط حدودها مع إسبانيا.

وفتح القضاء الإسباني، الاثنين، تحقيقاً في دخول المهاجرين إلى سبتة، مستنداً إلى أدلة في شأن «عملية توجيه وتسهيل لا يمكن إنكارها» من الجانب المغربي.

إلا أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كان قد شدّد على عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطط، أو دبّر تدفق المهاجرين، عقب تقرير للشرطة الإسبانية أشار إلى إخفاقات عدة من جانب قوات الأمن المغربية.


جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
TT

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها خارج القنوات المصرفية، في مسعى للحد من الطلب على الدولار في السوق الموازية.

ويُعد القرار توافقاً نادراً بين الحكومتين المتنافستين، في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات؛ إذ صدر منتصف الأسبوع، بالتزامن، عن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

ويرى مؤيدو القرار أن تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القطاع الرسمي، شريطة أن تكون العملة الأجنبية متاحة فعلياً للمستوردين، وأن ترافق الإجراءات المصرفية رقابة صارمة على الاعتمادات وحركة البضائع.

في المقابل، يحذر منتقدوه من أن تقييد الاستيراد من دون معالجة نقص السيولة الأجنبية قد يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية، بما يرفع تكلفة السلع ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا تعذر على صغار المستوردين الوصول إلى التمويل المصرفي.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق قرار الحكومتين اعتباراً من 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، في وقت تواجه فيه سوق الصرف ضغوطاً متزايدة، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على التجارة والأسعار.

ومن بين الأصوات الداعمة للقرار، أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن القرار يمثل إجراءً ضمن خطة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد، معتبراً أن نجاحه سيعتمد على مدى تطبيقه بصورة فعالة وموحدة من الجهات المعنية.

وقال الشريف، في منشور عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن التطبيق الفعال للقرار يمكن أن يسهم في الحد من الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتقليص التعاملات على الدولار في السوق الموازية، بما يدعم استقرار سوق الصرف.

وتزامن القرار مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 13 قرشاً؛ إذ سجل 9.28 دينار مقابل 9.15 دينار في اليوم السابق، بحسب متداولين وتجار، بينما بلغ السعر الرسمي، وفق أسعار مصرف ليبيا المركزي، نحو 6.32 دينار.

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في اجتماع مع علي منصور رئيس لجنة متابعة الاعتمادات المستندية في طرابلس الأسبوع الماضي (الرقابة الإدارية)

وبذلك، تبلغ الفجوة بين السعرين نحو 2.96 دينار للدولار، بما يعني أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية يزيد بنحو 47 في المائة عن السعر الرسمي، وهو فارق يعكس حجم الضغوط على سوق الصرف وحجم الطلب على النقد الأجنبي.

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الفضيل ينظر إلى القرار من زاوية مختلفة، حيث يرى أنه قد يخدم كبار التجار القادرين على الحصول على الاعتمادات المستندية، بينما يضع صغار التجار الحقيقيين أمام أعباء أكبر، من دون معالجة أصل أزمة العملة الأجنبية.

وقال الفضيل، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ما سماهم «حيتان الاعتمادات» يحصلون على عشرات الملايين من النقد الأجنبي لإعادة بيعها في السوق الموازية، بينما يتضرر صغار التجار، متسائلاً عن جدوى شراء الدولار بـ9.28 دينار، إذا كان متاحاً عبر القنوات الرسمية بسعر أقل.

والاعتمادات المستندية هي تسهيلات مصرفية تتيح للتجار الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي لتمويل عمليات الاستيراد، لكنها أثارت خلال السنوات الماضية انتقادات وشبهات تتعلق بمدى وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الحقيقيين، واستخدامه في الأغراض المخصصة له.

وتزايدت هذه المخاوف مع إجراءات رقابية حديثة؛ إذ أعلنت هيئة الرقابة الإدارية الاشتباه في وجود مخالفات مرتبطة بإجراءات الاعتمادات المستندية لدى نحو 500 شركة، ما أعاد إلى الواجهة قضية توزيع النقد الأجنبي ومدى سلامة عمليات الاستيراد.

وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد أصدرت في 18 أغسطس (آب) الماضي قراراً بوقف نشاط 27 شركة مرتبطة بثلاثة مستفيدين من عائلة واحدة، بعدما تجاوزت قيمة الاعتمادات الممنوحة لها 146 مليون دولار، في واقعة سلطت الضوء على مخاطر تركز الاستفادة من النقد الأجنبي.

ولا يخلو القرار من دلالة سياسية؛ إذ يرى الشريف أن توحيد الإجراءات بين وزارتي الاقتصاد في الشرق والغرب يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تقارب المؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى سياسات موحدة وقرار اقتصادي يصدر مستقبلاً عن حكومة ليبية واحدة.