أشتية يحذّر من سيناريو «انهيار السلطة»

الفلسطينيون نقلوا رسائل حادة إلى الأميركيين والإسرائيليين

سيارات إسعاف فلسطينية على طول السياج الحدودي بين إسرائيل وقطاع غزة احتجاجاً على منع دخول معدات طبية أمس (أ.ف.ب)
سيارات إسعاف فلسطينية على طول السياج الحدودي بين إسرائيل وقطاع غزة احتجاجاً على منع دخول معدات طبية أمس (أ.ف.ب)
TT

أشتية يحذّر من سيناريو «انهيار السلطة»

سيارات إسعاف فلسطينية على طول السياج الحدودي بين إسرائيل وقطاع غزة احتجاجاً على منع دخول معدات طبية أمس (أ.ف.ب)
سيارات إسعاف فلسطينية على طول السياج الحدودي بين إسرائيل وقطاع غزة احتجاجاً على منع دخول معدات طبية أمس (أ.ف.ب)

حذّر رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية من أن سيناريو انهيار السلطة بات وشيكاً، بعد سلسلة من العقوبات التي فرضتها الحكومة الإسرائيلية عليها، آخرها قرار اقتطاع 139 مليون شيكل (40 مليون دولار) من عائدات الضرائب الفلسطينية.
وقال أشتية في حديث مع صحيفة «هآرتس» العبرية، إن قرار اقتطاع الأموال لصالح عائلات قتلى العمليات، بالإضافة إلى مواصلة اقتطاع قيمة مماثلة للرواتب التي تدفعها السلطة للأسرى والشهداء يشكل مسماراً إضافياً في نعش السلطة الفلسطينية.
واتهم الحكومة الإسرائيلية بشن حرب على السلطة، وقال: «لنقرأ الخريطة بشكل واضح، زيادة البناء في المستوطنة إلى جانب عزل مدينة القدس عن الضفة وضم مناطق (ج)، والآن جاء دور تدمير السلطة، هذه هي الخطة التي تعمل حكومة إسرائيل بناءً عليها».
ورفض أشتية الاتهام الإسرائيلي بأن الخطوات الأخيرة في الأمم المتحدة خطوات أحادية الجانب من السلطة الفلسطينية، وبناءً عليه تم اقتطاع الأموال، معقباً: «الاحتلال كله أحاديّ الجانب، والبناء في المستوطنات أحاديّ الجانب، وكل شيء أحاديّ الجانب».
تحذيرات أشتية التي لم تلقَ آذاناً صاغية في إسرائيل، جاءت في وقت نقل فيه الفلسطينيون لنظرائهم الأميركيين والإسرائيليين رسائل واضحة بأن استمرار هذه السياسة الإسرائيلية ستقابَل بقرارات فلسطينية، بغضّ النظر عن النتيجة على الأرض وهي «انهيار السلطة».
وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن فحوى الرسائل تتضمن تهديدات بأن القيادة الفلسطينية ستفعّل قرارات المجلس المركزي المتعلقة بإلغاء الاتفاقات مع إسرائيل وتجميد الاعتراف بها، حتى لو أدى ذلك إلى إجراءات إسرائيلية انتقامية ستقود إلى انهيار السلطة، وأن على الجميع أن يدفع ثمن تصرفاته والنتيجة التي لا يريدها أحد بما في ذلك إسرائيل.
وأعاد أشتية في كلمة له بمستهلّ اجتماع الحكومة الفلسطينية، أمس (الاثنين)، اتهام إسرائيل بالعمل على تقويض السلطة ودفعها إلى حافة الحافة مالياً ومؤسساتياً، ما قد يحد من أداء عملها في خدمة الفلسطينيين، لكنه قال إنهم سيفشلون. وأضاف: «لن نقايض حقنا في تقرير المصير وحريتنا بالأموال ولا بالامتيازات».
وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، قد وقّع (الأحد)، مرسوماً لحجب 139 مليون شيكل من عائدات الضرائب عن السلطة الفلسطينية وتحويلها من قِبَله إلى عائلات قتلى الهجمات الفلسطينية، كجزء من العقوبات ضد إجراءات السلطة الفلسطينية القانونية الدولية ضد إسرائيل.
سموتريش علّق على سؤال عمّا إذا كان يشعر بالقلق من أن تؤدي هذه الخطوة إلى انهيار السلطة الفلسطينية، بالقول: «ما دامت السلطة الفلسطينية تشجّع الإرهاب وهي عدو، فأنا لست معنياً باستمرار وجودها».
وكانت هذه الخطوة واحدة من الخطوات التي وافقت عليها الحكومة يوم الجمعة لمعاقبة الفلسطينيين، انتقاماً من سعيهم للحصول على رأي أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة بشأن سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية. وتشمل الإجراءات العقابية الأخرى ضد السلطة الفلسطينية، إلغاء تصاريح السفر لكبار المسؤولين الفلسطينيين التي تسمح لهم بالسفر بسهولة داخل وخارج الضفة الغربية، وتجميد البناء الفلسطيني في أجزاء من الضفة الغربية.
وأشاد سموتريتش بالحملة الجارية منذ سنوات لتعويض مدفوعات السلطة الفلسطينية للأسرى الأمنيين وعائلات المهاجمين الفلسطينيين، واصفةً إياها بـ«الكفاح العادل... ليس فقط في توفير العدالة بأثر رجعي، ولكن أيضاً كرادع». وصادرت إسرائيل مبالغ كهذه في الماضي، بعد تشريع عام 2018 بشأن هذه المسألة. ومنذ عام 2019 صادرت إسرائيل من السلطة نحو ملياري شيكل مقابل هذه الرواتب، فيما بلغ مجموع الاقتطاعات المتعلقة بالصحة والكهرباء والمياه وغيره، ما يقارب 1.6 مليار شيكل عن العام 2022 فقط يضاف إليها ما مجموعه 350 مليون شيكل سنوياً بدل عمولة تحصيل الأموال الفلسطينية وتحويلها من المقاصة.
ويضع القرار الإسرائيلي الجديد المزيد من الضغط على مالية السلطة المتعثرة أصلاً. ولفت أشتية إلى أن حكومته تعتزم التواصل مع دول الجامعة العربية لمطالبتها بتنفيذ القرارات السابقة ومنها توفير شبكة أمان اقتصادي للسلطة الفلسطينية. وتخطط السلطة أيضاً لطلب المزيد من الدعم الأميركي والأوروبي.
وقال أشتية إن الولايات المتحدة لا تقدم دعماً للسلطة الفلسطينية في الموازنة الأخيرة التي أقرّتها، في حين أن دعم الاتحاد الأوروبي مخصص فقط للبنية التحتية وبعض القضايا الإنسانية. هذا ومن المتوقع أن يصل في وقت لاحق من هذا الشهر، مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، لزيارة تل أبيب ورام الله. وقال أشتية إنهم سيطالبون الإدارة الأميركية بتعزيز التحركات التي تمنع انهيار السلطة الفلسطينية وتحدّ من المحاولة الإسرائيلية لسحقها.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.