كيف تُهرَّب الآثار الضخمة من المنافذ المصرية؟

«السياحة والآثار» استردت 106 قطع العام الماضي

التابوت الفرعوني بعد وصوله إلى الكويت داخل كنبة (أرشيفية)
التابوت الفرعوني بعد وصوله إلى الكويت داخل كنبة (أرشيفية)
TT

كيف تُهرَّب الآثار الضخمة من المنافذ المصرية؟

التابوت الفرعوني بعد وصوله إلى الكويت داخل كنبة (أرشيفية)
التابوت الفرعوني بعد وصوله إلى الكويت داخل كنبة (أرشيفية)

قد يكون تهريب عملات معدنية أثرية، وتماثيل فرعونية صغيرة، أمراً معتاد الإعلان عنه في وسائل الإعلام المصرية المتنوعة، لا سيما مع إحباط عمليات التهريب بالمنافذ الحدودية عقب الاستعانة بتقنيات حديثة، أو اكتشاف آثار منهوبة لاحقاً في متاحف ومزادات علنية، لكن كيف يتم تهريب الآثار الضخمة من المنافذ الجوية والبرية والبحرية المصرية؟

وجدد تسلم مصر غطاء - تابوت يبلغ طوله 3 أمتار ووزنه نصف طن، يعود لكاهن مدينة هيراكيوبوليس «عنخ إن ماعت» وكان بحوزة متحف هيوستن - من أميركا اليوم (الاثنين)، التساؤلات بشأن الحيل التي يستغلها المهربون لإخراج القطع الأثرية الضخمة من البلاد.

ويعود غطاء التابوت الأخضر إلى العصر المتأخر (الأسر من 27 - 30)، وفق الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الذي يرجح أن «يكون تم العثور عليه في منطقة مصر الوسطى، مؤكداً خلال كلمته بمؤتمر تسليم الغطاء الاثنين، بالقاهرة، أن لصوص المقابر هربوا غطاء التابوت للخارج دون قاعدته لصعوبة الأمر، موضحاً في تصريحات صحافية أن «قاعدة التابوت متواجدة بموقع الحفر الذي تم خلسة».

التابوت الأخضر بعد وصوله إلى مصر

* تنقيب مستمر
ولا يخشى المسؤولون المصريون تهريب الآثار الموجودة في المتاحف والمخازن، لأنها «موثقة ومؤمنة بشكل جيد، لكنهم قلقون من الآثار التي يتم التنقيب عنها خلسة في باطن الأرض بأنحاء مختلفة من مصر، ويجري تهريبها إلى الخارج»، بحسب تصريحات وزير السياحة والآثار السابق خالد العناني بمجلس النواب عام 2017. موضحاً أن «كثيرين من الناس أصبحوا مهووسين بالثراء السريع من خلال التنقيب عن الآثار».

ويؤكد الدكتور سلطان عيد، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر العليا سابقاً، استمرار عمليات التنقيب عن الآثار في قطاعات مختلفة من الجمهورية، لا سيما في صعيد مصر، ومن بينها إسنا وأرمنت بحثاً عن الثراء السريع.

وأشار في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «عمليات تأمين كامل المواقع الأثرية المصرية صعبة للغاية»، متعجباً من «عدم استكمال مشروع حماية مناطق الأُقصر الأثرية الذي كان يُنفذ بالتعاون مع فريق ودعم إسباني، عقب اندلاع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011»، موضحاً أنه «يتم تحميل شرطة الآثار فوق طاقتها لأن المواقع الأثرية منتشرة في كل أنحاء مصر».

غطاء التابوت الأخضر

* حيل متنوعة
ويحدد الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الأسبق، بعض طرق تهريب القطع الأثرية الضخمة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الأثاث المُصَدر من مصر إلى الخارج، من أبرز هذه الطرق، حيث يقوم مهربون بوضع القطع الأثرية داخل الكنب والقطع الخشبية الكبيرة، بالإضافة إلى شاحنات البضائع التي تخرج من الموانئ، وكذلك عبر الحقائب الدبلوماسية التي لا يتم تفتيشها ذاتياً وتتمتع بحماية».

وفي عام 2014، تمكنت شرطة موانئ دمياط من إحباط محاولة تهريب 98 قطعة أثرية إلى خارج البلاد، وإخفائها ضمن مشمول حاويتين من الأثاث المنزلي إلى الولايات المتحدة الأميركية عبر ميناء دمياط البحري.

وفي شهر مارس (آذار) من عام 2018، ضبطت الجمارك الكويتية غطاء تابوت داخل كنبة واردة من مصر عن طريق الشحن الجوي.

فيما تُعد قضية «تهريب الآثار الكبرى»، أو قضية «الحاوية الدبلوماسية» في عام 2019، من أشهر قضايا التهريب خلال السنوات الخمس الأخيرة، التي حُكم بالسجن فيها على عدد من المتهمين تورطوا في تهريب آثار داخل حاوية دبلوماسية خرجت من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو في إيطاليا قبل أن تكتشف هناك.

*ثغرات
ورغم وجود 40 وحدة تفتيش أثري تغطي جميع المنافذ الحدودية المصرية، فإنه يتم استغلال بعض الثغرات، حيث «لا يقوم مفتشو الآثار بتفتيش كل البضائع في الموانئ، إلا إذا تم استدعاؤهم من إدارة المنافذ والجهات الأمنية»، بحسب تصريحات سابقة لحمدي همام، رئيس الإدارة المركزية للمنافذ والوحدات الأثرية بالموانئ المصرية.

وأضاف همام أنه «لم يتم استدعاء مفتشي الإدارة المركزية للمنافذ والوحدات الأثرية لفحص حاوية الإسكندرية الدبلوماسية»، موضحاً أن «قانون حماية الآثار وقانون الجمارك ينصان على أننا لسنا جهة تفتيش، وإنما نعاين ما يُعرض علينا».

بدوره، فضّل شعبان عبد الجواد، المشرف على الإدارة العامة للآثار المستوردة بوزارة السياحة والآثار المصرية، «عدم الكشف عن بعض الحيل التي يرتكبها مهربو الآثار المصرية إلى الخارج، لعدم تدارك المهربين لها».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أنه لا يعرف على وجه الدقة موعد خروج غطاء التابوت الأخضر من مصر، فإنه وصل أميركا في عام 2008، بحسب التحقيقات الأميركية، وتم تقديمه إلى متحف هيوستن بمستندات مزورة».

د. مصطفى وزيري يفحص التابوت الأخضر

وأوضح عبد الجواد أن «بعض شبكات التهريب تقوم بإخفاء القطع الأثرية الكبيرة داخل قطع الأثاث، مثلما تم في قضية تهريب تابوت أثري إلى الكويت في عام 2018، كما يلجأ بعضهم إلى تهريب الآثار عبر الصحراء»، مشيراً إلى أن «مذكرة التفاهم الموقعة بين مصر وأميركا، ساعدت على استرداد هذا الأثر النادر بجانب الجهود المضنية التي بذلتها المؤسسات المصرية».

ويرى أن «الاتفاقيات التي وقعتها مصر مع عدد من الدول سوف تُسهم في استرداد عدد أكبر من القطع المهربة خلال الفترة المقبلة»، مشيداً بالجهود الدبلوماسية والقضائية التي بذلها المسؤولون المصريون من أجل استرداد هذه القطع.

واستردت مصر 106 قطع أثرية خلال عام 2022، منها قطعة أثرية من نيوزيلاندا، وتمثالان أثريان من بروكسل، وتمثال من العصر المتأخر مصنوع من البرونز للمعبودة إيزيس من برن بسويسرا، وغطاء تابوت من العصور المصرية القديمة من الولايات المتحدة الأميركية، و16 قطعة أثرية مصرية من الولايات المتحدة الأميركية، و6 قطع من دولة الإمارات العربية المتحدة، وقطعة أثرية من فرنسا، و28 قطعة أثرية من أوروغواي، و50 قطعة أثرية من بريطانيا، بحسب وزارة السياحة والآثار المصرية.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
TT

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)
جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود بين البلدين، وسط تصاعد التوتر على الحدود.

واتهم السكان الجيش المالي بالتورط في حادثة القتل، فيما لم تصدر أي تصريحات من جهات رسمية مالية أو موريتانية حول الحادثة.

وقال عمدة محلي في تصريح لوكالة الأخبار المستقلة الموريتانية إن الضحايا ينحدرون من قرية سرسار، التي تتبع لبلدية عين فربه، في أقصى الشرق الموريتاني، بالقرب من الحدود مع دولة مالي. مضيفاً أن حادثة القتل وقعت في منطقة تسمى تنتله «70 كلم داخل الأراضي المالية»، ومشيراً إلى أن الرواية المحلية التي يتداولها السكان تؤكد أن الجيش المالي اعتقل نحو عشرة أشخاص، ليتم العثور لاحقاً على ثمانية منهم قتلى.

من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود (الجيش الموريتاني)

وأكد العمدة أن خمسة من بين القتلى شباب موريتانيون ينحدرون من قرية تتبع لبلديته، جرى التعرف على هوياتهم والتأكد منها، فيما لم يتم التعرف على القتلى الثلاثة الآخرين، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أفرج عن طفلين كانا يرافقان الضحايا».

وعادت مصادر محلية اليوم (الجمعة) لتؤكد أن القتلى الثمانية هم موريتانيون، وينحدرون من القرية نفسها، وهم من عرقية «الفلاني»، التي تقطن جنوب موريتانيا، ولها وجود في جميع دول غرب أفريقيا، وتعتمد في أسلوب حياتها على تربية المواشي والأبقار بشكل خاص.

وتشهد الحدود بين موريتانيا ومالي تصاعداً في التوتر، حيث ينفذ الجيش المالي منذ سنوات عملية عسكرية واسعة في محافظات محاذية لموريتانيا، ضد مقاتلي تنظيم القاعدة، خصوصاً (جبهة تحرير ماسينا)، التي يقودها أمادو كوفا، وهو أحد أشهر قادة تنظيم القاعدة في مالي، وينحدر من عرقية «الفلاني».

عناصر من الجيش الموريتاني على الحدود (الجيش الموريتاني)

وكانت مصادر محلية قد اتهمت الجيش المالي، قبل أسبوع، بقتل شابين من سكان قرية بغداد الموريتانية، الواقعة في المنطقة نفسها، وهو الحادث الذي أعلنت موريتانيا فتح تحقيق فيه، كما أصدرت قراراً بمنع الانتجاع في أراضي مالي على جميع المنمين الموريتانيين، خصوصاً في المنطقة الحدودية التي تشهد تصاعداً في التوتر منذ عدة أيام.

وشددت على «ضرورة التزام كل المواطنين بتعليمات السلطات الإدارية والدبلوماسية بخصوص الانتجاع في الأراضي المالية، والتنقل خارج البلاد»، مشيرة إلى أنها «أصدرت تعميماً إلى السلطات الإدارية يقضي بمنع الانتجاع داخل الأراضي المالية».

وأضافت الوزارة أنها طلبت من السلطات الإدارية المحلية «إطلاق حملات تحسيس واسعة النطاق لحث المنمين على عدم التوجه إلى المناطق غير الآمنة؛ حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم»، مبرزة أنها شكّلت «لجاناً قروية لليقظة» على مستوى المناطق الحدودية، ضِمن ما سمّته «جهود القطاع الهادفة إلى تعزيز الأمن وتحسين آليات الرصد والتنسيق في المناطق الحدودية».

في السياق ذاته، أصدر حب الإنصاف الحاكم بياناً قال فيه إنه دعا أقسامه في المحافظات المحاذية للحدود مع مالي إلى «التعبئة والتحسيس، وحث المواطنين على الالتزام بتعليمات السلطات بخصوص منع الانتجاع داخل أراضي مالي».

وتمر العلاقات بين موريتانيا ومالي بفترة من التوتر بسبب احتكاكات على الحدود، ناتجة عن تصاعد وتيرة الحرب بين الجيش المالي والجماعات الإرهابية، فيما أعلن الجيش الموريتاني في أكثر من مرة أنه موجود على الحدود وفي أتم جاهزيته لحماية حوزته الترابية ومواطنيه.


باشاغا: لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في ليبيا

باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
TT

باشاغا: لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في ليبيا

باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)
باشاغا رئيس الحكومة الليبية السابق المكلفة من البرلمان (صفحته الرسمية على «فيسبوك»)

قال فتحي باشاغا، الرئيس السابق للحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، إنه «لا توجد إرادة حقيقية لإنهاء وجود الميليشيات في البلاد»، محذراً من مخاطر «جدية» قد تقود إلى «تقسيم بلاده»، في ظلِّ استمرار الانقسام السياسي والعسكري.

وأوضح باشاغا في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «مصير الميليشيات في ليبيا، هو إما أن تضعف وتتحلل، أو يتم دمجها في مؤسسات الدولة إذا توفَّرت إرادة جادة لدى القيادات لتعزيز المؤسسات الأمنية الشرعية»، ورأى أن «الواقع الحالي يعكس غياب هذه الإرادة؛ حيث يسعى كل طرف لتوسيع نفوذه العسكري، والاستحواذ على المغانم؛ ما يهدِّد بدفع البلاد نحو صراع مسلح جديد»، مستبعداً «نجاح توحيد المؤسسة العسكرية في حال عدم وجود حكومة موحدة تقود الجيش بقيادة واحدة»، وقال إنه «لا يمكن تحقيق ذلك في ظلِّ التنافس بين أطراف متعددة».

مخاطر الانقسام

يرى باشاغا أن «حالة الانقسام في ليبيا تُنذر بمخاطر جدية قد تصل إلى التفكك أو التقسيم إلى أكثر من كيان، في ظلِّ تصاعد بعض الدعوات، خصوصاً في الجنوب، للانفصال»، محذِّراً من أن «اتساع دائرة التشظي قد يفتح المجال أمام صراعات مسلحة تغذيها تدخلات خارجية».

وأشار باشاغا إلى أن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» «يتبادلان تعطيل القرارات، خصوصاً قوانين الانتخابات، وسط غياب التنسيق، رغم ما نصَّ عليه الاتفاق السياسي»، لافتاً إلى «تكتلات داخل المجلس الأعلى للدولة، والدعوات لانقسام البرلمان بين طرابلس وبنغازي، ما يزيد تعقيد المشهد». وعدَّ أن «الأخطر هو امتداد الانقسام إلى داخل السلطة القضائية، بما يحمله من تهديد مباشر لمنظومة العدالة وسيادة القانون، وانعكاسات سلبية على الاستقرار العام في البلاد».

وباشاغا هو رئيس سابق للحكومة المعينة من مجلس النواب بين مارس (آذار) 2022 ومايو (أيار) 2023 بعد سحب البرلمان الثقة من حكومة الدبيبة، وشغل سابقاً منصب وزير الداخلية في حكومة «الوفاق» برئاسة فائز السراج.

دور الأمم المتحدة

في تقييمه لدور الأمم المتحدة، قال باشاغا إن بعثتها «نجحت بعد فبراير (شباط) 2011 في بعض المحطات وفشلت في أخرى»، مبرزاً أن «تكرار تغيير المبعوثين الأمميين يؤدي إلى انقطاع في متابعة الخطط»، عادّاً أنها «غالباً ما تنجح في المرحلة الأولى، أي تشكيل حكومات انتقالية، لكنها لا تستكمل المسار نحو الهدف النهائي المتمثل في انتخابات تمنح شرعيةً كاملةً لمؤسسات الدولة دون طعون قانونية».

وأضاف باشاغا أنه «رغم نجاحها في اتفاقَي الصخيرات 2015 وجنيف 2021 في تشكيل سلطات تنفيذية، فإنها أخفقت في إيصال البلاد إلى الانتخابات، لتبقى حالة الانسداد قائمة».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام سياسي وعسكري، حيث تتنازع السلطة فيها حكومتان، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق ليبيا وأجزاء من جنوبها بقيادة أسامة حماد، ومدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويرى باشاغا أن الرؤية الحالية للبعثة الأممية «لا تزال غير واضحة»، موضحاً أنها «اكتفت بتشكيل لجنة استشارية، مع الاستمرار في منح مجلسَي النواب والأعلى للدولة فرصةً لإقرار قوانين الانتخابات ومعالجة وضع المفوضية، دون مؤشرات حقيقية على التوافق»، مشيراً إلى أن ذلك «يعكس بطئاً ملحوظاً، مرتبطاً أيضاً بتباينات دولية وإقليمية حول الملف الليبي».

كما لفت باشاغا إلى أنَّ اختيار المشاركين في الحوار المهيكل «لا يخلو من ملاحظات»، إذ «تشير بعض الأطراف إلى عدم اختيارها ضمن المشاركين، وهو ما يثير تساؤلات حول معايير الاختيار والإنصاف في التمثيل»، إلى جانب «تساؤلات بشأن مدى إلزامية التوصيات التي قد تصدر عن هذا الحوار».

وإلى جانب «خريطة الطريق» التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس (آب) الماضي لحلِّ الأزمة الليبية، ومن بين بنودها «الحوار المهيكل»، يقود مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، جهوداً لتوحيد الحكومتين عبر لقاءات تجمع مسؤولين من الطرفين لتوحيد البلاد في عواصم غربية.

وفي هذا السياق، قال باشاغا: «إن تحركات بولس أثارت تساؤلات، إذ يرى البعض أنَّها تسير بموازاة مسار البعثة الأممية الداعي لحكومة جديدة مُوحَّدة تقود إلى انتخابات»، محذِّراً من أنَّ «جهود دمج الحكومتين في الشرق والغرب قد تفسح الطريق لتمكين الأطراف المعنية اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً لتعظيم مكاسبها، بما قد يفاقم الصراع ويزيد احتمالات الصدام».

وأضاف: «لا أظنُّ أنَّ جهود بولس ستقود إلى دمج بين الحكومتين، خصوصاً في ظلِّ أزمة ثقة عميقة تجعل التوافق بينهما على إدارة موحدة للبلاد أمراً صعباً في المدى القريب»، مؤكداً أن «الدور الأميركي يظلُّ داعماً للبعثة الأممية، كما في اتفاقَي (الصخيرات) و(جنيف)، وإن لم يحظَ برضا ليبي كامل». كما شدَّد باشاغا على «الحاجة إلى تنسيق أوثق مع الدول الإقليمية المنخرطة في الملف الليبي، لأنَّ الانقسام لم يعد داخلياً فقط، بل أصبح إقليمياً ودولياً».

تدخل الأطراف الدولية

بخصوص المسار الدستوري، قال باشاغا إن «الجمود، وخصوصاً (مسودة 2017)، يعكس صراعاً سياسياً وآيديولوجياً بين أطراف تسعى لإدراج نصوص تخدم مصالحها وتمديد سيطرتها على الحكم وموارد ليبيا»، مضيفاً أن «تدخل بعض الأطراف الدولية يفاقم هذا الوضع ويعرقل التوصُّل إلى حل سياسي حقيقي».

وجدَّد باشاغا إدانته لاغتيال سيف الإسلام القذافي، وأي عملية قتل خارج القانون، قائلاً: «إن حلَّ الخلافات يجب أن يكون عبر القضاء»، مطالباً «السلطات القضائية بالإفصاح بشفافية عن مجريات التحقيق وهوية المتهمين»، ومشدِّداً على «ضرورة بناء دولة مؤسسات مستقرة، مع احترام مشارَكة كل التيارات السياسية، بما فيها تيار النظام الجماهيري دون إقصاء لأي ليبي».


غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات الليبيين بشأن وضعه الصحي

الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
TT

غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات الليبيين بشأن وضعه الصحي

الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال مشاركته في افتتاح حديقة الحيوان بحي أبو سليم في طرابلس خلال 17 مارس (حكومة الوحدة)

بات عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، يتغيب عن المشهد العام بشكل لافت منذ فترة، وتمثّل ذلك في عدم مشاركته في صلاة عيد الفطر المبارك ومظاهر الاحتفال في كل من العاصمة طرابلس ومسقط رأسه مصراتة، فضلاً عن غيابه عن أي فعالية أو اجتماع رسمي بعد انتهاء عطلة العيد، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات بوجوده في إحدى العواصم الغربية لأغراض علاجية.

وتستند هذه التكهنات، وفق مراقبين، إلى أن الغياب يأتي في أعقاب وعكة صحية تعرّض لها في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرى على أثرها تدخلاً جراحياً بالقلب في أحد مستشفيات مصراتة. لكن ما عمّق الغموض هذه المرة هو الصمت الحكومي غير المعتاد، إذ لم يصدر أي بيان أو توضيح يتعلق بمكان الدبيبة أو وضعه الصحي.

وعلى الرغم من أن عدداً من وزرائه حرصوا على تأكيد أن لقاءاتهم مع بعض المسؤولين تجري بتكليف منه، لم تنجح هذه التصريحات في إنهاء هذا الجدل.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، أن هناك «حالة ترقب لا يمكن إنكارها حيال غياب الدبيبة، يعمقها الصمت الحكومي حول أي خبر يتعلق به»، وقال إن الدبيبة «لم يظهر إعلامياً منذ الأيام الأخيرة من شهر رمضان، كما لُوحظ عدم مشاركته الليبيين في صلاة العيد واللقاءات الاجتماعية المعتادة؛ وهو ما يُعد نهجاً غير معتاد له».

وأشار فركاش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تغيب الدبيبة غذّى التكهنات حول خضوعه للعلاج في إحدى الدول الأوروبية، وأثار تساؤلات قانونية حول الجهة التي تدير مهام الحكومة في ظل غياب تفويض معلن لأي من نوابه».

ويتوقع فركاش أن يؤدي هذا الغموض في المشهد الراهن إلى «تزايد الضغوط السياسية على حكومة (الوحدة) خلال الفترة المقبلة»، مشيراً إلى أن «خصومها لن يتوقفوا عن إثارة مسألة قدرة الدبيبة على ممارسة مهامه حتى إذا استأنف الأخير ظهوره الإعلامي».

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة» التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وحكومة في بنغازي برئاسة أسامة حماد، مكلفة من البرلمان وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

في المقابل، يرى رئيس «الاتحاد الوطني» للأحزاب الليبية، أسعد زهيو، أن «تعامل غالبية الليبيين مع صحة الدبيبة ينحصر في البعد الإنساني والتعاطف مع الأمر، فيما يقتصر الجدل حول تداعياتها السياسية على المؤيدين والخصوم».

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى «أهمية موقع الدبيبة ممثلاً للسلطة في غرب البلاد، والجدل الممتد حول حكومته منذ 2021»، معتبراً أن «غيابه وما يغذيه من شائعات قد يكون أحد العوامل التي تستند إليها الأطراف المحلية والدولية للدفع بتشكيل حكومة موحدة للبلاد تمهيداً لإجراء الانتخابات».

وخلال الأيام الماضية، لم تكفّ بعض صفحات مواقع التواصل عن إثارة أخبار تتعلق بالدبيبة، والتكهن بتعرضه لوعكة صحية، بل ذهب بعضها إلى الحديث عن صراع في الكواليس بين المقربين منه من وزراء ومستشارين على خلافته.

أما مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف عبد الله، فيرى أن الجدل حول صحة الدبيبة وعدم ظهوره الإعلامي «يعود إلى المخاوف المترتبة على غيابه عن المشهد السياسي، بالنظر إلى هشاشة بنية السلطة في ليبيا وشخصيتها باعتمادها على الفرد لا على مؤسسات دستورية»، لافتاً إلى «عدم وجود بنود واضحة في نصوص الاتفاقيات السياسية الحاكمة للفترة الانتقالية بشأن خلو منصب رئيس الحكومة».

ووصف عبد الله التركيبة الأمنية للمنطقة الغربية بكونها «بالغة التعقيد في ظل تصاعد نفوذ مدن بعينها مثل مصراتة وطرابلس والزاوية، والثقل السياسي والتسليحي لكل منهم بالنظر إلى عدد ليس هيناً من المجموعات المسلحة التي توجد هناك». ورأى أن الدبيبة «نجح في البقاء بموقعه عبر نسج شبكة مصالح ترتكز على احتواء قيادات تلك المجموعات المسلحة مالياً».

وحذّر مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية من أن غياب الدبيبة «الذي يمثّل المورد المالي لهذه المجموعات المسلحة، قد يتسبّب في عودتها إلى الصراع فيما بينها على مناطق النفوذ والمراكز والمؤسسات المالية الكبرى، وفي مقدمتها المصرف المركزي، مما يعني شللاً في عمل تلك المؤسسات».