جواهر آل سعود لـ«الشرق الأوسط»: الإمارة الصغيرة زلزلت أركان الدولة العثمانية وهددت نفوذ بريطانيا

أكدت أن السعوديين سعوا إلى تكوين إمبراطورية عربية حرة تحت سلطتهم بالتخلص من العثمانيين

وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)
وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)
TT

جواهر آل سعود لـ«الشرق الأوسط»: الإمارة الصغيرة زلزلت أركان الدولة العثمانية وهددت نفوذ بريطانيا

وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)
وثيقة من الأرشيف العثماني فيها كلمات للسلطان سليم الأول، بثّ فيها حزنه وغضبه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين، وترجمتها: «معاذ الله، لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله» (الأرشيف العثماني)

أكدت متخصصة سعودية في مجال الأبحاث والدراسات التاريخية أن الوثائق العثمانية والسجلات البريطانية والكتابات المحلية المعاصرة لحقبة تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، كشفت المسمى الحقيقي للدولة الفتية التي شغلت أهدافها القوى العظمى في المنطقة، معتبرة أن مسمى «السعوديين»، لم يكن مستحدثاً أو مرتبطاً بتوحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز عام 1932م، بل إن مسمى السعودية عرفته البلاد منذ 3 قرون بمسميات «الدولة السعودية الحنفية»، و«الطائفة السعودية»، و«السعوديين»، في حين أن الغزاة العثمانيين أطلقوا «الوهابيين والخوارج»، في وصفهم للسعوديين، ونقله بعض المستشرقين والكتاب والمؤرخين بهذين اللفظين ضمن الحرب الإعلامية المبرمجة لتشويه فكرة وهوية وهدف الدولة الفتية، التي بدأت من إمارة صغيرة وسط نجد لتمتد سلطتها إلى العراق وعُمان واليمن والشام، وزلزلت أركان الدولة العثمانية، وتقاطعت مع المصالح البريطانية، وهددت نفوذها حيث تطلعت إلى الهند لضمّها إلى الدولة السعودية، كما مثّلت خطراً في البحر والبر.

خطاب من الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد إلى علي باشا والي بغداد ذكر فيها دخول عدد من الولاة العثمانيين تحت حكمه ومعاهدتهم له. وترجمتها: «وقد تعاهد هذا العام 4 باشوات على أيدي أفرادنا، كانوا قد ذهبوا للحج، وأسلم الشريف وأسلم عبد الله باشا ابن عظم وتعاهد» (الأرشيف العثماني)

وكشفت الباحثة في التاريخ السعودي جواهر بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن قوة الدولة السعودية مكّنتها من بثّ أعلى درجات الرعب والذعر في نفوس الباشوات الأتراك في جميع أنحاء آسيا، بل وصل ذلك إلى نفس سيدهم السلطان في القسطنطينية، كما كشفت أن الحكومة البريطانية لم تتجاهل الوجود السعودي القوي، خاصة بعد وصوله لمناطق نفوذها وإدراكها لمدى التفوق السعودي. لذا كانت التحركات البريطانية في المنطقة تسودها الحيطة والحذر مستخدمة الدبلوماسية في تعاملها مع الإمام سعود بن عبد العزيز، وعدم إثارة غضب السعوديين، وجاءت الخطابات والمراسلات المتبادلة بين المقيم البريطاني في بوشهر إلى الإمام سعود حاملة أعلى درجات الود والصداقة، لكنها صدمت الحكومة البريطانية بردّ الإمام سعود على خطاب المقيم البريطاني بشأن تحريك أسطولها نحو الخليج، في محاولة لوقف النشاط البحري لأتباع الإمام، معتبرة أنه في حالة رغبة الإمام سعود في استمرار الصداقة والود فإن ذلك مرهون بمنع أتباعه في الخليج من القيام بأعمال بحرية، حيث شدد الإمام سعود على أن ما حدث كان رداً على ما بدر من الحكومة البريطانية، منهياً خطابة بصورة غير متوقعة عكست مدى قوته، إذ طلب من المقيم البريطاني في بوشهر ألا يعتريه الابتهاج بحرق أعداد صغيرة من السفن الخاصة لأتباعه، فهي ليست ذات قيمة له أو لملاكها من رعاياه، محذراً من التدخل بينه وبين أتباع ملته، ومبدياً عدم وجود نوايا للقيام بأعمال ضد بريطانيا في حال لم تتعاون مع أعدائه أو تدخل في حرب ضده.
ولفتت الباحثة جواهر آل سعود من خلال الوثائق والسجلات البريطانية والعثمانية التي تملكها إلى أن سلطان آل عثمان أيقن انقلاب موازين القوى، بعد أن أصبحت القوة بيد السعوديين، وأدركت الدولة العثمانية ومستشاروها وولاتها أن الإمام سعود لن يتوقف حتى يتم تخليص الدول العربية تباعاً من الحكم العثماني، وإدخالها تحت سلطته، بهدف تكوين إمبراطورية عربية حرة، ما دفع السلاطين العثمانيين للقضاء على الدرعية وتدميرها، وكان هذا الأمر هاجساً لهم عدة أعوام. وجاء الحوار كما يلي:

> كباحثة متخصصة في التاريخ السعودي والوثائق التاريخية، هل مسمى السعوديين مستحدث ومرتبط فقط بتوحيد المملكة العربية السعودية؟
- «السعوديون» تلك الهوية التي نفتخر بها جميعاً. لم يكن هذا المسمى مستحدثاً ومرتبطاً بتوحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز عام 1351هـ - 1932م، بل استُخدم منذ عهد الدولة السعودية في دورها الأول، وقد وردت هذه التسمية بعد نجاح المؤسس الإمام محمد بن سعود في تأسيس الدولة عام 1139ه - 1727م ومن خَلَفَه من أئمة البيت السعودي الذين نجحوا في فرض الأمن ونقل أبناء الوطن من عهد الفوضى والاحتراب والتنافس، والتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك، وقد ظهرت الرابطة الوثيقة بين أئمة البيت السعودي وأبناء شعبهم، فجاءت هذه التسمية «السعوديون» انعكاساً للُّحمة الوطنية، فأصبحت رمزاً لهذا الوطن وأبنائه منذ 300 عام، لتحل محل الهوية المرتبطة بالمكان الجغرافي.
أكدت وثائق الأرشيف العثماني سعي الدولة العثمانية لحرب الدولة السعودية، بعدما أصبح خطرها تهديداً لاستمرار وجودها كإمبراطورية عثمانية. ولم يقتصر رد فعل سلاطين آل عثمان على الحملات العسكرية المتتالية، التي عكست ثقلها السياسي والعسكري والمادي، بل شنّت حرباً إعلامية مبرمجة لتشويه فكرة وهدف تلك الدولة الفتية التي انبعثت من وسط نجد على يد الأئمة السعوديين في الدور الأول، خوفاً من وصول تأثيرها على العالم العربي والإسلامي، خاصة في ولاياتها العربية، بعد إدراكها أن هدفهم إنشاء إمبراطورية تفرض وجودها كقوى عظمى في المنطقة، فألصقت بهم التهم وأطلقت عليهم الشائعات، ومنها نعتهم بالخوارج والوهابيين، وقد أكدت ذلك الوثائق البريطانية التي أشارت إلى أنه «تم نعتهم بالوهابيين من قبل العثمانيين، في حين أنه لو سُئل أحد أتباع الإمام السعودي هل أنت وهابي؟ فلن يدرك ماذا تعني هذه الكلمة».
وقد جانب الصواب المستشرقين والكُتّاب والمؤرخين، سواء العرب أو الغربيون، حين اكتفوا بالنقل عن الغزاة العثمانيين لفظ الوهابيين واستخدموه في وصفهم للسعوديين في كتاباتهم ومؤلفاتهم، ولم يبذلوا الجهد الكافي في البحث والتقصي، في حين أن الوثائق المحلية المعاصرة لتلك الحقبة كشفت الستار عن المسمى الحقيقي لهذه الدولة الفتية التي شغلت أهدافها القوى العظمى في المنطقة.
وقد أطلق عليها المؤرخ حمد بن لعبون، المتوفي بعد عام 1257هـ - 1842م، في مؤلفه (نسب آل سعود): «الدولة السعودية الحنفية». أي أنه نسب الدولة إلى الأسرة السعودية من بني حنيفة. كما ذكرت بعض الكتابات المحلية المعاصرة للعهد السعودي الأول مسمى «الطائفة السعودية»، أو مسمى «السعوديين»، وغيرها الكثير. وبهذا يكون من الخطأ ربط مسمى السعودي أو السعوديين بعام 1351هـ - 1932م، فنحن سعوديون منذ 300 عام.
«ولذلك إن سألت اليوم واحداً من أتباع ابن سعود عن كونه وهابياً فلن يفهم، حيث وفقاً لطريقة تفكيره، يعتبر نفسه مسلماً». الأرشيف البريطاني.
«وبعد وفاته (أي الإمام سعود بن عبد العزيز) هاجم المصريون أبناءه، وبعد أن كسروا شوكة العائلة نعتوهم بالوهابيين». الأرشيف البريطاني.

وثيقة من الأرشيف العثماني تؤكد قوة الدولة السعودية الأولى وأن الحملة عليهم خارج الجهد البشري، وترجمتها: «ولكن الوصول بالحملة عليهم من هذه المنطقة (العراق) خارج الجهد البشري وطاقتهم»

- قوة عربية لطرد الغازي العثماني
> هل من إيضاح ورصد موثّق للخطر الذي مثّلته الدولة السعودية على الممالك والإمبراطوريات وأقطاب المرحلة، الأمر الذي دفع الدولة العثمانية للتحرك للقضاء عليها؟
- لم يتبادر في ذهن سلطان آل عثمان الهدف الحقيقي الذي يسعى له الأئمة السعوديون، لهذا حاول جاهداً في بداية نشاطهم العسكري نتيجة ما يتعرض له السعوديون من هجمات بتحريض والي بغداد وأشراف مكة أن ينصح ولاته باستقطابهم ووضعهم تحت مظلته، غير مدرك أنه يتعامل مع قوة عربية حرة تهدف إلى توحيد عرب شبه الجزيرة وتخليص المنطقة من المستعمر الأجنبي وإنشاء كيان موحد يتطلع للأمن والاستقرار والتقدم.
كشفت الوثائق العثمانية أن تولي الإمام عبد العزيز بن محمد سدة الحكم عام (1179ه- 1765م) كان نقطة تحول جذري في السياسة الخارجية للدولة السعودية الأولى، فكانت جيوشه تتحرك في جميع الاتجاهات في ذات الوقت، متجهة غرباً نحو الحرمين الشريفين، وشرقاً باتجاه الخليج العربي والولايات العثمانية في العراق، وشمالاً باتجاه الشام، وجنوباً نحو اليمن وعمان، ما عكس ما وصلت إليه قوته العسكرية. وعزز نشاط ابنه البكر الأمير سعود، الذي استطاع بسط رقعة الدولة، حتى نجح في تغيير موازين القوى في المنطقة تحت توجيهات والده. وتزامن ذلك مع تواتر الرسائل من الولايات العربية العثمانية للسلطان العثماني حول الخطر المقبل من وسط نجد، وتهافت القبائل والمدن والقرى بسرعة غير مسبوقة للدخول تحت سلطة الإمام السعودي، ما أدى إلى فقدان الدولة العثمانية تأييد جميع القبائل والأمصار، حيث أكدت الوثائق العثمانية أن الإمام السعودي قد امتدت سلطته من بغداد حتى مسقط، ومن اليمن حتى الشام وحلب. وبذلك تكون الدولة العثمانية قد واجهت تحدياً حقيقياً هزّ مكانتها الإسلامية والدولية، خاصة بعد قضاء السعوديين على النفوذ العثماني في الحرمين الشريفين، وطرد الأمير السعودي للموظفين العثمانيين، ومنع الدعاء للسلطان وحرمانه أخيراً من أغلى لقب على قلبه، وهو خادم الحرمين الشريفين، ومنع قدوم المحمل.
عندها أدرك السلطان العثماني أن الأمر أكبر من إمارة صغيرة منعزلة وسط صحراء الجزيرة العربية، وأن ما وصله من تحذيرات لا تدخل في التهويل والمبالغات، بل هي الحقيقة المرّة التي وجب عليه التعامل معها. وقد ألقت تلك التطورات بظلالها على جميع أركان الدولة العثمانية، حتى ولاتها قد تأثروا بتلك التطورات غير المسبوقة، وقد أكد ذلك خطاب الإمام سعود لعلي باشا والي بغداد حيث ذكر دخول عدد من الولاة العثمانيين تحت حكمه، وهذا ما أكدته التقارير العثمانية، ما أثار الرعب في جميع أنحاء الدولة.

- فشل عثماني في مواجهة السعوديين
> ما موقف السلطان العثماني من تلك التطورات التي أحدثتها الدولة الصاعدة؟
- أدرك السلطان العثماني فشل ولاة بغداد في مواجهة قوة الإمام السعودي الضاربة، ورغم ذلك استمر السلطان في الإلحاح عليهم بضرورة التحرك للقضاء على الدرعية بأي ثمن وبأي طريقة، إلا أن ردود ولاته حملت له خيبة الأمل لما حوته من أعذار وتسويف ومماطلة، في محاولة للنجاة بأنفسهم من ملاقاة السعوديين وإمامهم القوي الذي سيطر على معظم أنحاء الجزيرة العربية، حيث خطره ليس في اليابسة فقط، بل قائم في البر والبحر على السواء. وقد ذكر والي بغداد في أحد خطاباته «أن الوصول بالحملة على السعوديين من العراق خارج الجهد البشري وطاقته».
أما ولاة الشام الذين لجأ لهم السلطان العثماني فلم يكونوا أفضل حالاً من ولاة بغداد، فبعد المماطلة والتسويف واجهوا السلطان بالحقيقة التي لم يكن ينتظرها، فليست لهم قدرة على مواجهة الإمام السعودي، ما دفعه لعزل عدد من الولاة نتيجة تهربهم من تحقيق أمنيته بالقضاء على القوة السعودية الصاعدة. ومنهم يوسف باشا، أحمد جزار باشا، صالح بك، عبد الله باشا العظم، يوسف باشا كنج.
ووضّحت الوثائق العثمانية ما كتبه السلطان العثماني بخط يده تعليقاً على أحد الخطابات التي وردته من الشريف غالب، شريف مكة المكرمة، عام 1218ه - 1803م، الذي دلّ على مدى الرعب الذي أصاب السلطان، حيث كتب: «معاذ الله لم أتحمل قراءة هذه الأوراق القادمة إليّ، يا للعجب كيف يمكن أن يحدث مثل هذا الشيء؟ يجب إيجاد طريقة لتخليص الحرمين، أصبحت لا أنام بالليل من التفكير في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يشبه الأمور الأخرى، ساعدني يا الله».
كما أكدت كلمات السلطان سليم الثالث، التي يبث فيها غضبه وحزنه لطرد السعوديين للعثمانيين من الحرمين الشريفين وعدم انصياع ولاته لأوامره، قائلاً: «كتبت كثيراً العام الماضي عن مصلحة الحرمين، ونبهت شفوياً أيضاً، ولم يحدث حتى الآن أن وجدت وسيلة لذلك. ولم ترد إلينا أخبار منذ شهرين. إنني لا أذوق طعم النوم، والله أعلم. لا ينبغي البكاء رغم كل هذا الحزن، ألا ينبغي الإقدام في هذا السبيل وبذل الغيرة. ماذا نصنع؟ لقد كُتبت لنا تقارير تفيد أن الأمر جد عظيم، ولكن مضت أشهر، ولم نتلق أي خبر، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وأيّدت ذلك السجلات البريطانية، التي ذكرت في وصفها للسعوديين: «إن حكومة هذه الدولة الفريدة من نوعها، التي بعد أن كانت ضعيفة وهزيلة، وصلت في وقت من الأوقات لدرجة من القوة مكّنتها من بثّ أعلى درجات الرعب والذعر في نفوس الباشوات الأتراك في جميع أنحاء آسيا، بالإضافة إلى بثّ الرعب في نفس السلطان في القسطنطينية».
عندها أيقن سلطان آل عثمان انقلاب موازين القوى، فالقوة الآن بيد السعوديين. وفي الحقيقة كانت الدولة العثمانية ومستشاروها وولاتها، وعلى رأس كل ذلك السلطان العثماني، يدركون أن الإمام السعودي لن يتوقف حتى يخلّص الدول العربية تباعاً من الحكم العثماني وإدخالها تحت سلطته بهدف تكوين إمبراطورية عربية حرة. لهذا سعى السلطان العثماني للقضاء على الدرعية التي لم يكن سقوطها بالأمر السهل أو الهين على سلاطين آل عثمان، فقد أمضوا أعواماً كثيرة يراودهم ذلك الهاجس.

وثيقة بريطانية تؤكد قوة الدولة السعودية وإثارتها الرعب في نفوس العثمانيين والباشوات الأتراك. جاء فيها: «وحكومة هذه الطائفة الفريدة من نوعها، التي بعد أن كانت ضعيفة وهزيلة، وصلت

- المقاومة السعودية في كل مكان
> ما أبرز محطات المقاومة السعودية للقوات العثمانية؟
- لا توجد محطات للمقاومة، فمنذ أن وطئت أقدام القوات العثمانية شواطئ الجزيرة العربية، وهم يواجهون مقاومة لا تنقطع، فكل خطوة هي محطة مقاومة، ومن الصعب اختزالها هنا، فالمقاومة تتحرك بتقدم القوات العثمانية. أما المعارك الطاحنة فكانت المدن السعودية التي استعصت على العثمانيين خير مثال لها. وقد عانت القوات العثمانية أثناء مواجهتها للقوات السعودية في المعارك من شراسة مقاومة المقاتلين السعوديين في جميع الحاميات السعودية، بعد أن كشفوا عن فنون القتال التي يتقنونها وأظهروا مهارات أكثر مما أبداه الجنود العثمانيون، وشجاعة أذهلت القادة العثمانيين الذين لم يستطيعوا تجاهلها أثناء كتابة تقاريرهم. ورغم ما رافق الحملة من خبراء أجانب عسكريين ومهندسين وأطباء وصيادلة، وتدفق الدعم العسكري المستمر من الولايات العثمانية، سواء الجنود والعتاد والتموين، بالإضافة إلى من انضم إليهم من بعض قبائل الجزيرة العربية، فإن شجاعة المقاتلين السعوديين جعلت فكرة الانتصار عليهم ليست بالأمر السهل أو اليسير، ما دفع بعض القادة العثمانيين إلى إطلاق النار على الجنود العثمانيين الفارين من مواجهة القوات السعودية، ولم تقتصر خسائر العثمانيين الفادحة على الأرواح فقط، بل كلفت خزينة الدولة أموالاً يصعب حصرها، ما أدى إلى شغور خزائن الدولة، ودفعهم إلى الاستدانة من الولايات الأخرى.

- الوجود السعودي وصل إلى مناطق نفوذ بريطانيا
> في ظل تنامي القوة السعودية، كيف تعاملت بريطانيا مع الخطر السعودي الذي يهدد مناطق نفوذها؟
- لم تتجاهل الحكومة البريطانية الوجود السعودي، خاصة بعد وصوله إلى مناطق نفوذها، فكان أول إجراء اتخذته هو بثّ عيونها في الدرعية وجميع المناطق السعودية عن طريق وكلائها لرصد التحركات السعودية. وبداية، قدّمت الدعم العسكري لحلفائها في مناطق نفوذها، ولكنها أدركت مدى التفوق السعودي، لذلك جنحت لرفض تبني فكرة محاربة السعوديين بشكل مباشر، وأوصت حلفاءها أن يقبلوا بالنفوذ السعودي طالما كان في حدود حفظ الأمن وماء الوجه لهم، وعدم إقحام بريطانيا أو الاعتماد على مساعدتها لمواجهتهم، لأنها لن تدخل في مواجهة مباشرة مع السعوديين.
فالحكومة البريطانية كانت أكثر دهاء من إقحام قواتها في صراع مباشر ضد الإمام السعودي، وذلك لإدراكها مدى القوة التي وصل إليها، لهذا كانت التحركات البريطانية تسودها الحيطة والحذر، مستخدمة الدبلوماسية في تعاملها مع الإمام السعودي. وقد أكدت الوثائق البريطانية مخاوفها من الخطر الحقيقي على مصالحها في الهند، لهذا اضطرت لضرب أتباعه في الخليج.
وقد أكد ذلك الخطاب المرسل من المقيم البريطاني في بوشهر إلى الإمام سعود بن عبد العزيز، الذي كشف عن مدى حرص بريطانيا على عدم إثارة غضب الإمام السعودي، فقد حوى الخطاب عبارات الود والصداقة، محاولاً تبرير السبب الذي دفع الحكومة البريطانية لتحريك أسطولها نحو الخليج بمحاولة وقف النشاط البحري لأتباعه، وأنه في حال رغبة الإمام سعود في استمرار الصداقة لا بد من منع أتباعه في الخليج من القيام بأي أعمال بحرية.
وقد صُدمت الحكومة البريطانية بردّ الإمام سعود بن عبد العزيز على خطاب المقيم البريطاني في بوشهر، الذي أشار إلى أن ما حدث كان رداً على ما بدر من الحكومة البريطانية، وأنهى الإمام سعود خطابه بصورة غير متوقعة عكست مدى قوته، إذ طلب من المقيم البريطاني في بوشهر ألا يعتريه الابتهاج بحرق تلك الأعداد الصغيرة من السفن الخاصة بأتباعه، فإنها ليست ذات قيمة له أو لملاكها من رعاياه، وألا يتدخلوا بينه وبين أتباع ملته، وأنه ليست لديه نوايا للقيام بأي أعمال ضد بريطانيا في حال أنها لم تتعاون مع أعدائه أو تدخل في حرب ضده.

- موسوعة عن التاريخ السعودي بأدواره الثلاثة
> ما سبب توجهك إلى مجال الدراسات الوثائقية؟ وما أهم المنجزات في رحلتك الطويلة مع الأبحاث والدراسات التاريخية الموثقة؟
- المتخصصون في مجال الأبحاث والدراسات التاريخية يدركون أهمية الوثائق، التي هي عبارة عن مراسلات رسمية وتقارير ومذكرات وقرارات واستراتيجيات وخطط سياسية ومعلومات استخباراتية، والتي تعد أهم مصدر للتاريخ، ولا يمكن بحال من الأحوال الاستغناء عنها، ولتقديم دراسة جادة لا بد من الاعتماد على الوثائق، وبالتالي المسألة ليست مسألة جمع، بل مسألة بحث عن المعلومات، وهي عملية شاقة تتطلب الصبر والمثابرة، لأن الباحث يواجه كماً هائلاً من الوثائق المحفوظة في السجلات التي يستغرق الاطلاع عليها ثم استخراجها وترجمتها وقتاً طويلاً.
أما بشأن الموضوعات التي أعمل عليها فجميعها متعلقة بالتاريخ السعودي بأدواره الثلاثة، وهي محاولة متواضعة لتقديم دراسة وثائقية من 8 مجلدات ستكشف بين طياتها عن معلومات غير مسبوقة وشيقة ومثيرة للدهشة أحياناً، اعتمدت فيها على آلاف الوثائق العربية والعثمانية والبريطانية والفرنسية، وسوف يتم إصدارها على مراحل.


مقالات ذات صلة

أمير منطقة الرياض يتوج الفائزين بـ«كأسي المؤسس»

الرياضة أمير منطقة الرياض يتوج الفائزين بـ«كأسي المؤسس»

أمير منطقة الرياض يتوج الفائزين بـ«كأسي المؤسس»

توج الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض بطلي الشوطين الرئيسيين في كأس المؤسس، التي نظمها نادي سباقات الخيل في ميدان الملك عبد العزيز. وحقق «عسفان الخالدية» ابن «ليث الخالدية» المملوك لأبناء الأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز لقب الشوط العاشر للخيل العربية، وحقق جائزة الخمسة ملايين ريال، وبلغت مسافة هذا الشوط 1600 متر، ونجح الجواد في وصول خط النهاية خلال 1:46 دقيقة، وذلك تحت قيادة المدرب سعد مطلق والخيال عبد الله العوفي.

فهد العيسى (الرياض)
السعودية تحتفي بعلمها الذي ظل شامخاً عالياً خفاقاً على مدى 3 قرون

السعودية تحتفي بعلمها الذي ظل شامخاً عالياً خفاقاً على مدى 3 قرون

احتفت المملكة العربية السعودية في جميع مناطقها، يوم أمس (السبت)، بـ«يوم العلم»، الذي يصادف 11 مارس (آذار)، والذي أقره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ليكون ذكرى سنوية خاصة بهذه المناسبة، حين أصدر في مطلع الشهر الحالي، أمراً ملكياً ليكون هذا التاريخ يوماً خاصاً بالعلم. وجاء في سياق الأمر الملكي: «وحيث إن يوم 27 من ذي الحجة 1355هـ الموافق 11 مارس 1937م، هو اليوم الذي أقر فيه الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه ـ العلم بشكله الذي نراه اليوم يرفرف بدلالاته العظيمة التي تشير إلى التوحيد والعدل والقوة والنماء والرخاء، أمرنا بما هو آتٍ: أولاً: يكون يوم (11 مارس) من كل عام يوماً خاصاً بال

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سارية العلم في جدة تزيح طاجيكستان من «غينيس» وتحتل المركز الثاني

سارية العلم في جدة تزيح طاجيكستان من «غينيس» وتحتل المركز الثاني

من أفضل المشاهد التي يمكن أن تراها من نافذة الطائرة، وأنت قادم إلى جدة، «سارية العلم»، التي تحمل راية التوحيد، والتي رُفعت على السارية لأول مرة في اليوم الوطني السعودي في 23 سبتمبر (أيلول) 2014، وتُرفرف على ارتفاع 171 متراً، حيث تغطي النباتات مساحة 9 آلاف متر مربع من حولها، ويحيط بها 13 ضوءاً يمثل عددها مناطق المملكة الـ13. وبتثبيت العلم السعودي ورفعه عليها، كُسر الرقم القياسي في موسوعة «غينيس» لطاجيكستان البالغ 165 متراً، بفارق 6 أمتار، لتصبح بهذا المشروع ثاني أكبر سارية علم في العالم بعد سارية العاصمة الإدارية الموجودة في مصر.

أسماء الغابري (جدة)
«معرض العلم» السعودي يحاكي سيرته وتطوراته عبر 4 مراحل تاريخية

«معرض العلم» السعودي يحاكي سيرته وتطوراته عبر 4 مراحل تاريخية

استذكاراً ليوم 11 مارس (آذار)، يحتفل السعوديون للمرة الأولى بيوم العلم، وبقيمته الوطنية والتاريخية الممتدة منذ 3 قرون. وأعاد يوم العلم السعودي، الذي صدر بأمر ملكي، صلة السعوديين برمز الوحدة والسيادة الوطنية، وفتح نوافذ إلى التاريخ الشاهد على مراحل تطوره، متزامناً مع حقب مفصلية من تاريخ البلاد وهي تواجه شروط الاستدامة واستحقاقات التنمية. وفي ساحة العدل، المقابلة لجامع الإمام تركي بن عبد الله المعروف في منطقة قصر الحكم، ومن قصر المصمك التي تمثل الرياض القديمة، ومنطلق نهضة السعودية المعاصرة، نظمت وزارة الثقافة السعودية فعاليات فنية وثقافية وإثرائية تُرسي الارتباط الوثيق بين المواطن وبين العَلَم،

محمد هلال (الرياض)
«الدرعية» تستعيد أقدم أسواقها التاريخية وتحتفي بتراثها الثقافي

«الدرعية» تستعيد أقدم أسواقها التاريخية وتحتفي بتراثها الثقافي

بالتزامن مع يوم العلم الوطني السعودي، الذي تحتفل به السعودية لأول مرة تعزيزاً لقيمته التاريخية والوطنية، تستعيد الدرعية مهد الدولة السعودية الأولى، إحدى أعرق أسواقها التاريخية، حيث أحيت دوي حركتها التجارية وعبقها العلمي، إذ كانت محلاً لتبادل البضائع والتعليم في آن معاً. وتقع «سوق الموسم» التاريخية في الدرعية على ضفاف وادي حنيفة، واشتهرت بكثرة الحوانيت فيها، حيث يجتمع الناس لتبادل البضائع، والبيع والشراء، وتلبية احتياجاتهم المعيشية. السوق التي تتخذ موقعاً استراتيجياً، بتوسطها بين أهم أحياء منطقة الدرعية (الطريف والبجيري) على طرفي وادي حنيفة، كانت حوانيتها مبنيّة من القصب وسعف النخل، وكانت زاخرة

عمر البدوي (الرياض)

مشروع سعودي بتأهيل 6 مستشفيات وإنشاء 3 محطات أكسجين في السودان

سفير السعودية أكد أن دعم المستشفيات وإعادة تأهيلها يمثلان دعماً مباشراً للإنسان السوداني (واس)
سفير السعودية أكد أن دعم المستشفيات وإعادة تأهيلها يمثلان دعماً مباشراً للإنسان السوداني (واس)
TT

مشروع سعودي بتأهيل 6 مستشفيات وإنشاء 3 محطات أكسجين في السودان

سفير السعودية أكد أن دعم المستشفيات وإعادة تأهيلها يمثلان دعماً مباشراً للإنسان السوداني (واس)
سفير السعودية أكد أن دعم المستشفيات وإعادة تأهيلها يمثلان دعماً مباشراً للإنسان السوداني (واس)

دشّنت السعودية عبر ذراعها الإنسانية «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، السبت، مشروع إعادة تأهيل 6 مستشفيات حكومية وإنشاء 3 محطات للأكسجين بالسودان، يستفيد منه 3 ملايين فرد مباشرة.جاء هذا المشروع ضمن المرحلة الثالثة من برنامج إعادة تأهيل المستشفيات الحكومية بالأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، بالتعاون مع الشريك المنفذ «منظمة الكفاءات للدراسات والتنمية البشرية».

وشمل المشروع إعادة تأهيل مستشفيات: «أحمد قاسم لأمراض القلب وزراعة الكلى»، و«بشائر الجامعي» بولاية الخرطوم، و«الحصاحيصا التعليمي» و«المناقل التعليمي» في الجزيرة، و«الأبيض التعليمي» شمال كردفان، و«العشي التخصصي للعظام» بولاية البحر الأحمر، إلى جانب إنشاء 3 محطات للأكسجين بمستشفيات «أحمد قاسم» و«السعودي للنساء والتوليد» و«البلك التخصصي» للأطفال بولاية الخرطوم.

وتضمن المشروع تأمين الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لأقسام الطوارئ والعناية المركزة والعمليات والأطفال والتنويم والتصوير الطبي والمعامل، إلى جانب تجهيز غرف العمليات وأجهزة التنفس الاصطناعي والصدمات الكهربائية والمناظير الجراحية والأشعة والموجات الصوتية، وتركيب الأجهزة والمعدات وتشغيلها، وتدريب الكوادر الطبية والفنية على استخدامها.

وأكد الدكتور زيد الحربي سفير السعودية لدى السودان أن دعم المستشفيات وإعادة تأهيلها بالأجهزة والمعدات الطبية الحديثة يمثلان دعماً مباشراً للإنسان السوداني، مشيراً إلى أن المشروع شمل حتى الآن 26 مستشفى في 10 ولايات، وإنشاء 9 محطات للأكسجين.

تضمن المشروع تأمين الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لأقسام الطوارئ والعناية المركزة والعمليات بالمستشفيات السودانية (واس)

من جانبه، وجّه البروفسور هيثم إبراهيم وزير الصحة السوداني شكره للمملكة، ممثلة بـ«مركز الملك سلمان للإغاثة»، على دعمها المتواصل للقطاع الصحي، مؤكداً أن هذا الدعم تجاوز المساعدات الصحية المباشرة ليشمل مشروعات وتدخلات متعددة، من بينها توفير الأجهزة والمعدات الطبية ودعم سلسلة التبريد وتعزيز النظام الصحي.

كما ثمن الدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني ما قدمته السعودية، قيادة وشعباً، لبلاده من خدمات ومساعدات، مؤكداً أهمية توجيه المشروعات المقبلة نحو الاستدامة، بما يتوافق مع احتياجات السودان وأولوياته، خاصة في القطاعات الحيوية كالصحة.

ويأتي تدشين المشروع، امتداداً للجهود الإغاثية والإنسانية التي تقدمها السعودية، لمساعدة الشعب السوداني ودعم القطاع الصحي وتعزيز قدرات المؤسسات الصحية.


السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
TT

السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)
«ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)

أدانت السعودية، الأحد، بأشد العبارات، استهداف ناقلة الغاز الطبيعي المسال «المايده»، التابعة لشركة «قطر لنقل الغاز»، في مياه الخليج العربي، مجددةً رفضها لكافة الانتهاكات التي تهدد أمن وسلامة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية.

وأكدت السعودية تضامنها مع قطر في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية ناقلاتها البحرية وسلامة تجارتها الدولية، مشددةً في بيان لوزارة خارجيتها على أهمية اتخاذ المجتمع الدولي للإجراءات العاجلة لضمان الأمن البحري وسلامة التجارة الدولية، وتطبيق القانون الدولي في هذا الشأن.

كما أدان مجلس التعاون الخليجي بأشد العبارات الاعتداء، وشدد جاسم البديوي، الأمين العام للمجلس، على أن استهداف ناقلات الطاقة يمثل تصعيداً خطيراً يمس أمن المنطقة، ويعرض الأرواح والممتلكات وحركة الاقتصاد العالمي للخطر.

وأكد البديوي أن الممرات البحرية يجب أن تظل آمنة أمام الملاحة والتجارة، محذراً من التبعات التي قد تنجم عن استهداف ناقلات الغاز، سواء على البيئة البحرية أو على انتظام تدفقات الطاقة واستقرار الأسواق، ومؤكداً ضرورة محاسبة مرتكبي هذا الاعتداء الآثم.

وجدد البديوي دعم المجلس للتدابير والإجراءات التي تتخذها قطر لصون مقدراتها وحماية ممتلكاتها، وفي مواجهة كل ما يهدد أمنها ومصالحها.

وكانت قطر قد أعلنت في وقت سابق تعرض ناقلة للغاز الطبيعي المسال للاستهداف في الخليج العربي، وأعربت وزارة الخارجية القطرية في بيان عن إدانة قطر واستنكارها «الشديدين» للهجوم الذي استهدف الناقلة أثناء إبحارها في الخليج العربي، وعدّته «عملاً خطيراً يهدد سلامة الملاحة البحرية وأمن إمدادات الطاقة العالمية».

وشددت الدوحة احتفاظها بحقها في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، وفقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لحماية ممتلكاتها وصون مصالحها وضمان سلامة سفنها وأطقمها، مشيرةً إلى أن الجهات المختصة قد شرعت في إجراء التحقيقات اللازمة للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه.

وحذرت الوزارة من خطورة هذه الممارسات العبثية وغير المسؤولة، وما قد يترتب عليها من تداعيات جسيمة على أمن المنطقة واستقرارها والاقتصاد العالمي، لا سيما المخاطر البيئية المحتملة الناجمة عن استهداف ناقلات الطاقة، وانعكاساتها الخطيرة على البيئة البحرية والأمن المائي لدول المنطقة.

وكانت شركة «قطر لنقل الغاز المحدودة» (ناقلات) قد أكدت أن ناقلتها للغاز الطبيعي المسال «المايده» تعرّضت لهجوم بأجسام مجهولة أثناء إبحارها في الخليج العربي مساء أول أمس الجمعة.

وقالت الشركة، في بيان نشرته البورصة القطرية على موقعها الإلكتروني: «لم يُصَب أيٌّ من أفراد الطاقم على متن السفينة، كما لم يُسفر الحادث عن أي تأثير على البيئة».

وأضافت أن «السفينة في وضع آمن وقادرة على التحكم بقدراتها، ويجري تقييم الآثار الناجمة عن الحادث»، مشيرة إلى أن «ناقلات» تواصل التنسيق المباشر مع السفينة وطاقمها، والجهات المعنية بالأمن البحري في المنطقة، لضمان سلامة الطاقم، وتتابع مستجدات الوضع عن كثب، مؤكدة أن سلامة كوادر الشركة وحماية البيئة والحفاظ على أصولها على رأس أولوياتها.


«حوار المنامة» يختتم أعماله بالدعوة إلى احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
TT

«حوار المنامة» يختتم أعماله بالدعوة إلى احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)
وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية» (وزارة الخارجية البحرينية)

هيمنت المخاوف من تجدد الحرب مع إيران، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الترتيبات الأمنية الخليجية، على ختام منتدى «حوار المنامة 2026»، الأحد، وسط دعوات خليجية إلى احتواء التصعيد، وتعزيز الدفاع المشترك، وتحركات دولية لتطوير التعاون العسكري والاقتصادي لحماية الممرات البحرية وإمدادات الطاقة.

وبينما دعت البحرين إلى إطار أمني إقليمي يظل مفتوحاً أمام إيران شريطة احترام السيادة والقانون الدولي، أعربت الإمارات عن أملها في تحقيق اختراق دبلوماسي يمنع مواجهة جديدة، مؤكدة استعدادها لأسوأ الاحتمالات. وشددت السعودية على أن حماية المضائق مسؤولية دولية مشتركة، بينما برزت توجهات فرنسية وبريطانية لتعزيز التنسيق البحري، واهتمام ياباني بتوسيع التعاون مع دول الخليج.

وقال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، خلال جلسة «حوكمة الأمن العالمي: الشمول والفاعلية»، إن أمن الخليج يجب أن يُصاغ بمشاركة دول المنطقة نفسها، داعياً إلى إطار إقليمي يقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل، وحرية الملاحة، ونبذ التهديد بالقوة.

وأكد أن هذا الإطار ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام جميع دول الجوار المستعدة للالتزام بهذه المبادئ، مضيفاً أن الباب «يبقى مفتوحاً، لإيران كما لغيرها، لكنه يفضي إلى القواعد لا إلى الاستثناءات، وإلى الأفعال لا إلى النوايا».

وكشف الزياني أن دول مجلس التعاون والأردن تعرضت خلال العام الحالي لما يقارب 7 آلاف هجوم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وصواريخ «كروز»، طالت منشآت مدنية واقتصادية، بينها مطارات وموانئ ومراكز بيانات.

وأشار إلى تعطل نحو 1600 سفينة في مضيق هرمز منذ اندلاع الأزمة، وتأثر أكثر من 23 ألف بحار بقيود الملاحة، محذراً من انعكاسات الاضطرابات على أسواق الطاقة وإمدادات الغذاء والدواء.

ودعا إلى آلية دولية لحماية الملاحة البحرية والجوية، وإقرار مبادئ تمنع استخدام المضائق والكابلات البحرية أدوات للضغط أو التهديد، مشيراً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي قدمته البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، وحظي بدعم 136 دولة.

كما أدان الهجمات الحوثية على السعودية، مؤكداً تضامن البحرين معها، ومحذراً من امتداد التهديدات إلى البنية التحتية الرقمية والكابلات البحرية ومراكز الذكاء الاصطناعي.

الإمارات تحذر من مواجهة جديدة

من جانبه، أعرب أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، عن أمله في نجاح المساعي الدبلوماسية الجارية لاحتواء الأزمة بين واشنطن وطهران.

وقال: «نأمل في حدوث اختراق دبلوماسي... لا نرغب في رؤية جولة أخرى من المواجهة»، مضيفاً: «مع ذلك، وكما أظهرنا في مناسبات سابقة، فإننا على استعداد للأسوأ».

وشدد قرقاش على أهمية الشراكات الإقليمية، والاندماج الاقتصادي، واحترام سيادة الدول، محذراً من استمرار دور الميليشيات المسلحة في تقويض الاستقرار، وداعياً إلى تجنب تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الصراعات الدولية.

الفريق الركن فهد بن عبد الله الغفيلي نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية (الشرق الأوسط)

السعودية: حماية المضائق مسؤولية دولية

وفي جلسة «الأمن البحري عند نقطة تحول حاسمة»، أكد الفريق البحري فهد بن عبد الله الغفيلي، نائب رئيس هيئة الأركان العامة السعودية، أن التهديدات التي تواجه الممرات البحرية تمس مصالح جميع الدول، وتستوجب استجابة جماعية لحماية الملاحة والتجارة الدولية.

وشدد على رفض استخدام المضائق أدوات للضغط السياسي والعسكري، مؤكداً أن «الأمن البحري ليس مسؤولية دولة واحدة، والقوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون».

وأوضح أن الرؤية السعودية تقوم على احترام سيادة الدول، وضمان حرية الملاحة، ورفض الاعتداء على السفن المدنية والعسكرية، داعياً إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، والتنسيق الدولي، وتطوير آليات لخفض التصعيد قبل تحول التهديدات إلى أزمات.

وأكد أن حماية الممرات البحرية لا تعتمد على القدرات العسكرية وحدها، بل تتطلب الالتزام بالقانون الدولي، والتواصل بين الدول خلال الأزمات.

«مجلس التعاون»... التمسك بالدبلوماسية مع إيران

وفي موقف سعودي خليجي موازٍ، دعا جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون، المجتمع الدولي إلى إلزام إيران بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2817، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وقال البديوي، خلال مشاركته في «منتدى بوابة الخليج 2026» الاقتصادي الذي انعقد في المنامة بالتزامن مع ختام المنتدى الأمني، إن دول المجلس تمكنت من احتواء تداعيات الاعتداءات الإيرانية على قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، والحفاظ على استمرارية أنشطتها الاقتصادية.

وأكد أن التكامل الخليجي أصبح «ضرورة استراتيجية» لمواجهة الأزمات، مشيراً إلى جهود تطوير شبكات الربط والنقل والطاقة، وتعزيز التعاون الدفاعي والأمني.

تحركات فرنسية

وعلى صعيد الشراكات الدولية، عرض مسؤول عسكري فرنسي خلال جلسة الأمن البحري ملامح مبادرة متعددة الجنسيات، بالتعاون مع بريطانيا، لتعزيز حماية الملاحة في مضيق هرمز، تشمل التنسيق بين القوات البحرية، والاستعداد لاختبارات ميدانية للجاهزية.

وتهدف المبادرة، وفق التفاصيل التي عُرضت خلال المنتدى، إلى حماية السفن والتعامل مع تهديدات الألغام البحرية، دون أن تعني انخراط فرنسا المباشر في الحرب مع إيران.

أكد الأدميرال يانيك بوسو، قائد القوات الفرنسية المشتركة في المحيط الهندي، خلال «حوار المنامة 2026»، أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز منذ فبراير (شباط) الماضي ألحق أضراراً بالتجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن المضيق كان يستوعب قبل الأزمة نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً عالمياً.

وكشف بوسو عن تقدم مبادرة دفاعية متعددة الجنسيات تقودها فرنسا وبريطانيا لحماية الملاحة، ومواجهة تهديدات الألغام البحرية، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 15 دولة، موضحاً أنها بلغت مرحلة الجاهزية العسكرية في سبتمبر (أيلول) الماضي، مع الاستعداد لتنفيذ تمرين ميداني خلال الأسابيع المقبلة. وأكد أن فرنسا ليست طرفاً في الحرب، وأن المبادرة ذات طبيعة دفاعية، مشدداً على أن ضمان أمن الملاحة يتطلب التعاون الدولي، والالتزام بالقانون الدولي، وأن الحل المستدام للأزمة يظل رهناً بالدبلوماسية.

وشهد اليوم الختامي لـ«حوار المنامة» جلستين تناولتا الأمن البحري وحوكمة الأمن العالمي. وناقشت الأولى، بمشاركة مسؤولين من السعودية والهند وسنغافورة وفرنسا، حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة وأمن التجارة وإمدادات الطاقة، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات.

وتعكس المناقشات التي شهدها اليوم الختامي للمنتدى اتجاهاً يجمع بين تعزيز قدرات الردع والدفاع، والإبقاء على المسار الدبلوماسي مع إيران، في ظل إدراك متزايد بأن أمن الخليج والممرات البحرية لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل يرتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.