أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

تكلفتها في الولايات المتحدة من بين الأعلى عالمياً

حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)
حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)
TT

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)
حقل للطاقة الشمسية في ولاية يوتاه الأميركية (أ.ب)

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي.
وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.
ويقول غونغلوف مدير التحرير السابق لمجلة فورتشن الأميركية إن الإدارة الأميركية تبدو مستسلمة للدعوة لتثاقل خطواتها عندما يتعلق الأمر بالتحول نحو الطاقة الأقل تلويثا للبيئة. وفي أحدث خطوة في هذا السياق، وافق مجلس النواب الأميركي بأغلبية ضئيلة على قانون يعيد فرض رسوم جمركية على أنواع من ألواح الطاقة الشمسية تفضلها شركات الكهرباء.
وحتى إذا مرر مجلس الشيوخ القانون، وهو أمر غير مؤكد، فإن الرئيس الأميركي جو بايدن يهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) لإلغائه. وهذا نبأ جيد هنا. ولكن بغض النظر عما يفعله الرئيس، فجاذبية الإجراءات الحمائية في قطاع الطاقة الشمسية لدى الولايات المتحدة ما زالت قوية.
ويفرض مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب رسوما تتراوح بين 35 و254 في المائة على حوالي 80 في المائة من ألواح الطاقة الشمسية التي تباع في الولايات المتحدة، وهو ما يفرض أعباء على قطاع إنتاج الطاقة الشمسية بأكثر من مليار دولار. كما يمكن أن تؤدي هذه الرسوم إلى شطب حوالي 34 ألف وظيفة نتيجة تأجيل أو إلغاء مشروعات لتركيب ألواح الطاقة الشمسية بحسب تقديرات اتحاد صناعات الطاقة الشمسية الأميركي.
في الوقت نفسه، فإن كل لوح طاقة شمسية لا يتم تركيبه يعني زيادة استهلاك الوقود الأحفوري، وإطلاق المزيد من العوادم الكربونية المسببة للاحتباس الحراري، ويعرقل جهود منع زيادة درجة حرارة كوكب الأرض بأكثر من 1.5 درجة مئوية. كما أن القانون الجديد سيبطئ وتيرة التحول إلى الطاقة النظيفة ويعرقل هدف قانون خفض التضخم الأميركي أحد أهم إنجازات إدارة الرئيس بايدن.
وبالطبع حتى إذا استخدم بايدن حق النقض على القانون، فالمقرر انتهاء الحظر على مثل هذه الرسوم في يونيو (حزيران) 2024. كما أنه ما زالت هناك رسوم أخرى موجودة، مما يجعل تكلفة الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة من بين الأعلى على مستوى العالم.
وكل هذه الإجراءات تهدف بشكل أساسي إلى مواجهة ما يعتبره كثيرون دعما صينيا غير عادل لصناعتها الخاصة بمستلزمات الطاقة الشمسية الرائدة على مستوى العالم، بينما يتم فقط تنشئة الصناعة الأميركية في هذا المجال.
وتعتبر قضية الرسوم على معدات الطاقة الشمسية الصينية من المتفق عليها بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فالرئيس الأميركي الديمقراطي باراك أوباما فرض رسوما من هذا النوع في 2012، ثم جاء خليفته الجمهوري دونالد ترمب وفرض رسوما أخرى عام 2018، ومدد الرئيس الديمقراطي بايدن الرسوم لمدة 4 سنوات أخرى، مع بعض الاستثناءات المهمة، بما في ذلك إعفاء الألواح ذات الوجهين التي تسيطر على مشروعات الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة والذي منحته في البداية إدارة ترمب. وهلل دعاة حماية البيئة وشركات الطاقة الشمسية الأميركية التي يمثلها اتحاد صناعات الطاقة الشمسية الأميركي لهذه الخطوة، حيث قالوا إن إلغاء هذه الرسوم سيفتح الباب أمام المزيد من مشروعات الطاقة الشمسية الكبرى.
في المقابل اعترض قطاع تصنيع معدات الطاقة الشمسية الأميركي على القرار. وبعد وقت قصير أقنعت شركة أوكسين سولار الصغيرة لتصنيع المعدات مدينة سان خوسيه، ووزارة التجارة الأميركية بالتحقيق فيما إذا كانت الإمدادات الصينية من الألواح ذات الوجهين مجرد واجهة للشركات الصينية لتجنب الرسوم؟ وأدى الغموض المحيط بنتيجة هذا التحقيق إلى تعليق العمل في عدد من مشروعات الطاقة الشمسية الكبيرة. ودخل بايدن في المعركة في يونيو الماضي عندما فرض حظرا على أي رسوم جديدة لمدة عامين. لكن وزارة التجارة انحازت إلى جانب شركة أوكسين سولار في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم جاء مشروع القانون المدعوم من الحزبين لإنهاء حظر بايدن على الرسوم.
ويختتم غونغلوف تحليله بالقول إنه على الولايات المتحدة دعم صناعة ألواح الطاقة الشمسية المحلية بكل إمكانياتها، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى إهدار سنوات عديدة مهمة من تركيب الألواح الشمسية في البلاد والتي يتم استيراد أغلبها من الصين.
فالولايات المتحدة والعالم لا يمتلكان رفاهية التقدم البطيء في مشروعات الطاقة الشمسية الكبيرة التي تواجه عقبات كبيرة في الولايات المتحدة. لذلك لا يجب السماح للحرب التجارية بين واشنطن وبكين بشكل عام بأن تعرقل جهود حماية مناخ كوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)
الاقتصاد «النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

«النقد الدولي»: استراتيجية حكومية قللت تأثر الاقتصاد السعودي

في حين ارتفع مؤشر مديري المشتريات المعدل موسمياً في السعودية ليصل إلى 59.6 نقطة في أبريل (نيسان) الماضي، مقارنةً بمارس الفائت 58.7 نقطة، مع استمرار تحسن الأداء العام لشركات القطاع الخاص غير المنتجة للنفط، أكد صندوق النقد الدولي أن الإصلاحات التي تقودها الحكومة ونمو الاستثمار الخاص في قطاعات جديدة سيساعدان في دعم نمو الاقتصاد غير النفطي في المملكة وسط توقعات بتباطؤ حاد في النمو الإجمالي هذا العام، مبيناً في الوقت ذاته أن استراتيجية البلاد في الأعوام السابقة قللت من تأثير حركة أسعار النفط على الاقتصاد والميزانية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

رئيس البرازيل يدعو ترمب لاستئناف المحادثات بشأن الرسوم الجمركية

العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
العلم الأميركي يرفرف فوق سفينة حاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

أجرى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اتصالاً هاتفياً بنظيره الأميركي دونالد ترمب، مساء الجمعة، دعاه خلاله إلى استئناف المفاوضات بشأن الرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن على السلع البرازيلية، في محاولة لتهدئة العلاقات مع الولايات المتحدة قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ووفقاً لبيان صادر عن الحكومة البرازيلية، أوردته وكالة «بلومبرغ» السبت، دافع لولا، الرئيس ذو التوجه اليساري، عن موقف بلاده في مكالمة استمرت أكثر من ساعة، رافضاً الادعاءات الأميركية بشأن ارتكابها ممارسات تجارية غير عادلة، والتي كانت سبباً في فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على العديد من المنتجات البرازيلية، واصفاً إياها بأنها «لا أساس لها من الصحة».

وقالت البرازيل إن ترمب اقترح عقد اجتماع بين مسؤولي البلدين في أقرب وقت ممكن، وإنه أبلغ لولا بأن كبار مستشاريه سيعودون إلى طاولة المفاوضات، وطلب منه التواصل معه مباشرة حال ظهور أي عوائق، حسبما أفاد مصدر اطلع على فحوى المكالمة.

وفي وقت لاحق من يوم الجمعة تواصل الممثل التجاري الأميركي، جيمسون جرير، مع وزارة التجارة البرازيلية لترتيب اجتماع يستهدف استئناف المحادثات، بحسب ما أوردته الوزارة في بيان لها.

وأكد مسؤول في البيت الأبيض إجراء المكالمة الهاتفية بين لولا وترمب، دون الإفصاح عن أي تفاصيل إضافية.


460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
TT

460 مليار دولار في يد كندا... ورقة ضغط هادئة في مواجهة ترمب

شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)
شاحنة تعبر جسر السلام من مدينة بوفالو بولاية نيويورك إلى كندا (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تدخل فيه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة أكثر تصعيداً مع فرض واشنطن رسوماً بنسبة 50 في المائة على واردات كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار، تبرز ورقة مالية أقل وضوحاً في المواجهة بين البلدين: حيازات كندا الكبيرة من سندات الخزانة الأميركية.

وتظهر أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية أن كندا كانت في يونيو (حزيران) الماضي خامس أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، بإجمالي بلغ نحو 459.6 مليار دولار، ارتفاعاً من 435.8 مليار دولار في مايو (أيار).

وتأتي كندا في المرتبة الخامسة بعد اليابان بنحو 1.117 تريليون دولار، وبريطانيا 939.9 مليار دولار، والصين 633.4 مليار دولار، وبلجيكا 482.5 مليار دولار. وبلغ إجمالي حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأميركية نحو 9.299 تريليون دولار في يونيو.

مركبات متوقفة خارج مصنع تجميع «جنرال موتورز» (رويترز)

ورقة ضغط أم مجرد حيازة مالية؟

تثير هذه الأرقام تساؤلات حول مدى قدرة كندا على استخدام حيازاتها من الدَيْن الأميركي كورقة ضغط في مواجهة واشنطن، خصوصاً مع وصول العلاقات التجارية بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ عقود.

ويرى بعض المحللين أن امتلاك دولة أجنبية حجماً كبيراً من سندات الخزانة يمكن أن يمنحها هامشاً من النفوذ في الأسواق المالية، لأن عمليات البيع الكبيرة قد تضغط على أسعار السندات، وترفع عوائدها، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة.

لكن تحويل هذه الحيازات إلى «سلاح» مباشر ليس أمراً بسيطاً. فبيع كميات كبيرة من السندات الأميركية قد يخفض قيمتها، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع قيمة الأصول التي تمتلكها كندا نفسها، كما أن السوق الأميركية عميقة بما يكفي لاستيعاب تدفقات ضخمة مقارنة بحجم الحيازة الكندية.

ولهذا، فإن أهمية الرقم البالغ نحو 460 مليار دولار تكمن بصورة أكبر في أنه يوضح مدى تشابك المصالح المالية بين البلدين، وليس بالضرورة أن كندا تستطيع بسهولة استخدامه لفرض تنازلات على واشنطن.

شاحنة تعبر جسر السلام بين كندا والولايات المتحدة في فورت إيري أونتاريو (أ.ف.ب)

الدَيْن الأميركي يقترب من 40 تريليون دولار

تأتي هذه المعادلة في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن حجم الدين الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، وطول آجال استحقاق جزء كبير من الدين.

وقد أصبحت سوق سندات الخزانة الأميركية تحت المجهر بصورة أكبر خلال الأيام الأخيرة، بعدما قفز عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ سنوات، ما سلط الضوء على حساسية المالية الأميركية تجاه ارتفاع العوائد.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد لجأت إلى برنامج لإعادة شراء سندات طويلة الأجل بهدف دعم السيولة، وتحسين أداء السوق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إدارة احتياجاتها التمويلية في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض.

وفي يونيو، تراجعت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية إلى 9.299 تريليون دولار من 9.371 تريليون دولار في مايو، بقيادة انخفاض حيازات اليابان، وبريطانيا، والصين. ومع ذلك، ظلت الحيازات الأجنبية أعلى بنسبة 2.3 في المائة مقارنة بالعام السابق.

كندا تزيد حيازتها رغم الخلاف

المفارقة اللافتة أن حيازات كندا من سندات الخزانة الأميركية ارتفعت في يونيو بنحو 23.8 مليار دولار على أساس شهري، لتصل إلى 459.6 مليار دولار، بعد أن بلغت 435.8 مليار دولار في مايو، وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي.

وتشير البيانات إلى أن الحيازة الكندية تتسم بتقلبات ملحوظة؛ فقد بلغت نحو 397.1 مليار دولار في أبريل (نيسان)، قبل أن ترتفع إلى 435.8 مليار دولار في مايو ثم 459.6 مليار دولار في يونيو.

ولا تعني هذه التحركات بالضرورة وجود علاقة مباشرة بينها وبين الخلاف التجاري، لكنها تؤكد أن كندا لاعب مهم في سوق الدين الأميركية، وأن العلاقات المالية بين البلدين أعمق بكثير من حجم الرسوم الجمركية الحالية.

مصنع «أرسيلورميتال دوفاسكو» للصلب في هاميلتون أونتاريو كندا (رويترز)

هل يستطيع مارك كارني استخدام هذه الورقة؟

يأتي ذلك فيما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعليق المفاوضات التجارية مع واشنطن، بعدما فشلت المحادثات في اللحظة الأخيرة في التوصل إلى اتفاق يمنع دخول الرسوم الأميركية الجديدة حيز التنفيذ.

وقال كارني إن كندا سترد على الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار»، في إشارة إلى استعداد أوتاوا لتصعيد المواجهة التجارية.

لكن استخدام حيازات سندات الخزانة الأميركية كأداة انتقامية سيظل خياراً شديد الحساسية، لأن كندا ستواجه هي الأخرى تداعيات أي اضطراب كبير في السوق الأميركية.

كما أن طبيعة سوق الخزانة الأميركية تجعل من الصعب الجزم بأن بيع كندي واسع النطاق سيؤدي وحده إلى أزمة في السوق، خصوصاً أن اليابان وبريطانيا والصين وغيرها من المستثمرين الأجانب يمتلكون حصصاً أكبر بكثير.

من التجارة إلى الأسواق المالية

لذلك فإن أهمية الحيازات الكندية لا تكمن بالضرورة في إمكانية «بيعها» رداً على الرسوم، وإنما في أنها تكشف جانباً آخر من العلاقة المتشابكة بين البلدين.

فكندا تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأميركية لتصريف صادراتها، بينما تمثل الولايات المتحدة بالنسبة إلى كندا شريكاً تجارياً ومالياً لا يمكن فصله بسهولة عن الاقتصاد الكندي.

وفي المقابل تحتفظ المؤسسات والمستثمرون الكنديون بمئات المليارات من الدولارات في أصول الخزانة الأميركية، ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد ذا آثار متبادلة.

وبينما يضغط دونالد ترمب بالرسوم الجمركية لإجبار كندا على تقديم تنازلات تجارية، يملك كارني أدوات أخرى يمكن أن تمنح أوتاوا مساحة للمناورة، من تنويع التجارة، والاستثمار، إلى استخدام وزنها في الأسواق المالية.

لكن تحويل هذه الأدوات إلى سلاح مباشر قد يكون مكلفاً للطرفين، ما يجعل 460 مليار دولار من الدين الأميركي ورقة نفوذ محتملة أكثر منها سلاحاً سهلاً للاستخدام.


من الصفقة إلى التصعيد... واشنطن وأوتاوا تفشلان في احتواء الحرب التجارية

لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
TT

من الصفقة إلى التصعيد... واشنطن وأوتاوا تفشلان في احتواء الحرب التجارية

لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما فشلت مفاوضات اللحظة الأخيرة بين البلدين في التوصل إلى اتفاق يجنب كندا رسوماً أميركية جديدة، لتدخل رسوم بنسبة 50 في المائة حيز التنفيذ بدءاً من اليوم (السبت)، على واردات كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار.

وردّت كندا سريعاً بإعلان استعدادها لمطابقة الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار»، في خطوة تنذر بتصعيد جديد بين حليفين تاريخيين يرتبط اقتصادهما بشبكة تجارية ضخمة، وتزيد الضغوط على اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، المعروف باسم «يو إس إم سي إيه» (USMCA).

مفاوضات حتى اللحظة الأخيرة

جاء فرض الرسوم بعد 3 أيام من المفاوضات المكثفة في واشنطن بين وزير التجارة الكندي مع الولايات المتحدة دومينيك لوبلان، والممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، في محاولة لتضييق الخلافات والتوصل إلى صيغة مقبولة للطرفين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرجأ موعد دخول الرسوم حيز التنفيذ 3 أيام، بعدما أشار إلى إحراز تقدم كبير في المحادثات، ما عزز الآمال في إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل انقضاء المهلة.

لكن تلك الآمال تبددت مساء الجمعة.

وقال غرير إن كندا «رفضت إتمام الاتفاق» وفق الشروط التي جرى التوصل إليها في وقت سابق من الأسبوع، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية عرضت على أوتاوا تخفيضات كبيرة في الرسوم المفروضة على قطاعات رئيسية، بينها الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب.

وفي المقابل، حمّل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واشنطن، مسؤولية انهيار المفاوضات، مؤكداً أن «التغييرات التي أُدخلت في اللحظة الأخيرة» على الشروط الأميركية كانت «غير عادلة وغير اقتصادية»، وأثارت تساؤلات حول مدى موثوقية أي اتفاق يتم التوصل إليه.

وأعلن كارني تعليق المفاوضات، وتوجيه فريق بلاده التفاوضي بالعودة إلى أوتاوا.

وزير التجارة الكندي المسؤول عن التجارة بين الولايات المتحدة وكندا دومينيك لوبلان يغادر مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة في واشنطن (أ.ف.ب)

20 مليار دولار تحت مقصلة الرسوم

تطال الرسوم الأميركية الجديدة نحو 20 مليار دولار من السلع الكندية؛ أي ما يقارب 5 في المائة أو 5.5 في المائة من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، وتشمل مجموعة واسعة من المنتجات؛ من عصي الهوكي إلى الإسمنت وبعض المنتجات الاستهلاكية والطبية.

ورغم أن هذه النسبة تبدو محدودة مقارنة بإجمالي التجارة بين البلدين، فإن تأثيرها قد يتجاوز قيمتها المباشرة، خصوصاً أنها تأتي فوق رسوم قائمة بالفعل على قطاعات كندية رئيسية؛ بينها السيارات والصلب والألمنيوم والأخشاب.

كما أن الإجراءات الجديدة تطبق حتى على السلع الكندية المؤهلة للاستفادة من المعاملة التفضيلية بموجب اتفاق «يو إس إم سي إيه»، ما يزيد من حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات والمستثمرين على جانبي الحدود.

كندا تتعهد بالرد

لم تنتظر أوتاوا طويلاً للرد على الخطوة الأميركية. وقال كارني إن كندا ستطابق الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار» لحماية العمال والشركات الكندية، ما يفتح الباب أمام جولة جديدة من الإجراءات الانتقامية التي قد توسع نطاق النزاع.

وكانت كندا قد أبقت بالفعل على مجموعة من الإجراءات الانتقامية ضد السلع والخدمات الأميركية، وهو ما تعدّه واشنطن أحد أبرز أسباب استمرار الخلاف.

وتقول الإدارة الأميركية إن كندا تفرض معاملة تمييزية على بعض المنتجات الأميركية، بما في ذلك الكحول والسيارات ومنتجات الألبان. وكانت الولايات الكندية قد أزالت في وقت سابق، بعض المشروبات الكحولية والنبيذ الأميركي من متاجر بيع الخمور، في خطوة أثارت غضب واشنطن.

ويرى محللون أن دخول الرد الكندي حيز التنفيذ، سيجعل التراجع عن التصعيد أكثر صعوبة، بعدما أصبح الطرفان ملتزمين علناً بمواقف متشددة.

ترمب يريد إعادة رسم العلاقة مع كندا

يمثل التصعيد الحالي تحولاً لافتاً في العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا، اللتين حافظتا لعقود على واحدة من أكثر العلاقات التجارية والسياسية استقراراً في العالم؛ فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين في السلع والخدمات نحو 880 مليار دولار العام الماضي، فيما يذهب نحو 70 في المائة من صادرات كندا إلى السوق الأميركية.

لكن سياسة ترمب تجاه كندا غيّرت طبيعة العلاقة بصورة جوهرية، بعدما استخدم الرسوم الجمركية أداة للضغط على أوتاوا، بالتزامن مع تصريحاته المتكررة بشأن إمكانية انضمام كندا إلى الولايات المتحدة باعتبارها «الولاية الحادية والخمسين».

وقال كارني إن كندا أدركت أن «أميركا تغيرت»، وإن العلاقات بين البلدين لن تعود إلى ما كانت عليه سابقاً، بغض النظر عن نتيجة أي اتفاق تجاري منفرد.

ولهذا السبب، بدأت الحكومة الكندية الدفع باتجاه تنويع تجارتها وتقليص اعتمادها على السوق الأميركية، في وقت تعتمد فيه كندا بصورة كبيرة على الولايات المتحدة باعتبارها وجهتها الرئيسية للصادرات.

مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ف.ب)

لماذا انهارت الصفقة؟

بحسب الرواية الأميركية، قدمت واشنطن عرضاً يتضمن تخفيضات كبيرة للرسوم على قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب، مقابل تنازلات كندية في ملفات أخرى.

لكنّ مسؤولاً أميركياً رفيعاً قال إن كندا طلبت تنازلات إضافية لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتقديمها، فيما اتهم غرير أوتاوا بالتراجع عن بعض الالتزامات التي سبق الاتفاق عليها.

أما الجانب الكندي فيرى أن المشكلة كانت في التغييرات الأميركية الأخيرة على شروط الاتفاق، والتي عدّها كارني غير عادلة وتضعف الثقة في أي اتفاق مستقبلي.

وبين الروايتين، انتهت المفاوضات من دون اتفاق، ولم تُحدد حتى الآن جولة جديدة من المحادثات.

ويرى ريان ماجوروس، المسؤول السابق في وزارة التجارة الأميركية، أن الطرفين سيواجهان ضغوطاً كبيرة خلال الأيام المقبلة للعثور على مخرج من التصعيد، لكنه حذر من أن الرد الكندي على الرسوم الأميركية سيجعل عملية خفض التصعيد أكثر صعوبة.

«ضربة قوية» للتنافسية في أميركا الشمالية

تحذر الشركات من أن استمرار الرسوم لن يقتصر تأثيره على كندا، بل قد ينعكس أيضاً على الاقتصاد الأميركي، نظراً إلى التشابك العميق بين سلاسل الإمداد في البلدين.

وقالت كانديس لاينغ، رئيسة غرفة التجارة الكندية، إن الرسوم تمثل «ضربة قوية للتنافسية في أميركا الشمالية»، محذرة من أنها سترفع التكاليف على المستهلكين الأميركيين، في حين تضغط على الشركات والمستثمرين والعمال الكنديين.

وتتحمل الشركات الأميركية المستوردة الرسوم في البداية، قبل أن تسعى غالباً إلى تمرير جزء من تكلفتها إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار، ما يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم وتكلفة المعيشة في الولايات المتحدة.

وتزداد حساسية هذه المسألة في وقت يواجه فيه الأميركيون بالفعل ارتفاعاً في تكاليف المعيشة، بينما تستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ترمب يعود إلى قانون من حقبة الكساد

لا تقتصر أهمية الرسوم الجديدة على قيمتها، بل تمتد إلى الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأميركية؛ فبعد أن أبطلت المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) الماضي، الرسوم الواسعة التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات طوارئ، بدأت الإدارة البحث عن أدوات قانونية بديلة.

وفي حالة كندا، لجأ ترمب إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، وهي مادة تعود إلى الحقبة التي شهدت الكساد الكبير.

وتمنح المادة الرئيس الأميركي صلاحية فرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على واردات من دول تعتبر الولايات المتحدة أنها تميز ضد الشركات الأميركية، من دون اشتراط إجراء تحقيق مسبق، كما لا تحدد سقفاً زمنياً واضحاً لاستمرار الرسوم.

ويعيد استخدام هذه المادة إلى الواجهة إرث الرسوم التي ارتبطت بقانون «سموت-هاولي» في ثلاثينات القرن الماضي، والذي يرى اقتصاديون ومؤرخون أنه أسهم في الحد من التجارة العالمية وتفاقم تداعيات الكساد الكبير.

المعركة الكبرى: مستقبل «يو إس إم سي إيه»

وراء الرسوم الحالية معركة تجارية أوسع تتمثل في مستقبل اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «يو إس إم سي إيه»؛ فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك تستعد لمراجعة الاتفاق الذي تفاوض عليه ترمب خلال ولايته الأولى، لكن المحادثات بين واشنطن وأوتاوا لم تبدأ بعد، في حين شرعت الولايات المتحدة بالفعل في مفاوضات رسمية مع المكسيك بشأن تحديث الاتفاق.

ويثير التصعيد الحالي تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى تفاهم ثلاثي يحافظ على التدفقات التجارية بين أكبر اقتصادات أميركا الشمالية.

وتكمن أهمية الاتفاق في أن الصناعات في الدول الثلاث تعتمد على سلاسل إمداد مشتركة، لا سيما في السيارات والطاقة والتصنيع والمواد الخام، ما يجعل أي حواجز تجارية واسعة النطاق ذات تكلفة تتجاوز حدود البلد الذي تستهدفه الرسوم.

علاقة تجارية أمام مفترق طرق

تأتي المواجهة الحالية بعد عقود من التعاون الاقتصادي والأمني الوثيق بين واشنطن وأوتاوا؛ فالحدود بين البلدين، التي تمتد لنحو 5,525 ميلاً، تعدّ واحدة من أكثر الحدود نشاطاً في العالم، ويعبرها يومياً مئات الآلاف من الأشخاص وكميات ضخمة من السلع.

لكن الرسوم الجديدة تشير إلى أن الخلاف لم يعد مجرد نزاع محدود حول الصلب أو الأخشاب أو الألبان، بل أصبح جزءاً من إعادة صياغة أوسع للعلاقة الاقتصادية بين البلدين.

وبينما تسعى واشنطن إلى استخدام الرسوم للضغط من أجل الحصول على تنازلات تجارية وصناعية، تحاول أوتاوا تقليل اعتمادها على السوق الأميركية وبناء بدائل تجارية جديدة.

وهكذا، تحولت مفاوضات كانت تهدف إلى تفادي الرسوم إلى مواجهة جديدة قد تمتد آثارها إلى التضخم وسلاسل الإمداد والاستثمار ومستقبل اتفاق التجارة في أميركا الشمالية.

وفي ظل غياب موعد جديد للمفاوضات، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن وأوتاوا ستتوصّلان إلى صفقة؛ بل متى سيتمكن الطرفان من العثور على مخرج يمنع الرسوم الانتقامية من التحول إلى حرب تجارية أوسع.