توقعات العلاقة الروسية ـ الصينية في عالم «ما بعد الحرب الأوكرانية»

سياسة «التوجه شرقاً» أمام اختبار تحويل الشراكة الاستراتيجية إلى تحالف عسكري

الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)
الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)
TT

توقعات العلاقة الروسية ـ الصينية في عالم «ما بعد الحرب الأوكرانية»

الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)
الرئيسان الصيني والروسي في لقاء سابق (أ ب)

حملت العبارات القاسية ضد الولايات المتحدة، التي استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام، وهو يتحدث عن انتهاء «حقبة الهيمنة» وبناء عالم متعدد الاقطاب و«آليات جديدة» لضمان الأمن الدولي، إشارة لافتة إلى مستوى الرهان الروسي على الصين في مواجهة التحديات الكبرى الماثلة حالياً أمام روسيا. فالانتقاد القوي لـ«وقاحة» السياسة الأميركية التي تجلّت في زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى تايوان، لم يحمل فقط رسالة إلى واشنطن، بل كان موجهاً أيضاً إلى الصين «الحليف اللدود» لروسيا الذي يواجه اليوم بدوره التحديات التي طرحتها تلك الزيارة.
انتهاء عهد الهيمنة الأميركية، وبناء عالم متعدد الأقطاب، مع مبدأ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، شكّلت جميعها على مدى سنوات المنطلقات المشتركة للشراكة الروسية الصينية على الساحة الدولية. وهذا منحى بدا أنه يتجه نحو التعزيز أكثر، على خلفية استراتيجية «التوجه شرقاً» التي انتهجتها موسكو ردّاً على القيود الغربية غير المسبوقة، ومحاولات عزلها وحصارها. بيد أن العلاقة مع «الشريك الصيني» تنطوي على تحديات كثيرة؛ خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، وهو ما أظهرته تطورات الوضع خلال الأشهر الأخيرة.
اقرأ محادثات بين بوتين وشي غداً بشأن القضايا «الأكثر إلحاحاً»

- صراع أوكرانيا

منذ أعلنت روسيا والصين نفسيهما شريكين استراتيجيين عام 1996، أصبح الصراع الروسي الأوكراني هو التحدي الدولي الأكثر حدة في تاريخ العلاقات الثنائية، وكذلك الاختبار السياسي الأكثر صعوبة الذي واجهته الصين. على خلفية هذا الصراع، تعرّضت الصين لضغوط سياسية غير مسبوقة من الولايات المتحدة. وعنه يقول خبراء روس إن هذا الضغط يختلف كلياً عن سياسة «دق إسفين» بين بكين وموسكو، التي اتبعتها واشنطن قبل الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي حين أن سياسة «دق الإسفين» كانت تهدف فقط إلى تحييد روسيا عن المواجهة الأميركية مع امتداد النفوذ الصيني، فإن بكين أصبحت الآن تتعرض لضغط وتهديد مباشرين، بهدف إجبارها على الذهاب إلى الجانب المعادي لروسيا والانضمام إلى عقوبات واشنطن والاتحاد الأوروبي.

- تحديات أمام بكين

من ناحية ثانية، رغم اتفاق موسكو وبكين في التوجهات الأساسية للسياسة الدولية، وجدت بكين نفسها أمام خيارات صعبة عند اندلاع الحرب في أوكرانيا. وهناك إشارات عدة إلى أنها كانت تعوّل على تحقيق موسكو انتصاراً سريعاً يقلّص تبعات هذه الحرب، ويريح بكين من تبني مواقف حاسمة، وبالأخص في مجالات العلاقات مع أميركا على الصعد الاقتصادية. وفضلاً عن نشوء وضع مماثل في العلاقات الصينية الأوروبية، واجهت بكين أيضاً تحدياً في علاقتها مع أوكرانيا، التي تلعب دوراً مهماً في بناء «مبادرة الحزام والطريق الصينية»، وهي جزء من ممر النقل الأوراسي.
مع هذا، سادت توقعات في بداية الحرب أن الموقف الحذر الذي التزمته بكين لن يطول أمده، بل سيتحول تدريجياً لصالح موسكو. ولا شك أن العقوبات الاقتصادية الواسعة النطاق التي فرضتها واشنطن وبروكسل على موسكو فتحت على مزيد من الفرص لتطوير التعاون الاقتصادي بين الصين وروسيا.
ثم إن سياسة موسكو «التوجه شرقاً» وفّرت أيضاً فرصاً مهمة لبكين، برزت من خلال الزيادة غير المسبوقة في الاعتماد على صادرات النفط الروسي. ولكن في المقابل، فرض الوضع الجديد قيوداً ومخاطر جدية لبكين.

- المصالح واستقرار العلاقات

هنا يرى خبراء روس أن العلاقات الروسية الصينية ظلت مستقرة، رغم الوضع المتغير بسرعة في العالم، لأسباب عدة، أبرزها أنها تقوم على مصالح مشتركة واسعة وعميقة. وبهذا المعنى، يمكن للنموذج المختار للعلاقات بين الجانبين أن يلعب دوراً مهماً، ويبدو أنه الأمثل، كونه نموذج «شراكة استراتيجية»، وليس نموذج «تحالف». وهو يساهم في الحفاظ على استقرار العلاقات الصينية الروسية ومساحة كاملة للتعاون من دون أن يلزم أي جانب بإدخال تعديلات كبرى على سياساته.
وفي الوقت ذاته، يدرك الجانبان أن خطر فقدان الأسواق في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو دول أخرى، نتيجة التدابير التقييدية ضد روسيا، عامل خطر برز من خلال تحذير رجال الأعمال الصينيين بشأن ضرورة ضبط العلاقات مع روسيا في إطار محدد. وحقاً، بعد مرور شهر واحد على اندلاع الحرب الأوكرانية، قال السفير الصيني لدى روسيا، تشانغ هانوي، خلال اجتماع مع رجال الأعمال الصينيين الذين يعيشون في موسكو، إن على الشركات الصينية في روسيا أن «تنتهز الفرصة وتسد الثغرات الناشئة في السوق الروسية».
يبدو التعويل الروسي على هذا الأمر كبيراً. ولا يخفي قطاع الأعمال الروسي الحاجة الماسة إلى توسيع الحضور الصيني في مجالات مثل الصناعات العالية التقنية (كالسيارات والأجهزة المنزلية... إلخ)، والمشروعات في قطاع التجزئة والخدمات (بشكل أساسي في مجال الفنادق). كما تتطلب مشروعات التعدين المتطورة بعد انسحاب الشركات الغربية من روسيا استثمارات وتكنولوجيا كبيرة.
ولكن رغم اللهجة المتفائلة للأوساط الدبلوماسية، يرى قطاع الأعمال الروسي أنه يجب ألا تكون هناك توقعات مبالغ فيها من جذب الشركات الصينية الكبرى، وتلك المتخصصة بالتقنية العالية. إذ تستغرق عملية الموافقة على أي مشروع من هذا القبيل - لو في حالة مستقرة ويمكن التنبؤ بها - عدة أشهر، إن لم يكن عدة سنوات.
وعموماً، تميل الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة الحجم إلى اتخاذ موقف الانتظار والترقب والمراقبة، ليس فقط بسبب تقلبات سعر صرف الروبل، بل أيضاً بانتظار جاهزية روسيا لاستيعاب المستثمرين الأجانب.

- شروط قديمة جديدة

الحساب الأساسي للصينيين منذ 8 سنوات – مع موجة العقوبات الأولى التي أعقبت ضم القرم في العام 2014 - هو أن روسيا يجب أن تمنح الصين «شروطاً خاصة ومميزة». وهذا يعني وفقاً لخبراء اقتصاديين في روسيا الحصول على ضمانات حكومية للمعاملات الاستثمارية، والقبول بدخول الصين إلى الصناعات الاستراتيجية (الموانئ والتعدين)، وتبسيط إجراءات تسجيل القوى العاملة من الصين، والاستيراد المعفى من الرسوم للمعدات والآلات لتنفيذ المشروعات الاستثمارية، وأخيراً عدد من المزايا غير المعلنة للمستثمرين من البلدان الأخرى.
طيلة 8 سنوات لم يحصل الصينيون على هذه التنازلات. بل برز الاستياء بسبب ذلك في بعض الحالات بشكل مباشر، من خلال الإشارات في محادثات خاصة إلى أن «روسيا حصلت من الصين بعد تدهور العلاقات مع الغرب أكثر مما تلقته الصين من روسيا».
وحقاً، لا يتوقع خبراء أن يتغير الوضع بشكل جذري خلال المرحلة المقبلة، على الرغم من حاجة موسكو الماسة إلى توسيع الحضور الاقتصادي والاستثماري الصيني في روسيا. وفي طليعة الأسباب...
1 - أن هذا لا يلبي مصالح روسيا التي لا تريد التحول من تبعية صناعية وتكنولوجية للغرب إلى تبعية للصين في هذا المجال. ثم إنها تسعى وفقاً لتعهدات عدة أطلقها الرئيس فلاديمير بوتين بحماية الصناعات الاستراتيجية من الوقوع تحت سيطرة رأس المال الأجنبي، والتركيز على أولوية استخدام المتخصصين المحليين وتوطين الإنتاج. وهذه هي «الركائز» التي تُبنى عليها سياسة الاستثمار الحالية في موسكو.
2 - أنه سيظل لدى رأس المال الصيني خيار الاستثمار في البلدان التي توجد فيها «دولة» أضعف بكثير وتعجز عن إملاء قواعدها على الشركاء الأجانب على الرغم من انخفاض مستوى القوة الشرائية للسكان. وراهناً يعمل الصينيون في مثل هذه البلدان بشكل مريح أكثر من روسيا.
3 – وهو لا يقل أهمية عن سابقيه، يكمن في المخاوف الروسية على المدى البعيد من زيادة تغلغل القوى البشرية الصينية في مناطق الشرق الروسي. وهذا خطر داهم نظراً للأزمة الديمغرافية الخانقة التي تعاني منها روسيا في هذه المناطق (أي شرق سيبيريا).
بصفة عامة، يتوقع الخبراء على المدى القصير أنه سيكون هناك مزيد من السلع الصينية في متاجر روسيا، ستحل محل المنتجات الغربية. وعلى المدى الاستراتيجي الأوسع سيكون من الممكن تنفيذ مشروعين أو 3 مشروعات رئيسية من نوع خطوط إمدادات «يامال». ومع ذلك، لن تشهد روسيا جذباً جماعياً للمستثمرين الصينيين. ولن يكون هناك تأثير لذلك بأي حال من الأحوال على قوة الشراكة الاستراتيجية الروسية الصينية.

- شراكة أم تحالف

على مدى السنوات العشر الماضية، اتخذ النقاش حول إنشاء تحالف عسكري شامل بين موسكو وبكين أبعاداً واسعة. ولقد نص الإعلان المشترك الذي أعقب زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لروسيا في يونيو (حزيران) 2019 على ما يلي: «تم تطوير المبادئ الأساسية التي توجّه الأطراف في العلاقات الثنائية (...) الامتناع عن إقامة تحالفات أو محاور أو توجيه السياسات ضد أطراف ثالثة». وهكذا سُمي رفض التحالف بـ«المبدأ الأساسي» للعلاقات الثنائية، في وضع كانت فيه روسيا والصين فعلياً في حالة حرب اقتصادية ومواجهة عسكرية سياسية مع الولايات المتحدة.
في السياق ذاته، قال الرئيس بوتين في اجتماع «نادي فالداي» في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، رداً على سؤال حول إمكانية إنشاء تحالف عسكري بين روسيا والصين: «لقد انطلقنا دائماً من حقيقة أن علاقاتنا وصلت هذه الدرجة من التفاعل والثقة، ومن الناحية النظرية من الممكن تماماً تخيل مثل هذا الشيء».
وبدورها، اعتبرت وزارة الخارجية الصينية العلاقات الروسية الصينية «أعلى من علاقات التحالف». وعلى خلفية الأزمة الأوكرانية، أكدت وزارة الخارجية الصينية أن التعاون مع موسكو «ليست له حدود».
ثم إن «معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون» الروسية الصينية لعام 2001 (التي مُددت في عام 2021) تضمنت معياراً سمح بالتحوّل السريع للعلاقات إلى «تحالف عسكري» بحكم الأمر الواقع. إذ تنص المادة 9 من الوثيقة على ما يلي: «في حالة نشوء وضع يرى أحد الأطراف المتعاقدة أنه قد يشكل تهديداً للسلام أو يعطل السلام أو يؤثر على مصالح أمنه، وكذلك في حالة وجود تهديد بالعدوان على أحد الأطراف المتعاقدة، يتصل الطرفان المتعاقدان على الفور أحدهما بالآخر ويتشاوران بهدف القضاء على التهديد الذي نشأ».
وبالفعل، أنجز كثير من الأعمال التحضيرية على صعيد التقارب العسكري. وتجري روسيا والصين سنوياً، منذ زمن، تمارين عسكرية كبرى، وعددها وتعقيدها يتزايدان باطراد. ويستمر التعاون العسكري التقني النشط بين الجانبين، وسط خلفية الأزمة الأوكرانية، في مجال تدريب العسكريين.

- عن عناصر التباعد

في مقابل كل ذلك، يشير خبراء إلى أن مستوى قابلية التشغيل البيني والمعايير الفنية التي تحققت داخل «ناتو» مثلاً، غير وارد بين روسيا والصين. إذ يستخدم الجانبان عناصر مختلفة في كثير من أنواع الأسلحة وأنظمة الاتصالات والتحكم، كما تختلف مقارباتهما لتكتيكات الحرب اختلافاً كبيراً.
ثم هناك عنصر آخر يعرقل إمكانية بناء حلف عسكري، وهو ينطلق من خطاب السياسة الخارجية الراسخ للبلدين وخصائص سياستهما الداخلية. إذ أمضت كل من موسكو وبكين عقوداً بعد «الحرب الباردة» في انتقاد التحالفات العسكرية والسياسية من حيث المبدأ باعتبارها «من بقايا ماضٍ مظلم وعامل مزعزع للاستقرار على الساحة الدولية». وكانت موسكو تفعل ذلك في سياق محاربة توسع «ناتو»، بينما تحاول بكين إحياء منظومة التحالفات الأميركية في المحيط الهادي وتعزيزها. ولهذا يبدو تشكيل تحالف روسي صيني صعباً للغاية من دون التخلي العلني عن عدد من المبادئ التوجيهية الأساسية للسياسة الخارجية للبلدين والتغيير الكامل في خطاب سياستهما الخارجية.
أخيراً، رغم كل ما سبق، يرى خبراء أن المستقبل قد يحمل مفاجآت، خاصة مع تدهور العلاقات الأميركية الصينية والتأزم العسكري والسياسي المحتمل في تايوان. إذ قد تبدأ الأمور في الانزلاق نحو الهاوية بسرعة... وخلال السنوات القليلة المقبلة قد ينشأ وضع يختفي فيه خطاب السياسة الخارجية القديم من تلقاء نفسه.

مرفأ شنغهاي (رويترز)

- نظرة إلى تاريخ تطور العلاقات التجارية الاقتصادية

> بعد وفاة الزعيم السوفياتي الأسبق جوزيف ستالين تدهورت العلاقات بين الاتحاد السوفياتي والصين. وأدى «الانقسام السوفياتي الصيني» إلى نزاع حدودي في جزيرة دامانسكي، أسفر عن جمود العلاقات في الفترة بين الستينات والثمانينات من القرن الماضي. ثم انطلقت جولة جديدة من العلاقات التجارية في أواخر الثمانينات، ولم تلبث العلاقات التجارية أن تعززت مع انهيار الاتحاد السوفياتي.
في ذلك الوقت، بدأ استيراد السلع الاستهلاكية المختلفة بنشاط إلى الشرق الأقصى وسيبيريا، لكنها توغلت تدريجياً في أجزاء أخرى من البلاد. ويقول عالم الصينيات يوري إلياخين أن «الصين ألبست روسيا الثياب والأحذية».
أيضاً، حينئذٍ - كما يتذكر العالم - كانت الشركات الخاصة تعمل بنشاط، وتزايد عدد الطائرات المحمّلة بكثافة بالإلكترونيات الاستهلاكية والملابس والأحذية ولعب الأطفال، في حين لم يكن بين السلع المقدمة لروسيا أي سلع ذات تقنية عالية تقريباً.
ويزيد خبير آخر، هو ألكسندر جابيف، إنه في أواخر التسعينات، اشترت الصين نحو 50 في المائة من الأسلحة التي أنتجها الاتحاد الروسي، وساعد في ذلك أن الصين كانت تحت العقوبات بعد «أحداث ميدان تيانانمين» عام 1989. ولم تكن لديها إمكانية الوصول إلى مصادر أسلحة متقدمة أخرى. ووفقاً ليوري إلياخين، في النصف الأول من التسعينات، دفعت الصين ثمن الأسلحة عبر تقديم السلع الاستهلاكية بنظام المقايضة من خلال شركات مرخصة كانت غالباً ما كانت مملوكة للجيش الروسي. بعدها تحولت بكين تدريجياً إلى الدفع بالعملة الأجنبية. وكانت هناك أيضاً تجارة في الموارد الطبيعية، وكان النفط ينقل بكميات صغيرة نسبياً عن طريق سكك الحديد لانعدام بنية تحتية مماثلة لخطوط الأنابيب الأوروبية. وفي عام 1998، بلغ حجم التجارة بين الجانبين 5.4 مليار دولار، لكن كانت الصادرات من روسيا ضعف الواردات من الصين.
اقرأ «العم شي»... على خطى ماو ودين
في عام 2001، وقّعت روسيا والصين اتفاقية حول «حسن الجوار والصداقة والتعاون». ونصت موادها الـ25 على العمل المشترك للبلدان في عدد من المجالات؛ التجارة، والاقتصاد، والمجال العسكري - التقني، والطاقة، ومكافحة الإرهاب. وأرسى هذا الاتفاق الأساس للنمو السريع للعلاقات، كما جذبت السياسة الاقتصاد معها، إذ ازداد حجم التجارة بشكل حاد. وتطور التعاون في مجال الطاقة بسرعة، بما في ذلك في الصناعة النووية. كذلك ارتفع حجم التبادل التجاري من بضع عشرات من المليارات من الدولارات بسرعة إلى ما قيمته 100 مليار دولار، وجرى توقيع اتفاقيات حول التعاون في قطاع النفط وإمدادات الغاز.
ثم عام 2014، ساهمت العقوبات الأوروبية في تحول أكثر نشاطاً لروسيا نحو الشرق. ومُد خط أنابيب غاز سيبيريا الذي يجلب الغاز من حقلين جديدين في شرق سيبيريا، حيث الموارد منهما تذهب فقط إلى السوق الصينية، وأطلقت مشروعات الغاز الطبيعي المسال. وعموماً، في عام 2013 استحوذت الصين على نحو 10.5 في المائة من حجم التجارة الروسية، قبل ارتفاع النسبة بنهاية عام 2021 إلى نحو 18 في المائة.
أيضاً، بلغ حجم التجارة الثنائية في نهاية عام 2021 إلى مستوى قياسي هو 140 مليار دولار، وبهذا احتلت الصين مكان الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك اقتصادي تجاري لروسيا.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.