قصة الرحابنة... من «إنطلياس العتيقة» إلى مسارح المجد

بدايات الأخوين ترويها العائلة لـ«الشرق الأوسط»

TT

قصة الرحابنة... من «إنطلياس العتيقة» إلى مسارح المجد

عاصي ومنصور الرحباني مع والدتهما سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
عاصي ومنصور الرحباني مع والدتهما سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

المكان: فوّار أنطلياس

الزمان: مطلع ثلاثينات القرن الماضي

الشخصيات: الأب حنّا عاصي، الجدة غيتا، الأم سعدى، الطفلان عاصي ومنصور

المشهد: حنا يعزف على البزق والعائلة مجتمعة حوله تغنّي مع «القبضايات»

 

أوّل نغم زار آذان عاصي ومنصور الرحباني خرج من بزق الوالد حنّا. لم يكن حنا فناناً ولا الأم سعدى مغنّية، لكنّ صوتها احتضن ما يكفي من رقّة ليأخذ الولدَين إلى الحلم.

وبما أنه لا حلم بلا مخيّلة واسعة، تكفّلت الجدة غيتا بتوسيع «طاقة» الخيال لدى الأخوين. حدّثتهما عن الغرائب و«الغامض»، سقتهما الأساطير والمواسم والفولكلور من نبع حكاياتها، ونقلت إليهما عشق الكلمة خلال جلسات الشعر والزجل و«القرّادي»، رغم أنها كانت أمّيّة.

حضرت الجدّة التي من عينطورة (إحدى قرى المتن الشمالي في لبنان) لاحقاً في أعمال الأخوين، كشخصيةٍ مغنّاة، بعد أن زرعت فيهما بذور التراث: «هالله هالله يا تراب عينطورة يا ملفى الغيم وسطوح العيد... ستّي من فوق لو فيي زورا، راحت عالعيد والعيد بعيد».

حضر كذلك الوالد حنا كشخصيةٍ محوريّة في المسرحيات والأفلام. فحنّا عاصي لم يكن عازف بزق، بل «قبضاي». والقبضايات حينها كانوا قُطّاع طرق من نوع خاص، يوقفون قطاراً عن مساره، يستولون على ما فيه من حمولة قمح ليوزّعوها على الناس في زمن الحُكم العثماني. حنا ورفاقه «القبضايات» استُحضروا لاحقاً في أعمال مثل فيلم «سفر برلك».

حنا الرحباني «أبو عاصي» (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

بعد أن صدر عليه حكمٌ بالإعدام من قِبَل العثمانيين، هرب حنا عاصي من بيروت واستقرّ على «تلّة الفوّار» في أنطلياس شمال العاصمة. هناك، فتح مقهى سرعان ما صار مقصداً لقبضايات المنطقة وللزوّار من كل البلد، نظراً لسُمعته المستقيمة وللقمته اللذيذة.

وبين «طلبيّة» يوصلانها إلى طاولة، وصحنٍ يقدّمانه إلى زبون، كان ينصبّ تركيز عاصي ومنصور على الأصوات الطالعة من فونوغراف مقهى الفوّار: سيّد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب...

يهبط المساء فوق أنطلياس، فلا تغفو عيونهما. يصغيان إلى أصوات الليل ويسرحان في خيالهما إلى ما خلف العتمة. يخترعان شخصيات مستوحاة من مشاهداتهما خلال النهار، ويُمَسرِحان الحياة في رأسيهما الصغيرَين.

عاصي ومنصور في سنواتهما الأولى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

كيف رسم الأخوان رحباني «طريق النحل»؟

كظلَّين اتّحدا في ظلٍ واحد، مشى عاصي ومنصور تحت شمس الجرود الحارقة يوم قرر الوالد نقل المقهى إلى منطقة الشوير الجبليّة صيفاً. فوق، «صار القمر أكبر» والشمس أقرب. حاول الصبيّان ترويض الوعورة والتآخي مع الطبيعة القاسية، فَلانَ صوّان الجبال، وصدحت أغاني الحصّادين، ورُسمت «طريق النحل».

يستحضر أسامة الرحباني طفولة عمّه عاصي ووالده منصور قائلاً إنهما «كانا يتأمّلان الطبيعة كثيراً، بأسرارها وجمالها وغضبها؛ الأحراش، والضباب، والوديان، والندى، وهجرة الطيور، وتحوّل الفصول...». كانت تمضي ساعتان وهما يراقبان دبيب النمل مثلاً. ويضيف أسامة في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنّ «إحدى أهمّ نقاط القوة عند الأخوين كانت حسّ المراقبة. يخالطان الصيادين ورُعاة الماعز. يراقبان أهل القرى بشخصياتهم واهتماماتهم... يرصدان مشاكلهم (من قاطع لقاطع)» حول نقل المياه مثلاً. وقد تكرّر هذا المشهد في مسرحية «جسر القمر». «لا شك أن الفقر الذي عاشاه خلال الطفولة أثّر على ما صنعاه»، يقول أسامة الرحباني متابعاً: «لم تكن سنوات حياتهما الأولى ورديّة. ظروف المعيشة القاسية تحكّمت بها. ولاحقاً أظهرا انكباباً متوحشاً على العمل، في انعكاسٍ واضح لتحدّي البدايات».

وعندما حان أوان صبّ الأفكار على الورق في بداية المراهقة، اخترع عاصي مجلّة سمّاها «الحرشاية» ولحقَه منصور بمجلّة «الأغاني». يخطّانهما بالقلم الرصاص ويضمّنانهما شعراً وخواطر ومشاهد مسرحيّة، ثم يدوران بهما على الجيران والأصدقاء ويقرآنهما عليهم في سهرات نهاية الأسبوع، ليعودا يوم الاثنين إلى تحضير عددٍ جديد.

يدخل الكمان إلى البيت الرحبانيّ رغم اعتراض حنّا الذي لم يرغب بالفنّ لولدَيه. ثم ينطلق أول دروس الموسيقى على يد الكاهن بولس الأشقر في دير مار الياس - أنطلياس عام 1938.

عاصي ومنصور المندهشان بآلة الأرغن وبالنوتات الموسيقية، صارا يغيبان عن مساعدة الوالد في دكّانه الجديد، وبالكاد يعودان إلى المنزل. وفي المدرسة والدير كانت البدايات المسرحيّة المتعثّرة، بالتزامن مع انضمام عاصي إلى الشرطة البلدية ومنصور إلى البوليس العدلي الملحق بالأمن العام الفرنسي، بهدف العمل ومساعدة العائلة التي كانت تعاني ضائقة مالية.

عاصي ومنصور والبدايات على الخشبة (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

زخرت رحلة الشرطيين رحباني بالطرائف، فهما كانا بعيدَين كل البُعد عن عالم السلاح ومَحاضر الضبط والمطاردات وعسكر الانتداب، فأمضيا معظم تلك الفترة في الهروب من الخدمة إلى الحفلات، للعزف أو المشاهدة. غير أنّ هذا لم يَحُل دون تأثّرهما بذاك العالم، فحضرت لاحقاً شخصيات مثل «الشاويش» و«البوليس» في أعمالهما.

بدايات عاصي ومنصور في ذاكرة أختهما إلهام

حلّت سنة 1944 صعبة على عاصي ومنصور مع وفاة والدهما، فصارا المعيلَين الوحيدَين للوالدة، والجدّة، والعمّ، وللإخوة سلوى وناديا والياس وإلهام.

«كنت في الثالثة من عمري يوم رحل الوالد»، تخبر إلهام الرحباني حنّا «الشرق الأوسط». وإلهام هي الشقيقة الصغرى وآخر من بقي من الجيل الرحبانيّ الأوّل. تضيف: «كان عاصي ومنصور بمثابة الأب بالنسبة إلينا. وكانت المسؤولية كبيرة عليهما، لكنهما حملاها بطيبة وكرم وفرح». تستذكر عودتهما من العمل مساءً وهما يخبّئان السكاكر في جيوب بزّة الشرطة، لتوزيعها على الإخوة الصغار. وفي يوم قبض الراتب، كانا يأتيان بالهدايا من ملابس وألعاب وحلوى.

الإخوة رحباني مع الوالدة سعدى (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

«كانا يخافان علينا كثيراً»، تقول إلهام وتتابع: «الرحلات المدرسية كانت شبه ممنوعة، والحِجّة عند عاصي ومنصور: ماذا لو انقلب الباص المدرسي؟ ماذا لو وقع حادثٌ ما؟... أما عندما كانا يأخذانني إلى البحر، فكان يمسكني كلٌ منهما بيَد وحين تصل المياه إلى ركبتي، يقرران العودة إلى المنزل».

في المقابل، نقل عاصي ومنصور بهجة الفن إلى داخل البيت، فاخترعا مَشاهد للترفيه عن العائلة. وتَصِف شقيقتهما إلهام كيف كانا يقفزان على السرير ويقومان معاً بحركات بهلوانيّة، في صورة لا تغيب عن ذاكرتها.

في تلك الآونة، كانت قد بدأت تتشكّل ملامح الأغنية الرحبانية القصيرة والبعيدة عن المطوّلات السائدة حينها. وتزامناً، تكوّنت المسرحية الغنائية الرحبانية الزاخرة بمشاهد الضيعة اللبنانية والفولكلور. استعان الأخوان بشقيقتهما سلوى غناءً، أما المسرح فكان نادي أنطلياس والجمهور أهالي البلدة من جيران وأصدقاء.

«كانا يؤلّفان في البيت آنذاك، وتفادياً للإزعاج كانا يُجلسانني فوق الخزانة ثم يطلبان من أخي الياس أن يبحث عني، فيحصلان على الهدوء المطلوب»، تتذكّر إلهام مبتسمة.

وبعد المسرحيّات الجوّالة بين أنطلياس والقرى المجاورة، شدّ الأخوان الرحال صوب الإذاعة اللبنانية في بيروت. مغامرة لا تشبه سواها ومعركة إثبات هوية غنائية جديدة كادت تبوء باليأس والفشل. رفض كثيرون أداء أغانيهما المختلفة والطالعة من وعورة الأرض، فأمضى عاصي ومنصور بين 1945 و1948 أياماً صعبة، إنما استفادا خلالها من دروسٍ تلقياها على يد أستاذ الموسيقى الفرنسي بيرتران روبيار، إيماناً منهما بأنّ الموهبة لا تكتمل سوى بالعِلْم.

أما الموهبة والعلم، فاكتملا بصوتٍ فتح أبوابه وشبابيكَه بيتاً للأغنية الرحبانية، وطار بها إلى أوسع المطارح...


مقالات ذات صلة

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس يعتبر محمد فضل شاكر تتويجه بجائزة {جوي أووردز} محطة مهمة في مسيرته الفنية (هيئة الترفيه)

محمد فضل شاكر: أهتم بالكلمات والألحان وليس بشهرة أصحابها

قال الفنان اللبناني، محمد فضل شاكر، إن حصوله على جائزة «الوجه الجديد» عن فئة الموسيقى في جوائز «جوي أووردز» جاء تتويجاً لسنوات طويلة من التعب والمثابرة والعمل.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

ما إن استمعت الفنانة نور حلّاق إلى أغنية «خيانة بريئة» حتى قررت سريعاً تسجيلها بصوتها. رأت فيها عملاً رومانسياً وكلاسيكياً؛ كونه ينسجم مع خياراتها الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

فاز الدالاي لاما، بأول جائزة «غرامي» له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

«الشرق الأوسط» ( لوس أنجليس)

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».