2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

الأمم المتحدة: الحرب والجفاف التاريخي يفاقمان انعدام الأمن الغذائي

سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)
سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)
TT

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)
سيدة وطفلتها الرضيعة محتجزتان للعلاج من سوء التغذية العنيف في أحد مستشفيات مدغشقر عقب أعاصير مدمرة في مارس الماضي (أ.ب)

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022.
وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي. وتحت تأثير النزاعات والصدمات الاقتصادية وظواهر المناخ، ارتفع انعدام الأمن الغذائي بشكل إضافي في 2022، حيث هناك 258 مليون شخص بحاجة لمساعدة عاجلة مقابل 193 مليوناً في السنة السابقة، كما حذر تقرير لوكالات عدّة تابعة للأمم المتحدة الأربعاء.
وفي مقدّمة هذه النسخة السابعة من «التقرير العالمي حول أزمات الغذاء»، اعتبر الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش أنّ هذا الواقع يمثّل وصمة عار على جبين الإنسانية؛ لأنّها عجزت عن إحراز تقدّم نحو القضاء على الجوع، الذي يمثل الهدف الثاني للأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
وأكدت الأطراف الـ17 في هذه الشبكة التي تضمّ منظمة الأمم المتّحدة للأغذية الزراعة (فاو) وبرنامج الأغذية العالمي والاتّحاد الأوروبي، أن انعدام الأمن الغذائي يرتفع «للسنة الرابعة على التوالي» مع ملايين الأشخاص الذين يعانون «من جوع شديد لدرجة أنه يهدد بشكل مباشر حياتهم».
ويشمل التقرير خمس دول إضافية عن التقرير السابق، أي 58 دولة، مما أسهم في رفع الأرقام. وانعدام الأمن الغذائي الحاد يشمل المستويات 3 إلى 5 على المقياس الدولي للأمن الغذائي، وهي: «أزمة» و«وضع طارئ» و«كارثة».
وشدّد التقرير على أن انعدام الأمن الغذائي يبقى في «مستوى غير مقبول»، لا سيما في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وأفغانستان ونيجيريا وحتى اليمن. وهناك 376 ألف شخص في مرحلة «كارثة»، وهي الأشد خطورة، يعيش 57 في المائة منهم في الصومال.
ومنذ نهاية 2020 عانى الصومال على غرار بقية دول القرن الأفريقي (إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي وكينيا والسودان) من أسوأ جفاف في الأربعين عاما الماضية، وهو ما نسبته دراسة علمية حديثة أصدرها «وورلد ويذر أتريبيوشن» World Weather Attribution إلى الاحتباس الحراري... لكنّ «التمويل الإنساني لمكافحة الجوع وسوء التغذية لا يصل إلى المستوى المطلوب»؛ كما قال غوتيريش.
وفي الدول الـ58 التي حللها هذا التقرير «هناك أكثر من 35 مليون طفل تقل أعمارهم عن خمس سنوات» يعانون من سوء التغذية و9.2 مليون منهم بمستويات حادة. وقالت «فاو» في ملخّص عن التقرير: «لا تزال الصراعات هي المحرك الرئيسي للأزمات الغذائية» في 2022، مذكرة بأن هذه الأزمات ناجمة عن عدة عوامل.
فالصدمات الاقتصادية المرتبطة بوباء «كوفيد - 19»، وتداعيات الحرب في أوكرانيا أثرا بشكل إضافي على بعض الدول في 2022، لا سيما أفغانستان وسوريا وجنوب السودان. وقالت المنظمة إن «التقرير يؤكد تأثير الحرب في أوكرانيا على الأمن الغذائي العالمي بسبب المساهمات الكبرى لأوكرانيا وروسيا في إنتاج وتجارة الوقود عالميا، وكذلك المواد الزراعية والمنتجات الغذائية الأساسية، لا سيما القمح والذرة وزيت دوار الشمس». وأدّى الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 «إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والتجارة في منطقة البحر الأسود، ما تسبب في ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية عالميا في النصف الأول من عام 2022».
ورغم أن الاتفاق الذي أتاح تصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود في 22 يوليو (تموز) الماضي أدى إلى خفض الأسعار، فإنّ «الحرب لا تزال تؤثر بشكل غير مباشر على الأمن الغذائي، خصوصا في الدول ذات الدخل المنخفض التي تعتمد على الواردات الغذائية»، وقد سبق أن أضعفت بسبب الوباء.
كما أنّ ظواهر الطقس الشديدة المرتبطة بالتغير المناخي؛ مثل الجفاف التاريخي في القرن الأفريقي، أو الفيضانات المدمرة في باكستان شكلت أيضا سبباً رئيسياً لتفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي.
أما فيما يخص التوقعات المستقبلية، قال التقرير: «لا تزال النزاعات والصدمات الاقتصادية الوطنية والعالمية والظواهر المناخية المتطرفة متشابكة بشكل متزايد، وتتغذى بعضها على بعض، وتحدث آثارا سلبية متصاعدة على انعدام الأمن الغذائي والتغذية... وليس هناك ما يشير إلى أن هذه الدوافع ستتراجع في عام 2023، ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى مزيد من الظواهر المناخية المتطرفة، وتواجه الاقتصادات العالمية والوطنية نظرة قاتمة، بينما من المرجح أن تستمر الصراعات وانعدام الأمن».
وفقاً لتوقعات 2023 المتاحة لـ38 من 58 دولة وإقليما، اعتبارا من مارس (آذار) الماضي، سيكون ما يصل إلى 153 مليون شخص (أو 18 في المائة من السكان الذين تم تحليلهم) في المرحلة الثالثة من التصنيف الدولي للخطر أو أعلى منه. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يكون هناك نحو 310 آلاف شخص في المرحلة الخامسة من التصنيف في ستة بلدان، هي بوركينا فاسو وهايتي ومالي وأجزاء من نيجيريا والصومال وجنوب السودان، ثلاثة أرباعهم في الصومال.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد «النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

«النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

في حين ارتفع مؤشر مديري المشتريات المعدل موسمياً في السعودية ليصل إلى 59.6 نقطة في أبريل (نيسان) الماضي، مقارنةً بمارس الفائت 58.7 نقطة، مع استمرار تحسن الأداء العام لشركات القطاع الخاص غير المنتجة للنفط، أكد صندوق النقد الدولي أن الإصلاحات التي تقودها الحكومة ونمو الاستثمار الخاص في قطاعات جديدة سيساعدان في دعم نمو الاقتصاد غير النفطي في المملكة وسط توقعات بتباطؤ حاد في النمو الإجمالي هذا العام، مبيناً في الوقت ذاته أن استراتيجية البلاد في الأعوام السابقة قللت من تأثير حركة أسعار النفط على الاقتصاد والميزانية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

شيمشك: مسار خفض التضخم في تركيا لم يشهد تدهوراً

صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)
صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)
TT

شيمشك: مسار خفض التضخم في تركيا لم يشهد تدهوراً

صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)
صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)

أكد وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك أن مسار خفض التضخم في تركيا لم يشهد تدهوراً، بل تباطؤاً مؤقتاً يعود في معظمه إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتأثيرات موسمية.

وقال في مقابلة مع قناة «إن تي في» من إسطنبول: «بإمكاننا الحديث عن تباطؤ في وتيرة تراجع التضخم، لكن ليس عن أي تدهور في المسار العام»، مشدداً على أن مكافحة التضخم تظل أولوية الحكومة الأولى.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت تراقب فيه الأسواق المحلية والدولية أداء الاقتصاد التركي عن كثب، بعد عامين من التحول نحو سياسات نقدية ومالية أكثر تشدداً.

وأوضح الوزير أن العوامل التي أسهمت في إبطاء وتيرة تراجع التضخم تتصل بشكل رئيسي بأسعار الغذاء وبعض التأثيرات الموسمية، لافتاً إلى أن الضغوط في قطاع الخدمات بدأت تظهر بوادر تراجع بعد فترة من الجمود. وأشار شيمشك إلى أن «الجمود» الذي اتسمت به معدلات التضخم في قطاع الخدمات بدأ يلين تدريجياً، في إشارة إلى تحسن نسبي في أحد أكثر المكونات صعوبة في السيطرة ضمن سلة الأسعار.

ويُعد تضخم الخدمات من أبرز التحديات أمام صناع السياسات، نظراً لارتباطه بالأجور وتكاليف التشغيل المحلية.

وفي سياق متصل، أكد الوزير أن العجز في الحساب الجاري «بات إلى حد كبير تحت السيطرة» ويسير على مسار مستدام، في ظل تحسن تدفقات النقد الأجنبي وتراجع الضغوط على ميزان المدفوعات مقارنة بالفترات السابقة. ويُنظر إلى استقرار الحساب الجاري بوصفه أحد المؤشرات الرئيسية على متانة الاقتصاد الكلي، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والسلع الوسيطة.

وعلى صعيد التمويل، قال شيمشك إن القطاع الخاص سيتمكن من الوصول إلى «تمويل أكثر، وأقل كلفة» بعد عام 2026، في إشارة إلى توقعات بتحسن بيئة الاقتراض مع استمرار تنفيذ البرنامج الاقتصادي الحالي. ولم يقدم الوزير تفاصيل إضافية حول الآليات، لكنه شدد على أن الحكومة عازمة على مواصلة تطبيق برنامجها الاقتصادي «بحزم وإصرار». كما أعرب عن ثقته في أن التصنيف الائتماني لتركيا سيواصل التحسن خلال الفترة المقبلة، في ظل ما وصفه بالالتزام القوي بالإصلاحات الاقتصادية والانضباط المالي. وكانت وكالات التصنيف قد بدأت بالفعل في تعديل نظرتها المستقبلية لتركيا خلال العامين الماضيين، بعد تحولات في السياسات الاقتصادية.

وفي إطار جهود جذب الاستثمارات الأجنبية، كشف شيمشك عن أنه سيزور اليابان في مارس (آذار) المقبل، حيث يعتزم عقد لقاءات مع ممثلي مجموعات أعمال من القطاع الحقيقي لبحث فرص الاستثمار المباشر في تركيا. وتأتي هذه الزيارة ضمن تحركات أوسع تستهدف تعزيز تدفقات رؤوس الأموال طويلة الأجل ودعم النمو.

وأكد الوزير أن أولوية الحكومة ستظل مكافحة التضخم، باعتباره التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد التركي، موضحاً أن الحفاظ على استقرار الأسعار شرط أساسي لتحقيق نمو مستدام وتحسين مستويات المعيشة.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت يسعى فيه صناع القرار في أنقرة إلى طمأنة الأسواق بأن مسار الإصلاح الاقتصادي مستمر، وأن أي تباطؤ في وتيرة تراجع التضخم لا يعني انحرافاً عن الأهداف المعلنة، بل يعكس تأثيرات مرحلية يُتوقع تجاوزها مع استمرار تطبيق السياسات الحالية.


تاكايتشي تتخلى عن التقشف وتطمئن الأسواق اليابانية بـ«تعهد مالي»

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في خطابها أمام البرلمان يوم الجمعة بالعاصمة طوكيو (أ ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في خطابها أمام البرلمان يوم الجمعة بالعاصمة طوكيو (أ ب)
TT

تاكايتشي تتخلى عن التقشف وتطمئن الأسواق اليابانية بـ«تعهد مالي»

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في خطابها أمام البرلمان يوم الجمعة بالعاصمة طوكيو (أ ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في خطابها أمام البرلمان يوم الجمعة بالعاصمة طوكيو (أ ب)

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، يوم الجمعة، بالتخلي عن «التقشف المالي المفرط»، ساعيةً في الوقت نفسه إلى طمأنة الأسواق القلقة بأنها ستضع قواعد واضحة لإنعاش مالية البلاد المتعثرة.

كما تعهدت تاكايتشي بتعزيز الاستثمار طويل الأجل في مجالات النمو الرئيسية من خلال إطار ميزانية متعدد السنوات، الذي سيمثل تغييراً جذرياً في كيفية إعداد الميزانيات في اليابان.

وتُسلّط تصريحات رئيسة الوزراء الضوء على خطر مالي جوهري، ألا وهو ضرورة أن تُنعش خطتها الإنفاقية الرئيسية رابع أكبر اقتصاد في العالم دون إثارة مخاوف بشأن الديون قد تُؤدي إلى انخفاض آخر في قيمة الين وسندات الحكومة.

وفي خطاب سياسي أمام البرلمان، كررت تاكايتشي عزمها انتهاج «سياسة مالية مسؤولة واستباقية» تهدف إلى زيادة الاستثمار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، وبناء السفن، لرفع مستوى النمو المحتمل لليابان.

وقالت تاكايتشي: «ستُنهي إدارتي التوجه طويل الأمد نحو التقشف المالي المفرط ونقص الاستثمار المزمن من أجل المستقبل»، مضيفةً أن اليابان يجب ألا تتردد في زيادة الإنفاق لدعم الاستثمار الخاص.

وتاكايتشي المعروفة بتأييدها للسياسة المالية والنقدية المتساهلة قادت حزبها الحاكم إلى فوز ساحق في الانتخابات العامة التي جرت في 8 فبراير (شباط)، متعهدةً بزيادة الإنفاق وتعليق ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية لمدة عامين.

وأثارت دعواتها للإنفاق الضخم وخفض الضرائب موجة بيع في سندات الحكومة والين أواخر العام الماضي، وسط مخاوف المستثمرين بشأن كيفية تمويل اليابان - التي ترزح تحت وطأة أعلى عبء ديون في العالم المتقدم - لخططها الإنفاقية الضخمة.

• إصلاحات شاملة

قالت تاكايتشي إن إدارتها ستُجري إصلاحات شاملة على طريقة إعداد الميزانيات الحكومية لجعل المبادرات الحكومية أكثر قابلية للتنبؤ بالنسبة للشركات، وذلك من خلال تشجيع الميزانيات متعددة السنوات وصناديق الاستثمار طويلة الأجل.

وفي اليابان، تُعدّ الحكومة ميزانيات سنوية تُخصص فيها النفقات لسنة واحدة فقط بدلاً من عدة سنوات، لضمان خضوع الإنفاق لتدقيق البرلمان.

وقالت تاكايتشي: «بالنسبة لاستثمارات إدارة الأزمات والنمو التي تُحقق عوائد تتجاوز تكلفة الاستثمار وتُساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، فسنديرها ضمن إطار ميزانية منفصل متعدد السنوات».

وأضافت: «في الوقت نفسه، لن نتبنى سياسات مالية متهورة تُقوّض ثقة السوق»، متعهدةً بالسعي إلى زيادة الإيرادات من خلال خفض بعض الإعانات الحالية.

بدورها أكدت وزيرة المالية اليابانية أن الحكومة ستُبقي وتيرة زيادة الدين ضمن معدل النمو الاقتصادي، وستعمل على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مطرد لضمان الاستدامة المالية، مضيفةً أنها ستضع مؤشرات محددة لقياس التقدم المُحرز.

• مخاوف قائمة

تستخدم اليابان حالياً رصيد الميزانية الأولية، الذي يستثني مبيعات السندات الجديدة وتكاليف خدمة الدين، كمقياس رئيسي، وتسعى إلى تحقيق فائض في الفترة ما بين عامي 2025 و2026 الماليين.

كانت تاكايتشي أشارت إلى إمكانية تخفيف الهدف المالي باستبدال هدف الميزانية الأولية بتعهد بخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، أو النظر في كلا المؤشرين لاتباع نهج طويل الأجل لتحسين الوضع المالي لليابان.

من المرجح أن يتم اعتماد أي تغيير أو إضافة على المقياس المالي في الخطة المالية والاقتصادية الحكومية المقرر صدورها في حدود شهر يونيو (حزيران)، التي ستكون الأولى التي تُعدّها إدارة تاكايتشي.

وتعتزم الحكومة أيضاً عقد اجتماعات مشتركة بين الأحزاب لمناقشة الإطار الزمني والتمويل المقترح لتعليق ضريبة بنسبة 8 في المائة على مبيعات المواد الغذائية لمدة عامين. ويرى بعض المحللين أن خطر تسبب خطط تاكايتشي في موجة بيع أخرى للسندات لا يزال قائماً، مشيرين إلى قلق المستثمرين إزاء زيادة الإنفاق وارتفاع تكاليف تمويل الديون نتيجة لرفع بنك اليابان لأسعار الفائدة.

وحذّرت إيكوكو ساميكاوا، الأكاديمية وعضو لجنة إدارة الدين التابعة لوزارة المالية، من عدم اليقين بشأن إمكانية رفع اليابان لضريبة المواد الغذائية مجدداً بعد عامين. وقالت لوكالة «رويترز»: «بمجرد تعليق ضريبة استهلاك المواد الغذائية لمدة عامين، قد يصعب جداً إعادة تطبيقها، لأن ذلك سيمثل زيادة ضريبية كبيرة على الأسر. وقد يستغرق رفع معدل الضريبة وقتاً طويلاً»، وأضافت: «إذا حدث ذلك، فقد يكون التأثير على المالية العامة لليابان كبيراً جداً. هذا ما يقلقنا».

• التضخم يتباطأ

في غضون ذلك، أظهرت بيانات نشرت يوم الجمعة أن التضخم الأساسي في اليابان بلغ 2.0 في المائة في يناير (كانون الثاني) على أساس سنوي، وهي أبطأ وتيرة في عامين، مما يمكن أن يعقّد قرار البنك المركزي بشأن موعد رفع أسعار الفائدة. وجاء معدل الارتفاع السنوي في المؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين، الذي يستبعد ‌تكاليف الأغذية ‌الطازجة المتقلبة، متماشياً مع متوسط ‌توقعات ⁠السوق ومتباطئاً من ⁠2.4 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وتتوافق هذه البيانات مع توقعات بنك اليابان بأن التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين سيتباطأ لفترة وجيزة لما دون هدفه البالغ 2 في المائة بسبب تأثير مستوى الأساس ⁠بعد الارتفاع الحاد الذي شهده ‌العام الماضي. وارتفع مؤشر ‌منفصل يستبعد أسعار المواد الغذائية الطازجة والوقود، ‌ويراقبه بنك اليابان عن كثب باعتباره ‌مؤشراً أفضل للتضخم المدفوع بالطلب، 2.6 في المائة في يناير، بعد ارتفاعه 2.9 في المائة في ديسمبر. ‌

وسجل هذا المؤشر أبطأ وتيرة سنوية للارتفاع منذ فبراير ⁠2025. وأنهى ⁠بنك اليابان في عام 2024 حزمة تحفيز ضخمة استمرت لعقد من الزمن ورفع أسعار الفائدة على عدة خطوات، كانت إحداها في ديسمبر، مدعوماً بكون اليابان تحرز تقدماً مطرداً في تحقيق هدف التضخم بشكل مستدام. وتوقع أغلب الخبراء في استطلاع أجرته «رويترز» أن يرفع البنك المركزي الفائدة الرئيسية إلى واحد في المائة من 0.75 في المائة حالياً بحلول نهاية يونيو.


«نيكي» يتراجع وسط زيادة التوترات بين أميركا وإيران

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«نيكي» يتراجع وسط زيادة التوترات بين أميركا وإيران

مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم يوم الجمعة، متأثراً بتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتراجع أسهم شركات الأسهم الخاصة الأميركية، مما أثر سلباً على معنويات المستثمرين. وانخفض مؤشر «نيكي» بنسبة 1.1 في المائة ليغلق عند 56.825.70 نقطة، منهياً بذلك سلسلة مكاسب استمرت أسبوعين، ومسجلاً انخفاضاً أسبوعياً بنسبة 0.2 في المائة. كما انخفض مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 1.1 في المائة إلى 3.808.48 نقطة، متراجعاً بنسبة 0.3 في المائة خلال الأسبوع.

وحذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران بضرورة إبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي، وإلا فستحدث «أمور سيئة للغاية»، وحدد مهلة تتراوح بين 10 أيام و15 يوماً، ما دفع طهران إلى التهديد بالرد على القواعد الأميركية في المنطقة في حال تعرضها لهجوم. وقال يوتاكا ميورا، كبير المحللين الفنيين في «ميزوهو» للأوراق المالية: «مع اقتراب عطلة نهاية أسبوع طويلة (في اليابان)، هناك توجّه لجني الأرباح مؤقتاً خشية حدوث توتر بين الولايات المتحدة وإيران خلال العطلة».

وتراجعت أسهم شركة الخطوط الجوية اليابانية «جابان إيرلاينز» بنسبة 3.1 في المائة، كما انخفضت أسهم شركة «إيه إن إيه هولدينغز» بنسبة 2.7 في المائة. بالإضافة إلى ذلك، أدى إعلان شركة «بلو آول كابيتال» عن بيع أصول وتعليق عمليات الاسترداد في أحد صناديقها إلى تراجع السوق اليابانية؛ إذ قاد قطاع الأوراق المالية الانخفاضات في 33 مؤشراً فرعياً لقطاعات بورصة طوكيو. وتراجعت أسهم شركة «إس بي آي هولدينغز»، عملاق الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، بنسبة 4 في المائة، مسجلةً أكبر انخفاض لها منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كما انخفضت أسهم «نومورا هولدينغز»، أكبر شركة وساطة في اليابان، بنسبة 3.7 في المائة.

وفي غضون ذلك، هوت أسهم شركة «سوميتومو فارما» للأدوية بنسبة 16 في المائة تقريباً، مسجلةً أكبر انخفاض لها منذ فبراير (شباط) 2024، نتيجة عمليات جني الأرباح، وذلك وسط تداولات متقلبة، بعدما كانت الأسهم ارتفعت بنسبة تصل إلى 6.8 في المائة في وقت سابق من يوم الجمعة، بعد أن وافقت لجنة تابعة لوزارة الصحة اليابانية في وقت متأخر من مساء الخميس على علاج الشركة لمرض باركنسون، والمُشتق من الخلايا الجذعية المُستحثة متعددة القدرات (iPS). وبلغ مؤشر القوة النسبية (RSI) للسهم، خلال 14 يوماً، 74.8 يوم الثلاثاء. ويشير الرقم الذي يزيد على 70 إلى أن مكاسب السعر مبالغ فيها. وشهد مؤشر «نيكي» ارتفاعاً في أسعار 58 سهماً مقابل انخفاض في أسعار 166 سهماً.

تراجع التضخم

ومن جانبها، ارتفعت أسعار السندات الحكومية اليابانية يوم الجمعة بعد أن أدى انخفاض التضخم إلى تقليل الحاجة المُلحة لرفع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي. وأكدت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي مجدداً التزامها باتباع سياسة مالية «مسؤولة». وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية القياسي لأجل 10 سنوات بمقدار 3.5 نقطة أساس إلى 2.105 في المائة. وانخفض عائد السندات لأجل عامين، وهو الأكثر تأثراً بأسعار الفائدة التي يحددها بنك اليابان، بمقدار 0.5 نقطة أساس إلى 1.25 في المائة. وتراجع عائد السندات لأجل خمس سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى 1.605 في المائة. وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وأظهرت بيانات صدرت يوم الجمعة أن معدل التضخم الأساسي السنوي في اليابان بلغ 2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وهو أبطأ معدل له منذ عامين. ويتماشى هذا مع توقعات بنك اليابان الذي أشار إلى أن التضخم سينخفض مؤقتاً إلى ما دون هدفه البالغ 2 في المائة. وكتب نورياتسو تانجي، كبير استراتيجيي السندات في «ميزوهو» للأوراق المالية، في مذكرة: «إن استمرار انخفاض نمو أسعار المواد الغذائية قد يتيح لبنك اليابان فرصة لتخفيف موقفه المتشدد تجاه التضخم».

وكانت عوائد سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل قد ارتفعت إلى مستويات قياسية الشهر الماضي مع تزايد المخاوف بشأن الوضع المالي لليابان بعد أن دعت تاكايتشي، المعروفة بمواقفها الداعمة للسياسة النقدية، إلى انتخابات مبكرة، وتعهدت بخفض ضرائب المبيعات على المواد الغذائية لمدة عامين، إلا أن قدراً من الهدوء عاد إلى السوق بعد فوز حزبها الساحق؛ إذ انخفضت العوائد، وشهدت مزادات سندات الحكومة اليابانية طلباً قوياً. وأعلنت تاكايتشي، يوم الجمعة، عن أهداف سياستها، متعهدةً بتجنب «السياسات المالية المتهورة التي تقوض ثقة السوق».

وقال أتارو أوكومورا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إس إم بي سي نيكو» للأوراق المالية، في تقرير: «ربما يكون نظام الحزب الواحد المهيمن في اليابان يجذب انتباه العالم وسط عدم الاستقرار السياسي في الدول المتقدمة الكبرى، مما يحفز الطلب من المستثمرين الذين لم يبدوا سابقاً اهتماماً كبيراً بسندات الحكومة اليابانية». وانخفض عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 3 نقاط أساسية إلى 2.925 في المائة، مسجلاً انخفاضاً أسبوعياً رابعاً على التوالي. كما انخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار نقطة أساسية واحدة إلى 2.925 في المائة، في حين انخفض عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 40 عاماً، وهو أطول أجل استحقاق في اليابان، بمقدار 2.5 نقطة أساسية إلى 3.55 في المائة.