المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
TT

المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

أعلنت المحكمة الدستورية في الجزائر، اليوم (السبت)، النتائج النهائية والرسمية للانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) 2026، والتي كرَّست الخريطة السياسية الجديدة لـ«المجلس الشعبي الوطني» وهو الغرفة البرلمانية السفلى للبرلمان. وحافظت «جبهة التحرير الوطني» على الريادة، بينما تمَّ نزع عدد من المقاعد لحزب «جبهة المستقبل»، الذي ينتمي للغالبية الرئاسية.

رئيس البلاد خلال التصويت في الانتخابات (رئاسة الجمهورية)

أظهرت النتائج المحيّنة للانتخابات تعديلات طفيفة في بورصة المقاعد، مقارنة بالأرقام الأولية التي أعلنتها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، غير أنَّ هذه التغييرات الجزئية لم تؤثر على الترتيب العام للتشكيلات السياسية، التي حافظت على مواقعها في الخريطة النيابية الجديدة.

وبناءً على المعطيات الجديدة التي قدَّمتها، اليوم (السبت)، رئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، فقد حافظ حزب «جبهة التحرير الوطني» على صدارة البرلمان بـ91 مقعداً (بعد أن كانت 90 مقعداً)، في حين استقرَّ «التجمع الوطني الديمقراطي» في المركز الثاني بـ74 مقعداً (مقارنة بـ73 سابقاً)، وتلتهما «جبهة المستقبل» التي تمكَّنت من حصد 56 مقعداً (بدل 59 مقعداً).

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة (هيئة الانتخابات)

تصحيح التجاوزات

في الوقت الذي تراجعت فيه كتلة المستقلين لتستقر عند 33 مقعداً، سجَّل حزب «صوت الشعب» تقدماً طفيفاً ببلوغه 16 مقعداً. وفي مؤخرة الترتيب، تكرَّس عجز حزب «جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض) عن بلوغ النصاب القانوني لتشكيل كتلة نيابية (المحدد بـ15 مقعداً)، وذلك باكتفائه بـ12 مقعداً، تلاه حزب «الفجر الجديد» بـ6 مقاعد، بينما حصل «حزب العمال» على 3 مقاعد برلمانية.

أمين حزب «جبهة التحرير الوطني» صاحب الريادة في البرلمان (إعلام حزبي)

وعلى صعيد تمثيل الفئات الخاصة داخل قبة البرلمان، أفادت معطيات المحكمة الدستورية بأنَّ المترشحين الشبان، الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، نجحوا في افتكاك 126 مقعداً، وهو ما يمثل نسبة 30.96 في المائة من إجمالي الفائزين، في حين نالت النساء 25 مقعداً، بنسبة بلغت 6.14 في المائة. كما تميَّزت تشكيلة البرلمان الجديد بحضور قوي للكفاءات العلمية، حيث حاز 312 نائباً على مستوى تعليمي جامعي، أي ما يعادل 76.55 في المائة من قوام الغرفة السفلى.

وأفادت رئيسة المحكمة الدستورية بأنَّ هذه النتائج هي باكورة تحقيق وتدقيق في صحة حصيلة العملية الانتخابية، وضبط إعادة صياغة محاضر فرز الأصوات من طرف خبراء المحكمة الدستورية.

رئيسة المحكمة الدستورية مع رئيس سلطة الانتخابات بالنيابة (المحكمة الدستورية)

وأفادت عسلاوي، في معرض إعلانها النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، بإلغاء آلاف الأصوات التابعة لقوائم ترشيحات «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، وحزب «الوحدة الوطنية»، إثر تسجيل «خروقات مؤثرة» مسَّت سلامة العملية الانتخابية في كثير من مكاتب ومراكز التصويت، عبر ولايات الجزائر العاصمة، والبويرة، ووهران، والجلفة، وباتنة، وبجاية.

وأوضحت مسؤولة الهيئة الدستورية أنَّها رصدت تجاوزات مسَّت بسلامة الاقتراع، وتصدَّرتها الدائرة الانتخابية للعاصمة، حيث قضت بإلغاء أصوات قائمة «جبهة المستقبل» في 57 مكتب تصويت، تركَّزت أهمها في بلدية بوروبة، إلى جانب إلغاء أصوات «التجمع الوطني الديمقراطي» في مكاتب عدة أخرى.

وفي ولاية البويرة، طال قرار الإلغاء أصوات قوائم «جبهة المستقبل» في مراكز ومكاتب تصويت متفرقة، عبر بلديات بئر غبالو، والقادرية، والجباحية، وعين بسام، والأخضرية، وسور الغزلان.

أما في ولاية الجلفة، فقد قرَّرت المحكمة إلغاء أصوات قائمة «حزب الوحدة الوطنية»، وكذا أصوات قائمة «التجمع الوطني الديمقراطي» في مكاتب التصويت التابعة لبلدية حاسي بحبح كافة، بالإضافة إلى إلغاء أصوات «جبهة التحرير الوطني» في مراكز انتخابية عدة ببلدية عين وسارة.

وفي غرب البلاد، وتحديداً بولاية وهران، فقد شملت القرارات إلغاء أصوات حزب «صوت الشعب» في 20 مكتباً ببلدية بن فريحة.

وسيرفع الستار رسمياً عن تفاصيل النتائج النهائية مصحوبة بجداولها الملحقة، عبر صدورها في الجريدة الرسمية، على أن يتم تبليغ نسخة منها مباشرة إلى كل من رئيس «المجلس الشعبي الوطني»، ورئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات».

تكريس «الولاء الرئاسي»

طبعت هذا الاستحقاق الانتخابي نسبة مقاطعة مرتفعة، حيث استقرَّت النسبة النهائية للمشاركة عند حدود 21.24 في المائة داخل البلاد (مقارنة بـ20.79 في المائة في النتائج الأولية)، في حين بلغت نسبة تصويت الجالية الوطنية بالخارج 10.75 في المائة.

ومن بين كتلة ناخبة قوامها 24.7 مليون مسجل، أدلى 5.16 مليون ناخب بأصواتهم، في عملية شهدت تسجيل رقم لافت للأوراق الملغاة، تجاوز عتبة 920 ألف صوت (موزعة بين 910230 ورقة ملغاة في الداخل و12630 في الخارج)، ليبلغ بذلك إجمالي الأصوات المعبّر عنها 4.23 مليون صوت.

أعضاء المحكمة الدستورية (المحكمة الدستورية)

وفي توزيع الحصص، تقاسمت كتل الأحرار و22 حزباً سياسياً مقاعد الغرفة السفلى للبرلمان، البالغ مجموعها 407 مقاعد (منها 395 مقعداً مخصصاً للدوائر المحلية و12 مقعداً للمغتربين). ولم تحل هذه النتائج دون استمرار التوازنات العامة للخريطة النيابية السابقة من غير تعديل جذري؛ إذ أفرزت صناديق الاقتراع أغلبية نيابية صريحة، مشكّلة من الأحزاب الموالية لسياسة الرئيس عبد المجيد تبون، وهي معطيات تفيد، استناداً لأحكام دستور 2020، بأن رئيس الدولة سيتجه نحو تعيين «وزير أول» لإدارة الجهاز التنفيذي، بدلاً من «رئيس حكومة».


مقالات ذات صلة

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

شمال افريقيا فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، السبت، أن فرق الإنقاذ عثرت على الطفل أيوب البالغ 10 سنوات ميتاً، بعد جهود مضنية بُذلت لإخراجه من بئر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية إبراهيم حمداني مدرباً للمنتخب الجزائري (أ.ف.ب)

إبراهيم حمداني مدرباً جديداً لمنتخب الجزائر

عيَّن الاتحاد الجزائري لكرة القدم، السبت، لاعب وسط مرسيليا الفرنسي السابق إبراهيم حمداني مدرباً للمنتخب الوطني، خلفاً للسويسري فلاديمير بيتكوفيتش.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

عالق في بئر بعمق 80 متراً... الجزائر تسابق الزمن لإنقاذ الطفل أيوب

تتسابق فرق الإنقاذ مع الزمن للوصول إلى الطفل أيوب بعد سقوطه داخل بئر ضيقة وعميقة في ولاية البيض، غرب الجزائر، منذ الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قرار إرسال مروجي المخدرات إلى تنزروفت جاء خلال اجتماع للمجلس الأعلى للأمن برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون (الرئاسة)

الجزائر تشدد العقوبات ضد بارونات المخدرات

قررت الجزائر تحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي في منطقة تنزروفت، التي تعد واحدة من أكثر مناطق العالم قسوة للعيش، إلى سجن شديد الحراسة مخصص لمهربي المخدرات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون «الرئاسة»

تعيينات جديدة في الحكومة الجزائرية

عيّن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فريد كورتل وزيراً للصناعة، وفوزية نعامة وزيرة منتدبة مكلفة لجماعات المحلية لدى وزير الداخلية والجماعات المحلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر وباكستان تؤكدان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
TT

مصر وباكستان تؤكدان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران أمس (أ.ف.ب)

أكَّدت مصر وباكستان أهمية استئناف تنفيذ مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في 18 يونيو (حزيران) الماضي بين الولايات المتحدة وإيران، والتوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي ويجنب المنطقة اتساع نطاق الصراع.

جاء ذلك في اتصال هاتفي جرى أمس السبت بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونائب رئيس الوزراء ووزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، في إطار الحرص المشترك على التنسيق والتشاور المستمر بشأن التطورات الإقليمية، وفق بيان للخارجية المصرية اليوم الأحد.

وطبقاً للبيان، تبادل الوزيران التقييمات إزاء الملفات الإقليمية، والجهود المبذولة لاحتواء التصعيد واستعادة الهدوء.

واتفق الوزيران خلال الاتصال على ضرورة استمرار التشاور والتنسيق الوثيق خلال المرحلة المقبلة، على المستوى الثنائي وفي إطار آلية الأطراف الإقليمية الأربعة، بما يدعم المساعي المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وتصاعدت حدة المواجهة مرة أخرى بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الماضية، وضرب الجيش الأميركي ثلاث ناقلات إيرانية للنفط الخام، إحداها قبالة جزيرة خرج، رداً على إطلاق «الحرس الثوري» صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين، فيما بدا اتساعاً لحرب الناقلات في مضيق هرمز.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تسيطر على «هرمز»، وقلل من أهميته مستقبلاً، كما لوَّح بضرب «جبل الفأس» قرب نطنز «قريباً جداً» إذا رصدت واشنطن تطورات تثير قلقها.


فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
TT

فرق الإنقاذ الجزائرية تعلن العثور على الطفل الذي سقط في بئر ميتاً

فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)
فرق الإنقاذ تحاول انتشال الطفل أيوب من البئر (صفحة الحماية المدنية الجزائرية)

أعلنت الحماية المدنية الجزائرية، السبت، أن فرق الإنقاذ عثرت على الطفل أيوب البالغ 10 سنوات ميتاً، بعد جهود مضنية بُذلت لإخراجه من بئر ارتوازية جافة وقع فيها قبل 4 أيام في ولاية البيّض بجنوب غربي البلاد.

وجاء في بيان للحماية المدنية: «تبعاً لعملية إنقاذ طفل سقط في بئر ارتوازية جافة بالمكان المسمى قرية الركنة بلدية غسول بولاية البيّض، تم العثور على مكان الطفل، وانتشاله متوفى، رحمة الله عليه».

وكان الطفل قد سقط داخل البئر، يوم الأربعاء الماضي، في قرية الركن الواقعة بين الطريقين الوطنيين رقم 107 و47 بولاية البيّض، قبل أن تتدخل فرق الحماية المدنية لبدء عملية إنقاذ معقدة بسبب ضيق البئر وعمقه.

ويبلغ عمق البئر نحو 80 متراً، فيما لا يتجاوز قطره 40 سنتيمتراً، ما جعل الوصول إلى الطفل وانتشاله مهمة بالغة الصعوبة، واستدعى تسخير إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، بمشاركة السلطات المحلية ومختلف الهيئات.

وبعد أيام من عمليات الحفر والبحث، تمكنت فرق الإنقاذ من تحديد موقع الطفل داخل البئر، قبل انتشاله، لتؤكد الحماية المدنية لاحقاً وفاته.


«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
TT

«تكايا» أم درمان... مطابخ خيرية تتحول إلى شريان حياة

صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)
صاحب التكية الصادق الصديق يتابع إعداد الوجبة للأسر (الشرق الأوسط)

تحولت «التكايا»، وهي مطابخ خيرية تديرها مبادرات تطوعية لتقديم الطعام إلى المحتاجين والمتضررين من الحرب في السودان، إلى شريان حياة لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وأصبحت عاجزة عن تأمين وجباتها اليومية في ظل الغلاء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

وفي مدينة أم درمان، يجد نازحون وسكان أنهكتهم الحرب في هذه المطابخ ملاذاً للحصول على ما تيسر من الطعام، بعدما بات شراء الاحتياجات الأساسية يفوق قدرة كثير من الأسر، نتيجة تدنّي الدخول، وتعطل النشاط الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، لكن المبادرات التي تسد جانباً من الفجوة الغذائية باتت تواجه بدورها نقصاً حاداً في التمويل وارتفاعاً في تكاليف التشغيل؛ ما يجعل استمرارها مرهوناً بتبرعات فاعلي الخير ودعم الجهات المانحة، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر التي تعتمد عليها للحصول على وجبة يومية.

أوضاع معيشية قاسية

يقول الصادق صديق، المشرف على إحدى التكايا، إن مبادرته انطلقت في يونيو (حزيران) 2023 بقدر واحدة من «البليلة العدسية»، وهي وجبة شعبية تُعد من العدس، تم توزيعها على الجيران والمارة، قبل أن يقوم بإضافة قدر أخرى من الفول، بمساعدة بعض المتبرعين. ومع التعريف بأنشطة التكية عبر منصات التواصل الاجتماعي، اتسعت تدريجياً دائرة الداعمين.

مجموعة من الشباب يساعدون في توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

ويضيف صديق لـ«الشرق الأوسط» أن التكية وسّعت أنشطتها مع استمرار الحرب وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وأصبحت تُعد يومياً نحو 20 قدراً كبيرة من الطعام للنازحين والمتضررين في أم درمان، يستفيد منها قرابة 5 آلاف شخص، ينتمون إلى نحو 700 أسرة. ويشير إلى أن نقص التمويل تسبب في توقف التكية عن العمل مرات عدة، لكنها كانت تستأنف نشاطها في كل مرة لتلبية احتياجات الأسر، فضلاً عن توفير وجبات إفطار لطلاب المدارس.

وعلى الرغم من عودة أعداد من النازحين إلى مناطقهم بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، لا تزال الأوضاع المعيشية لكثير من الأسر بالغة الصعوبة. ويؤكد صديق أن «استمرار عمل التكية أصبح ضرورة لا غنى عنها».

ويعاني ملايين السودانيين تداعيات الحرب المستمرة، في ظل تراجع الدخول وتعطل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما دفعت الأزمة نحو نصف سكان البلاد إلى دائرة الاحتياج إلى المساعدات الإنسانية، وفق تقديرات أممية.

معاناة مستمرة

من بين المستفيدين أم سترة حامد، وهي امرأة ستينية نزحت من مدينة النهود بولاية غرب كردفان. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «وصلت إلى أم درمان برفقة أطفالي الأيتام بعد رحلة طويلة وشاقة عانينا خلالها كثيراً، وأعيش حالياً في ظروف معيشية بالغة الصعوبة». وتضيف: «لا أملك مصدراً ثابتاً للدخل، ولا أستطيع توفير ما يكفي من الطعام لأطفالي؛ لذلك نعتمد بصورة أساسية على الوجبات التي تقدمها التكية. بالنسبة إلينا، لا تمثل هذه الوجبات مجرد مساعدة، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة في هذه الظروف القاسية».

ولا تختلف معاناة فاطمة يوسف، وهي أم لسبع بنات، كثيراً عن ذلك. وتقول: «نزحت من غرب كردفان برفقة بناتي السبع، وغادرنا منزلنا بالملابس التي كنا نرتديها فقط، وسط ظروف لا إنسانية. ومنذ وصولنا، نواجه صعوبة شديدة في توفير أبسط متطلبات الحياة، وفي مقدمتها الطعام». وتضيف: «وضعنا المعيشي صعب للغاية، ولا نملك ما يكفي لإطعام بناتي. أعتمد على التكية في الحصول على الوجبات، وقد تسلمت اليوم حصتنا من حساء العدس، لكنني لا أمتلك حتى خبزاً جافاً يمكننا تناوله معه».

النازحة فاطمة يوسف تنتظر توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

بدوره، يقول الهادي البدوي، وهو أحد المستفيدين، إن التكايا وقفت إلى جانب السكان منذ اندلاع الحرب، وتحولت بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى مصدر أساسي للطعام مع التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية. ويضيف: «كنت أعتمد على الأعمال اليومية الحرة لتوفير احتياجات أسرتي، لكن الحرب وما خلفته من أوضاع كارثية أدتا إلى تراجع فرص العمل بصورة كبيرة، وأصبحت أقضي أياماً كثيرة من دون عمل أو دخل». ويتابع: «الأوضاع المعيشية متردية للغاية؛ ولذلك أصبحت الوجبات التي تقدمها التكايا سنداً حقيقياً للأسر التي فقدت مصادر دخلها، ولم تعد قادرة على توفير الطعام لأفرادها».

أزمة جوع متفاقمة

في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، تظل التكايا شاهدة على وجه آخر للحرب؛ إذ أصبحت أسر كانت تعتمد على عملها ودخلها في توفير الطعام تنتظر وجبة تقدمها مبادرة خيرية. ومع اتساع دائرة المحتاجين وارتفاع أسعار المواد الغذائية، تواجه هذه المطابخ بدورها خطر التوقف بسبب شح التمويل، وصعوبة توفير مستلزمات الطهي بصورة منتظمة.

صفوف طويلة من المستفيدين من التكية (الشرق الأوسط)

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده، وأثقلت كاهل مواطنيه، لم تعد وجبة الطعام بالنسبة إلى كثير من الأسر أمراً يمكن عده من المسلَّمات، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل البقاء، بينما تحاول التكايا، بإمكاناتها المحدودة، سد جزء من الفجوة المتزايدة. وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد حذر، في أحدث تحديث لعملياته الإنسانية في السودان خلال أغسطس (آب) الماضي، من أن البلاد لا تزال تواجه أكبر أزمة جوع في العالم، بينما يهدد النقص الحاد في التمويل قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة عمليات الإغاثة، وسط استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد. وذكر البرنامج أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتعطل الإنتاج الزراعي، والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية.