«القومي للأمومة» في مصر يوقف «خطوبة طفلين» بالمرحلة الابتدائية

تعهدت أسرتاهما بعدم إتمام الزواج لحين بلوغ السن القانونية

طفلان مصريان خلال حفل خطبتهما (مواقع التواصل الاجتماعي)
طفلان مصريان خلال حفل خطبتهما (مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

«القومي للأمومة» في مصر يوقف «خطوبة طفلين» بالمرحلة الابتدائية

طفلان مصريان خلال حفل خطبتهما (مواقع التواصل الاجتماعي)
طفلان مصريان خلال حفل خطبتهما (مواقع التواصل الاجتماعي)

تدخل المجلس القومي للطفولة والأمومة في مصر لحماية طفلين في المرحلة الابتدائية، من مخاطر الزواج المبكر، بعد انتشار صور لحفل «خطبتهما» على مواقع التواصل الاجتماعي. وأعلن المجلس، في بيان صحافي (الخميس)، «إيقاف الخطبة»، مشيراً إلى أن «أسرتي الطفلين تعهدتا بعدم إتمام الزواج إلا بعد بلوغهما السن القانونية».
كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد تداولت صوراً لطفلين بملابس رسمية، تحت عنوان «خطوبة أصغر عروسين»، ما أثار حالة من «الصدمة» لدى الرأي العام، وسط تحذيرات من مخاطر الزواج المبكر، أو ما يُعرف في مصر بـ«زواج القُصَّر».
وأوضحت المهندسة نيفين عثمان، الأمين العام للمجلس القومي للطفولة والأمومة، في البيان الصحافي، أن «خط نجدة الطفل 16000 رصد الواقعة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحري عنها، تبين صحتها»، مشيرةً إلى أن «الصور المتداولة لطفلين من مركز أولاد صقر بمحافظة الشرقية (دلتا مصر)، وأن العروس في الصف الرابع الابتدائي (10 سنوات)، والعريس في الصف السادس الابتدائي (12 عاماً)»، مؤكدةً «اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الطفلين من هذه الممارسات الضارة».
وتباينت التصريحات المتداولة في وسائل الإعلام المحلية، بين تأكيد صحة الواقعة على لسان أحد أفراد أسرة الطفلين، مع القول بأن «الخطبة تمت تنفيذاً لوصية جدتهما، بهدف تحقيق الترابط الأسري»، وبين نفيها على لسان آخرين، مع الإشارة إلى أن «الطفلين كانا في حفل خطبة لأحد أفراد العائلة، والتقطا صوراً على سبيل المزاح».
لكنَّ محمد نظمي، مدير الإدارة العامة لنجدة الطفل، أكد أن «لجنة حماية الطفولة بمحافظة الشرقية انتقلت إلى منزل الطفلين، وعملت على توعية أسرتيهما بمخاطر الزواج المبكر»، وقال إنه «تم أخذ التعهد اللازم من والدي الطفلين بحُسن رعايتهما، ووقف أي إجراء من هذا القبيل سواء إتمام الخطوبة، أو الزواج قبل إتمام السن القانونية»، مشيراً إلى أن «الأسرتين تعهدتا بحذف جميع الصور والفيديوهات الخاصة بالواقعة من على وسائل التواصل الاجتماعي».
وبين الحين والآخر تثير وقائع مماثلة الرأي العام المصري، من بينها حالة الجدل التي صاحبت انتشار مقاطع فيديو وصور لخطبة طفلين من مركز الحوامدية بالجيزة العام الماضي، والتي تم «إيقافها» أيضاً بعد تعهد والدي الطفلين أمام النيابة.
وحسب آخر إحصائية أصدرها المركز القومي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن «هناك 117 ألف طفل تزوجوا، أو سبق لهم الزواج في الفئة العمرية من 10 إلى 17». ويُرجع خبراء انتشار الزواج المبكر في مصر إلى «عادات وتقاليد اجتماعية»، أو «احتياجات مالية».
وأكد المجلس القومي للطفولة والأمومة «استمرار الجهود لحماية الأطفال، وتوفير جميع أوجه الدعم اللازم لهم وحمايتهم من كل الأضرار والمخاطر والاستغلال الذي قد يتعرضون له».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
TT

عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

قال «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن إنّ ما تشهده المملكة اليوم من تحوّلات عميقة، خصوصاً في المجال الثقافي والسينمائي، لا يمكن فصله عن الإطار الأشمل الذي رسمته «رؤية 2030»، مضيفاً أنّ هذه الرؤية لم تكن مجرّد خطة اقتصادية أو برنامج إصلاحي محدود، وإنما مشروع متكامل لإعادة صياغة المجتمع والدولة على أُسس جديدة تستجيب لمتغيّرات العصر.

وأضاف المحيسن، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عقب تكريمه مؤخّراً من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، أنّ ما يميّز التجربة السعودية هو أنها لم تأتِ ردَّ فعل على أزمة أو نتيجة اضطراب سياسي، بل جاءت امتداداً لمسار طويل من التخطيط والتراكم، ما منحها قدرة أكبر على تحقيق أهدافها بشكل متوازن، مشيراً إلى أنها تختلف عن كثير من تجارب المنطقة التي ارتكزت في مراحل مختلفة على تحوّلات مفاجئة أو ثورات غير مدروسة.

المحيسن خلال تسلّمه جائزة «اغتيال مدينة» في مهرجان القاهرة (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ هذه التحولات، رغم ما حملته من شعارات، لم تكن دائماً قادرة على بناء استقرار طويل الأمد، في حين أن المملكة اعتمدت على استمرارية في الرؤية بدأت منذ توحيدها واستمرَّت عبر الأجيال، حتى وصلت إلى المرحلة الحالية التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إذ جرى الانتقال من الخطط الخمسية التقليدية إلى رؤية شاملة تستشرف المستقبل حتى عام 2030 وما بعده.

وأشار إلى أنه كان من بين المشاركين في جلسات نقاشية ضمّت خبراء من مجالات متعدّدة، هدفت إلى دراسة حاجات المملكة ووضع تصورات عملية لمواكبة التحوّلات العالمية. وهي نقاشات لم تكن نظرية، إذ انطلقت من واقع حقيقي ورغبة في إحداث نقلة نوعية في مختلف القطاعات، ومن بينها الثقافة والسينما، مؤكداً أنّ ما تحقَّق لاحقاً من إنشاء مؤسسات ثقافية، وبناء بنية تحتية متقدمة، وتوفير إمكانات غير مسبوقة للمبدعين، هو نتيجة مباشرة لهذه الرؤية.

أفلام المحيسن عُرضت في دول عدّة حول العالم (موقعه الرسمي)

وأكد أنّ «رؤية 2030» لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، فامتدت إلى بناء الإنسان، وهو ما انعكس في الاهتمام الكبير بتأهيل جيل جديد من الشباب قادر على الإبداع والمنافسة، مشيراً إلى أنّ السينما كانت من أبرز المجالات التي استفادت من هذا التوجُّه، مع إتاحة الفرص للشباب للدراسة في الخارج والعودة بخبرات جديدة، إلى جانب إنشاء معاهد ومؤسّسات تدعم الصناعة محلّياً، وهو ما أسهم في ظهور جيل سينمائي مختلف في أدواته ورؤاه.

وأضاف المحيسن: «الدولة لم تكتفِ بتوفير الدعم المادي، بل عملت على خلق بيئة متكاملة تسمح بالإبداع، من خلال التشريعات والبنية التحتية وتنظيم القطاع، وهو ما جعل المملكة، خلال مدّة قصيرة نسبياً، إحدى أبرز الدول في المنطقة لجهة تطوّر الصناعة السينمائية»، مؤكداً أنّ هذه النقلة لم تكن لتحدث لولا وجود رؤية واضحة واستراتيجية طويلة المدى.

المحيسن في كواليس «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ ما يلفت النظر في هذه التجربة هو أنها جرت بسلاسة وتقبُّل من المجتمع، من دون صدامات أو انقطاعات حادّة، وهو ما يعكس، في رأيه، نضجاً في إدارة التحوّل وقدرةً على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، لافتاً إلى أنّ هذا التوازن يمنح التجربة السعودية خصوصيتها، ويجعلها نموذجاً مختلفاً عن تجارب أخرى في المنطقة.

وانتقل المحيسن من الحديث عن الإطار العام لـ«رؤية 2030» إلى انعكاساتها المباشرة على السينما، مؤكداً أنّ ما نشهده اليوم من تنوّع في الإنتاج وظهور أسماء جديدة هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة الداعمة، مشيراً إلى أنّ «الجيل الحالي من السينمائيين يعمل في ظروف تختلف تماماً عن تلك التي بدأ فيها هو، إذ كانت الإمكانات محدودة والبنية التحتية شبه غائبة، ما جعل كلّ تجربة في ذلك الوقت مغامرة حقيقية».

المحيسن حاملاً درع تكريمه في مالمو (موقعه الرسمي)

وأضاف أنّ الاختلاف في الظروف لا يقلّل من قيمة التجارب السابقة، بل يبرز حجم التحدّيات التي واجهها الرواد، لكنه في الوقت نفسه يمنح الجيل الجديد فرصة للانطلاق بشكل أسرع إذا ما أحسن استغلال الإمكانات المتاحة، مؤكداً أن «الدعم وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بوعي ومسؤولية، لأنّ الفرصة إذا لم تُستثمر بشكل صحيح قد تضيع».

وأشار إلى أنّ السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات، بل أصبحت تعكس تنوّع المجتمع من خلال أفلام تتناول التقاليد، وأخرى تناقش التحولات الاجتماعية، وثالثة تذهب إلى قضايا بيئية أو إنسانية... وهذا التنوع علامة على حيوية التجربة، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تترسخ وتصل إلى مرحلة النضج الكامل.

ورأى رائد السينما السعودية أنه من المهم في هذه المرحلة أن يظلَّ صانعو السينما منفتحين على التعلم، وألا يكتفوا بما تحقَّق، لأنّ التطوّر في هذا المجال سريع، وما هو جديد اليوم قد يصبح قديماً غداً، مشيراً إلى أن التحدّي هو القدرة على مواكبة هذا التغير، على مستوى الأدوات أو اللغة أو الموضوعات.

ومن هذا السياق المعاصر، عاد المحيسن إلى تجربته الشخصية ليستعيد بداياته في زمن مختلف، موضحاً أن دخوله إلى عالم السينما جاء في وقت كانت فيه هذه الصناعة محل جدل، ومرفوضة في بعض الأوساط، وهو ما جعله يواجه تحدّيات فكرية وثقافية قبل أن تكون مادية أو تقنية.

وأوضح أنّ البيئة التي عاش فيها كانت تمرّ بمرحلة انتقالية من الانغلاق إلى الانفتاح، وهو ما جعل هذه النقاشات أكثر حدّة، لكنه كان يرى أن الزمن كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها من خلال الفهم الصحيح للنصوص، مؤكداً أن تجربته الشخصية كانت جزءاً من هذا التحوّل، مع سعيه إلى إثبات أن السينما يمكن أن تكون وسيلة للتعبير الإيجابي، وليست أداة للهدم.

استخدم المحيسن اللغة العربية الفصحى في «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وتوقَّف عند تجربته مع فيلم «اغتيال مدينة»، الذي أُعيد عرضه في مهرجان «مالمو للسينما العربية» خلال الاحتفاء بتكريمه، بعد نحو 50 عاماً من عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي»، مؤكداً أنه كان عملاً سابقاً لزمنه لجهتَي الموضوع والرؤية، ممّا جعله يواجه صعوبة في التلقي عند عرضه الأول، إذ كانت المنطقة تعيش حالة من الاستقطاب السياسي في ظلّ انقسام عالمي بين معسكرين، وهو ما جعل طرح بعض القضايا الحسّاسة أمراً معقداً.

وأضاف أنّ الفيلم تعرَّض لاتهامات تتعلّق بتبنيه «نظرية المؤامرة»، وهو توصيف يرى أنه كان يُستخدم أحياناً وسيلة لتجنب مناقشة الأفكار التي يطرحها العمل، مؤكداً أنه بنى رؤيته على دراسة وبحث، وليس على انطباعات سطحية. لكنه أقرَّ في الوقت نفسه بأنّ بعض الأفكار تحتاج إلى وقت حتى تُفهم، وهو ما جعل وجهة النظر تجاه الفيلم تتغيّر بعد سنوات، ويحظى برؤية مغايرة بعد عقود من عرضه.

وأشار إلى أنّ ما حدث لاحقاً في عدد من الدول العربية من صراعات وتحوّلات، أعاد طرح الأسئلة التي كان الفيلم يثيرها، وجعل الجمهور يرى العمل من زاوية مختلفة. ورأى أنّ إعادة عرضه بعد عقود في مهرجانات دولية تعني أن الفكرة التي يحملها لا تزال حية، وأكثر ارتباطاً بالواقع الحالي.

وأكد أنّ السينما حين تنطلق من فكرة حقيقية ومدروسة لا تفقد قيمتها مع الزمن، بل قد تكتسب أبعاداً جديدة مع تغيُّر السياقات، وهو ما عدَّه أحد أهم أسرار هذا الفنّ، مشيراً إلى أنّ الزمن قد يكون أحياناً هو العنصر الذي يمنح العمل قيمته الحقيقية.

المحيسن خلال تحضيرات أحد أعماله (موقعه الرسمي)

وتحدَّث عن تجربته في «ظلال الصمت»، موضحاً كيف واجه تحدّياً مختلفاً يتعلّق باللغة، حين قرر استخدام العربية الفصحى، وهو ما لم يكن مألوفاً لدى الجمهور في ذلك الوقت. وقوبل هذا الاختيار في البداية بنوع من الرفض، لكنه لاحظ أنّ المشاهدين بدأوا يتأقلمون تدريجياً مع انخراطهم في العمل، وهو ما يؤكد، في رأيه، أنّ الجمهور ليس ضد التجديد، بل يحتاج فقط إلى وقت لفهمه.

وأشار إلى أنّ أي تجربة جديدة تمرّ بمرحلة من الرفض أو التردُّد، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها فاشلة، بل قد يكون مؤشّراً على أنها تطرح شيئاً مختلفاً، وهو ما يتطلّب صبراً من صانعها وإيماناً بما يُقدّم.

وانتقل إلى الحديث عن مشروعه السينمائي الجديد، موضحاً أنه يمثّل بالنسبة إليه محاولة لإعادة تقديم صورة مختلفة عن الإسلام، بعيداً عن الصور النمطية التي ربطته بالعنف، مع اختيار الانطلاق من القيم الإنسانية والحضارية التي يرى أنها جوهر هذا الدين، وتقديمها في إطار إنساني يخاطب العالم.

وأوضح أن العمل الذي لا يزال قيد التحضير يقوم على مجموعة من الحكايات المترابطة التي تسعى إلى إبراز هذه القيم في سياقات مختلفة، مؤكداً أنّ الهدف ليس تقديم خطاب مباشر، بل بناء تجربة سينمائية تجعل المُشاهد يُعيد التفكير في الصور التي يحملها، وهو نوع من الأعمال يتطلب جهداً كبيراً، سواء على مستوى الكتابة أو الإنتاج.

وقال المحيسن إنه لا ينطلق في عمله من فكرة المنافسة، بل من إيمانه بالفكرة التي يريد تقديمها، مشيراً إلى أنّ التركيز على شباك التذاكر قد يقيّد الإبداع، ويجعل صانع الفيلم أسير توقّعات السوق، بدلاً من أن يكون باحثاً عن الجديد.

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

وأضاف أنه يتبع منهجاً واضحاً في العمل يبدأ بالفكرة ثم البحث، فالكتابة، قبل أن ينتقل إلى تشكيل فريق العمل، مؤكداً أنه لا يكتب لشخص معيّن، بل يكتب الفكرة أولاً، ثم يبحث عن الأشخاص القادرين على تجسيدها، وهي استراتيجية تبنّاها منذ وقت مبكر، ووجد أنها تمنحه حرّية أكبر.

وتحدَّث عن علاقته بالجمهور، مؤكداً أنه يحترم المتلقّي ويأخذ في الحسبان تنوّع فئاته، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح لهذا الحسبان أن يتحوّل إلى قيد، لأن الخوف الحقيقي يأتي فقط عند عرض العمل، حين يواجه ردّ الفعل المباشر، أما خلال عملية الإبداع فيحرص على أن يظل حرّاً.

واستعاد نصيحة تلقّاها في بداياته، مفادها أنّ المخرج لا ينبغي أن يقف بعيداً عن جمهوره، بل عليه أن يقترب منه، ويجد لغة مشتركة تسمح له بالتواصل مع مختلف الفئات، من دون أن يتخلّى عن رؤيته، لأن هذه المعادلة هي جوهر العمل السينمائي.

وختم المحيسن حديثه بالتأكيد على أنّ السينما في حالة تغيُّر دائم، وأنّ التحدّي الأكبر هو القدرة على مواكبة هذا التغيُّر، مشيراً إلى أنّ من لا يتجدَّد قد يجد نفسه خارج المشهد، لأن الجمهور نفسه يتغيَّر، ويبحث دائماً عن أشكال جديدة من التعبير، وهو ما يجعل التعلُّم المستمرّ ضرورة لكلّ مَن يريد الاستمرار في هذا المجال.


جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
TT

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

النجمة الفرنسية جولييت بينوش نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية، منذ أدوارها الأولى وإلى أعمالها في السنوات الأخيرة، وأحدثها «ملكة عند البحر»، إذ حافظت على إبداع أنيق ومقنع.

«الشرق الأوسط» حاورت جولييت بينوش في «كان» وسألتها عن «ملكة عند البحر» الذي يتناول موضوع ألزهايمر أو الخرف، فأجابت: «هناك نقطة مثيرة لاهتمامي؛ هي تلك التي نرقب فيها أولادنا وهم ينتقلون من الطفولة إلى سنوات الشباب، بينما يبدأ أهلنا الذين ننتمي إليهم يشيخون (...) هي نقطة فاصلة نقف فيها في منتصف الطريق بين جيل يتقدّم وآخر يتراجع. هذا هو الموضوع الذي جذبني إلى العمل».

وعن أوضاع السينما الآن تقول بينوش: «ما زال موجوداً، لحسن الحظ، عدد كبير من المخرجين الذين يرغبون في تحقيق ذواتهم من خلال الأفلام التي ينجزونها، هذه هي الحصانة الرئيسية ضد عوامل تهدد فن السينما». وتضيف: «بالنسبة ليّ، ولكثيرين من الممثلين في فرنسا وأوروبا، نوالي دعم السينما باختياراتنا من الأفلام».


رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
TT

رحيل «جدّ المثقفين»... إدغار موران يغلق قوس قرنٍ من الفكر المعقد

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يتحدث خلال ندوة في كلية التربية بمونبلييه (أ.ف.ب)

غيّب الموت في العاصمة الفرنسية باريس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام ليسدل الستار على حياة حافلة، وصفتها الأوساط الثقافية بـ«ذاكرة القرن العشرين المتنقلة».

ويُعدّ موران، الذي أكدت عائلته وفاته، أحد آخر العمالقة في مدرسة الفكر الإنساني المعاصر، تاركاً وراءه إرثاً فلسفياً وسوسيولوجياً ضخماً غيّر وجه النظر إلى العلوم والمعرفة الإنسانية عبر نظريته الشهيرة حول «الفكر المركب» (Pensée complexe).

ونعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المفكر الراحل، عبر منصة «إكس»، واصفاً إياه بـ«العقل العالمي والإنسانية المتجسدة»، بينما توالت برقيات العزاء من مختلف الأطياف السياسية والثقافية في أوروبا والعالم العربي، الذين رأوا في رحيله خسارة لواحد من أكثر الأصوات شجاعة ونزاهة في مقارعة الآيديولوجيات المغلقة والدفاع عن القضايا العادلة.

من مقاومة النازية إلى الانشقاق الآيديولوجي

ولد إدغار ناهوم (الذي اتخذ اسم موران لاحقاً) عام 1921 في باريس لعائلة يهودية من أصول سالونيكية يونانية. ولم تكن حياته مجرد تأملات هادئة بين جدران الجامعات، بل بدأت في أتون المواجهة، إذ انخرط شاباً في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. وفي تلك المرحلة، اختار اسم «موران» السري ليكون هويته الدائمة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

قادته حماسته الفكرية بعد الحرب إلى الانضمام للحزب الشيوعي الفرنسي، مستبشراً بالعدالة الاجتماعية، غير أن روحه المتمردة وعقله الرافض للتدجين لم يصمدا طويلاً أمام القيود الستالينية. عارض موران التوجهات الديكتاتورية لـ«الرفاق»، فتم طرده من الحزب عام 1951. لم يتراجع، بل حول هذه الخيبة إلى مادة سوسيولوجية ملهمة، حيث أصدر كتابه الشهير «نقد ذاتي»، الذي أسّس فيه مبدأ المساءلة المستمرة للأفكار والذات، مبتعداً عن اليقينيات الزائفة.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

هندسة «الفكر المركب» ومحاربة التبسيط

صنع موران مجده المعرفي الأصيل في أروقة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ومن هناك، أطلق مشروعه الفلسفي الأضخم المتجسد في موسوعته «المنهج» (La Méthode) التي صدرت في 6 أجزاء.

كان موران يرى أن الخطيئة الكبرى للعلوم الحديثة هي «التبسيط والاختزال»، أي فصل العلوم بعضها عن بعض، ولذلك دعا إلى «الفكر المركب» الذي يربط بين علم الأحياء، والتاريخ، والسياسة، والأنثروبولوجيا، والسينما.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

في فلسفة موران، لا يمكن فهم الجزء دون الكل، ولا الكل دون الجزء. فكل إنسان يحمل الكوكب بأكمله في تفاصيله اليومية. ولم يتردد طوال حياته في التحذير من المخاطر الكونية التي تحدق بالبشرية، مثل التغير المناخي، والتقدم التكنولوجي غير المنضبط بأخلاقيات، والتوحش الرأسمالي، معتبراً أن العالم يسير نحو «هاوية» ما لم يقم بـ«أنسنة الحضارة».

نصير فلسطين... شجاعة المواقف في وجه العاصفة

تميز موران بمواقف أخلاقية صلبت مكانته كمثقف عضوي في الشأن العام. ولم تشفع له أصوله اليهودية لدى الدوائر الصهيونية عندما انتقد بجرأة شديدة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وفي عام 2002، نشر مقالاً مدوياً في صحيفة «لوموند» الفرنسية برفقة مثقفين آخرين، انتقد فيه حصار غزة وممارسات الاحتلال، معتبراً أن «ضحايا الأمس يتحولون إلى جلادي اليوم».

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (أ.ف.ب)

جرّت عليه هذه المقالة ملاحقات قضائية بتهمة «معاداة السامية»، خاضها موران بشجاعة مدعوماً بتضامن واسع من مجتمع الأكاديميين العالمي، إلى أن برّأته محكمة التمييز الفرنسية العليا. وظل، حتى الشهور الأخيرة من حياته، يرفع صوته تنديداً بالعدوان على قطاع غزة والمجازر المستمرة بحق المدنيين.

ملهمات الفكر والحياة: الشريكات في مسيرة قرن

لم تنفصل حياة موران الفكرية عن تفاصيل حياته العاطفية والزوجية التي شكلت رافداً لروحه الإنسانية. ارتبط في السبعينات بالفنانة والكاتبة الكندية الراحلة جوهان هاريل، التي شاركته شغفه بالفن والسينما الإثنوغرافية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران مع زوجته الممثلة والعارضة والكاتبة الكندية جوهان هاريل في منزله بباريس 16 ديسمبر 1975 (أ.ف.ب)

وفي العقود الأخيرة من عمره، عاش موران فصلاً معرفياً وإنسانياً استثنائياً برفقة زوجته عالمة الاجتماع المغربية صباح أبو السلام، التي تزوجها عام 2012. ولم تكن صباح شريكة حياة فحسب، بل كانت رفيقة فكرية صاغ معها مؤلفات مشتركة تدرس التحولات الاجتماعية والسياسية، ومثّلت جسراً ثقافياً عزز ارتباط الفيلسوف الراحل بالقضايا العربية وقيم الحوار الحضاري بين الضفتين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (يسار) يرحب بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (في الوسط) وزوجته صباح أبو السلام (يمين) خلال حفل أقيم في قصر الإليزيه بباريس بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده (أ.ف.ب)

تواصل حتى الرمق الأخير

حتى مع تجاوزه عتبة المائة عام، لم يتقاعد عقل موران. ظل حتى أيامه الأخيرة يكتب، وينشر المؤلفات، ويغرد لقرابة ربع مليون متابع على منصة «إكس»، معلقاً على الحروب المعاصرة والأزمات البيئية بكثير من الدهشة الطفولية والحكمة الإنسانية.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران يلقي كلمة في مقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال حفل بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده في 2 يوليو (تموز) 2021 (أ.ف.ب)

توفي الفيلسوف الأنيق، صاحب القبعات الشهيرة وربطات العنق الحريرية، تاركاً فراغاً لا يُعوّض في الفكر العالمي، ومثبتاً مقولته المفضلة في كتابه «دروس قرن من الحياة»: «الحياة لا تكون محتملة إلا إذا أدخلنا عليها شيئاً من الشعر، أي الكثافة، والفرح، والمحبة».