تركيا... فرق الإنقاذ تتشبث بأمل العثور على أحياء

ضحايا الزلزال أكثر من 20 ألفاً... والمساعدات الخارجية تتدفق

عناصر من فرق إنقاذ إسرائيلية وتركية بعد إنقاذ علي قرقماز (56 عاماً) من بين أنقاض مبنى مهدم في كهرمان ماراش أمس (إ.ب.أ)
عناصر من فرق إنقاذ إسرائيلية وتركية بعد إنقاذ علي قرقماز (56 عاماً) من بين أنقاض مبنى مهدم في كهرمان ماراش أمس (إ.ب.أ)
TT

تركيا... فرق الإنقاذ تتشبث بأمل العثور على أحياء

عناصر من فرق إنقاذ إسرائيلية وتركية بعد إنقاذ علي قرقماز (56 عاماً) من بين أنقاض مبنى مهدم في كهرمان ماراش أمس (إ.ب.أ)
عناصر من فرق إنقاذ إسرائيلية وتركية بعد إنقاذ علي قرقماز (56 عاماً) من بين أنقاض مبنى مهدم في كهرمان ماراش أمس (إ.ب.أ)

مع مرور يوم خامس على الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا، يوم الاثنين، بدأت تتلاشى الآمال في العثور على مزيد من الأحياء تحت الركام الذي حوّل 10 ولايات تركية إلى مناطق منكوبة في جنوب وشرق وجنوب شرقي البلاد. ورغم ذلك، فقد استمر المسعفون ومعهم ذوو المفقودين في التمسك بأي أمل حول إمكانية العثور على مزيد من الناجين، وهو أمر كانت تعززه بين وقت وآخر أخبار تفيد بعثور فرق الإنقاذ على أحياء.
وبجانب أكوام الركام في المناطق المنكوبة، كانت أمهات وزوجات وأقارب يلفون أجسادهم بالبطاطين، ويتحلقون حول نيران أشعلوها من أخشاب جمعوها لتساعدهم في التغلب على الانتظار لساعات طويلة في برد شديد ودرجات حرارة تصل أحياناً إلى 10 درجات تحت الصفر.
وكان واضحاً أن كثيراً من هؤلاء يعانون من الصقيع والجوع واليأس الذي التهم ما تبقى من صبر لدى مئات الآلاف من الأشخاص الذين أصبحوا بلا مأوى بسبب عدم قدرتهم على دخول منازلهم المهددة بالانهيار بسبب الهزات الأرضية الارتدادية في الولايات التي ضربها الزلزالان اللذان وقعا في بازارجيك وإلبيتسان في كهرمان ماراش بجنوب تركيا فجر الاثنين الماضي، وتأثرت بهما إلى جانب كهرمان ماراش كل من هاطاي، أديامان، أضنة، كيليس، عثمانية، مالاطيا، غازي عنتاب، شانلي أورفا وديار بكر، إلى جانب مناطق في سوريا.

أبنية مدمرة في أنطاكيا أمس (أ.ب)

وفيما أعلن وزير الصحة التركي مساء أمس أن عدد قتلى الزلزال زاد على 20213 شخصاً، واصل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لليوم الثالث جولته في المناطق المنكوبة. وقال، خلال تفقده المواقع المتضررة في أديمان جنوب تركيا الجمعة، إن حكومته تعد برنامجاً شاملاً لنهوض البلاد من جديد لا سيما في المناطق المتضررة من الزلزال. وأكد أنهم سيضمنون انتقال المواطنين الذين لا يريدون البقاء في الخيام إلى منازل، وستتكفل الحكومة بدفع إيجار السكن لهم لمدة سنة، حتى تتم إعادة بناء المنازل في المناطق المتضررة، مشيراً إلى أن الحكومة وجهت أوامر لشركة الخطوط الجوية التركية لنقل المسافرين من وإلى مناطق الزلزال مجاناً. وقال إردوغان، في كلمة ألقاها لاحقاً خلال تفقده المناطق المتضررة في مالاطيا (شرق)، إن هناك أكثر من 141 ألفاً من رجال البحث والإنقاذ من تركيا يعملون في المناطق المنكوبة جنباً إلى جنب مع الفرق التي جاءت من الخارج. وأشار إلى أن هناك بعض العناصر الإجرامية التي تمارس أعمال النهب والسرقة في المحلات والمراكز التجارية والمنازل الخالية في المناطق المتضررة وأن قوات الأمن تتعامل معهم بحزم.
- تسريع الإنقاذ
ومع مرور الساعات، يتضاءل بصيص الأمل شيئاً فشيئاً، لكن فرق البحث والإنقاذ العديدة استمدت الطاقة وارتفعت معنوياتها، رغم الإرهاق الشديد، بعد أن تمكنت في الساعات الأخيرة من انتشال العديد من الأحياء من تحت أنقاض المباني المنهارة، الجمعة، في اليوم الخامس بعد وقوع الزلزال.
وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشال أم وأولادها الثلاثة وهم على قيد الحياة من تحت الأنقاض بعد 108 ساعات على الزلزال في هاطاي، حيث نجحت الفرق التابعة لدائرة الإطفاء ببلدية أنطاليا، في إنقاذ الأم نسيلهان (41 عاماً) وأبنائها فاطمة (21 عاماً) ومنيرة (15 عاماً) ورمضان (7 أعوام)، في غضون نحو 3 ساعات بعد سماع صوت قادم من تحت الركام.
وفي ولاية كهرمان ماراش، نجحت الفرق بانتشال طفلة سورية تدعى فاطمة (14 عاماً) من تحت أنقاض منزلها في قضاء إلبيستان بعد مرور 104 ساعات على الزلزال. ونجحت الفرق بإنقاذ شخص يدعى «حسين» (38 عاماً) من تحت أنقاض منزله في قضاء «12 شباط» بعد مرور 105 ساعات على الزلزال.
وأرشدت كلبة كانت عالقة تحت الأنقاض فريق إنقاذ تحت الأنقاض في شارع «أتاتورك» في هاطاي، حيث سمع الفريق نباحاً بين الأنقاض، ليسارعوا على الفور بأعمال إزالة الحطام، وتبين أن امرأة تدعى «دويجو» (35 عاماً) كانت عالقة تحت الركام، حيث تم إنقاذها بفضل كلبتها «فينوس».
وفي قضاء كيركهان في هاطاي، نجحت فرق الإنقاذ في انتشال أم وابنها بعد 102 ساعة تحت الأنقاض.
كما نجحت جهود فرق الإنقاذ في قضاء نزيب في ولاية غازي عنتاب، بانتشال امرأة من بين أنقاض بناء مؤلف من 6 طوابق بعد مرور 107 ساعات على الزلزال، وقبلها تمكنت من إنقاذ شخصين بينهما طفل من أنقاض البناء نفسه.
وتمكن فريق الدفاع المدني من إنقاذ شخصين في أديامان بعد مرور 104 ساعات تحت الأنقاض، و6 أشخاص من كبار السن في إسكندرون بولاية هطاي بعد مرور 102 ساعة من بين 9 أشخاص انهار عليهم المبنى، كما سبق إنقاذ شخص في هاطاي مكث تحت الأنقاض 98 ساعة. ونجح فريق إنقاذ في انتشال شخص آخر في مدينة أنطاكيا في هاطاي بعد الاستعانة بأجهزة سمعية وكاميرات حرارية وذلك بعد مكوثه 101 ساعة تحت الركام. وفي بلدة باغلار في ولاية ديار بكر، تمكن فريق من إنقاذ أم وابنها من تحت الأنقاض بعد 101 ساعة من وقوع الزلزالين.
وفي الإطار ذاته، تكللت جهود المسعفين بالعثور على رضيع عمره 10 أيام فقط، ظل حياً لأربعة أيام مع والدته في مبنى منهار، بحسب ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير من أنطاكيا، أمس.
واستقبلت بطانية دافئة الطفل التركي ياجيز أولاس، ونُقل إلى مركز طبي ميداني في سامانداج، بمقاطعة هاطاي، الجمعة. وأظهرت صور فيديو من وكالة إدارة الكوارث التركية عمال الطوارئ وهم ينقلون والدته التي كانت ضعيفة وشاحبة في حالة ذهول لكنها تدرك ما يجري.
وأنعش إنقاذ عدد من الأطفال معنويات طواقم المسعفين المنهكة. وأظهرت مقاطع مصورة نشرتها أجهزة التصدي للكوارث أنه تم إنقاذ 7 أطفال على الأقل، الجمعة، وألهم صمودهم المذهل فرق البحث التي أنقذت أيضاً عدداً من البالغين من تحت الأنقاض.
وأظهر مقطع مصور من وزارة الدفاع التركية عمال إنقاذ يرتدون ملابس برتقالية دسوا أنفسهم في فجوة أسفل مبنى متهدم ليجدوا طفلاً صغيراً يبكي والغبار يملأ عينيه، قبل أن يهدئوا من روعه ويمسحوا وجهه، في بلدة كهرمان مرعش التركية، على بعد 200 كيلومتر شمالي سامانداج.
وأطل وجه خائف لصبي آخر من مبنى مدمر تماماً، وغلبت صيحاته صوت آلات التنقيب والإزالة التي تحاول إنقاذه صباح الجمعة، في مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية التي حولت قوة الزلزال التي بلغت 7.8 درجة وتوابعه المباني السكنية إلى أكوام من الأنقاض والركام.
وبعد أن صنع عمال الإنقاذ حفرة أوسع، أسعفوا الطفل بالأكسجين وحملوه بعيداً وتبعته والدته، مثلما حدث في حالة الطفل ياجيز، بعد 103 ساعات من وقوع الزلزال.
وعلى الجانب الآخر من الحدود في سوريا، استخدم رجال الإنقاذ من مجموعة «الخوذ البيضاء» أياديهم فحسب حتى عثروا على قدمين عاريتين تبين بعدها أنهما لفتاة صغيرة تم انتشالها شاحبة وحزينة بعد أيام تحت الأنقاض لكنها ما زالت على قيد الحياة.
- تدفق المساعدات
في غضون ذلك، تواصل تدفق المساعدات الخارجية على تركيا. وأعلن نائب وزير خارجية نيوزيلندا ديفيد باركر، الجمعة، عزم بلاده إرسال مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 1.89 مليون دولار للمساهمة بجهود الإغاثة بتركيا وسوريا.
بدورها، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية في بيان، انطلاق طائرتي شحن تحملان مواد إغاثية ومستشفى ميدانياً وعاملين صحيين إلى تركيا.
وانطلقت طائرة باكستانية تحمل على متنها 100 طن من المساعدات الإنسانية من مطار مدينة لاهور نحو تركيا، كما تم تجهيز 40 طناً من المساعدات لإرسالها إلى تركيا، السبت، عبر الخطوط الجوية التركية.


مقالات ذات صلة

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
آسيا تعد اليابان من البلاد ذات النشاط الزلزالي الأعلى في العالم (أرشيفية - رويترز)

زلزال بقوة 6.2 درجات يضرب قبالة سواحل غرب اليابان

ضرب زلزال بقوة 6.2 درجات ساحل غرب اليابان، اليوم الثلاثاء، وفق ما أفادت وكالة الأرصاد الجوية، دون إصدار أي تحذير من تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.