عمر مسقاوي لـ«الشرق الأوسط»: شروط النهضة لمالك بن نبي لم تتحقق بعد

المفكر الجزائري ترك له مسؤولية كتبه المعنوية والمادية

عمر مسقاوي   -  مالك بن نبي
عمر مسقاوي - مالك بن نبي
TT

عمر مسقاوي لـ«الشرق الأوسط»: شروط النهضة لمالك بن نبي لم تتحقق بعد

عمر مسقاوي   -  مالك بن نبي
عمر مسقاوي - مالك بن نبي

لا غرو أن تحتفل الجزائر والكثير من الدوائر الثقافية العربية بالمفكر مالك بن نبي، كما ورد في «الشرق الأوسط» في السادس من مارس (آذار) 2023. فعلى الرغم من أن بن نبي من مواليد عام 1905 في مدينة قسنطينة في الجزائر، فهو يستحق أن يعود إليه العالم العربي والإسلامي دوماً نتيجة الإرث الفكري الضخم الذي حققه في مسار حياته التي امتدت حتى عام 1973. وكان المفكر الكبير، قبل وفاته بعامين، وتحديداً في 16 ربيع الثاني 1391هـ الموافق 10 يونيو (حزيران) 1971م، قد ترك في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان وصية حمّل فيها المحامي عمر مسقاوي الذي صار لاحقاً نائباً ووزيراً في التسعينات من القرن الماضي، وهو حالياً نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
بالعودة إلى عدد «الشرق الأوسط» المشار إليه آنفاً، والذي حاورت فيه أنيسة مخالدي، الباحث الجزائري -السويسري زيدان مريبوط، الأستاذ بجامعة جنيف، ومؤلف كتاب «مالك بن نبي: أب للتيار الإسلامي العالمي»؛ لفت الباحث إلى أن بن نبي شدد على أن «نهضة العالم الإسلامي لن تتحقق إلا من خلال رفض السبات والخرافات والجهل الذي يفسر تأخره، وبالتالي فقد اقترح على الجميع استجواب الذات، واعتماد التفكير النقدي والمساءلة الحضارية على أرضية متينة مبنية على التعليم وإشراك المرأة والالتحاق بالزخم المعرفي والتكنولوجي لتحقيق تنمية حديثة ومستدامة». ويعود مريبوط في هذا المجال إلى كتاب بن نبي «شروط النهضة» الذي أصدرته «الوكالة الوطنية للنشر»، الجزائر عام 2005؛ أي في الذكرى المئوية الأولى لولادة المفكر الجزائري.
وفي سياق ما نشرته «الشرق الأوسط»، خص المحامي مسقاوي الصحيفة ببحث له حمل عنوان «شـــــروط النهضـــــة في عـــــالم جـــــديد»، يقول فيه: «كان الإطار الذي أحاط بنشأة فكر بن نبي يتكوّن في أجواء قسنطينة التي كانت تَفِد إليها من مصر والشرق أنباء الاستعمار البريطاني، ثمَّ الحركة التجديدية عبر رشيد رضا وإرث الإصلاح الأفغاني من ناحية، ومن ناحية أخرى أوروبا العشرينات وبروز العامل الأميركي مع تطور الرأسمالية والفكر الاشتراكي، ثم سائر التطورات القادمة، مع الشاعر طاغور، من الهند التي كانت في تلك الفترة مركزاً لهيمنة الاستعمار البريطاني في آسيا ومؤثراته في الجزيرة العربية ومصر في سائر الاتجاهات».
كانت هذه صورة التحولات التي فيها ترابطت فاعلية حضور أوروبا في العالم عبر الاستعمار. وهكذا غدا مفهوم الثقافة هو الصورة والتعبير عن تلك الولادة الجديدة التي تحققت فعلاً والتي اتخذت مصطلح «Renaissance». فارتبط مفهوم الثقافة وبعث أوروبا من جديد كنموذج في ذهن الأنتلجنسيا العربية والإسلامية. وغدا النموذج الأوروبي هو المعيار في التحدي المزدوج نحو الانفتاح الكلّي على هذا النموذج خارج حدود التراث العربي والإسلامي كحقيقة اجتماعية قائمة أو الانكفاء الكليّ نحو الذاكرة التاريخية لنموذج الحضارة الإسلامية.
كان ذلك كله أساس نقد بن نبي لمسار ذلك التفكك الفكري، الذي اختصره بمصطلح القابلية للاستعمار، الذي أسس به شهادته الأولى على العصر. وقد أصدر بن نبي هذه الشهادة تحت عنوان «العفنpourriture »، وقد كتبها بشفافية الرؤية والمشاعر منذ دخوله طالباً إلى فرنسا عام 1930، وكانت عليه حرباً من الاستعمار والقابلية للاستعمار معاً. وفي عام 1969، وبعد عودته إلى الجزائر، رأى أن يكتب مرحلة الطالب في شاهد القرن مجدداً وينتقي من العفن مآسيه فيه. وقد كان كتاب «شروط النهضة» قد صدر بالفرنسية لأول مرة عام 1949. إن عنوان كتاب «شروط النهضة» الذي صدر باللغة العربية هو ترجمة لأصله كما كتبه المؤلف باللغة الفرنسية تحت عنوان: DISCOURS sur les conditions de la Rennaissance Algérienne.
ومعنى (conditions) باللغة الفرنسية تعدد المعاني، ويمكن ترجمة هذا التعبير إلى معانٍ مختلفة، ومنها مقدمات سابقة (préalables) لا بد منها قبل الوصول إلى الهدف. وفي حالتنا الراهنة يطرح كتاب «شروط النهضة» مقدمات لمستقبل تشخيص النهضة، أولها ما ختم به المؤلف شروط النهضة، وهو الخروج من قيود القابلية للاستعمار.
وتضمن في طبعته الأولى مظاهر ما تضمنه كتابه «العفن»، تعبر عنه صفحة الكتاب المطبوع بالفرنسية، ومشار فيه إلى حكمة من الكاتب الفرنسي ميكافيل، وقد طبعها على غلاف الكتاب، نترجمها بالعربية كما يلي: «على الرجل الشريف أن يُعلم الآخرين الخير، فإذا لم يستطع تحقيقه في أزمان الطغيان والفجور والعمى في الفكر، فهناك أمل كبير في زمان آخر سيأتي فيه من يقرأه ويعلمه بكفاءة تتيح الازدهار والتقدم». فهذا العنوان في حدِّ ذاته يطرح المنطلقات الرئيسية لسلسلة كتبه جميعاً. وهو انطلق من معيار عملي يختلف أساساً عن كلّ مقاربات المفكرين والكتَّاب الذين تكلموا عن النهضة كعنوان في تبعية التقدم الغربي، سواءٌ في هذا الاتجاه أو ذاك.
يتحدث بن نبي عن الخمسين عاماً السابقة على صدور كتاب «شروط النهضة» والتي كانت لها إيجابية النزوع إلى الإصلاح، لكنها عادت دون الأهداف والاتجاهات، وقد رآها بن نبي لا تعالج المرض وإنما الأعراض، كالطبيب الذي يواجه المريض بالسل الجرثومي فلا يهتم بالجراثيم إنما يهتم بالحمى عند المريض. وهنا يعلق بن نبي بأن القاعدة في علم الاجتماع ليست حداً صارماً كما هي في علم الرياضيات، فلكي ننشئ حضارة فليس لنا أن نشتري منتجات حضارة أخرى. فالحضارة هي التي تلد منتجاتها، ومن السخف أن نعكس القاعدة فنصنع حضارة من منتجات سوق الحضارات. وينتهي بن نبي من هذا كله إلى تحديد معادلة رياضية لكل ناتج حضاري هو الإنسان بالمعادلة التالية: إنتاج حضاري = إنسان، تراب، وقت. ويسأل: هل يمكن للشعوب الإسلامية في مرحلتها الراهنة تطبيق المبدأ القرآني في إرادة اندفاع روحي للتغيير في معادلة الإنسان والتراب والوقت؟ وفي مقاربة هذا السؤال، بدأت الشروط التي وضعها بن نبي تنطلق من استراتيجية أساسية مماثلة لاستراتيجية ولادة أوروبا من جديد في إطار مفهوم «النهضة»Renaissance) ) الأوروبي. هذه الاستراتيجية تتمثَّل في إعادة النظر في التراث القديم بعد تصفيته من سائر مؤثرات الحضارة الإسلامية التي أفلت بعد سقوط الأندلس كما يقول بن نبي. وكان الخروج من القابلية للاستعمار يتطلب تأهيلاً جديداً يُصَفِّي سلبيات الأفكار السائدة في لحظة تاريخية مليئة بالبواعث، كتلك اللحظة التي نشأت فيها ولادة الإسلام عبر الوحي في مكة.
وتعبير الولادة الجديدة كما سماها في أوراقه الخاصة، هو ولادة «وجوه تسير نحو الفجـــــــــــــــــــر» ( visages à l’aurole) التي تشير إليهم في أنشودة الافتتاح، وبقي مصطلح «Renaissance»، كما جاء في الأصل الفرنسي لكتاب «شروط النهضة»، هو المعنى العملي والأكثر وفاء بمنطلقات بن نبي لورشة «النهضة»، فمصطلح «Renaissance» يدلّ على ولادة فعلية لواقع حضاري جديد هو «الغرب» بكل معناه، وقد أضحى حقيقة نهائية في مفهوم الحداثة والاستعمار على سواء، في حين أن فكرة النهضة في المشروع العربي الإسلامي اتجهت إلى المستقبل خروجاً من الواقع القائم. وهذا يدلّ على أنَّ وعي العرب في رؤيته لنهضة أوروبا يقوم أساساً على الإحساس بالفارق بين واقع التخلف وواقع نهضة أوروبا؛ لذا فهم يفكرون بالنهضة التي يرون نماذجها ولا يفكرون في بناء نهضة كبديل عن الواقع الذي يعيشونه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)
TT

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)

أعلن الملياردير الأميركي وارن بافيت، اليوم الأربعاء، أن قراره استبعاد مؤسسة بيل غيتس من تبرعاته الخيرية يعود أساساً إلى قناعته بأن أبناءه الثلاثة أصبحوا جاهزين لتولي مسؤولية كيفية توزيع ثروته بالكامل، وليس بسبب علاقة بيل غيتس بالمدان في قضايا الاعتداء الجنسي جيفري إبستين.

وأضاف المستثمر البالغ من العمر 95 عاماً، في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»، أن علاقة غيتس بإبستين «مقززة»، لكن أشار إلى أن تصرفات غيتس لا تختلف كثيراً عن الأخطاء التي ارتكبها هو نفسه على مر السنين في توظيف الشخص الخطأ أو في اختيار الأصدقاء.

بيل غيتس ووارن بافيت (أرشيفية - أ.ب)

وأوضح بافيت: «لا أحد ينجح بنسبة 100 في المائة عندما يتعلق الأمر باختيار الأشخاص».

وذكر أن غيتس لم يتفاجأ بالقرار الذي أعلنه أمس الثلاثاء بالتبرع بما تبقى من أسهمه في شركة «بيركشاير هاثاواي» والتي تقدر قيمتها بنحو 140 مليار دولار لمؤسسات تابعة لعائلته وأبنائه الثلاثة: هوارد، وسوزي، وبيتر.

وكان غيتس أعلن أنه التقى إبستين فقط لاعتقاده بأن ذلك قد يساعده في جمع التبرعات للأعمال الخيرية، وأنه لم يكن على علم بالجرائم التي كان إبستين يرتكبها في ذلك الوقت.

وسبق أن أعلن بافيت في عام 2024 أنه يعتزم وقف التبرعات لمؤسسة غيتس بعد وفاته، على أن يتولى أبناؤه الثلاثة مسؤولية تحديد كيفية توزيع ما تبقى من ثروته.


8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
TT

8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)

يجد الإنسان نفسه في كثير من الأحيان عالقاً داخل دائرة من الأفكار المتكررة، التي قد تؤدي إلى الإصابة بالإرهاق الذهني والقلق المستمريْن، حيث تسيطر المخاوف والاحتمالات السلبية على عقل الشخص وتوجه طريقة تفكيره.

وتُعرف هذه الحالة بفرط التفكير، وقد تؤثر على التركيز، والمزاج، وحتى جودة النوم والحياة اليومية بشكل عام، ونتخيل التفكير المفرط عادة كعقلٍ مُفرط النشاط مليء بأسوأ السيناريوهات. وقد يكون الأمر كذلك بالفعل. ولكن في كثير من الأحيان، يتخفى التفكير المفرط وراء قناعٍ أكثر وداً. وغالباً ما يظهر بمظهر الحذر والمسؤولية، وكأنه محاولة لاتخاذ القرار «الصحيح»، وفق الدكتور جيفري بيرنشتاين، المختص في علم النفس ومؤلف لسبعة كتب شهيرة في هذا المجال.

يقول بيرنشتاين في مقال له نشر، الثلاثاء، على موقع «سيكولوجي توداي»، فكّر في كم من هذه الأفكار يبدو مألوفاً لديك؟

وينصح بأن نقرأ هذه الأفكار، وأن نحاول معرفة كم من هذه الأفكار تُسيطر عليك وتؤثر عليك للدرجة التي تجعلها قد تُفوّت عليك فرصاً قيّمة قد لا تعوض مرة أخرى. يستعرض بيرنشتاين بعضاً من هذه الأفكار التي تتردد داخل عقولنا في صورة عبارات أو أسئلة أثيرة من نوع:

«ماذا لو فشلت؟»، «أنا لست مستعداً»، «ماذا لو حكم عليّ الناس؟»، «أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة»، «ماذا لو خيّبتُ آمالهم؟»، «ماذا لو ندمتُ على هذا القرار؟»، «ماذا لو كان هناك خيار أفضل؟»، وأخيراً: «هل يجب أن أفكر في هذا الأمر لفترة أطول؟».

فخ الأمان الزائف

يقول بيرنشتاين: «لا تفهم كلامي على أنه دعوة للاندفاع في الحياة بتهور. كلا، أنا لا أقول إن أياً من الأفكار المذكورة أعلاه (سيئة). فلكل منها قيمة في السياق المناسب. ولكن تكمن المشكلة عندما تصبح هذه الأفكار مسارات تفكير تلقائية بدلاً من كونها مجرد أفكار عابرة».

ويوضح أن الكثيرين يعتقدون، دون وعي، أنهم إذا فكروا ملياً، أو استعدوا جيداً، أو حللوا بدقة كافية، فسوف يتخلصون من الشك. لكننا نعلم جميعاً أن الحياة لا تقدم ضمانات.

ويتابع: «لا يمكن لأي قدر من التفكير أن يضمن نتيجة مثالية، أو موافقة الجميع، أو اتخاذ قرارات خالية من الأخطاء. في الواقع، بناءً على خبرتي التي تمتد لخمسة وثلاثين عاماً بصفتي أخصائياً نفسياً، رأيت من خلال عيون عملائي أن البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات، وضياع الفرص، والبقاء عالقاً لفترة طويلة بعد فوات الأوان للمضي قدماً».

ثمن التفكير المفرط

ويطالب بيرنشتاين بالرجوع إلى قائمة الأفكار التي قدمها، وأن نتذكر جيداً «أن لكل فكرة متكررة من أفكار التفكير المفرط ثمنٌ خفي»، مشدداً على أن للأمر عواقب عاطفية وسلوكية وخيمة نتيجة للأفكار المتضاربة، وموضحاً أن عبارة «ماذا لو فشلت؟» قد تمنعك من المحاولة. وعبارة «ماذا لو حكم عليّ الناس؟» تُبقيك صامتاً. وعبارة «ماذا لو خيبت أمل أحدهم؟» قد تُوقعك في فخ إرضاء الآخرين. ومع مرور الوقت، ستسرق هذه الأفكار حياتك إن سمحت لها بذلك.

ولكنه يستطرد بأن الخبر السار في الأمر هو أن إحدى الاستراتيجيات المفيدة هنا، هي تعلم ملاحظة الأفكار بدلاً من الانقياد لها تلقائياً. لذا، بدلاً من الجدال مع فكرة ثقيلة وسلبية ومُثقلة بالقلق، حاول تصنيفها.

ويضيف: يمكنك أن تقول: «ها هي فكرة (ماذا لو فشلت؟)» أو «ها هي فكرة (أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة)». هذا يخلق مسافة ثمينة بينك وبين هذه الأنواع من الأفكار، مشدداً على أن الأهم من ذلك، أن تتوقف عن التعامل مع كل فكرة كأنها أمرٍ مُلزم، وتبدأ في النظر إليها كأنها نشاط ذهني قد يستحق أو لا يستحق انتباهك الكامل.


ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
TT

ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)

انتشر على منصات التواصل الاجتماعي شعار مثير للجدل يدعو النساء إلى التوقف عن التضحية الدائمة بأنفسهن، مستخدماً عبارة صادمة مفادها: «توقفي عن إرضاء الآخرين... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» أو «كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي».

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فكرة أن الإفراط في إرضاء الآخرين يسبب ضغوطاً نفسية مزمنة قد تؤثر سلباً في الجسم على المدى الطويل. وذهب بعض المستخدمين إلى حد الادعاء بأن السعي الدائم إلى إرضاء الآخرين هو السبب الرئيس وراء إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية.

ويشير هؤلاء إلى حقيقة علمية معروفة، وهي أن نحو 80 في المائة من المصابين بأمراض المناعة الذاتية من النساء، وهي ظاهرة لا تزال تحيّر العلماء منذ سنوات، وفق تقرير نشره موقع «أفريداي هيلث».

وفي المقابل، تشجع بعض النساء على إعطاء الأولوية لاحتياجاتهن الشخصية، وعدم الشعور بالذنب عند الدفاع عن حقوقهن، أو رفض ما يرهقهن، بل إن بعضهن يربطن بين هذا التغيير وتحسن بعض المشكلات الصحية، مثل الإكزيما.

لكن الأطباء يؤكدون أن العلاقة بين التوتر المزمن وأمراض المناعة الذاتية أكثر تعقيداً بكثير مما تروج له هذه المنشورات.

لماذا انتشرت هذه الفكرة؟

يصعب تحديد مصدر هذا الاتجاه، لكنه يعكس استياء كثير من النساء من الضغوط الاجتماعية التي تدفعهن إلى التحلي باللطف الدائم، وتقديم احتياجات الآخرين على احتياجاتهن الشخصية، مهما كان الثمن النفسي، أو الجسدي.

وتوضح الدكتورة راشيل غابلمان، اختصاصية علم النفس السريري في مركز ويكسنر الطبي التابع لجامعة أوهايو، أن كثيراً من الفتيات ينشأن على رسائل اجتماعية تشجعهن على الهدوء، والطاعة، والسعي إلى نيل رضا الآخرين.

وتضيف أن هذه التربية تجعل كثيراً من النساء، مع مرور الوقت، أكثر ميلاً إلى تجنب المواجهة، أو المطالبة بما يحتجنه فعلاً.

الميل إلى إرضاء الآخرين يرافق النساء حتى مرحلة البلوغ

وتشير أبحاث إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال إلى محاولة إرضاء الآخرين.

ويقول الدكتور آرون برينن، الأستاذ المساعد في الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة فاندربيلت، إن الشخص الذي يعتاد إهمال احتياجاته الخاصة من أجل الآخرين غالباً ما يعيش مستويات مرتفعة من التوتر.

ويضيف أن الجسم يتأثر بالضغوط النفسية والصدمات مع مرور الوقت، إذ تتراكم آثارها تدريجياً.

ولأن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، فقد حاول البعض الربط بين هاتين الظاهرتين.

هل تدعم الدراسات هذه الفرضية؟

استشهد بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بدراسات علمية لدعم وجهة نظرهم.

ففي إحدى الدراسات المنشورة عام 2021، شمل البحث 290 امرأة، وقيّم مدى ميلهن إلى كبت مشاعرهن، أو تجنب التعبير عن الغضب، ثم قارن ذلك بعدد من المؤشرات الصحية.

وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي اعتدن كبت مشاعرهن كن أكثر عرضة للإصابة بتصلب الشرايين السباتية، وهو مرض لا يُعد من أمراض المناعة الذاتية التقليدية، لكنه يتشابه معها في بعض الجوانب.

كما أظهرت دراسة واسعة نُشرت عام 2018 أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالتوتر كانوا أكثر عرضة لاحقاً لتشخيصهم بأحد أمراض المناعة الذاتية، ما يشير إلى وجود علاقة محتملة بين التوتر وهذه الأمراض.

«العلاقة ليست بهذه البساطة»

رغم هذه النتائج، يؤكد الأطباء أن القول بأن الميل إلى إرضاء الآخرين يسبب أمراض المناعة الذاتية يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه.

ويقول الدكتور ستانلي شوارتز، رئيس قسم الحساسية والمناعة والروماتيزم بجامعة بافالو، إن التوتر يؤثر بالفعل في الجهاز المناعي، لكن أمراض المناعة الذاتية تنتج عادة عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والبيئية، وعوامل أخرى لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وتحذر الدكتورة غابلمان من أن هذا النوع من الرسائل قد يدفع النساء إلى الشعور بالذنب، وكأنهن مسؤولات عن إصابتهن بالمرض، مؤكدة أن ذلك غير صحيح علمياً.

كما يعترض الدكتور برينن على استخدام أوصاف مهينة للنساء اللواتي يعبرن عن آرائهن، أو يدافعن عن حقوقهن، لأن ذلك يكرس صوراً نمطية قديمة.

ما الذي يصيب هذا الاتجاه؟

رغم المبالغات، يرى الخبراء أن الرسالة الأساسية التي يدعو إليها هذا الاتجاه تحمل جانباً صحيحاً.

فالتضحية المفرطة بالنفس ليست صحية، سواء من الناحية النفسية، أو الجسدية.

ويؤكد الدكتور برينن أهمية وضع حدود صحية في العلاقات، والتعبير بوضوح عما يستطيع الشخص القيام به، وما لا يستطيع تحمله.

وينصح بمراجعة الذات بانتظام، والتساؤل عما إذا كان الشخص يشعر بالاستياء لأنه يوافق باستمرار على تلبية طلبات الآخرين على حساب احتياجاته.

الخلاصة

يرتبط التوتر المزمن بالفعل بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض، من بينها بعض أمراض المناعة الذاتية، لكن الأطباء يؤكدون أنه ليس العامل الوحيد، ولا توجد أدلة علمية تثبت أن الميل إلى إرضاء الآخرين هو السبب المباشر لهذه الأمراض.

ويشدد الخبراء على أن الدفاع عن الاحتياجات الشخصية، ووضع حدود صحية لا يعنيان التصرف بعدوانية، أو قسوة، بل يمثلان جزءاً أساسياً من العناية بالنفس، والحفاظ على الصحة النفسية، والجسدية.