جدل حول مدى استعداد الجزائر للتعاطي بـ«ليونة» مع «جراح الذاكرة»

مؤرخ فرنسي تحدث عن «عرض» قدمه تبون حول القضية

أطفال في مسيرة بالعاصمة الجزائرية يوم 5 يوليو 1962 احتفالاً بالاستقلال عن فرنسا (أ.ب)
أطفال في مسيرة بالعاصمة الجزائرية يوم 5 يوليو 1962 احتفالاً بالاستقلال عن فرنسا (أ.ب)
TT

جدل حول مدى استعداد الجزائر للتعاطي بـ«ليونة» مع «جراح الذاكرة»

أطفال في مسيرة بالعاصمة الجزائرية يوم 5 يوليو 1962 احتفالاً بالاستقلال عن فرنسا (أ.ب)
أطفال في مسيرة بالعاصمة الجزائرية يوم 5 يوليو 1962 احتفالاً بالاستقلال عن فرنسا (أ.ب)

بينما بدأت الترتيبات الخاصة بالزيارة المرتقبة قبل نهاية هذا العام من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر، طُرحت تساؤلات حول مدى استعداد الجزائريين لإظهار «ليونة» في التعاطي مع «قضية الذاكرة وآلام الاستعمار»، بعد صدور تصريحات في هذا الاتجاه من المؤرخ الفرنسي الشهير بنجامان ستورا الذي يعمل على هذا الملف بتكليف من «قصر الإليزيه».
هل يمكن للجزائر أن تقيم علاقة كاملة مع فرنسا من دون شرط الاعتذار من جرائم الاستعمار؟ يثير هذا السؤال انشغال قطاع من الجزائريين والفرنسيين المهتمين بـ«مسألة الذاكرة»، على أثر ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن المختص في شؤون التاريخ ستورا الذي تباحث، الاثنين الماضي، مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول القضية. فقد ذكر أن تبون «عرض القيام بعمل على الذاكرة» المشتركة طوال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي استمر 132 سنة (1830 - 1962).
وأكد ستورا، الذي ولد في أسرة يهودية بقسنطينة شرق الجزائر، أن «هذه أول مرة تجري خلالها مناقشة المسائل الجوهرية» المتعلقة بالذاكرة من الجانب الجزائري منذ صدور تقرير للمؤرخ مطلع 2021 يحمل رؤية باريس لمعالجة «قضية الذاكرة المشتركة مع الجزائر». وأضاف ستورا: «أعتقد أن هناك إرادة في إحياء؛ لا أدري إن كانت هذه الكلمة المناسبة، وإنما في مواصلة حوار». وتحدث عن «تغيير في النبرة» بين البلدين، مبرزا أن تبون شرح له «الأهمية الكبرى للعمل على ذاكرة كامل مرحلة الاستعمار»، وليس الاقتصار على حرب الجزائر وحدها (1954 - 1962)، وهو ما يؤيده المؤرخ، حسب تصريحاته.
وأفاد ستورا بأن «حرب احتلال الجزائر كانت طويلة جداً ودموية جداً (...) وترافقت مع تجريد من الأملاك والهوية؛ إذ حين كان الناس يخسرون أراضيهم، كانوا يخسرون أسماءهم، ومع إقامة مستوطنة، بوصول عدد الأوروبيين في نهاية المطاف إلى مليون مقابل تعداد سكاني قدره 9 ملايين نسمة، وكلها صدمات لا تزال تبعاتها ماثلة إلى اليوم في نظرة كل من الشعبين إلى الآخر». وهي برأيه «تفسر صعوبة العلاقات الفرنسية - الجزائرية»، مشيراً إلى أن «الناس لا يعرفون ما الذي جرى. إنها مشكلة الانتقال إلى الأجيال الشابة والعمل المشترك».
ولفت ستورا إلى أنه «تم التركيز بشكل أساسي في الجزائر على (حرب التحرير الوطني). حصل استقطاب شديد سواء في فرنسا وفي الجزائر حول حقبة الحرب حصراً، بل حتى نهاية الحرب، بين 1960 و1962».
وترافق هذا التركيز، حسب تصريحاته، مع مواجهات بين مجموعات ذاكرة مختلفة حول المجازر، وفرار المستوطنين الأوروبيين الذين يطلق عليهم اسم «الأقدام السوداء»، والصراعات على السلطة داخل الحركة القومية الجزائرية. وقال: «انصب اهتمامنا جميعاً على تاريخ 1962، من توقيع (اتفاقات إفيان) في مارس (آذار) إلى استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز)». لكنه عدّ أنه «لا يمكن أن نبقى أسرى تاريخ واحد هو 1962. علينا توسيع حقل أبحاثنا».
والتقى ستورا مع تبون في إطار احتفال الجزائر بستينية استقلالها. ويفهم كلامه عن «تغير في النبرة»، حسب قراءات محللين، بأن الجزائر قد تغير من مقاربتها حيال العلاقة مع فرنسا، بعدم التشدد في مسألة «إعلان الاعتراف بأن الاستعمار كان جريمة ضد الإنسانية»، وبضرورة أن تقدم فرنسا الاعتذار منها. وعندما يزور ماكرون الجزائر قد تتضح الرؤية أكثر حول هذه القضية، التي حالت منذ عشرات السنين دون إقامة شراكة سياسية وعلاقات اقتصادية كاملة بين البلدين.
وكانت الرئاسة الفرنسية استبعدت تقديم الاعتذار أو التعبير عن «التوبة» بخصوص ماضيها الاستعماري في الجزائر، لما أعلنت في 20 يناير (كانون الثاني) 2021 أنها تسلمت تقريراً من ستورا، كان طلبه ماكرون، بهدف إخراج العلاقة بين البلدين من الشلل الذي تسببه قضايا الذاكرة العالقة.


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد. وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تو

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
TT

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

فرضت ملفات عدة و«تحديات مشتركة» نفسها على لقاء مسؤولين عسكريين مصريين، بالفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في ظل ما تشهده المنطقة من مستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار لكلا البلدين.

جانب من زيارة صدام حفتر إلى مصر (القيادة العامة الليبية)

ووصل صدام حفتر إلى القاهرة، السبت، في ثاني زيارة له في غضون شهر، تلبية لدعوة رسمية من القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول عبد المجيد صقر. وأُجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وعزفت الموسيقى العسكرية السلام الوطني لكلا البلدين.

وقال المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، يوم الأحد، إن لقاء صقر مع صدام حفتر تناول «مناقشة علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين، بالإضافة إلى أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار بالمنطقة».

وتأتي زيارة صدام حفتر في ظل انشغال مصر بالوضع المتأزم في السودان، وسعياً إلى الحفاظ على وحدته، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، دون تدخلات خارجية. وكان صدام قد رافق والده المشير خليفة حفتر في زيارته الأخيرة إلى القاهرة في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التقاه فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتناولت بحث الحدود البحرية المشتركة، والوضع في السودان.

وتباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام إلى القاهرة، في أجواء لم تخلُ من الانقسام، إذ ذهب كل فريق لتفسيرها على النحو الذي يرضي جبهته، لكنّ المحلل السياسي أحمد أبو عرقوب، يرى أنها تأتي في إطار «تعزيز الأمن الإقليمي، وبحث ملفات من بينها الأوضاع في السودان».

جانب من القيادات العسكرية الليبية (القيادة العامة الليبية)

وقال أبو عرقوب لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف السودان يحظى باهتمام مشترك بين مصر وليبيا، على أساس أن ما يجري في هذا البلد الشقيق يمس الأمن القومي للبلدين»، لافتاً إلى أن الحرب في السودان تؤثر سلباً على استقرار دول الجوار والمنطقة بشكل عام.

ويتوقع أبو عرقوب أن هذه الزيارة «جاءت للتنسيق بين البلدين للحد من التدخلات السلبية الخارجية في السودان، بما يعطي فرصة لإيجاد تسوية سياسية شاملة لضمان وحدة واستقرار السودان».

كما التقى الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق صدام حفتر، وتناول اللقاء - حسب المتحدث العسكري المصري - عدداً من الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء دعم العلاقات العسكرية الثنائية بين الجانبين.

وأكد رئيس الأركان المصري على «اعتزازه بالعلاقات الراسخة التي تربط القوات المسلحة المصرية والليبية»، وفيما أشار إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز أواصر التعاون في مختلف المجالات العسكرية بين البلدين الشقيقين، أكد على «أهمية تضافر الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات كافة التي من شأنها المساس بأمن واستقرار الدولة الليبية».

وتعمل مصر على دعم ليبيا «بشكل كامل»، كما تجدد تأكيدها على دعم المبادرات والجهود كافة الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، ولا سيما تلك التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن. وشدّد على «ضرورة التصدي لأي تدخلات خارجية والعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا».

وأعرب صدام حفتر عن «تقديره لدور مصر الداعم للشعب الليبي في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيه، وسعي مصر الدائم إلى إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة». ونقل مكتب الإعلام للقيادة العامة في ليبيا أنه جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون المشترك، خصوصاً في مجال التدريب، وتبادل الخبرات بين الجانبين.

وأمام تصاعد التأويلات في ليبيا بشأن الزيارة وما تناولته، عدّ المحلل السياسي هيثم الورفلي، زيارة الفريق صدام حفتر إلى مصر «عادية ومتكررة» بالنظر إلى زيارته الأخيرة الشهر الماضي، التي رافقه فيها أيضاً رئيس الأركان العامة للجيش الفريق خالد حفتر.

وعبّر الورفلي عن اعتقاده بأن مصر «حليف استراتيجي للقيادة العامة الليبية، ودلالة هذه الزيارة هي دحض كل الافتراءات التي تتحدث عن توتر العلاقات بين مصر والقيادة العامة».

صدام يتلقى هدية تذكارية عبارة عن عربة حربية فرعونية من القيادة العامة المصرية (القيادة العامة الليبية)

وسبق أن شدّد السيسي خلال لقائه حفتر الشهر الماضي في القاهرة على «التزام مصر بمواصلة تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة للجيش والمؤسسات الوطنية الليبية؛ في إطار العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين، وسط تأكيد على عمق العلاقات المصرية الليبية وخصوصيتها».

ونقل المتحدث الرئاسي حينها أن الجانبين «توافقا على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للوصول إلى تسوية سلمية تحفظ استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه؛ وتم التأكيد في هذا الصدد على أن استقرار السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لمصر وليبيا».


هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
TT

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

عاد الهدوء الحذر عقب اشتباكات محدودة شهدتها العاصمة الليبية طرابلس مساء السبت، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني؛ في وقت أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الأحد، استئناف «مسار الحوكمة» ضمن «الحوار السياسي المهيكل» باجتماع حضوري في طرابلس.

وجاء التصعيد الميداني المفاجئ ليعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، إثر اشتباكات محدودة في منطقة «القره بوللي» (البوابة الشرقية للعاصمة) بين رفقاء الأمس؛ «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«اللواء 111 مجحفل» بقيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وسط تحشيدات عسكرية كبرى شملت تحرك أرتال من مصراتة وميليشيات الأمن العام داخل طرابلس.

وعزت مصادر محلية سبب الاشتباكات إلى اعتداء من عناصر «اللواء 444» على أفراد من «اللواء 111»، مما أشعل المناوشات وأدى إلى تبادل إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة، في أحدث مواجهة مباشرة بين قطبين أمنيين في الغرب الليبي؛ مما يجعل الصراع «داخلياً» بامتياز داخل أروقة المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة.

ورصدت لقطات مصورة بثتها وسائل إعلام محلية، تحرك أرتال إضافية مثل «الأمن العام» في طرابلس، مما أثار المخاوف من اتساع رقعة الحرب لتهدد استقرار العاصمة والعملية السياسية برمتها.

ورغم أن الشرارة المباشرة غالباً ما تبدأ بخلافات على تمركزات أمنية أو نقاط تفتيش، لكن الأسباب العميقة تعود إلى الصراع الكلاسيكي المعتاد على مناطق النفوذ والسيطرة، حيث يسعى كل طرف لفرض سطوته باعتباره قوة وحيدة مسيطرة على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومصراتة.

ورغم أن هذه الأحداث تضع حكومة «الوحدة» في موقف محرج للغاية، حيث تظهر عجزها عن السيطرة على الفصائل التي تمولها، فإنها التزمت الصمت ولم تعلق هي أو أجهزتها الأمنية والعسكرية الأخرى على هذه التطورات.

لكن محمود حمزة، آمر «اللواء 444 قتال» اعتبر، خلال لقاء مفاجئ الأحد مع أهالي وأعيان وشخصيات بلدية سوق الجمعة، أن مدينة طرابلس وسوق الجمعة ستبقيان «واحة للاستقرار والأمن»، ولن تكونا ساحة للصراعات، مشدداً على أهمية التعاون والتكامل بين مختلف الجهات العسكرية والأمنية.

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمي الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

صورة وزعتها البعثة الأممية لاستئناف مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل»

وأعلنت البعثة الأممية الأحد استئناف «مسار الحوكمة»، أحد المسارات الأربعة للحوار السياسي الليبي المهيكل، بعقد اجتماع حضوري بطرابلس، سيستمر حتى نهاية الأسبوع الجاري.

ويأتي هذا الاجتماع بعد سلسلة من اللقاءات التي عُقدت عبر الإنترنت خلال الأسابيع الماضية، ناقش خلالها المشاركون عدداً من الملفات المتعلقة بتعزيز الحوكمة وإدارة المرحلة السياسية الراهنة.

وبجانب «مسار الحوكمة» الذي ترعاه البعثة الأممية ستجرى مناقشات فيما بعد تتعلق بالمسارات: السياسي والأمني والاقتصادي. وتهدف مجتمعة إلى تحقيق توافق وطني شامل يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الانقسام، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة وإنهاء الفترة الانتقالية، بما يدعم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

في سياق ذي صلة، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت، مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمى الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.


مصر تؤكد «دعمها الثابت» لوحدة السودان وسيادته

منظر لنهر النيل خلف «السد العالي» في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
منظر لنهر النيل خلف «السد العالي» في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

مصر تؤكد «دعمها الثابت» لوحدة السودان وسيادته

منظر لنهر النيل خلف «السد العالي» في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
منظر لنهر النيل خلف «السد العالي» في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

شددت مصر على دعمها الثابت لوحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على سيادته ومؤسساته الوطنية، وذلك خلال لقاء جمع بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوداني محيي الدين سالم، الأحد، على هامش الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء بـ«منظمة التعاون الإسلامي» في جدة.

وتناول اللقاء تطورات الأوضاع في السودان، وسبل تعزيز التعاون الثنائي، والتنسيق إزاء القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

وأكد الوزير المصري «عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين الشقيقين، وحرص الدولة المصرية على دعم السودان في هذه المرحلة الدقيقة»، كما شدد على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية للتوصل إلى هدنة إنسانية وصولاً إلى وقف شامل لإطلاق النار».

ولفت عبد العاطي كذلك إلى «أهمية توفير الملاذات الآمنة وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق»، كما ندد بـ«الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق المدنيين في الفاشر وشمال كردفان».

الآلية الرباعية

الأمين العام لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير علي الحفني، يرى أن «ما يهم مصر هو استقرار السودان بكل مكوناته وفي كل أرجائه، وتماسك مؤسساته الوطنية»، مشدداً على أنها ضد أي مسعى أو تحرك يهدف إلى تقسيم السودان أو انفصال أجزاء منه.

وتحدث الحفني كذلك عن مدى أهمية «الاعتبارات الإنسانية للسودانيين» بالنسبة لمصر، مضيفاً أنها «تتعامل مع مختلف المعطيات بالشكل الذي يعكس حرصها على مصلحة الشعب السوداني».

ومضى قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر لا تتحرك على المستوى الثنائي فقط؛ بل على المستوى الإقليمي والدولي، وفيه تَواصل مستمر مع الأطراف كافة، خصوصاً في إطار الآلية الرباعية»، بهدف أن يستعيد السودان استقراره مرة أخرى، «دون إراقة مزيد من الدماء ودون زيادة محنة الشعب السوداني».

وفي أغسطس (آب) الماضي، طرحت «الرباعية»، التي تضم المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، «خريطة طريق» دعت فيها إلى «هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تليها هدنة دائمة لبدء عملية سياسية وتشكيل حكومة مدنية مستقلة خلال 9 أشهر».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً رئيس مجلس السيادة االسوداني عبد الفتاح البرهان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

وكان ملف الأمن المائي حاضراً خلال لقاء عبد العاطي وسالم في ظل استمرار نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، حيث شدد الوزيران على «وحدة موقف البلدين بوصفهما دولتي مصب لنهر النيل، وعلى الأهمية البالغة للتنسيق المشترك في الدفاع عن الحقوق المائية ومصالح الشعبين المصري والسوداني، مع التأكيد على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي».

«مبدأ وجودي»

وتقول أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية، نهى بكر، إن التأكيدات المصرية - السودانية على رفض الإجراءات الأحادية «تعكس مبدأً وجودياً للبلدين؛ وهو أن أمنهما المائي لا يمكن أن يكون رهناً بالقرار المنفرد لدولة واحدة، حتى لو كانت في المنبع». وتضيف: «النزاع يتجاوز مجرد سد ليصل إلى صراع حول نموذج إدارة الموارد المشتركة، وهل يحكمها التعاون والاتفاقيات الملزمة أم السيادة المطلقة؟».

واستطردت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «يأتي الرفض المشترك لمصر والسودان لعدة أسباب رئيسية؛ أولها يتمثل في المخاوف الأمنية المشتركة؛ فكلتاهما دولة مصب تعتمد بشكل حاسم على نهر النيل، وأي إجراء أحادي يعرضهما لمخاطر غير محسوبة على حصتهما المائية. وثاني هذه الأسباب هو المطالبة باتفاق قانوني ملزم، حيث تطالب مصر والسودان باتفاق ثلاثي شامل وملزم قانونياً حول قواعد الملء والمدة والكميات في سنوات الجفاف والمطر».

لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم في جدة الأحد (وزارة الخارجية المصرية)

وأشارت إلى ضرورة الوضع في الاعتبار كيفية إدارة سد النهضة سنوياً لمراعاة احتياجات المصب، وكيفية فض الخلافات المستقبلية، حيث تطالب مصر والسودان بوجود ضامن دولي أو آلية تحكيم، بالإضافة لتأمين الحقوق المائية التاريخية خصوصاً لمصر، التي تستند إلى اتفاقيات تعود لعامي 1929 و1959، بينما ترفض إثيوبيا هذه الاتفاقيات لعدم مشاركتها فيها.

وأضافت: «مصر والسودان يطالبان بإزالة حالة الغموض، فالعمليات الأحادية تخلق حالة من عدم اليقين، مما يصعّب على البلدين التخطيط طويل المدى لإدارة المياه والزراعة والطاقة».

وتعترض الدولتان على مشروع سد النهضة الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي. وأكدت مصر في وقت سابق، أن «مسار التفاوض مع الجانب الإثيوبي انتهى ووصل إلى طريق مسدود»، وأنها «تمتلك الحق في استخدام الوسائل المتاحة طبقاً للقانون الدولي، للدفاع عن مصالحها المائية».

وبحسب السفير الحفني، فإن مصر «تربطها علاقات قديمة بكل دول حوض نهر النيل، لأن أمن مصر القومي يرتبط بأمن هذه الدول».

وأكد أن القاهرة تسعى لحل المشاكل بالطرق السلمية والتوافق، مشيراً إلى أنها والسودان تفاوضا لمدة تزيد على 10 سنوات مع الجانب الإثيوبي، الذي قال إنه كان «متعنتاً للغاية، ورافضاً لأي محاولات للتوصل إلى اتفاق يسهم في دعم العلاقات مستقبلاً».

إلى جانب ذلك، كان اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» أحد محاور لقاء وزيري خارجية مصر والسودان؛ وأعرب عبد العاطي عن «إدانة مصر الكاملة» للاعتراف الإسرائيي باعتباره «إجراءً غير شرعي ومخالفاً للقانون الدولي، وينتهك سيادة ووحدة الأراضي الصومالية، ويقوض أسس الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي».