«السباحتان» يسرى وسارة مارديني... قصة الأحلام العنيدة

فيلم يحاكي مآسي اللجوء وجمالية الإرادة

الأختان اللبنانيتان نتالي (يسرى) ومنال (سارة) عيسى في فيلم «السّباحتان»
الأختان اللبنانيتان نتالي (يسرى) ومنال (سارة) عيسى في فيلم «السّباحتان»
TT

«السباحتان» يسرى وسارة مارديني... قصة الأحلام العنيدة

الأختان اللبنانيتان نتالي (يسرى) ومنال (سارة) عيسى في فيلم «السّباحتان»
الأختان اللبنانيتان نتالي (يسرى) ومنال (سارة) عيسى في فيلم «السّباحتان»

تبدأ الأحداث عام 2011 في إحدى ضواحي دمشق. نزل الناس إلى الشارع وعلت الهتافات. أرادوا أياماً بطعم الحرية. بينما الغليان يشتد، صوّب الأب طريق ابنتيه: «حددا الهدف وانطلقا. ارسما مساركما».
فيلم «السباحتان (The Swimmers)»، الذي عرض على «نتفليكس» وإنتاجها، ومن إخراج الويلزية من أصول مصرية سالي الحسيني يُخبر عن قصة الأحلام العنيدة، تلك التي لا تُقتل بطلقة ولا تختنق تحت الماء، ومعاناة لجوء السباحتين السوريتين يسرى وسارة مارديني في سردية ملهمة لا تعرف المستحيل.
ساعتان وربع الساعة من النجاة بالإنسان وطموحه وأهدافه الجميلة. ومن جمالية الإرادة وجدوى السعي. تأخذ الأختان اللبنانيتان نتالي (يسرى) ومنال (سارة) عيسى، الشخصيتين إلى ما يليق بحجم تضحية صاحبتَي السيرة في الواقع، ومن خلالهما تحاكيان عذابات اللاجئين جميعاً على الأرض. تقودان روح الفيلم إلى ما قبل الغرق بقليل، حيث الانتشال يمنح الفرص الثانية. اقتناصها جدير بمَن يكثف المحاولة.
لم يبقَ وطن بعد أربعة أعوام منذ التفجر في عام 2011، تحصد القذائف أرواحاً عزيزة وتفرق الشمل. الأسوأ هو العيش على وقع الضربة القاضية. تتبعثر الصداقات بمقتل أطرافها ويفرط العقد. يعاند الأب رغبة ابنتيه باللجوء إلى ألمانيا، وحين تسوء الأحوال ويصبح الموت على مسافة خطوة، يهز الرأس معلناً الموافقة.
ليس الأب لثلاث فتيات، منهن اثنتان سباحتان محترفتان، نموذجاً تقليدياً للأبوة (يؤدي الدور علي سليمان). أورثَ يسرى وسارة عشقه للسباحة وأراد لهما تحقيقَ فوزٍ حال دونه التحاقه بالخدمة العسكرية. تحوله إلى مدربهما، قدمه بصورة الأب المحرض على الحلم. ثلاثية الأب - الابنتين، يسيطر عليها نبل الروابط.
يسقي الأب ما غرسه في يسرى تحديداً، في حين تذهب سارة وراء شغف آخر. يسرى نسخته عن نفسه، ورغبته المُصادَرة بحصاد الميداليات. هي خفقانه في كل منافسة وشعوره تحت الماء. يحملها حلمه: الوصول إلى الأولمبياد، وطوال الفيلم تُعارِك، من أجله، الأمواج والتجاوزات والتعب.
مقتل صديقتهما يحملهما إلى حسم قرار الهجرة وتنفس الحياة خارج شروط الموت. الأوطان هي الجحيم حين تُجهز على سلام المرء وشعوره بالطمأنينة. وحين يغدو أبناؤها وحوشاً يفترسون النساء، ومزاجها أسود كمدينة بلا كهرباء. النجاة بأعجوبة، صدفة. والصدف ليست لطيفة طوال الوقت. تجهز يسرى وسارة الأمتعة وتغادران النار نحو «الجنة الأوروبية».
أجمل ما في الفيلم أنه ينبثق من الشقاء. تتعدل وِجهة الشابتين فتعبران من دون تخطيط مسارات أخرى للسفر. وهي الأقسى على الإطلاق: قوارب الموت! هنا الإنسان أمام ما لم يستعد له، لكنه يضطر لمواجهته. لا لأي سبب، إلا للبقاء على قيد الحياة. تكتشف سارة شغفها حين توضع في أزمة فتُجيد التصرف. يتعطل القارب وسط البحر، فتمزق استغاثة ركابه سكينة الفضاء. لأم وطفلتها، عائلة كاملة، شباب وشابات، يائسين وحالمين... في الخضم، بين غدرات الموج، في المصير المفتوح على الاحتمالات السيئة.
حجب التفاصيل حقُ متابع إن شاهد، لجرته المُشاهدة إلى صميمها. كل الدقائق ممتلئة بما لا يتيح الشرود ويُسرب الضجر. يقبض المهرب المبلغ ويُسلم «رؤوس» البشر للبحر. لا يأبه أن يعطف أو يقسو. يحشو جيبه ويدير ظهره. تتأتى الجمالية السينمائية في التقاط الحد الفاصل بين الحياة والموت. ورغم مرارتها، فإنها تتحلى بالروعة. تُكمل الشقيقتان بالسباحة الطريق إلى اليابسة. بعد لبنان وتركيا واليونان والحدود المجرية... تطل برلين من عمق المأساة.
يوم سارت الشقيقتان بجانب كلمات على الجدار تقول: «طائراتكم لا تستطيع أن تقتل أحلامنا»، كانت الحرب قد قتلت وشردت. لكن الحلم أزهر. ثمة ما يحبس الأنفاس ثم يُطلقها كما تُطلَق عصافير سجينة من أقفاصها. الوطن قد يكون ذريعة للاختناق، ومع ذلك لا يكف ناسه عن الالتصاق به وإغلاق القلوب عليه ليسكن عميقاً.
الفرصة الأولى التي أتيحت ليسرى مارديني في الأولمبياد، أرادتها سباحة من أجل سوريا. لم تُحملها فظاعة تلك الليلة حين هَم البحر على ابتلاع التائهين إلى الأماكن الآمنة. لم ترمِ عليها قسوة التعرض لمحاولة اغتصاب وثمن الخدوش النفسية. انتشلتها من العتب وأهدتها الإنجاز.
وهو تحقق عام 2016 في أولمبياد «ريو» بفوزها عن فئة اللاجئين أمام ملايين المشجعين. ترأف الأقدار بلقاء الأرواح الطيبة. على مسافة من مخيم اللجوء الألماني، تقدم يسرى نفسها لمدرب سباحة يمنحها الثقة. كأبيها، يقودها إلى ما لم يستطع تحقيقه. هو الآخر، يحملها أحلامه المُجهضة.
في أولمبياد البرازيل، تسبح أيضاً من أجله. ومن أجل العائدين إلى أوطانهم الكئيبة لأن الحياة ليست عادلة. حتى مراكب الموت لا تُتاح للجميع، ولا النجاة وقلْب الصفحة. أحياناً، لا يبقى سوى الخذلان.
لم تكن الأم كندة علوش كسائر الأمهات، تحلم بالفستان الأبيض لبناتها. والدة يسرى وسارة مارديني، أرادتهما سعيدتين في العلم والوظيفة. أنقذتهما مما هو عادي، لترفعهما، كما الأب، إلى حيث التصفيق الحار.
تعجز رصاصة عن خرق خيالات تطارد الحلم حتى البعيد. تصبح فوراً طلقة مرتدة. «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، يقول محمود درويش. إنها الأحلام.


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


إسرائيل تتوسع في 8 قرى لبنانية إضافية منذ وقف النار

عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)
عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تتوسع في 8 قرى لبنانية إضافية منذ وقف النار

عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)
عناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني يعملون في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة أنصار بجنوب لبنان السبت (د.ب.أ)

توسّعت السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان في 8 قرى وبلدات، توغّل جيشها فيها، أو فرض سيطرة نارية عليها وأخلاها من سكانها، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بموازاة أعمال تجريف ونسف وتفجيرات متواصلة في المنطقة المحتلة.

وأفشلت إسرائيل، في الجولة السابعة من المفاوضات، المساعي اللبنانية والأميركية لتوسعة المناطق النموذجية في جنوب لبنان، ووقف إطلاق النار ووقف التجريف وأعمال النسف والتفجير، بحسب ما تؤكد مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، في وقت يرى فيه «حزب الله» أن تل أبيب «دخلت في مسار واشنطن التفاوضي مع لبنان للهروب من مسار إسلام آباد»، في إشارة إلى وثيقة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة التي تنص على الإنهاء الفوري والدائم لجميع العمليات العسكرية على جميع الجبهات، واحترام وحدة أراضي لبنان وسيادته.

جرافة إسرائيلية تعمل في بلدة زوطر الشرقية كما تظهر من بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

ويرى الحزب، بحسب مصادر مطلعة، أن تملّص إسرائيل من التزامات إسلام آباد «منحت جيشها حرية الحركة في المنطقة الواقعة شمال الخط الأصفر، وشجعته على الاستمرار بالاعتداءات والتجريف وهدم المنازل، وفرض مناطق محتلة بالنار في القرى المقابلة لمناطق سيطرته، حيث يستهدف أي سيارة وأي مظاهر حياة في المنطقة غير المحتلة» في عمق جنوب لبنان.

توسع في 8 قرى

بمعزل عن المسارات والنصوص التي «لا تقيم إسرائيل وزناً لها»، وفقاً للمصادر اللبنانية، وسع جيشها السيطرة خارج الخط الأصفر، منذ وقف إطلاق النار، حيث تكررت التوغلات وأعمال التفجير في قرى لم يكن يسيطر عليها خلال فترة القتال مع «حزب الله». ووثقت مصادر أمنية لبنانية توغلات وسيطرة نارية على 8 قرى على الأقل، هي كفرتبنيت الواقعة غربي مرتفعات «علي الطاهر» شرق النبطية، حيث نفذت عدة تفجيرات، كما فرضت حظر تجول بالنار في بلدة النبطية الفوقا القريبة، وهي تقع في القطاع الشرقي.

دمار واسع في بلدة بني حيان كما يظهر من بلدة قبريجا الواقعة على الضفة الغربية من وادي الحجير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أما في القطاع الأوسط، فنفذت توغلات إلى بلدات بيت ياحون وبرعشيت وحداثا، وفرضت سيطرة نارية على أطراف عيتا الجبل، كذلك توغلت إلى أطراف بلدة شقرا قرب وادي السلوقي، وتحديداً إلى منطقة قلعة دوبيه. وفي القطاع الغربي، توسعت السيطرة إلى بلدة مجدل زون وبلدة المنصوري، وهما بلدتان تعرضتا لتفجيرات ضخمة، وتم الدخول إليهما بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

تدمير 85 ألف وحدة سكنية بالجنوب

يُضاف ذلك، إلى تدمير واسع نفذته القوات الإسرائيلية في 46 بلدة وقرية من أصل 54 داخل الخط الأصفر، بحسب تحليل سابق لموقع «بيلينغكات»، فيما كشفت صور أقمار اصطناعية ومقاطع مصورة عن أن عمليات الهدم والتجريف الإسرائيلية في جنوب لبنان لم تتوقف مع انحسار المعارك، بل امتدت إلى أحياء وطرق ومنشآت مدنية وأراض زراعية، بما يعرقل عودة عشرات الآلاف من السكان، وفقاً لتحقيق بصري أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» بالتعاون مع منظمة «لايتهاوس ريبورتس».

قلعة دوبيه كما تظهر من بلدة شقرا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ووثق «المجلس الوطني للبحوث العلمية» في لبنان، تضرر أو تدمير نحو 85 ألف وحدة سكنية في الجنوب، ويرجح المجلس أن تكون الحصيلة الفعلية أكبر؛ لأن ما بين 20 و30 في المائة من المباني لم تخضع للتقييم بسبب استمرار العمليات وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.

انتهاكات متواصلة

في المستجدات، أغار الطيران الإسرائيلي، الأربعاء، على منزل في حي الدير بالنبطية الفوقا ودمّره بالكامل، ونفذت القوات الإسرائيلية عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بلدة حداثا التي نفذت إسرائيل تفجيراً فيها، كما استهدفت دبابة ميركافا بلدة الخيام بأربع قذائف.

الدخان يتصاعد في بلدة عيترون نتجية تفجيرات إسرائيلية (أ.ف.ب)

وأفادت وسائل إعلام محلية بتوغل للقوات الإسرائيلية في الأطراف الغربية لمدينة ميس الجبل، منطقة دوبيه، ترافق ذلك مع قصف مدفعي استهدف أحد المنازل.

وشن الطيران الإسرائيلي بُعيد منتصف الليل سلسلة من الغارات على جنوب لبنان، حيث أفيد عن غارتين على الدبشة النبطية أحدثتا انفجارات قوية، كما شن غارات استهدفت دوحة كفررمان وبرعشيت والقنطرة و«علي الطاهر» وأطراف دير سريان.


مصير «علي الطاهر» رهن المبارزة الأميركية - الإسرائيلية

 عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)
TT

مصير «علي الطاهر» رهن المبارزة الأميركية - الإسرائيلية

 عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون في منطقة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بالجنوب (د.ب.أ)

كشفت مصادر أمنية ونيابية مواكبة للحرب المشتعلة بين «حزب الله» وإسرائيل أن واشنطن لا تشجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الحزب، ما يفسر عدم حصوله حتى الساعة على ضوء أخضر أميركي للسيطرة على تلال «علي الطاهر»، وإن كانت واشنطن حسب قول المصادر لـ«الشرق الأوسط» تبرر له توسعة خروقه واعتداءاته التي تشمل البلدات المجاورة للموقع، وكان آخرها استطلاع الجيش الإسرائيلي بالنار لعدد من المداخل والمنافذ المؤدية لـ«التلال» ونجم عنها دخوله باشتباك مع عناصر الحزب.

إصابة جنود إسرائيليين

لفتت المصادر النيابية والأمنية إلى أن الاشتباك أدى إلى إصابة ضابط وثلاثة جنود إسرائيليين جروح بعضهم بليغة، ما اضطره لتوسيع غاراته واستهدافه تباعاً لمسؤولَيْن اثنين في وحدة الرضوان التابعة لـ«حزب الله»، فيما أحجم الأخير عن تبنّيه للعملية التي ألحقت إصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي، ولم يذكر أي معلومات تتعلق بالقوة التي تصدّت لإصراره على أن يستكشف بالنار بعض مداخل ومنافذ التلال.

وأكدت المصادر أن نتنياهو اتهم، برد فعل أولي، «حزب الله» بخرق وقف النار لتبرير توسعته للغارات التي شنها جيشه على «التلال» والبلدات المحيطة بها امتداداً إلى بلدتي أنصار ودير الزهراني. وقالت إنه لن يتردد في شن هجوم واسع على «التلال» لو أنه يحظى بضوء أخضر أميركي، كما أن الحزب لم يتجاوب مع النصائح التي أُسديت له بإخلاء «التلال» لمصلحة الجيش اللبناني بذريعة أنها تشكل بالنسبة له خطاً أحمر لن يفرّط به.

مرتفعات علي الطاهر ويبدو أسفلها التدمير الواسع في بلدة كفر تبنيت (الشرق الأوسط)

وحسبما أبلغ الحزب الوسطاء الذين تواصلوا معه، فإنه يخشى، إذا ما أخلى «التلال»، أن يضطر الجيش اللبناني لأن يعيد النظر بتموضعه فيها بما يسمح للجيش الإسرائيلي وضع يده عليها أسوة بما حصل عندما قررت قيادته إعادة انتشار وحداتها في جنوب نهر الليطاني ولاحقاً في قلعة الشقيف والبلدات المحيطة، وهو في المقابل يفضل، حسب المصادر، عدم الإفصاح عن الأثمان السياسية التي يريدها في مقابل إخلائه للتلال مكتفياً باشتراطه انسحاب إسرائيل من الجنوب.

إخلاء المقاتلين من «علي الطاهر»

وقالت المصادر إن «حزب الله» تمكن أخيراً، بعد محاولات عدة، من إيصال مواد غذائية إلى مقاتليه الموجودين بداخل المنشأة العسكرية التي أقامها تحت التلال، وذلك بعد أن أحبط الجيش الإسرائيلي أكثر من محاولة بإسقاطه المسيّرات وهي في طريقها لإيصالها إليهم، بما فيها احتياجاتهم الضرورية. إضافة إلى ذلك، يقول مصدر نيابي بارز مقرّب من «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط»، إن الحزب تمكّن من «إجراء تبديل لقواته المتمركزة بداخلها، وبعضهم وصل بأمان إلى خارج المنطقة عبر مسارب وتشعبات قادته للخروج منها بعيداً عن مرأى الجيش الإسرائيلي وناره».

ارتباط «علي الطاهر» بإيران

إلى ذلك، رأت المصادر أن قراءة مستقبل الوضع في المنشأة العسكرية مرتبطة إلى حد كبير بمصير المبارزة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، سواء كان سلماً أم حرباً في ضوء ارتفاع منسوب تبادل الحملات بينهما التي بلغت ذروتها بانتهاء مهلة الـ60 يوماً لتطبيق «مذكرة التفاهم».

مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ)

وأضافت المصادر أن واشنطن ليست في وارد تمديد المهلة لـ60 يوماً إضافية، على الأقل في المدى المنظور، ما لم تؤد مداخلات الوسطاء لإقناعها بالموافقة على إمهال القيادة الإيرانية فترة زمنية مديدة تسمح ببدء تطبيق ما نصت عليه «مذكرة التفاهم».

وأكدت أن مجرد تمديد المهلة يعني أن واشنطن لا تحبّذ انزلاق نتنياهو لمواجهة عسكرية مفتوحة مع «حزب الله»، ولن تعطيه الضوء الأخضر لشن هجوم واسع ما يضطره للاكتفاء بحصر المواجهة تحت سقف استنزاف قدرات الحزب العسكرية بتوفير الحماية لمنشآته. أما عدم تمديدها فقد يترتب عليه تجدد الحرب الأميركية - الإيرانية التي يمكن أن توفر ذريعة للسيطرة على «التلال»، فيما القيادة الإيرانية تلوّح بالرد على إسرائيل وهي أبلغت قيادة «حزب الله» بأنها لن تقف مكتوفة اليدين وتتركه وحيداً في المواجهة، وهذا ما تتباهى به قيادته بالسر والعلن.

ترمب يضبط الوضع بالجنوب

أضافت المصادر أن لجوء نتنياهو لاستغلال تجدد المواجهة بشن حملة عسكرية للسيطرة على «التلال» سيؤدي حتماً إلى توسيعها بدخول إيران لتخفيف الضغط على مقاتلي الحزب، مع أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفضّل حالياً الاكتفاء بالضغط السياسي والحصار الاقتصادي.

مناصرون لـ«حزب الله» يبكون قرب نعوش عائلة من الحزب قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً ببلدة أنصار جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وإلى أن يتبين ما سيؤول إليه مصير التلال وسط التجاذبات بين نتنياهو وترمب، فإن الأخير يدعم الجهود الرامية لضبط الوضع ما أمكن في الجنوب ومنع إسرائيل من توسعته مع وقوف لبنان على مشارف التحضير للجولة الثامنة من المفاوضات التي ما زالت قائمة في سبتمبر (أيلول) المقبل دون تحديد موعد انعقادها.

استمرار المفاوضات

وفي هذا السياق، تصر الإدارة الأميركية على ديمومة المفاوضات، وهي تلتقي مع رغبة رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي لا يرى مصلحة للبنان في تخلفه عن المشاركة فيها بغياب البديل أولاً، وبافتقاده ثانياً للمرجعية الدولية التي تتمثل بترمب لضبط أداء نتنياهو وإبقائه ما أمكن تحت السيطرة، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي هو الأقدر للضغط عليه لتسهيل تطبيق «اتفاق الإطار» الذي رعى شخصياً الإعلان عنه.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الشعور السائد حالياً لدى غالبية اللبنانيين والقوى السياسية الداعمة لـ«اتفاق الإطار» يغلب عليه تقديرهم بأن نتنياهو يميل لتأجيل البحث في توسيع «المناطق التجريبية» إلى ما بعد الانتخابات، إضافة إلى أنه يتردد في حسم موقفه من تشكيل آلية التحقق من انتشار الجيش في «التجريبية الأولى» التي شملت بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا، والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه، برغم أن رئيس مجموعة التنسيق العسكرية الخاصة بلبنان الجنرال جوزيف كليرفيلد لا يزال يواصل اتصالاته بين بيروت وتل أبيب، وهو التقى للمرة الثانية قائد الجيش العماد رودولف هيكل في محاولة للتوافق على الآلية، ولا يزال حتى الساعة يقيم في سفارة بلاده في عوكر.

ضابط إيطالي يرأس آلية التحقق

وحسب المعلومات، فإن تشكيل الآلية سيتصدر زيارة عون لروما والفاتيكان في الساعات المقبلة في محاولة لإقناع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ورئيسة الحكومة جورجيا ميلوني بأن تُسند رئاسة آلية التحقق لضابط إيطالي على أساس أنه يحظى بموافقة الدول الثلاث، المعنية بتطبيق «اتفاق الإطار»، فيما لا يزال اسم أذربيجان مطروحاً.

لذلك يواصل كليرفيلد اتصالاته المكوكية لعله ينجح في تأمين ولادة طبيعية لآلية التحقق قبل انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات.


مصعب أبو ركبة الذي لم ينقذه رفع علم التحرير من تهم جرائم حرب في سوريا

مصعب أبو ركبة لدى وصوله إلى نوى بمحافظة درعا رافعاً العلم السوري الذي لم ينجه من الاعتقال
مصعب أبو ركبة لدى وصوله إلى نوى بمحافظة درعا رافعاً العلم السوري الذي لم ينجه من الاعتقال
TT

مصعب أبو ركبة الذي لم ينقذه رفع علم التحرير من تهم جرائم حرب في سوريا

مصعب أبو ركبة لدى وصوله إلى نوى بمحافظة درعا رافعاً العلم السوري الذي لم ينجه من الاعتقال
مصعب أبو ركبة لدى وصوله إلى نوى بمحافظة درعا رافعاً العلم السوري الذي لم ينجه من الاعتقال

بعد أسابيع من صدور حكم قضائي بحقه في النمسا، وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام الذي خدم في أجهزته. ظهر مصعب أبو ركبة رافعاً العلم السوري فوق سيارة في مدينة نوى بمحافظة درعا، وهو علم لم يكن مألوفاً خلف مكتبه خلال خدمته في أجهزة النظام المخلوع كما قال موقع «تأكد».

إلا أن المحكوم بجرائم ضد الإنسانية في بلد اللجوء توهم أنه بوصوله إلى الأراضي السورية ورفع علم أسقط سلطان النظام السابق، سينجو بنفسه، وسيستقبله العامة والسلطات معاً بالمغفرة، مواقع التواصل كشفت وصوله، وحثت الجهات الأمنية على عدم تركه حراً طليقاً بجرائمه المشينة بحق المدنيين.

إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت المقدم السابق في الشرطة مصعب أبو ركبة في بلدته نوى بريف محافظة درعا يوم الجمعة الماضي، بعد أن عاد إليها من النمسا في اليوم السابق، هارباً من عقوبة بالسجن بحقه بتهمة إساءة معاملة معتقلين إبان نظام حكم بشار الأسد المخلوع.

اليوم كشفت قيادة الأمن الداخلي في سوريا أن التحقيقات مع المقدم السابق في فرعي الأمن الجنائي والسياسي في محافظة الرقة إبان النظام البائد مصعب أحمد أبو ركبة أثبتت ضلوعه في ممارسة التعذيب الممنهج بحق المعتقلين.

وذكرت أن «مصعب أحمد أبو ركبة أُدين بهذه الجرائم في النمسا، وصدر بحقه مؤخراً حكم قضائي بالسجن لمدة ثماني سنوات، إلا أنه فرّ قبل تنفيذ العقوبة، وتسلل بطريقة غير شرعية إلى الأراضي السورية، ليتم رصده وتوقيفه في مدينة نوى في محافظة درعا في أغسطس (آب) الجاري بالتعاون مع إدارة مكافحة الإرهاب. وقد جرت إحالة الموقوف إلى الجهات المختصة ‌لاستكمال الإجراءات القانونية، تمهيداً لتقديمه إلى القضاء المختص».

الرئيس السابق لفرع إدارة المخابرات العامة في الرقة خالد الحلبي يخبئ وجهه من عدسات الصحافيين في محكمة فيينا يوليو الماضي (رويترز)

وحكمت محكمة فيينا الجنائية، يوليو (تموز) الماضي، على كل من المتهم الرئيس وهو الرئيس السابق لفرع إدارة المخابرات العامة في الرقة خالد الحلبي، والمقدم السابق في جهاز الشرطة مصعب أبو ركبة، بالسجن 8 سنوات «لارتكابهما جرائم تعذيب، وإيذاء جسدي جسيم، وإكراه مشدد، وإكراه جنسي» بحق 12 ضحية، وإلزامهما بدفع تعويضات مالية لعدد من الضحايا. ولم يتضح بعد ما إذا كانت النمسا طلبت اعتقاله أو تسليمه. وقال متحدث باسم المحكمة النمساوية التي أدانت أبو ركبة لـ«رويترز» في ذلك الوقت إن السلطات لم تعتبر أن المتهم سيفر قبل استكمال محاكمته، لأنه يعيش في النمسا منذ العام 2014، ويسعى للحصول على اللجوء إليها مع أسرته.

وأضاف المتحدث أن المتهم لم يكن محتجزاً في أثناء المحاكمة، ولم يخضع لأي قيود أخرى، ولا تخالف ​مغادرته النمسا قوانين ​البلاد، أو أوامر المحكمة في ظل استمرار إجراءات الاستئناف على الحكم الصادر بحقه.

يذكر أنه في يوليو الماضي انطلقت الجلسة الأخيرة من محاكمة العميد السابق في أجهزة مخابرات النظام البائد خالد الحلبي، والمقدم السابق مصعب أبو ركبة في العاصمة النمساوية فيينا بتهم تعذيب وانتهاكات جسيمة بحق معتقلين مدنيين في محافظة الرقة بين عامي 2011 و2013.

في شأن أمني آخر، ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على اللواء في نظام الأسد البائد سهيل نديم عباس، أمس الثلاثاء، بعد ثبوت مشاركته في عدد من العمليات العسكرية، والانتهاكات بحق السوريين في عدة محافظات.

وأظهرت التحقيقات مشاركته في معارك تلول الصفا بالسويداء عام 2018 بصفته قائد مجموعة اقتحام، وفي العمليات العسكرية في درعا، وحمص، وإدلب، إضافة إلى إصدار أوامر بإطلاق النار، واستخدام المدفعية والراجمات خلال عدد من تلك العمليات. وقد أُحيل المقبوض عليه إلى القضاء المختص لاستكمال الإجراءات القانونية بحقه.

خالد خلف العلي

وكانت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب في محافظة دير الزور قد ألقت القبض على خالد خلف العلي، أحد فلول النظام البائد المتورطين في قمع المظاهرات السلمية.

وشغل الموقوف رتبة مساعد أول في فرع أمن الدولة بدير الزور، وتولى مهام استخباراتية، منها إدارة مكتب رئيس الفرع، ورئاسة قسم الأديان المسؤولة عن مراقبة المساجد، والخطباء، ورفع التقارير الأمنية بحقهم.

وأثبتت التحقيقات مشاركته الميدانية المباشرة في قمع المتظاهرين المدنيين، والقتال إلى جانب قوات النظام البائد في معارك عدة على جبهات مطار دير الزور العسكري، والبغيلية، وحويجة صكر.