تخلف أميركا عن سداد الديون يضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية

رؤساء شركات ومتخصصون يحذّرون من «أزمة مالية»

شارع بجوار محطة للحافلات في واشنطن وعليها لافتة توضح رقم الدين القومي الأميركي (رويترز)
شارع بجوار محطة للحافلات في واشنطن وعليها لافتة توضح رقم الدين القومي الأميركي (رويترز)
TT

تخلف أميركا عن سداد الديون يضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية

شارع بجوار محطة للحافلات في واشنطن وعليها لافتة توضح رقم الدين القومي الأميركي (رويترز)
شارع بجوار محطة للحافلات في واشنطن وعليها لافتة توضح رقم الدين القومي الأميركي (رويترز)

رغم تكرار المواجهة بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن رفع حد الاقتراض، بشكل شبه سنوي، فإن هناك تحذيرات من رؤساء شركات ومتخصصين ووكالة واحدة على الأقل من وكالات التصنيف الائتماني، من أن هذه المواجهة الطويلة بين الجانبين قد تهز الأسواق وتزعزع استقرار الاقتصاد العالمي المهتز بالفعل.
ومن شأن هذا أن يُقوّض دور الدولار بوصفه عملةً احتياطيّة تُستخدم في المعاملات في كل أنحاء العالم، وفق وزيرة الخزانة الأميركية.
بلغت الحكومة الأميركية حد الاقتراض البالغ 31.4 تريليون دولار يوم الخميس الماضي، وسط مواجهة بشأن رفع السقف بين مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، والديمقراطيين الذين ينتمي إليهم الرئيس جو بايدن، ما قد يؤدي إلى أزمة مالية في غضون بضعة أشهر.
شهدت الولايات المتحدة معركة مطولة حول سقف الدين في عام 2011 أدت إلى خفض التصنيف الائتماني للبلاد وإجبارها لسنوات على تخفيضات في الإنفاق المحلي والعسكري.
وبدأت وزارة الخزانة الأميركية، إجراءات استثنائية لإدارة النقد من خلال ترشيد النفقات، يمكن أن تؤدي لتفادي التخلف عن السداد حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.
وفي الوقت الذي يواجه فيه أكبر اقتصاد في العالم، مخاطر حادة في حال رفض الموافقة الروتينية لزيادة سقف الاقتراض القانوني، من الحزب الجمهوري، وهو ما قد يدفع ذلك الولايات المتحدة إلى التخلف عن السداد، الأمر الذي لم يحدث من قبل، تزداد المخاوف فقط بين المحللين والمتخصصين، غير أن تداعيات طول المدة قد تنعكس بالسلب على الاقتصاد الأميركي وبالتبعية العالمي.
وأكدت نائبة السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض أوليفيا دالتون: «لن تكون هناك مفاوضات بشأن سقف الدين. يجب على الكونغرس معالجة المسألة دون شروط كما فعل ثلاث مرات في عهد (الرئيس الجمهوري السابق) دونالد ترمب». يهدف الجمهوريون، الذين فازوا حديثاً بأغلبية في مجلس النواب، إلى استغلال الوقت حتى استنفاد مناورات وزارة الخزانة الطارئة لإجبار بايدن ومجلس الشيوخ الذي يقوده الديمقراطيون على تخفيض الإنفاق. كما يحاول الجمهوريون استخدام أغلبيتهم البسيطة في مجلس النواب وسقف الدين لفرض تخفيضات على البرامج الحكومية، ويرون أن وزارة الخزانة يمكن أن تتجنب التخلف عن السداد من خلال إعطاء الأولوية لمدفوعات الديون، لكن الخبراء الماليين شككوا في جدوى الفكرة، التي يرفضها البيت الأبيض كلياً.
ونبه جيمي دايمون الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان تشيس» إلى أن من شأن التخلف عن السداد أن يضر بمصداقية الولايات المتحدة، مضيفاً: «يجب ألا نشكك في الجدارة الائتمانية لحكومة الولايات المتحدة». وقال في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» مساء الخميس، إن «هذا الأمر مقدس. ينبغي ألا يحدث أبداً».
وقال تشاك شومر، زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ في بيان: «سياسة حافة الهاوية مع الحد من الديون ستكون ضربة هائلة للاقتصادات المحلية والعائلات الأميركية، ولن تكون أهون من أزمة اقتصادية على أيدي الجمهوريين».
من جانبها حذّرت وزيرة الخزانة الأميركيّة جانيت يلين عبر شبكة سي إن إن، من أنّ التخلّف عن سداد الديون الأميركيّة سيؤدّي «بالتأكيد إلى ركود في الولايات المتحدة، وقد يؤدّي إلى أزمة ماليّة عالميّة».
وقالت يلين إنّه في حال التخلّف عن سداد الدين الأميركي «فإنّ تكاليف الاقتراض لدينا سترتفع، وسيرى كلّ أميركي أنّ تكاليف الاقتراض الخاصّة به ستتبع الاتّجاه نفسه» وترتفع هي أيضاً. وأضافت: «علاوةً على ذلك، فإنّ الفشل في سداد أيّ مدفوعات... سيؤدّي بلا شكّ إلى حدوث ركود في الاقتصاد الأميركي، ويمكن أن يتسبّب في أزمة ماليّة عالميّة».
وشدّدت على أنّ «هذا سيُقوّض بلا شكّ دور الدولار بوصفه عملةً احتياطيّة تُستخدم في المعاملات في كل أنحاء العالم. أميركيّون كثر سيفقدون وظائفهم».
وتعهد بدوره الرئيس جو بايدن مساء الجمعة، بإجراء «مناقشة» مع رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي بشأن رفع سقف الديون. وقال بايدن خلال فعالية مع رؤساء بلديات المدن إن تخلف الولايات المتحدة عن سداد الديون سيكون كارثة لا مثيل لها من الناحية المالية في الولايات المتحدة.
وقال بايدن «الدين الذي ندفعه تراكم على مدى 200 عام، وسنجري نقاشاً بسيطاً حول ذلك مع زعيم الأغلبية الجديد في مجلس النواب». وقال مكارثي زعيم الأغلبية في تغريدة موجهة إلى بايدن إنه قبل دعوته «للجلوس ومناقشة زيادة تتسم بالمسؤولية في سقف الديون لمعالجة الإنفاق الحكومي غير المسؤول».


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
TT

هل يحسم وارش في «جاكسون هول» موقفه من التضخم والفائدة؟

وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)
وارش في مؤتمر صحافي عقب اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (رويترز)

يتوجه رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، كيفين وارش، إلى «منتدى جاكسون هول» هذا الأسبوع، وسط ترقب واسع لما إذا كان سيكشف أخيراً عن رؤيته لمسار التضخم وأسعار الفائدة، بعدما حافظ منذ توليه منصبه على قدر كبير من التحفظ في الإفصاح عن توجهاته النقدية.

ويواجه وارش اختباراً مبكراً لقدرته على قيادة «الفيدرالي» في وقت ينقسم فيه مسؤولوه بشأن أسباب استمرار التضخم فوق مستهدف «البنك» البالغ اثنين في المائة، وما إذا كانت الضغوط الحالية ناجمة عن صدمات مؤقتة، مثل الرسوم الجمركية واضطرابات الطاقة المرتبطة بحرب إيران، أم تعكس اقتصاداً لا يزال ينمو بوتيرة أقوى من قدرته على استيعاب الطلب.

ومن المقرر أن يلقي وارش كلمته يوم الجمعة خلال المؤتمر السنوي الذي ينظمه «بنك الاحتياطي الفيدرالي» بمدينة كانساس سيتي في وادي جاكسون هول بولاية وايومينغ، حيث ستتركز أنظار المستثمرين ومسؤولي «البنك المركزي» على تفسيره أداء الاقتصاد، والعوامل التي يمكن أن تدفعه إلى تغيير موقفه من أسعار الفائدة.

ويأتي ذلك في وقت لم تحسم فيه البيانات الأخيرة الجدل داخل «الفيدرالي». فقد أدت بيانات أسعار أكبر اعتدالاً خلال الشهرين الماضيين إلى تخفيف الضغوط من أجل رفع الفائدة في الاجتماع التالي خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، لكنها لم تبدد التساؤلات بشأن ما إذا كان مستوى الفائدة الحالي، الذي يدور حول 3.6 في المائة، مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى مستهدف «البنك»، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

جانب من بلدة جاكسون هول القديمة بولاية وايومينغ الأميركية حيث تعقد البنوك المركزية اجتماعها السنوي (أ.ب)

صراع بين تفسيرين للتضخم

ويتمحور الخلاف داخل «الفيدرالي» حول تفسيرين متباينين لمسار الأسعار. الأول يرى أن التضخم المرتفع يرجع بصورة أساسية إلى صدمات مؤقتة، بينها الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، وبالتالي؛ فإن تراجع هذه الضغوط قد يسمح للتضخم بالانخفاض من تلقاء نفسه من دون الحاجة إلى تشديد إضافي للسياسة النقدية.

أما التفسير الثاني، فيرى أن هذه العوامل تخفي اختلالات أعمق، إذ يتجاوز الطلب المعروض بما يسمح للشركات بتمرير زيادات الأسعار والحفاظ عليها، وهو ما يتطلب تدخلاً من «البنك المركزي» عبر أسعار فائدة أعلى.

وقد ظهر هذا الانقسام بوضوح في الاجتماع الأخير، بعدما صوّت 3 مسؤولين في «الفيدرالي» لمصلحة رفع أسعار الفائدة، فيما أبدى مسؤولون آخرون استعدادهم للانضمام إلى هذا الاتجاه.

ويرى أنصار التشديد أن قوة الإنفاق والاستثمار في الذكاء الاصطناعي واستمرار الطلب على العمالة والائتمان تشير إلى أن الاقتصاد لا يزال متيناً، وأن «الفيدرالي» لم يعد قادراً على افتراض أن التضخم سيواصل الانخفاض من تلقاء نفسه.

في المقابل، يشير آخرون إلى علامات على احتمال تراجع ضغوط الأسعار، من بينها تردد الشركات في تمرير زيادات جديدة إلى المستهلكين، وسط ميل بعض المتسوقين إلى خفض الإنفاق أو تأجيل المشتريات الكبيرة.

اختبار لأسلوب وارش

ولا تقتصر أهمية خطاب «جاكسون هول» على مضمون السياسة النقدية، بل تمثل أيضاً اختباراً لنهج وارش في التواصل مع الأسواق. فقد بنى رئيس «الفيدرالي» أسلوبه الجديد على تقليل التصريحات والتوقعات، انطلاقاً من قناعة بأن مسؤولي البنوك المركزية يفرطون في الحديث، وأن التوقعات التي يعلنونها قد تتحول لاحقاً إلى التزامات يصعب التراجع عنها.

غير أن هذا النهج يواجه اختباراً حقيقياً مع انقسام أعضاء «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة». ففي مثل هذه الحالات، يصبح على رئيس «البنك المركزي» لعب دور حاسم في توحيد المواقف؛ مما يجعل المستثمرين يترقبون ما إذا كان وارش سيُقدم في «جاكسون هول» تفسيراً أوضح للضغوط التضخمية ومسار السياسة النقدية.

وكانت تصريحاته بعد اجتماع يوليو (تموز) الماضي قد أثارت بعض الشكوك بشأن رؤيته، بعدما تجنب الإجابة بصورة مباشرة عن أسئلة بشأن الكيفية التي يمكن أن تسهم بها السياسة الحالية في خفض التضخم.

وفي ذلك الوقت، انخفضت عوائد السندات قصيرة الأجل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، كما صعد معدل الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى نحو 6.75 في المائة، وهو أعلى مستوى له هذا العام.

وعكست هذه التحركات اعتقاداً لدى بعض المستثمرين بأن «الفيدرالي» قد يتسامح مع قدر أكبر من التضخم على المدى القصير، بما قد يضطره إلى رفع الفائدة لاحقاً.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

السندات تدخل على خط المواجهة

وتزداد مهمة وارش تعقيداً مع صعود عوائد السندات الأميركية، خصوصاً أن تحركات السوق لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات السياسة النقدية.

فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الأسبوع الماضي خططاً لتوسيع عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل، قائلاً إن الأساسيات الاقتصادية لا تبرر مستويات العوائد التي تحددها السوق.

ويضاف إلى ذلك أن بيسنت يرى أن التضخم ليس بالمشكلة التي يصفه بها مسؤولو «الفيدرالي» الأكبر تشدداً؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام ضغط من جهة أخرى داخل الإدارة الأميركية بشأن مسار الفائدة وعوائد السندات.

وكان وارش قد أشار إلى أن ارتفاع العوائد قبل اجتماع يوليو يعني أن الأسواق تنفذ بالفعل بعض التشديد نيابة عن «الفيدرالي». غير أن هذا الطرح يفترض أن تحركات السوق تعكس فقط التغيرات في الاقتصاد، في حين أن توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة نفسها تؤثر بصورة مباشرة في عوائد السندات.

المعضلة التي تواجه وارش

وتتمثل إحدى كبرى المعضلات أمام رئيس «الفيدرالي» في تحديد ما الذي أخطأ فيه «البنك» خلال السنوات الماضية.

فإذا كان خفض أسعار الفائدة خلال العامين الماضيين لدعم سوق العمل، التي اتضح لاحقاً أنها أمتن مما توقع المسؤولون، قراراً خاطئاً، فإن المنطق يقتضي عكس تلك التخفيضات ورفع الفائدة مجدداً. غير أن هذا الخيار قد يكون محرجاً لوارش، خصوصاً أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وبيسنت كانا قد دعوا إلى تخفيضات أعمق للفائدة العام الماضي، كما أن وارش نفسه لم يعارض هذا الاتجاه قبل توليه رئاسة «البنك المركزي».

وارش مترئساً اجتماع «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» (الاحتياطي الفيدرالي)

أما إذا كان استمرار التضخم يعود أساساً إلى الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة، فإن ارتفاع الأسعار الحالي قد يكون نتيجة لصدمات مؤقتة وليس دليلاً على سوء تقدير سابق لأداء الاقتصاد.

وهناك احتمال ثالث يتمثل في تبني وارش نهجاً مختلفاً للتعامل مع التضخم، وهو موقف طرح جوانب منه خلال السنوات الماضية. فالنماذج التقليدية لـ«البنك المركزي» تتعامل مع التضخم بوصفه ظاهرة واسعة ترتبط إلى حد كبير بالأجور، لكن هذه النماذج قد لا تقدم إجابة واضحة عن تأثير طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي ترفع الأسعار من دون أن تسبقها بالضرورة زيادة مماثلة في الأجور.

ومن هنا، فقد يتوقف جانب مهم من رئاسة وارش على قدرته في صياغة استراتيجية جديدة لـ«الفيدرالي» في اقتصاد مختلف عن اقتصاد التسعينات الذي يستشهد به كثيراً؛ اقتصادٍ يتسم بتراجع العولمة، وانخفاض الهجرة، وتكرار الصراعات الجيوسياسية، إلى جانب صدمات تجارة وطاقة، واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي.

وبينما ينتظر المستثمرون إشارة واضحة من «جاكسون هول» بشأن التضخم والفائدة، فإن السؤال الأهم أمام وارش يبقى: هل يعتقد أن السياسة النقدية الحالية مقيدة بما يكفي لإعادة التضخم إلى اثنين في المائة، أم إن «الفيدرالي» يحتاج إلى تشديد جديد؟ ويُنتظر أن يقدم خطابه يوم الجمعة أول إجابة أشد وضوحاً عن هذا السؤال.


ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
TT

ماذا تعني خطوة السعودية نحو تطوير سوق المشتقات المالية؟

مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمر يتابع شاشات التداول في «السوق السعودية» (أ.ف.ب)

تسعى السعودية إلى نقل سوق المشتقات المالية من مرحلة إطلاق المنتجات إلى مرحلة أكثر نضجاً، عبر خفض تكلفة التداول، وتعزيز دور صنّاع السوق، وتحسين كفاءة استخدام رأس المال.

فقد أعلنت «تداول السعودية» وشركة «مركز مقاصة الأوراق المالية (مقاصة)» عن حزمة من التحسينات الهيكلية في سوق المشتقات المالية السعودية، في خطوة تستهدف تعزيز السيولة، ورفع كفاءة السوق، وتوسيع قاعدة مشاركة المستثمرين المؤسسيين والأفراد.

ما سوق المشتقات؟

المشتقات هي أدوات مالية تستمد قيمتها من أصل آخر، مثل سهم أو مؤشر، وتستخدم بصورة رئيسية في التحوط وإدارة المخاطر، كما تتيح للمستثمرين تنفيذ استراتيجيات تداول أكثر تنوعاً.

ما المنتجات التي تشملها التحديثات؟

1- العقود المستقبلية على مؤشر «إم تي 30»: تتيح للمستثمر التعرض لأداء أكبر 30 شركة وأكثرها نشاطاً في السوق السعودية، ومن ثم استخدامها للتحوط من مخاطر محفظة واسعة أو من حركة السوق عموماً.

2- العقود المستقبلية للأسهم المفردة: ترتبط بسهم شركة محددة، وتمنح المستثمر إمكانية التحوط من مخاطر سهم بعينه أو بناء استراتيجيات استثمار مرتبطة بحركته.

لماذا تحتاج السوق إلى صنّاع سوق؟

صانع السوق يوفر بصورة مستمرة أسعاراً للشراء والبيع، ما يساعد على وجود طرف مقابل للمستثمر عند الدخول في الصفقة أو الخروج منها، وكلما زاد عدد صناع السوق ونشاطهم، تحسنت السيولة، وضاق الفارق بين سعري الشراء والبيع، وأصبح التداول أكثر سهولة.

ماذا يعني خفض الرسوم؟

خفض الرسوم، إلى جانب الإعفاء من رسوم التداول ورسوم التسوية النهائية للعقود المستقبلية لمدة عام، يُقلل تكلفة دخول المستثمرين إلى السوق وتجربة هذه المنتجات، بما قد يساعد على زيادة النشاط.

وما أهمية تحسين احتساب الهامش؟

الهامش هو الضمان الذي يقدمه المستثمر مقابل مركزه في المشتقات. وتحسين آلية احتسابه يمكن أن يرفع كفاءة استخدام رأس المال، بحيث لا يكون جزء كبير من أموال المستثمر محجوزاً كضمان دون حاجة.

ما الهدف النهائي؟

الهدف ليس فقط زيادة عدد العقود المتاحة، وإنما بناء سوق مشتقات أكثر سيولة وعمقاً وكفاءة، يوفر للمستثمرين أدوات أفضل للتحوط وإدارة المخاطر، ويعزز جاذبية السوق السعودية أمام المؤسسات والمستثمرين المحليين والأجانب.

ماذا ستكون مؤشرات النجاح؟

وحسب هذا المنطق، فإن نجاح الخطوة سيظهر في:

  • ارتفاع أحجام التداول.
  • زيادة عدد المستثمرين المشاركين.
  • تحسن السيولة.
  • انخفاض الفارق بين أسعار الشراء والبيع.
  • زيادة استخدام المشتقات للتحوط وإدارة المخاطر.
  • اتساع مشاركة المؤسسات والمستثمرين الأجانب.

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)
TT

شركات التقنية المالية تفتح مسارات جديدة لتمويل الصناعة السعودية

أحد المصانع في السعودية (واس)
أحد المصانع في السعودية (واس)

يشهد التمويل الموجه إلى المشروعات الصناعية في السعودية توسعاً في قنواته، مع تنامي دور شركات التقنية المالية في توفير حلول تمويلية للمنشآت الصناعية، في وقت تتجه فيه هذه الشركات إلى لعب دور أكبر في ربط المقترضين بمصادر تمويل جديدة وتقديم خيارات أكثر مرونة للمشروعات الصغيرة.

وأعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية ارتفاع حجم إقراض شركات التقنية المالية للمشروعات الصناعية إلى 541 مليون ريال (144.3 مليون دولار) خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 130 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، التي بلغ خلالها حجم الإقراض 234 مليون ريال (62.4 مليون دولار). كما ارتفع عدد شركات التقنية المالية المتعاونة مع الوزارة من 3 شركات إلى 7 شركات خلال الفترة نفسها.

اتساع قنوات التمويل

وقال محلل الأسواق المالية، عبد الله الحامد، لـ«الشرق الأوسط» إن نمو القطاع الصناعي، بوصفه إحدى ركائز «رؤية 2030»، يحتاج إلى داعم تمويلي سريع وقادر على العمل بطرق غير تقليدية لتوفير التمويلات اللازمة للنمو.

وأضاف أن ارتفاع الطلب على التمويل عبر القنوات التقليدية أتاح لشركات التقنية المالية فرصة لخلق طرق حديثة وسريعة، والوصول إلى شريحة جديدة من الراغبين في التمويل، متوقعاً استمرار نمو هذا الدور مع الزخم الذي يشهده القطاع الصناعي.

وأوضح الحامد أن من أبرز ما يميز شركات التقنية المالية قدرتها على ربط شريحة جديدة من المقرضين بالمقترضين؛ وهو ما أتاح قنوات استثمار جديدة، إلى جانب تسريع إجراءات الحصول على التمويل.

وفي هذا الإطار، وسَّعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية شراكاتها مع شركات التقنية المالية بهدف تنويع المنتجات التمويلية وزيادة حجم الإقراض الموجه إلى القطاع الصناعي. وتشمل الحلول التمويلية المقدمة للمنشآت الصناعية تمويل رأس المال العامل، وتمويل الفواتير، وتمويل التوسع في المشروعات الصناعية.

مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية بالعاصمة السعودية (واس)

دعم المنشآت الصغيرة

ولا يقتصر أثر توسع هذه القنوات على زيادة حجم التمويل؛ إذ يرى الحامد أن شركات التقنية المالية تتمتع بقدرة أكبر على تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد، فضلاً عن توفير تمويلات قد تحتاج إلى فترات أطول أو لا تتناسب بالضرورة مع قدرات التمويل التقليدي.

ويرى أن تخفيض تكلفة التمويل وتحسين القدرة على الوصول إليه يمكن أن يدعما الشركات الصناعية في تنفيذ مشروعاتها والتوسع في عملياتها، خصوصاً في المراحل التي قد تواجه فيها المنشآت الصغيرة تحديات في الوصول إلى القنوات التقليدية.

وتعمل الوزارة، إلى جانب توسيع قاعدة الشراكات، على تعريف رواد الأعمال والمستثمرين الصناعيين بالحلول التمويلية المتاحة من خلال ورش عمل مخصصة، كما تشارك قاعدة بيانات المصانع مع مقدمي الحلول التمويلية، بما يسهم في تسهيل وصول الشركات الصناعية إلى المنتجات التي تتناسب مع احتياجاتها.

التشريع مفتاح الاستدامة

ومع توسع قطاع التقنية المالية ودخوله مجالات تمويلية جديدة، يبرز الإطار التشريعي والتنفيذي عاملاً رئيسياً في استدامة نموه، وفق الحامد، الذي أكد أهمية العمل على إيجاد بيئة تشريعية جاذبة للتقنيات المالية، إلى جانب احتضانها ودعمها بما يعزز قدرتها على النمو والازدهار.

ويأتي هذا التوسع مع ارتفاع عدد شركات التقنية المالية التي تتعاون معها الوزارة في تمويل المشروعات الصناعية إلى 7 شركات خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بـ3 شركات في الفترة نفسها من العام الماضي، بما يعكس اتساع قاعدة مقدمي الحلول التمويلية ودخول مزيد من القنوات الرقمية إلى منظومة التمويل الصناعي.