2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

الأمم المتحدة: الحرب والجفاف التاريخي يفاقمان انعدام الأمن الغذائي

سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)
سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)
TT

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)
سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022.
وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي. وتحت تأثير النزاعات والصدمات الاقتصادية وظواهر المناخ، ارتفع انعدام الأمن الغذائي بشكل إضافي في 2022، حيث هناك 258 مليون شخص بحاجة لمساعدة عاجلة مقابل 193 مليوناً في السنة السابقة، كما حذر تقرير لوكالات عدّة تابعة للأمم المتحدة الأربعاء.
وفي مقدّمة هذه النسخة السابعة من «التقرير العالمي حول أزمات الغذاء»، اعتبر الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش أنّ هذا الواقع يمثّل وصمة عار على جبين الإنسانية؛ لأنّها عجزت عن إحراز تقدّم نحو القضاء على الجوع، الذي يمثل الهدف الثاني للأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
وأكدت الأطراف الـ17 في هذه الشبكة التي تضمّ منظمة الأمم المتّحدة للأغذية الزراعة (فاو) وبرنامج الأغذية العالمي والاتّحاد الأوروبي، أن انعدام الأمن الغذائي يرتفع «للسنة الرابعة على التوالي» مع ملايين الأشخاص الذين يعانون «من جوع شديد لدرجة أنه يهدد بشكل مباشر حياتهم».
ويشمل التقرير خمس دول إضافية عن التقرير السابق، أي 58 دولة، مما أسهم في رفع الأرقام. وانعدام الأمن الغذائي الحاد يشمل المستويات 3 إلى 5 على المقياس الدولي للأمن الغذائي، وهي: «أزمة» و«وضع طارئ» و«كارثة».
وشدّد التقرير على أن انعدام الأمن الغذائي يبقى في «مستوى غير مقبول»، لا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وأفغانستان ونيجيريا وحتى اليمن. وهناك 376 ألف شخص في مرحلة «كارثة»، وهي الأشد خطورة، يعيش 57 في المائة منهم في الصومال.
ومنذ نهاية 2020 عانى الصومال على غرار بقية دول القرن الأفريقي (إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي وكينيا والسودان) من أسوأ جفاف في الأربعين عاما الماضية، وهو ما نسبته دراسة علمية حديثة أصدرها «وورلد ويذر أتريبيوشن» World Weather Attribution إلى الاحتباس الحراري... لكنّ «التمويل الإنساني لمكافحة الجوع وسوء التغذية لا يصل إلى المستوى المطلوب»؛ كما قال غوتيريش.
وفي الدول الـ58 التي حللها هذا التقرير «هناك أكثر من 35 مليون طفل تقل أعمارهم عن خمس سنوات» يعانون من سوء التغذية و9.2 مليون منهم بمستويات حادة. وقالت «فاو» في ملخّص عن التقرير: «لا تزال الصراعات هي المحرك الرئيسي للأزمات الغذائية» في 2022، مذكرة بأن هذه الأزمات ناجمة عن عدة عوامل.
فالصدمات الاقتصادية المرتبطة بوباء «كوفيد - 19»، وتداعيات الحرب في أوكرانيا أثرا بشكل إضافي على بعض الدول في 2022، لا سيما أفغانستان وسوريا وجنوب السودان. وقالت المنظمة إن «التقرير يؤكد تأثير الحرب في أوكرانيا على الأمن الغذائي العالمي بسبب المساهمات الكبرى لأوكرانيا وروسيا في إنتاج وتجارة الوقود عالميا، وكذلك المواد الزراعية والمنتجات الغذائية الأساسية، لا سيما القمح والذرة وزيت دوار الشمس». وأدّى الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 «إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والتجارة في منطقة البحر الأسود، ما تسبب في ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية عالميا في النصف الأول من عام 2022».
ورغم أن الاتفاق الذي أتاح تصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود في 22 يوليو (تموز) الماضي أدى إلى خفض الأسعار، فإنّ «الحرب لا تزال تؤثر بشكل غير مباشر على الأمن الغذائي، خصوصا في الدول ذات الدخل المنخفض التي تعتمد على الواردات الغذائية»، وقد سبق أن أضعفت بسبب الوباء.
كما أنّ ظواهر الطقس الشديدة المرتبطة بالتغير المناخي؛ مثل الجفاف التاريخي في القرن الأفريقي، أو الفيضانات المدمرة في باكستان شكلت أيضا سبباً رئيسياً لتفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي.
أما فيما يخص التوقعات المستقبلية، قال التقرير: «لا تزال النزاعات والصدمات الاقتصادية الوطنية والعالمية والظواهر المناخية المتطرفة متشابكة بشكل متزايد، وتتغذى بعضها على بعض، وتحدث آثارا سلبية متصاعدة على انعدام الأمن الغذائي والتغذية... وليس هناك ما يشير إلى أن هذه الدوافع ستتراجع في عام 2023، ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى مزيد من الظواهر المناخية المتطرفة، وتواجه الاقتصادات العالمية والوطنية نظرة قاتمة، بينما من المرجح أن تستمر الصراعات وانعدام الأمن».
وفقاً لتوقعات 2023 المتاحة لـ38 من 58 دولة وإقليما، اعتبارا من مارس (آذار) الماضي، سيكون ما يصل إلى 153 مليون شخص (أو 18 في المائة من السكان الذين تم تحليلهم) في المرحلة الثالثة من التصنيف الدولي للخطر أو أعلى منه. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يكون هناك نحو 310 آلاف شخص في المرحلة الخامسة من التصنيف في ستة بلدان، هي بوركينا فاسو وهايتي ومالي وأجزاء من نيجيريا والصومال وجنوب السودان، ثلاثة أرباعهم في الصومال.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد «النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

«النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

في حين ارتفع مؤشر مديري المشتريات المعدل موسمياً في السعودية ليصل إلى 59.6 نقطة في أبريل (نيسان) الماضي، مقارنةً بمارس الفائت 58.7 نقطة، مع استمرار تحسن الأداء العام لشركات القطاع الخاص غير المنتجة للنفط، أكد صندوق النقد الدولي أن الإصلاحات التي تقودها الحكومة ونمو الاستثمار الخاص في قطاعات جديدة سيساعدان في دعم نمو الاقتصاد غير النفطي في المملكة وسط توقعات بتباطؤ حاد في النمو الإجمالي هذا العام، مبيناً في الوقت ذاته أن استراتيجية البلاد في الأعوام السابقة قللت من تأثير حركة أسعار النفط على الاقتصاد والميزانية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«بلومبرغ» تتوسع في السعودية وتفتتح مكتباً جديداً في الرياض

مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
TT

«بلومبرغ» تتوسع في السعودية وتفتتح مكتباً جديداً في الرياض

مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)

افتتحت وكالة «بلومبرغ» مكتباً جديداً في مركز الملك عبد الله المالي بالرياض، في خطوة لتوسيع حضورها في السعودية.

وبالتزامن مع افتتاح المكتب، دشنت الشركة «مختبر بلومبرغ المالي» ومبادرة «مسارات بلومبرغ المالية» في السعودية، استناداً إلى مذكرة التفاهم المبرمة مع الأكاديمية المالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

كما أفصحت «بلومبرغ» عن تعاونها مع منظمة «Turquoise Mountain» لتطوير المهارات المهنية ومهارات ريادة الأعمال، مع التركيز بشكل أساسي على السيدات في السعودية.

وأعلنت الشركة كذلك إطلاق صندوق تعاون جديد بالشراكة مع منظمة «Synergos» لدعم رواد الأعمال الاجتماعيين في السعودية من خلال مشاريع مشتركة وبرامج لبناء القدرات، مع التركيز على تعزيز ريادة الأعمال وإتاحة الفرص الاقتصادية وتحفيز الابتكار الاجتماعي.

واحتفاءً بافتتاح المكتب، استضافت «بلومبرغ» معرضاً خاصاً لمنتجات منصتها المالية «بلومبرغ تيرمنال»، لإتاحة الفرصة للعملاء والشركاء لاستكشاف أحدث ما توصلت إليه في مجالات البيانات والتحليلات والتكنولوجيا.


رئيس فيدرالي «مينيابوليس»: سوق العمل ليس مصدراً رئيسياً للتضخم حالياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

رئيس فيدرالي «مينيابوليس»: سوق العمل ليس مصدراً رئيسياً للتضخم حالياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

قال نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، يوم الخميس، إن سوق العمل ليس محركاً رئيسياً للتضخم الذي يسعى البنك المركزي الأميركي إلى خفضه، مضيفاً أن إلحاق الضرر بسوق العمل ليس ضرورياً لتحقيق هذا الهدف.

وقال كاشكاري لتلفزيون «بلومبرغ»: «لا أعتقد أن ذلك ضروري، لأن سوق العمل ليس المصدر الرئيسي للتضخم اليوم، ولذلك لا أرى ضرورة لذلك». وجاءت تصريحاته رداً على سؤال عما إذا كان يتفق مع زميل له في «الاحتياطي الفيدرالي» يخشى أن تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة معدلات البطالة، وفق «رويترز».

وأضاف: «لكنني لا أريد استبعاد هذا الاحتمال تماماً. لدينا تفويض مزدوج؛ فأحد جانبي هذا التفويض يبدو في وضع جيد جداً حالياً، بينما ظل الجانب الآخر بعيداً عن تحقيق المستهدف طوال السنوات الخمس الماضية».

من جانبه، قال جيف شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، يوم الخميس، إن تحديد أثر ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم لا يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام مسؤولي البنك المركزي الأميركي، الذين يحاولون تقييم ما إذا كانت الضغوط التضخمية الحالية ستستمر.

وقال شميد، خلال مؤتمر نظّمه بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند حول التنمية الريفية، إن «هذا الأمر ربما يكون أحد أكبر التحديات التي تواجه السياسة النقدية اليوم، أي فهم ما يكمن وراء صدمة العرض هذه»، مضيفاً أن التحدي يتمثل أيضاً في تحديد المدة التي قد يستمر خلالها تأثيرها على معدلات التضخم.


«فجوة الغاز»... كيف تعوض مصر تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته؟

سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
TT

«فجوة الغاز»... كيف تعوض مصر تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته؟

سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)

تراهن مصر على الآبار الجديدة لتوفير احتياجاتها من الغاز، وتقليل فاتورة الاستيراد بعد تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته وفقاً لبعض التقديرات. لكن هذا التراجع والاعتماد على الاستيراد لا يمنعان القاهرة من إبراز دورها كمركز إقليمي للطاقة، والاستمرار في عقد صفقات لتصدير الغاز رغم عجز الإنتاج عن الوفاء باحتياجاتها.

وأعلنت وزارة البترول المصرية، الأربعاء، إضافة 45 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً إلى الإنتاج المحلي، إلى جانب 540 برميلاً يومياً من المتكثفات، من خلال ثلاث آبار جديدة، وإعادة تشغيل بئر رابعة. وربطت هذه الزيادة بعودة استثمارات الشركاء بعد تسوية المستحقات المتأخرة، وقالت إن برنامجها يقوم على تسريع وضع الآبار الجديدة على الإنتاج، وإصلاح الآبار المتوقفة، والاستفادة من البنية التحتية القائمة.

لكن هذه الإضافة غير كافية لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك التي تزيد قليلاً عن النصف، فوفق تصريحات لوزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، في نهاية أغسطس (آب) الماضي، فإن إنتاج البلاد من الغاز يبلغ نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل فاتورة استهلاك مرتفعة وصلت إلى 7.28 مليار قدم مكعبة يومياً، في يوليو (تموز) وأغسطس، ونحو 6.45 مليار خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى مارس (آذار)، ما يعني اضطرار القاهرة للاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك التي تزيد قليلاً عن النصف.

وزارة البترول المصرية تقوم بنشر إنفوغراف توضيحي لتجاوز الغاز المصري مرحلة تراجع الإنتاج (أرشيفية-البترول المصرية)

وقال عضو مجلس النواب المصري (البرلمان) حسام حسن الخشت، لـ«الشرق الأوسط»، إن إنتاج مصر من الغاز وصل إلى أدنى مستوياته منذ نحو 15 عاماً، مشيراً إلى ما وصفه بـ«خلل هيكلي مالي وإداري في إدارة منظومة الطاقة».

وعزا خبير اقتصاد الطاقة جمال القليوبي تراجع إنتاج مصر من الغاز إلى «طبيعة الحقول نفسها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإنتاج يزيد ويقل وفق قدرات الخزانات، وأعمارها الإنتاجية»، موضحاً أن «أحد التغيرات الرئيسة كان تراجع إنتاج حقل (ظهر)، الذي استحوذ في مرحلة سابقة على نحو نصف قدرات إنتاج الغاز المصرية».

وأضاف: «مساهمات حقل ظهر انخفضت إلى نحو 27 أو 28 في المائة، ما ترك فجوة لم يظهر حتى الآن حقل بديل لتعويضها».

هذا الانخفاض دفع وزارة البترول لزيادة أنشطة الحفر والاستكشاف خلال العامين الماضيين، بهدف استعادة معدلات الإنتاج السابقة.

لكن حتى الآن لا تزال مصر تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من الغاز، لا سيما في فصل الصيف، حيث تستهلك محطات الكهرباء نحو 4.3 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، مقابل نحو 3.3 مليار في الأشهر الأقل استهلاكاً، بحسب القليوبي.

وبلغ استهلاك الغاز في توليد الكهرباء والتدفئة نحو 4.7 مليار قدم مكعبة يومياً خلال شهر يوليو الماضي، أي ما يقارب ثلثي إجمالي الاستهلاك في ذلك الشهر، بحسب التقديرات الرسمية.

وإلى جانب الكهرباء تحتاج مصر للغاز في عدد من الصناعات، وفي مقدمتها الأسمدة، والبتروكيماويات، وأوضح القليوبي أن «مصر تنتج نحو 17.5 مليون طن من الأسمدة، يستهلك منها محلياً نحو 12 مليون طن، ويُصدّر الباقي، فضلاً عن إنتاج نحو 4.8 مليون طن من البتروكيماويات، يذهب جزء كبير منها إلى التصدير».

وأوضح الخشت، أن متوسط تكلفة المليون وحدة حرارية من الغاز داخل المنظومة يصل إلى نحو 10.5 دولار في ظل مزيج التوريد الحالي الذي يجمع بين الإنتاج المحلي والواردات، بينما تبيعه البترول لوزارة الكهرباء بنحو 5 دولارات، في مؤشر على ما وصفه بـ«خلل هيكلي مالي وإداري».

اكتشافات مصرية متسارعة لآبار الغاز للوفاء بالاحتياجات المحلية (أرشيفية- البترول المصرية)

ولتلبية احتياجاتها تستورد مصر الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه في عام 2019، وتم تعديله أخيراً لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040، بمعدل يومي قدره 1.8 مليار قدم مكعبة.

لكنها في الوقت ذاته تواصل توقيع صفقات تصدير الغاز لتعزيز وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية كمركز إقليمي للطاقة، حيث وقعت بداية العام الجاري مذكرات تفاهم لتصدير الغاز إلى سوريا، ولبنان. ووفق تقديرات رسمية أخيراً زادت صادرات مصر من الغاز الطبيعي والمسال بنحو 130 في المائة خلال العام المالي الماضي، ووصلت إلى 835 ألف طن.

وفسر القليوبي استمرار صفقات التصدير رغم الحاجة للغاز بـ«طبيعة سوق الغاز واتفاقيات الشركاء الأجانب»، وقال إن «الشركات العالمية العاملة في مصر، ومن بينها (إيني) و(بي بي)، لديها حصص، والتزامات تجارية وفق اتفاقياتها، وقد تتمكن من بيع حصصها في أسواق بعائد أكبر من المبلغ الذي تشتري به مصر الغاز».

وأضاف: «الشريك الأجنبي يتعاقد على صفقات غاز مربحة أكثر، وبالتالي يطلب الحصول على حصته، والتصرف فيها، بينما تستورد مصر الغاز بمبالغ أقل، ما يحقق معادلة تجارية مربحة».

وأوضح القليوبي أن وزارة البترول تعكف على استكشاف آبار جديدة، وتطوير الحالية، ما قد يزيد الإنتاج بنحو 1.5 مليار قدم مكعبة يومياً خلال 2027.