بيان سعودي ـ ياباني يؤكد تعزيز الحوار الاستراتيجي

تأكيد على أهمية استقرار سوق النفط العالمي * دفع التعاون في مجال الطاقة ونقل التقنية والاستثمار المتبادل

الأمير سلمان بن عبد العزيز يتسلم شهادة الدكتوراه الفخرية من رئيس جامعة واسيدا اليابانية (واس)
الأمير سلمان بن عبد العزيز يتسلم شهادة الدكتوراه الفخرية من رئيس جامعة واسيدا اليابانية (واس)
TT

بيان سعودي ـ ياباني يؤكد تعزيز الحوار الاستراتيجي

الأمير سلمان بن عبد العزيز يتسلم شهادة الدكتوراه الفخرية من رئيس جامعة واسيدا اليابانية (واس)
الأمير سلمان بن عبد العزيز يتسلم شهادة الدكتوراه الفخرية من رئيس جامعة واسيدا اليابانية (واس)

صدر أمس بيان مشترك بمناسبة زيارة الأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، إلى اليابان في ما يلي نصه:
«تلبية لدعوة من دولة السيد شينزو آبي، رئيس وزراء اليابان، قام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في المملكة العربية السعودية، بزيارة رسمية إلى اليابان خلال الفترة من 18 إلى 21 ربيع الثاني 1435هـ، الموافق من 18 إلى 21 فبراير (شباط) 2014.
وقد قام صاحب السمو الإمبراطوري الأمير ولي عهد اليابان باستقبال صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز في مطار هانيدا في طوكيو. وأقام صاحب الجلالة إمبراطور اليابان حفل غداء في القصر الإمبراطوري على شرف صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد. وعقد سموه ودولة السيد شينزو آبي رئيس وزراء اليابان اجتماعا في طوكيو في 19 ربيع الثاني 1435هـ، الموافق 19 فبراير 2014، بحثا فيه العلاقات الثنائية بين البلدين والمسائل الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
واستذكر الجانبان الزيارة التي قام بها صاحب السمو الإمبراطوري ولي عهد اليابان وحرمه إلى المملكة العربية السعودية في عام 1994، وزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى اليابان في عام 1998 عندما كان وليا للعهد، وزيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز (رحمه الله) لليابان في عام 2006، وزيارة دولة رئيس وزراء اليابان السيد شينزو آبي للمملكة العربية السعودية في العام الماضي، حيث أصدر الجانبان بيانا مشتركا وقررا تعزيز الشراكة الشاملة بين البلدين تجاه الاستقرار والازدهار.
وخلال هذه الزيارة إلى اليابان عبر صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز، ودولة السيد شينزو آبي رئيس وزراء اليابان، عن تقديرهما للتقدم الملحوظ في العلاقات الثنائية والاقتصادية والثقافية. كما عبرا عن عزم الجانبين على تقوية الشراكة الشاملة في كل المجالات في إطار البيان المشترك الصادر في 30 أبريل (نيسان) 2013، والاستمرار في البحث والتعاون في مختلف المستويات.. وسيتم تعزيز العلاقات الثنائية في المجالات التالية:

1) التعاون في المجالات السياسية والأمنية:
- الحوار السياسي والأمني:
• أعربت اليابان عن طموحها لأن تصبح عضوا دائما في مجلس الأمن، وترشيح اليابان للعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن خلال الفترة 2016 - 2017.
• قرر الجانبان تشجيع تبادل الدبلوماسيين الشباب وتشجيع حوار فكري حول مسائل دبلوماسية يتم تنظيمه من جانب أحد الطرفين.
• الحوار بين كبار المسؤولين في الوزارات والأجهزة الحكومية المعنية في البلدين، وذلك في أقرب فرصة ممكنة، في مجالات مثل المواقف الإقليمية، بما في ذلك عملية السلام في الشرق الأوسط وسوريا والأمن البحري وسلامة خطوط الاتصالات البحرية ومحاربة القرصنة وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل ومحاربة الإرهاب والمساعدات الإنسانية والإغاثة عند الكوارث.
- الحوار الاستراتيجي بين اليابان ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية:
• تعزيز الحوار الاستراتيجي بين اليابان ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
- تنسيق المساعدات:
• المزيد من التعاون في تنسيق المساعدات.

2) التعاون والتبادلات العسكرية:
• عقد مشاورات بين سلطات الدفاع في البلدين، وذلك في أقرب فرصة ممكنة، لبحث سبل تحقيق المزيد من التعزيز للتعاون والتبادلات العسكرية الثنائية.

3) التعاون في المجال الاقتصادي:
- التعاون في مجال الطاقة:
• أكد الجانبان على أهمية استقرار سوق النفط للأسواق العالمية، وعبّر الجانب الياباني عن تقديره لسياسة النفط المتوازنة التي تنتهجها المملكة العربية السعودية كمصدر آمن يعتمد عليه في إمداد النفط إلى الأسواق العالمية عامة والسوق اليابانية خاصة. وأكد الجانب السعودي التزامه بالاستمرار في الإمداد المستقر بالنفط إلى السوق اليابانية. كما أكد الجانبان على أهمية المزيد من التعزيز للتعاون الثنائي في مجال الطاقة الذي يشمل كفاءة الطاقة وتبادل الخبرات في هذا المجال من خلال المشاورات السعودية اليابانية للطاقة بناء على العلاقات الوثيقة بين المملكة العربية السعودية واليابان.
• استمرار التعاون في التخزين المشترك للبترول.
• التعاون في مجالات الطاقة التقليدية والطاقة البديلة والمتجددة.
• المساعدات الفنية اليابانية للمملكة العربية السعودية لتطوير سياستها حول فعالية الطاقة من خلال وسائل مثل إرسال الخبراء وعقد الندوات.
- التعاون بين القطاعات الخاصة في البلدين:
• المزيد من التعاون في الاستثمار المتبادل والمفاوضات البنّاءة المستمرة حول تشجيع البيئة التجارية.
- التعاون الصناعي:
• التعاون في الاستثمار الصناعي ونقل التقنية والبنية التحتية من خلال الوزارات والأجهزة ذات العلاقة في البلدين.
• إبرام مذكرة التعاون بين وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية ووزارة التجارة والصناعة السعودية، ومشروع نموذجي لتطوير سياسة المملكة العربية السعودية في مجال الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
- البنية التحتية:
• مشاريع المترو في المملكة العربية السعودية.
• التعاون في مجال المياه ومياه الصرف الصحي بين وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية ووزارة المياه والكهرباء السعودية.
- تنمية المصادر البشرية:
• التعاون في تنمية المصادر البشرية. التوصل إلى ترتيبات مناسبة لمكتب الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) في الرياض.
- الصحة:
• طلب الجانب الياباني من الجانب السعودي بذل المزيد من الجهود لتسهيل القيود المفروضة على واردات المواد الغذائية اليابانية والتي تم حظر استيرادها بعد الزلزال الذي ضرب شمال شرقي اليابان في مارس (آذار) 2011. وأوضح الجانب السعودي أن هذه المسألة مسألة صحية، وأنه سيتم النظر في هذه المسألة بعد أن تقرر هيئة الغذاء والدواء في المملكة أن أسباب الحظر الصحية لم تعد قائمة.

4) الثقافة والتعليم
وتبادل الزيارات:
• تبادل عدد من المناسبات الثقافية في كل من اليابان والمملكة العربية السعودية في عام 2015 الذي يصادف الاحتفال بالذكرى السنوية الستين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
• رياضة من أجل الغد لتشجيع الحركة الأولمبية عالميا بما في ذلك المملكة العربية السعودية.
• التعاون في مجال العلوم والتقنية.
• المزيد من التشجيع على تبادل الزيارات بين الشباب في البلدين.
• التعاون في مجال التعليم والتعليم العالي.
ورحب الجانبان بالنشاطات المستمرة المقامة في إطار مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود للحوار بين أتباع الأديان والحضارات والثقافات، كما رحبا بنشاطات مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات في فيينا.
كما أعادا التأكيد على أهمية المشاورات السياسية المستمرة بين المملكة العربية السعودية واليابان عبر وزارتي الخارجية في البلدين. وقررا أيضا الاستمرار في تشجيع العلاقات بين الشباب في البلدين.
واتفق الجانبان على تشجيع التعاون في العلوم ونقل التقنية من أجل تنويع الصناعات وتطوير البنية التحتية. كما أعادا التأكيد على أهمية تبادل الخبرات والبرامج الخاصة بتنمية المصادر البشرية بين البلدين وتكثيف التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث وكذلك تعزيز التعاون في مجال الاقتصاديات المبنية على أساس المعرفة.
وأعاد الجانبان التأكيد على التزامهما بسلام عادل ودائم وشامل في الشرق الأوسط طبقا لمبادرة السلام العربية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مشددين على الحاجة لتوحيد الجهود الدولية لدفع عملية السلام إلى الأمام تجاه حل الدولتين الهادف إلى قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة وموحدة وقابلة للحياة.
وعبر الجانبان عن قلقهما العميق تجاه تطورات الأحداث في سوريا واستمرار سفك دماء الأبرياء وأكدا أن النظام السوري يجب أن يُحمّل مسؤولية هذا الوضع. وفي هذا الصدد، عبّر الجانبان أيضا عن قلقهما وخيبة أملهما لفشل مؤتمر (جنيف 2) في تحقيق النتائج المتوخاة، والذي يجب أن يتحمل مسؤوليته النظام السوري، وأعادا التأكيد على الالتزام بالبحث عن تسوية سياسية سلمية وعاجلة من خلال التطبيق الكامل لبيان جنيف في 30 يونيو (حزيران) 2012، المتضمن إنشاء حكومة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة. كما أوضحا أهمية الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية وأعمال الإغاثة للاجئين السوريين وتشجيع الحكومات والمنظمات لتقديم المزيد من الدعم إلى السوريين في داخل سوريا وخارجها.
وقد أعرب صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز عن شكره وتقديره لجلالة الإمبراطور ولي العهد ولرئيس الوزراء والحكومة والشعب الياباني على ما لقيه سموه من حرارة الاستقبال وكرم الضيافة أثناء الزيارة».

وعلى صعيد اخر، أشاد الدكتور كاورو كاماتا، رئيس جامعة «واسيدا» اليابانية، بالجهود الكبيرة التي يبذلها ولي العهد السعودي والتي قال إنها أهّلته لنيل الدكتوراه الفخرية من الجامعة العريقة، مشيرا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هدف الجامعة هو تعزيز وتدويل التعليم والبحث، والمشاركة بنشاط في عمليات تبادل المعرفة والمعلومات دوليا، خاصة مع المملكة العربية السعودية. وقال «نحن سعداء بوجود ولي العهد السعودي بيننا، وهذا يعزز أواصر الصداقة بين بلدينا خاصة في المجالات التعليمية والأكاديمية».
وأشار كاماتا في تصريحه على هامش الاحتفال الذي أقيم أمس، في إحدى قاعات الجامعة لتسليم الدكتوراه الفخرية في القانون للأمير سلمان، إلى أهمية تبادل الخبرات التعليمية بين البلدان كافة وخاصة مع المملكة العربية السعودية.
وأشار كاماتا إلى أهمية الخطاب الذي أدلى به الأمير سلمان، مرحبا بدعوته للاقتراب ثقافيا وعلميا، مبديا اهتمامه بضرورة ازدياد عمليات تبادل الطلاب من خلال البعثات المشتركة. وأوضح أن عدد الطلاب السعوديين في جامعة واسيدا لا يتعدى عشرة طلاب من بين أكثر من 50 ألف طالب بالجامعة، لكنه عبّر عن تفاؤله بالمستقبل.
من جهته، أشاد البروفسور أكيدا كاتسويكي نائب رئيس الجامعة بالتعاون الياباني - السعودي، ولفت إلى تطور العلاقات في شتى المجالات مع اقتراب الذكرى الستين لانطلاقتها.
وقال كاتسويكي لـ«الشرق الأوسط» إن التنمية البشرية هي إحدى دعائم التنمية في أي بلد، متمنيا أن تستفيد السعودية بالتجربة اليابانية لخدمة مجتمعها. وأشار إلى أن جامعة واسيدا العريقة تمتد جذورها التعليمية لأكثر من مائة وثلاثين سنة، وساهمت بشكل كبير في التنمية البشرية في اليابان مع رصيفاتها الأخريات، مشيرا إلى أن هدفها هو زرع أسس المواطنة الصالحة وتخريج قادة للبلاد، ملمحا إلى أن جامعته تخرّج فيها سبعة رؤساء حكومات، ورؤساء شركات كبرى، وعدد لا يحصى من رجال الأعمال البارزين والسياسيين والصحافيين والدبلوماسيين والعلماء والمخترعين والفنانين والكتّاب.
وأشار إلى قائمة طويلة من الشخصيات العالمية البارزة الذين منحتهم الجامعة الدكتوراه الفخرية لجهودهم المختلفة دوليا، من بينهم رئيس جنوب أفريقيا الراحل نيلسون مانديلا، وعدد من الزعماء والأكاديميين.



مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان
TT

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

مغامرة بوتين في أوكرانيا... أمام الامتحان

لم يصدف في التاريخ أن كانت الحرب معزولة عن السياسة. فالحرب هي السياسة، لكن بوسائل أخرى، حسب كارل فون كلوزفيتز. والحرب تُخاض لأهداف سياسية بحتة، شرط أن تكون هذه الأهداف قابلة للتحقيق. والعكس قد يعني أن استراتيجيّة الحرب المرسومة سوف تناقض طبيعتها. فاستراتيجيّة الحرب بشكل عام، هي تلك الطريقة (الكيف في التنفيذ) التي تربط الأهداف بالوسائل، شرط التوازن بين الاثنتين.
أن تدخل الحرب بثقة زائدة، متجاهلاً الكثير والكثير من متطلّبات النجاح، لهو أمر قاتل. وأن تدخل الحرب ومفتاح نجاحها بيد الأعداء، لهو أمر يعكس السطحيّة الاستراتيجيّة للمخطّطين. لكن المصيبة تكمن، بالثمن المدفوع لأي تعثّر. فمن يرِدْ أن يكون قوّة عظمى فعليه تجميع عناصر القوّة لمشروعه.
وإذا تعذّر ذلك، فعليه ابتكار استراتيجيّة فريدة من نوعها، تجمع «القوّة الطريّة» مع القوّة الصلبة، بهدف التعويض عن أيّ نقص من عناصر القوّة.

فشل منظومة بوتين
لردع الغرب!
لم يستطع الرئيس بوتين وبعد سنة على عمليته العسكريّة في أوكرانيا، تركيب منظومة ردعيّة فاعلة وقادرة على تسهيل حربه. بكلام آخر، لم تنفع استراتيجيّته والمُسمّاة استراتيجيّة الرجل المجنون (Mad Man Theory)، في ردع الغرب. فهو أراد حماية حربه التقليديّة بمظلّته النوويّة، مُظهراً نفسه لاعباً غير عقلانيّ (Irrational). فمن التهديد النوويّ المتكرّر من قبله، ومن قبل الرئيس الروسي السابق ميدفيديف، إلى وزير الخارجيّة سيرغي لافروف. كان ردّ الغرب عبر اتباع استراتيجيّة القضم المُتدرّج لخطوط بوتين الحمراء.
وللتذكير فقط، استعمل الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون، وبالتعاون والتنسيق مع هنري كيسنجر، استراتيجيّة الرجل المجنون في حربه على فيتنام. فصوّر نيكسون نفسه آنذاك على أنه لاعب غير عقلاني قد يذهب إلى استعمال النووي في حال لم تلبَّ مطالبه، وذلك مقابل حركيّة كيسنجر العقلانيّة لإيجاد مخرج من مستنقع فيتنام.

من يريد كلّ شيء، قد
لا يحصل على شيء
وضع الرئيس بوتين لنفسه أهدافاً تعجيزيّة. من طلبه عودة وضع حلف «الناتو» إلى منتصف التسعينات، إلى إلغاء الدولة الأوكرانيّة، وضمّها إلى روسيا على أنها جزء لا يتجزّأ من مناطق النفوذ الروسيّ، إلى قيادة الانتفاضة العالميّة ضد الإمبرياليّة الأميركيّة، إلى رسم نظام عالميّ جديد تكون فيه روسيا لاعباً كونيّاً وقوّة عظمى على غرار أميركا والصين. كلّ ذلك، باقتصاد ودخل قوميّ يوازي الدخل القومي لمدينة نيويورك. كل ذلك مع تصنيع حربيّ متواضع، يعود أغلبه إلى أيام الاتحاد السوفياتيّ، ودون تصنيع محلّي للشرائح الذكيّة، التي تعد حيويّة لتشغيل أسلحة القرن الحادي والعشرين. كل ذلك مع جيش أغلبه من الأقليات التي تعيش في المناطق النائية وعلى هامش حياة الشعب الروسي في المدن الرئيسّية. جيش لا يحسن القتال المشترك للأسلحة (Combined). جيش مؤلّف من عدّة جيوش، منها الجيش الروسيّ الرسمي، إلى الفرق الشيشانيّة، وحتى شركة «فاغنر» الخاصة. حتى إن هذه الجيوش لا يقاتل بعضها مع بعض، وهي ليست على وفاق، لا بل تتصارع علناً، إن كان حول الاستراتيجيات العسكريّة، أو حتى في طريقة إدارة الحرب. جيش لم يخطط للسيناريو السيّئ، فوقع في فخ الرضا المسبق عن الذات.
بوتين الحائر
بين الاستراتيجيّة والتكتيك
في المرحلة الأولى للحرب حول كييف، خسر بوتين في الاستراتيجيّة والتكتيك. غيّر الاستراتيجيّة وتوجّه نحو إقليم الدونباس فحقق نجاحات تكتيكيّة، لكنها لم تُصَب وتتراكم لتؤمّن النجاحات الاستراتيجيّة.
بعد الدونباس، خسر الرئيس بوتين التكتيك في إقليم خاركيف، كما أجبر على الانسحاب من مدينة خيرسون. وبذلك، تراكمت الخسائر التكتيكيّة والاستراتيجيّة على كتف الرئيس بوتين لتعيده إلى مربّع الخسارة الأول حول العاصمة كييف.

التقييدات على سلوك بوتين
في المرحلة المقبلة
• لا يمكن للرئيس بوتين أن يخسر مرّتين متتاليتين في أوكرانيا.
• فالخسارة تعني بالحدّ الأدنى الإطاحة به سياسياً، حتى ولو لم تتظهّر معارضة داخلية حتى الآن.
• تاريخيّاً، لا مكان للضعفاء في الكرملين. فكلمة الكرملين وهي من أصل تتريّ، تعني القلعة المُحصّنة. وكلّما كان هناك تعثّر عسكريّ روسي في الخارج، كان التغيير السياسي في الداخل النمط المعتاد.
• لا بد للرئيس بوتين من تقديم نصر عسكريّ للداخل الروسي، حتى لو كان محدوداً. وقد يكون هذا النصر في إقليم الدونباس أولاً، وفي إقليم زابوريجيا ثانياً. فهو قد ضمّ هذين الإقليمين إلى جانب إقليم خيرسون.
• لكن السيطرة على الأقاليم الثلاثة: الدونباس وزابوريجيا وخيرسون، بأكملها، ليس بالأمر السهل، وذلك استناداً إلى التجارب السابقة مع الجيش الروسيّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يستطع الجيش الروسي، و«فاغنر» إسقاط مدينة بخموت حتى الآن، وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على العمليّة العسكريّة حولها.

المنتظر من بوتين
• بدل النوعيّة أغرق الرئيس بوتين الجبهات بالكميّة، خصوصاً من العسكر الجديد. ألم يقل الزعيم السوفياتي الراحل جوزيف ستالين: «إن للكميّة نوعيّة بحد ذاتها؟»، وبذلك يحاول بوتين اختبار جاهزيّة الانتشار الأوكراني على طول الجبهة لرصد نقاط الضعف.
• تقول المعلومات إن الجيش الروسي قد حشد كثيراً من الطائرات الحربيّة والطوافات على حدود أوكرانيا استعداداً لاستعمالها في المعركة المقبلة، خصوصاً أن جاهزيّة السلاح الجويّ الروسي تتجاوز نسبة 80 في المائة.
• كما تقول المعلومات إن التجمعات العسكريّة بدأت تظهر داخل الأراضي الروسيّة خصوصاً في مدينة كورسك، التي تقع خارج مدى راجمات «الهايمرس».
• يحاول الرئيس بوتين استرداد زمام المبادرة من يد الجيش الأوكراني، وذلك استباقاً لوصول المساعدات الغربيّة، خصوصاً الدفاعات الجويّة ودبابات القتال الرئيسيّة.
• وأخيراً وليس آخراً، قد يحاول الرئيس بوتين زرع الفوضى في المحيط الجغرافي لأوكرانيا، إن كان في مولدوفا، أو انطلاقاً من إقليم كاليننغراد الروسي والواقع على بحر البلطيق. هذا عدا إمكانيّة ضرب خطوط الإمداد لأوكرانيا على ثلاثة ممرات بريّة؛ تمرّ عبر كل من: سلوفاكيا ورومانيا وبولندا.
في الختام، هذه هي صورة الجبهّة الروسيّة. لكن رقصة «التانغو» بحاجة إلى شخصين كي تكتمل. فكيف ستكون عليه الجاهزيّة الأوكرانيّة؟ خصوصاً أننا عاينّا في هذه الحرب نماذج الحرب من العصر الزراعي، كما من العصر الصناعي، ودون شكّ من العصر التكنولوجيّ.
بعد عام على الحرب... هل باتت روسيا أكثر أمناً؟
مستقبل الحرب... واحتمالات توسعها وخروجها عن السيطرة
كيف أساءت روسيا تقدير موقف ألمانيا؟
أوروبا... تساؤلات حول مآلات الدعم لأوكرانيا
الأزمة... والدور «المشلول» لمجلس الأمن


سباق بين سلالات حاكمة تاريخية على عرش إيران

أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
TT

سباق بين سلالات حاكمة تاريخية على عرش إيران

أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)
أنصار شاه إيران السابق يرفعون صورته وصورة نجله خلال مشاركتهم في مظاهرة للمعارضة أمام مقر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الأسبوع الماضي (أ.ب)

وسط غابة خضراء في مكان مجهول، وقف رجل سبعيني ليخاطب الإيرانيين بالفيديو باقتباسات من كبار الشعراء الفارسيين، معلناً أنه «شاه عباس سلجوقي، ملك الملوك وإمبراطور إيران، آخر المتبقين من سلالة السلاجقة، ومن الأتراك الإيرانيين».
قد تبدو مزاعم الرجل في حكم إيران مثار تندر، نظراً إلى أن إمبراطورية السلالة السلجوقية التي يدعي التحدر منها أفلت قبل أكثر من ثمانية قرون. لكنه مجرد متسابق بين كثيرين يحاولون طرح أنفسهم بديلاً للنظام الحالي، في ظل تزايد السخط الشعبي على أدائه.

وتداولت فيديوهات لأشخاص يزعمون انتسابهم إلى السلاسات التي حكمت إيران بعد سقوط الصفوية في القرن الثامن عشر، وبعضهم يرشح نفسه لاستعادة عرش أجداده.
وأصبح الشغل الشاغل للإيرانيين على شبكات التواصل الاجتماعي تتبع أخبار من يتحدرون من السلالات التاريخية التي حكمت بلادهم قبل قرون، عبر فيديوهات مزاعم حق العرش التي تثير دهشتهم أو منشورات ساخرة.

صراع على تركة القاجار

ونشر شخص يدعي بابك ميرزا قاجار يقول إنه يتحدر من السلالة القاجارية التي حكمت البلاد من 1794 حتى 1925، قبل إطاحة آخر ملوكها أحمد شاه قاجار، على يد رئيس وزرائه رضا خان بهلوي الذي جلس على العرش وأسس الحكم البهلوي.
وقبل أيام، أعادت قناة «تي آرتي» التركية في خدمتها الفارسية التذكير بتقرير نشر في عام 2016 يزعم وجود أحد أحفاد السلسلة القاجارية في إسطنبول. ونقلت عمن وصفته بأنه «بابك ميرزا أحد الباقين من سلالة القاجار الإيرانية»: «في هذا التوقيت المضطرب، أرى تقارباً في العلاقة بين تركيا وإيران... أنا قادم من إيران وأتحدث التركية، وأكثر من نصف الإيرانيين قادرون على فهم اللغة التركية».

وتداول مغردون بياناً لـ«رابطة قاجار»، ومقرها جنيف وتقول إنها تمثل أبناء السلالة القاجارية، نفى أي صلة بين بابك ميرزا والقاجار. وقالت الرابطة: «اطلعنا على مزاعم شخص يدعى بابك بيتر بادار ويدعي وراثة العرش والتاج الملكي للقاجاريين، وينوي بهذه الأوهام القيام بأنشطة سياسية. هذا الشخص غير معروف للرابطة وأطلعت على وجوده عبر وسائل الإعلام».
وأضاف بيان الرابطة: «نحن كأسرة القاجار نقف إلى جانب الشعب الإيراني، ونطرد أي شخص يحاول انتحال هوية مزيفة للوصول إلى مصالح شخصية واستغلال الأوضاع الصعبة».

«دار المجانين»

وبينما انشغل الإيرانيون بمتابعة صور وفيديوهات بابك ميرزا، ظهر فيديو الرجل السبعيني الذي وقف في الغابة معلناً أنه «شاه عباس سلجوقي ملك الملوك وإمبراطور إيران».
وكتب مغرد يدعى فريد خان: «بعد بابك ميرزا قاجار، ظهر أمير سلجوقي هو الأمير عباس سلجوقي كبير أسرة السلاجقة ومن دعاة إعادة تأسيس النظام الشاهي في إيران... البلاد تحولت إلى دار المجانين».
وقال مغرد آخر: «الأمير عباس سلجوقي مستعد للتنافس مع أربعة مرشحين من السلالة الصفوية والأفشارية والقاجارية والبلهوية الذين أعلنوا استعدادهم مسبقاً لإعادة تأسيس النظام الشاهي».
وكتبت مغردة تدعى شرارة: «في سباق العودة التاريخي، ظهر أمير سلجوقي... على أمراء السلاسات الأخرى الإسراع لأن الغفلة تؤدي إلى الندم، على رضا بهلوي الانتحار لأن منافسيه يزدادون».
ورضا بهلوي هو نجل شاه إيران السابق الذي يلتف حوله أنصار والده وبعض المشاهير، لطرح بديل لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران. لكن نجل الشاه يواجه معارضة من شريحة واسعة بين أبناء الشعوب غير الفارسية، مثل الأكراد والعرب والأتراك والبلوش.
وتأتي الظاهرة الجديدة بينما تحاول السلطات الإيرانية إخماد الاحتجاجات بأساليب من بينها التوسع في عقوبة الإعدام وتنفيذها حتى الآن في أربعة متظاهرين.
وكان لافتاً خلال الأيام الأخيرة نشر فيديوهات من قنوات «الحرس الثوري» تشبه النظام الحالي بالحكم الصفوي الذي حاول منافسة العثمانيين على حكم العالم الإسلامي.


السودانيون يتداولون أسماء لتولي رئاسة الحكومة المدنية

وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
TT

السودانيون يتداولون أسماء لتولي رئاسة الحكومة المدنية

وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)
وصول مساعدات المعونة الأميركية إلى ميناء بورتسودان أمس (أ.ف.ب)

بدأ سباق إعلامي على خلفية التسريبات من الغرف المغلقة حول أسماء المرشحين لتولي منصب رئيس وزراء الحكومة المدنية المرتقبة في السودان، فيما أكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر سابق لأوانه، وأن البعض ربما يحاول تسويق بعض الأسماء، لكن الجهات المعنية بأمر العملية السياسية تتمسك بأن اختيار رئيس الوزراء يحتاج إلى توافق كبير بين الأطراف المختلفة التي تشكل الحاضنة الجديدة للسلطة الانتقالية التي لم تتشكل بعد.
وأفادت المصادر ذاتها بأن موضوع الأسماء غير مطروح في الوقت الحالي لأن العملية السياسية لا تزال في بداياتها ويمكن الحديث عن الترشيحات عقب التوقيع على «الاتفاق الإطاري» بين المدنيين والعسكريين. وأكدت أن «تحالف الحرية والتغيير، والمجموعات الأخرى، لم تبدأ في أي نقاش حول هذا الأمر، لكن هذا لا يمنع أي جهة كانت أن تتقدم بالمرشح الذي تراه مناسباً». وأوضحت أن المرشح لمنصب رئيس الوزراء سيخضع للتشاور بين أطراف كثيرة، وأن الوصول إلى التوافق على شخص لقيادة الحكومة المدنية في هذا الوقت لن يكون سهلاً، لكن ليس أمام قوى الانتقال مفر من التوافق على مرشح يجد قبولاً واسعاً وسط القوى السياسية وحراك الشارع.
ومن بين الأسماء التي ترددت لتولي منصب رئيس الوزراء، طه عثمان، وهو من قيادات تحالف «الحرية والتغيير» التي قادت المفاوضات مع قادة الجيش خلال الفترة الماضية حتى تم التوصل إلى «تفاهمات حول مسودة الوثيقة الدستورية، التي أعدتها نقابة المحامين»، والتي تحدد هياكل وصلاحيات مؤسسات وأجهزة السلطة الانتقالية المتفق عليها.
كما برز اسم وزير المالية الأسبق، إبراهيم البدوي، الذي عمل في حكومة رئيس الوزراء المستقيل، عبد الله حمدوك. وتردد أيضاً اسم وزير العدل الأسبق، نصر الدين عبد الباري، الذي عمل أيضاً في حكومة حمدوك، وتتردد إشاعات بأنه يحظى بدعم مقدر من قوى دولية. وتقول المصادر إنه بصرف النظر عن الأسماء، فلا شك أن هناك مجموعات ضغط (لوبيات) تدفع باتجاه تقديم المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة الانتقالية المدنية، التي لا بد أن تتخذ قرارات صعبة، وربما مواجهات سياسية مع أنصار النظام المعزول من الإسلاميين المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني الذي كان يرأسه الرئيس السابق عمر البشير.
لكن غالبية المصادر أشارت إلى أن هذه الترشيحات لا تخرج عن كونها ترويجاً وسباقاً لبعض القوى السياسية والمدنية لرسم المشهد السياسي في البلاد قبل اكتمال العملية السياسية، التي تحتاج إلى خطوات كبيرة للوصول إلى الاتفاق النهائي. وقالت المصادر: «في الوقت الراهن لا يمكن الحديث عن أي حظوظ للأسماء المطروحة للتنافس على المنصب»، لكنها توقعت أن ترتفع وتيرة الحملات الإعلامية في الفترة المقبلة في محاولة للتسويق السياسي لهذه الأسماء.
ونصّت التفاهمات التي توصل إليها تحالف «الحرية والتغيير» مع القيادة العسكرية في البلاد، وفق مسودة الدستور المقترح، على أن يكون رئيس الوزراء ومجلسه من الكفاءات الوطنية المستقلة، بعيداً عن المحاصصات الحزبية، وأن تختارهم القوى السياسية التي ستوقع على «الإعلان السياسي الجديد، مع مراعاة التمثيل العادل للنساء والتنوع العرقي والجهوي دون الإخلال بمبدأ الكفاءة».
وأكد القيادي في تحالف «الحرية والتغيير» ياسر عرمان، في حديث أول من أمس، أن اختيار رئيس الوزراء «يجب أن يتم بالتشاور بين قوى الثورة، بما في ذلك أطراف عملية السلام (الفصائل المسلحة)، بالإضافة إلى قوى الانتقال الديموقراطي». وتنقسم العملية السياسية إلى مرحلتين، الأولى التوقيع على «الاتفاق الإطاري» بما تم التوصل إليه من توافق حول مسودة الدستور، ومن ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية بالتوقيع على «الاتفاق النهائي»، الذي يعقبه تشكيل الحكومة التنفيذية.