الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي

عدد جديد من مجلة «الإسلام في القرن الحادي والعشرين»

الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي
TT

الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي

الجهاد في جوهره مفهوم سلمي لا عنفي

كرّست هذه المجلة الباريسية المرموقة عددها الأخير لموضوع واحد، هو «الجهاد في الإسلام». وقد شاركت فيه نخبة من الباحثين والباحثات. افتتح العدد رئيس رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين البروفسور الجزائري الأصل الدكتور صادق بلوصيف. وقد جاء في افتتاحيته للعدد الجديد ما فحواه: كلمة الجهاد أصبحت ترعب الكثيرين وتحدث في نفوسهم الكثير من المخاوف والهلوسات. فما هي حقيقة الأمر؟ ما هي حقيقة الجهاد؟ هل كلمة الجهاد حربية صراعية عسكرية؟ هل الجهاد نوع من «صدام الحضارات» قبل الأوان؟ أسئلة كثيرة متلاحقة يضطر المرء إلى طرحها، بل ويطرحها الكثيرون على أنفسهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. ولكن الجميع ينسون أن الجهاد في الإسلام يعني مجاهدة النفس ومقاومة انحرافاتها وتقويم اعوجاجها وتعويدها على الفضيلة ومكارم الأخلاق. وهذا هو الجهاد الأكبر في الإسلام. ولكن لا أحد يتحدث عنه. الجميع مهووسون بالجهاد الأصغر: أي الجهاد الحربي العسكري. كلنا مشغول بالجهاد الخارجي وننسى الجهاد الداخلي: أي مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء.
ثم يختتم رئيس التحرير افتتاحيته قائلاً ما معناه: هكذا تجدون أننا ابتعدنا كثيراً عن المفهوم الأصلي للجهاد الأكبر، والذي يعني كما قلنا مجاهدة النفس ونزعاتها الشريرة؛ بغية إصلاحها وتحسينها وتدريبها على الفضائل. وهذا ما ينصح به الإسلام كل مسلم. هذا ما يعلمنا إياه الإسلام دين السلام والتعايش والتعارف بامتياز. جاء في الذكر الحكيم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13). هنا يكمن جوهر الإسلام العظيم الذي شوّهوه، وينبغي أن يدفعوا ثمن هذا التشويه يوماً ما.
وقد ابتدأ الكلام الباحث المعروف أسامة حسن بدراسة مطولة اتخذت عنواناً لافتاً، هو «كيف يمكن تخليص الإسلام من الإسلاموية». المقصود كيف يمكن تخليصه من الاتجاهات الجهادية المتعصبة والدموية على طريقة «داعش» و«القاعدة»، إلخ. وقد أنهى الباحث الإسلامي مداخلته بعبارة فاجأت الجميع، وهي أن الجهاد في جوهره وأساسه مفهوم سلمي لا عنفي.
ولكن يبقى صحيحاً القول بأن الجهاد حُرّف عن معناه الحقيقي وتحول على أيدي المتطرفين الدواعش إلى تفجيرات دموية مرعبة ولم يعد مسالماً على الإطلاق. ولهذا السبب ينبغي تحرير الإسلام من الإسلاموية. فالإسلام في جوهره دين الرحمة والشفقة والمغفرة. ولكن اتجاهات متعصبة سطت على الإسلام في السنوات الأخيرة واحتكرته لصالحها وكأنها الممثل الوحيد له في حين أنها تشويه له. ولهذا السبب ينبغي تخليصه من براثنها.
أما الدراسة الثانية في العدد، فهي مكرّسة للتحدث عن مناضلي الجهاد الفرنسي، عن منشئهم السوسيولوجي الاجتماعي، عن آيديولوجيتهم، عن مساراتهم الشخصية أو الفردية، إلخ. وقد كتبها الباحث المعروف التونسي الأصل حكيم القروي بالإضافة إلى الباحث بنيامين هودايا.
وانتهى العدد بدراسة ثالثة كتبتها البروفسورة والمحللة النفسانية المعروفة حورية عبد الواحد. وقد تحدثت فيها عن كيفية تحويل أطفال «داعش» إلى مسلحين قتلة مرعبين في حين أنهم كانوا أطفالاً أبرياء. بمعنى آخر، لقد حوّلوهم من ضحايا إلى جلادين.

منطق الأصولية الإسلاموية

ننتقل الآن إلى كلام سكرتيرة التحرير إيفا جانادان، الباحثة المختصة المتبحرة في العلم والدراسات الإسلامية. فماذا تقول لنا يا ترى عن موضوع الجهاد؟ إنها تتحدث عن نظرية الجهاد قائلة ما معناه: لكي نفهم عقيدة الجهاد جيداً، فإنه لمن الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار رأي كبار الفقهاء في القرون الوسطى الذين قسّموا العالم إلى قسمين: دار الإسلام/ ودار الحرب التي تدعى أيضاً دار الكفر. وهذا التقسيم الثنائي أو الثنوي يرتكز على الفرضية التي تقول بأن الإسلام سيعمّ العالم كله يوماً ما وأن شريعته ستحلّ محل جميع الشرائع وأنه لا يمكن أن يوجد حكم شرعي مرضي عند الله على وجه الأرض إن لم يكن إسلامياً. وهذا يعني أن أرض الإسلام بالمعنى الديني كما السياسي للكلمة مفتوحة لا حدود لها. ولكن بانتظار أن يعمّ الإسلام العالم كله فإن الفقهاء اضطروا إلى تقسيم المعمورة إلى قسمين: أرض الإسلام والطهر/ وأرض الحرب والكفر. وبين هذين القسمين ينبغي أن تستمر الحرب حتى يتحقق الانتصار الكلي والنهائي للإسلام على بقية العقائد والأديان. ثم تردف الباحثة قائلة: ضمن هذا المنظور خلع فقهاء القرون الوسطى المشروعية الإلهية على الجهاد الحربي العنيف.
ننتقل الآن إلى المداخلة القيّمة التي كتبها الباحث الإنجليزي ولكن العربي السعودي الأصل الدكتور أسامة حسن. وهذا الباحث لمن لا يعرفه ذو مسار مدهش حقاً وغير متوقع على الإطلاق. فقد كان أصولياً جهادياً قبل أن ينقلب إلى مسلم مستنير! ينبغي العلم أنه كان في شبابه الأول ولمدة عشرين سنة على الأقل مناضلاً حركياً من أتباع الخط السلفي الراديكالي. بل وحتى عندما كان لا يزال طالباً في جامعة كمبردج فإنه شارك فعلياً في عمليات الجهاد ضد القوات الشيوعية في أفغانستان (9019 - 1991). ولكن على أثر التفجيرات الإرهابية التي أصابت ميترو لندن عام 2005، فإنه غيّر موقفه جذرياً وراح يناضل ضد التطرف والتعصب الديني. بل وراح ينخرط في خط الإصلاح الإسلامي المستنير ويروّج له داخل البيئات والحلقات الإسلامية. وهناك شيء آخر لا نعرفه عنه، وهو أنه خدم كإمام جامع لمدة 40 سنة على الأقل. وهو مشبّع بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وبقية النصوص الإسلامية المقدسة. وقد ترجم العديد من هذه النصوص إلى لغة شكسبير. كما وساهم في تأليف كتاب جماعي بعنوان «أهل الكتاب: كيف يفهم اليهود والمسيحيون والمسلمون نصوصهم المقدسة» (2019). وأخيراً، ينبغي العلم أنه المحلل الفكري والسياسي والاستراتيجي الأول «لمعهد توني بلير للتغيير العالمي». ماذا يقول هذا الباحث الخبير المطلع من الداخل على شؤون الحركات الأصولية وشجونها؟ إنه يقول لنا ما معناه: أن منطق الأصولية الإسلاموية يرتكز إلى أربع مسلّمات: الأولى هي أن مسلمي العالم كله يشكلون الأمة الإسلامية بصفتها أمة عالمية موحدة تقف في مواجهة جميع الأمم الأخرى غير المسلمة. وهم يعتمدون على مفهوم أساسي ذاع صيته وانتشر، هو: الولاء والبراء. بمعنى أن ولاء كل مسلم هو لصالح الإسلام والمسلمين الآخرين فقط. وبالتالي، البراء من جميع من هم غير مسلمين من أتباع الأديان والفلسفات والعقائد الأخرى. أما المسلّمة الثانية، فتقول بضرورة تشكيل دولة الخلافة الإسلامية التي تضم جميع مسلمي الأرض والتي لا تعترف بالحدود الحالية الكائنة بين الدول الإسلامية كالسعودية ومصر والمغرب، إلخ. كل هذه يعتبرونها حدوداً مصطنعة. وأما المسلّمة الثالثة، فتقول بضرورة تطبيق الشريعة كقانون وحيد لدولة الخلافة الإسلامية. ينبغي تطبيقها بما فيها الحدود البدنية كقطع يد السارق وجلد شارب الخمرة ورجم المرأة المخطئة، إلخ. إنهم يطبّقون تفسيرهم الأصولي للشريعة بشكل حرفي على جميع رعايا المملكة الإسلامية حتى ولو كانت مضادة بشكل صارخ للمفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان. وأما المسلّمة الرابعة، فتقول بضرورة توسيع رقعة الدولة الإسلامية أكثر فأكثر بواسطة الجهاد. وهم يقصدون الجهاد الحربي الدموي فقط؛ لأنهم يجهلون كلياً الجهاد الأكبر الذي تحدثنا عنه سابقاً أو يتجاهلونه. ضمن هذا المعنى، فإن الأصوليين الإسلامويين يستخدمون الجهاد كأداة فعالة وفتاكة لإرهاب الآخرين وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية.

فتوى ماردين

يقول لنا هذا الباحث الضليع المطلع بأنه اجتمع في مدينة ماردين التركية أكثر من اثني عشر عالماً إسلامياً كبيراً وأعلنوا إدانتهم للتطبيق المتطرف لفتوى شهيرة كان ابن تيمية قد أصدرها في المدينة ذاتها قبل سبعة قرون. لقد شوّه الجهاديون الدمويون فتوى شيخ الإسلام التي تقول حرفياً «يُعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُعامل الخارج على شريعة الإسلام بما يستحقه». فأصبحت على أيدي المتطرفين المعاصرين: تنبغي «محاربة» غير المسلمين بالطريقة التي يستحقونها! وهكذا شوّهوا فتوى ابن تيمية أو قُلْ حرفوها عن طريق إحلال كلمة «محاربة» أو «مقاتلة» محل كلمة «معاملة». ثم يخبرنا الباحث بأن الجماعات التكفيرية كانت منذ سنوات الستينات من القرن الماضي تستخدم هذه الفتوى المحرفة كأداة فعالة وفتاكة لتبرير اعتداءاتها الدموية على الآخرين. كما واستخدموها ضد الأنظمة العربية والإسلامية القائمة بحجة أنها مرتدة عن الإسلام، وبالتالي فيحق شرعاً إسقاطها واغتيال قادتها لأنهم لم يعودوا مسلمين في نظرهم! وهكذا بلغ التطرف بالجهاديين الدمويين مبلغه... ولكن لحسن الحظ، فإن فتوى ماردين الجديدة أعادت الأمور إلى نِصابها وقالت حرفياً «فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكاً أو مستنداً لتكفير المسلمين والخروج على حكامهم، بل هي فتوى تحرّم كل ذلك». ثم أردفت فتوى ماردين الجديدة قائلة بأن العالم كله ينبغي أن يصبح أرض سلام وتسامح وتعايش بين مختلف الأديان والأقوام والمذاهب دون استثناء. وكل هذا متوافق مع جوهر الآية القرآنية الكريمة المذكورة سابقاً «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى....» إلخ. وهذا ما أعلنته أيضاً وثيقة الأخوة الإنسانية الموقّعة في أبوظبي من قِبل بابا روما وشيخ الأزهر بحضور الشيخ محمد بن زايد (بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019). وهذا ما أعلنته أيضاً وثيقة مكة المكرمة الموقّعة من قِبل أكثر من 1200 عالم إسلامي كبير (بتاريخ 30 مايو (أيار) 2019). وقد حصل ذلك في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين وللأمير محمد بن سلمان، الذي هو قائد نهضوي وتنويري عربي كبير.
ولكن ماذا فعل المتطرفون الظلاميون؟ لقد رفضوا هذا الانفتاح الفكري والديني الكبير الذي حصل في ماردين وأبوظبي والرياض. وكان من بين الرافضين أحد منظّري «القاعدة» أنور العولقي، الذي زعم بأن فتوى ماردين هي فتوى النظام العالمي الجديد. كما ورفض هو وبقية قادة التطرف القاعدي - الداعشي فكرة الحوار بين الأديان. وقالوا بأن الإسلام يفرض علينا شرعاً محاربة جميع الأديان والمذاهب الأخرى بلا هوادة. هكذا نلاحظ أننا نقف في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة من تاريخ الإسلام أمام تفسيرين متضادين له أو مفهومين متخاصمين: مفهوم منفتح/ ومفهوم منغلق، مفهوم متسامح/ ومفهوم متعصب، مفهوم أنواري/ ومفهوم ظلامي. وحتماً سوف تنتصر الأنوار على الظلمات ولو بعد حين.


مقالات ذات صلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.