الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

الأحكام طالت شقيق الرئيس الراحل ومصادرة الأملاك والأرصدة

سعيد بوتفليقة (الشرق الأوسط)
سعيد بوتفليقة (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لوجهاء نظام بوتفليقة

سعيد بوتفليقة (الشرق الأوسط)
سعيد بوتفليقة (الشرق الأوسط)

قضت محكمة الاستئناف بالعاصمة الجزائرية، أمس، بسجن سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة مع التنفيذ، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة رجال الأعمال المقربين منه ما بين ثماني سنوات و15 سنة مع التنفيذ، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعات بتهم فساد.
وأُسدل القضاء الستار عن واحدة من أكبر المحاكمات ضد وجهاء النظام في عهد بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي دامت أسبوعين، سادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين، الذي بلغ عددهم 70 شخصاً، أكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، الذين أشارت التحقيقات إلى تورطهم في تسهيل مشروعات لفائدة سبعة من كبار رجال الأعمال خارج القانون.
ونال أثقل عقوبة محيي الدين طاحكوت، مالك شركة لتسويق سيارات كورية، والمستغل الحصري لنقل طلاب الجامعات بالحافلات. أما الإخوة رجال الأعمال رضا ونوح وطارق كونيناف فنال كل واحد منهم عقوبة حبسية مدتها 10 سنوات مع التنفيذ، و15 سنة مع التنفيذ لشقيقتهم سعاد، التي تقيم بالخارج، والتي طالتها مذكرة اعتقال دولية، بعد أن رفضت المثول أمام المحكمة. وكان أحد الإخوة قد عبّر أثناء الرد على أسئلة القاضي عن استيائه من اتهامه بالفساد ونهب المال للعام؛ بحجة أنه ينتمي إلى عائلة عرفت الثروة منذ سبعينات القرن الماضي، وأن المشروعات التي أنجزتها في الجزائر وفّرت الشغل لآلاف الأشخاص.
وجاءت هذه الأحكام مؤيدة لطلبات النيابة وللأحكام، التي أُصدرتها المحكمة الابتدائية في فبراير (شباط) الماضي. إضافة إلى مصادرة أملاك المتهمين وحجز أرصدتهم المالية، بما فيها المقيّدة بأسماء زوجاتهم وأبنائهم. وجرت المحاكمة بطريقة «التقاضي عن بعد»، انطلاقاً من سجون المتهمين التي تتواجد بعيداً عن العاصمة.
وفي بداية أحداث المحاكمة، رفض سعيد بوتفليقة (66 سنة) التقاضي بذريعة «المرض»، وطلب التأجيل، غير أن رئيس الجلسة رفض الطلب بسبب إرجاء المحاكمة من قبل لأربع مرات، نزولاً عند إرادة عشرات المحامين الذين طالبوا تارة بـ«فسحة إضافية» لدراسة القضية، أو بعرض نتائج الإنابات القضائية التي عادت من الخارج، تارة أخرى.
وفي السنتين الأخيرتين، راسل القضاء الجزائري سلطات قضائية ببلدان أوروبية، منها سويسرا وفرنسا وإسبانيا للحصول على معلومات عن أملاك وأرصدة مالية، تعود للمتهمين، والتي يعتقد أنها محل شبهة فساد. ولم تقدم المحكمة أثناء محاكمة سعيد ورجال الأعمال معلومات بخصوص الإنابات القضائية، في حين أكد محامون أن ردود الجهات القضائية الأجنبية جاءت بعكس ما ورد في التحقيقات الأمنية الجزائرية، بمعنى أنه لم يثبت أن المتهمين حوّلوا أموالاً عامة من الجزائر إلى أوروبا لوضعها في بنوك أو لشراء عقارات.
يشار إلى أن الرئيس عبد المجيد تبون صرّح للإعلام الشهر الماضي بأن إسبانيا وافقت على تحويل ملكية خمسة فنادق فخمة، حسبه، إلى الدولة الجزائرية بعد ثبوت أن مالكها، وهو رجل أعمال جزائري معروف، اشتراها من عائدات غسل أموال. وكان تبون يشير ضمناً إلى علي حداد، الذي أدانته المحكمة أمس بالسجن 10 سنوات.
ومطلع العام قال تبون إن السلطات «اكتشفت أرقاماً مهولة عن الأموال التي نُهبت، لدرجة أن عائلة واحدة فقط نهبت 500 ألف مليار سنتيم (36 مليار دولار)، فتصوروا أنتم الباقي». مؤكداً أنه «لو استثمرت الدولة هذا المال لفائدة الصالح العام فإن الجزائر كانت ستصبح قوة اقتصادية قارية ومتوسطية».
كما ذكر الرئيس في نهاية العام الماضي أن قيمة الأموال والعقارات التي حجزتها المحاكم، بعد اعتقال «رموز العصابة» (وجهاء الحكم في عهد بوتفليقة)، بلغت 20 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

شمال افريقيا الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

الجزائر تحشد إمكانات كبيرة لتجنب عودة حرائق الغابات

أكد وزيران جزائريان استعداد سلطات البلاد لتجنب سيناريو موسم الحرائق القاتل، الذي وقع خلال العامين الماضيين، وسبّب مقتل عشرات الأشخاص. وقال وزير الفلاحة والتنمية الريفية الجزائري، عبد الحفيظ هني، في ندوة استضافتها وزارته مساء أمس، إن سلطات البلاد أعدت المئات من أبراج المراقبة والفرق المتنقلة، إضافة لمعدات لوجيستية من أجل دعم أعمال مكافحة الحرائق، موضحاً أنه «سيكون هناك أكثر من 387 برج مراقبة، و544 فرقة متنقلة، و42 شاحنة صهريج للتزود بالمياه، و3523 نقطة للتزود بالمياه، و784 ورشة عمل بتعداد 8294 عوناً قابلاً للتجنيد في حالة الضرورة القصوى».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

الجزائر: التماس بسجن وزير سابق 12 سنة مع التنفيذ

التمست النيابة بمحكمة بالجزائر العاصمة، أمس، السجن 12 سنة مع التنفيذ بحق وزير الموارد المائية السابق، أرزقي براقي بتهمة الفساد. وفي غضون ذلك، أعلن محامو الصحافي إحسان القاضي عن تنظيم محاكمته في الاستئناف في 21 من الشهر الحالي، علماً بأن القضاء سبق أن أدانه ابتدائياً بالسجن خمس سنوات، 3 منها نافذة، بتهمة «تلقي تمويل أجنبي» لمؤسسته الإعلامية. وانتهت أمس مرافعات المحامين والنيابة في قضية الوزير السابق براقي بوضع القضية في المداولة، في انتظار إصدار الحكم الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

رئيس الشورى السعودي يدعو من الجزائر لتوسيع الاستثمار ومصادر الدخل

استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر القصر الرئاسي بالجزائر، الثلاثاء، الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي الذي يقوم بزيارة رسمية؛ تلبية للدعوة التي تلقاها من رئيس مجلس الأمة الجزائري. وشدد آل الشيخ على «تبادل الخبرات لتحقيق المصالح التي تخدم العمل البرلماني، والوصول إلى التكامل بين البلدين اللذين يسيران على النهج نفسه من أجل التخلص من التبعية للمحروقات، وتوسيع مجالات الاستثمار ومصادر الدخل»، وفق بيان لـ«المجلس الشعبي الوطني» الجزائري (الغرفة البرلمانية). ووفق البيان، أجرى رئيس المجلس إبراهيم بوغالي محادثات مع آل الشيخ، تناولت «واقع وآفاق العلاقات الثنائية الأخوية، واس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لـ«وجهاء النظام» في عهد بوتفليقة

الجزائر: السجن بين 10 و15 سنة لـ«وجهاء النظام» في عهد بوتفليقة

قضت محكمة الاستئناف في العاصمة الجزائرية، (الاثنين)، بسجن سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الراحل، 12 سنة، فيما تراوحت الأحكام بحق مجموعة من رجال الأعمال المقرّبين منه، بين 8 و15 سنة، والبراءة لمدير بنك حكومي وبرلماني، وذلك على أساس متابعة بتهم فساد. وأسدل القضاء الجزائري الستار على واحدة من كبرى المحاكمات ضد وجهاء في نظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019)، والتي استمرت أسبوعين وسادها التوتر في أغلب الأحيان، وتشدُّد من جانب قاضي الجلسة وممثل النيابة في استجواب المتهمين الذين بلغ عددهم 70، وأكثرهم كانوا موظفين في أجهزة الدولة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية، أشارت التحقيقات إلى تورطه

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

موائد رمضان «السياسية» تثير انتقادات الليبيين مع تفاقم الغلاء

الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)
الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)
TT

موائد رمضان «السياسية» تثير انتقادات الليبيين مع تفاقم الغلاء

الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)
الدبيبة مستقبلاً أعيان وشباب وقيادات بلدية تاجوراء على مائدة الإفطار (حكومة الوحدة)

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تتجدد الأنظار في ليبيا نحو موائد الإفطار «السياسية»، التي ينظمها متصدرو المشهد السياسي والأمني، لأن هذه الموائد، التي تجمع أعياناً وشخصيات قبلية وقادة مجموعات مسلحة، لم تعد مجرد عرف تقليدي بين النخب، بل أضحت حسب متابعين منصات واضحة «لنسج التحالفات وتثبيت الولاءات».

في رمضان هذا العام، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الدولار والسلع الأساسية، أثارت صور هذه الموائد موجة من الانزعاج الشعبي، إذ قارن مواطنون بين البذخ في الموائد الرسمية وتقشف موائدهم الرمضانية، ما جعل هذه الولائم محور جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام.

«موائد الإفطار السياسية»

كان رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، أول من دشن ما بات يعرف بـ«موائد الإفطار السياسية»، ولذلك استقطبت مأدبته في أحد أفخم فنادق العاصمة طرابلس النصيب الأكبر من الانتقادات، بين من استغرب دعوته لقيادات مسلحة بمدينة الزاوية سبق أن توعدهم، ومن رأى في الأمر محاولة لنسج تحالفات جديدة بالمنطقة الغربية بالتزامن مع تعديله الوزاري الأخير.

وأبدى عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، تفهمه لردود الفعل الغاضبة، عادّاً أن الإصرار على إقامة تلك الموائد هذا العام كان بمثابة رسالة بأن «الشارع ومعاناته ورأيه لم يعد يمثل أولوية لدى متصدري المشهد ومستشاريهم».

الدبيبة مستقبلاً الضاوي على مائدة إفطار أقامها لأعيان وحكماء قبائل ورشفانة (الحكومة)

وقال التكبالي لـ«الشرق الأوسط»: «أصبح هناك تعود على توظيف تلك الموائد لكسب الولاءات وعقد التحالفات، التي لم يكن الشارع يكترث بها، ولطالما عدّها شأناً خاصاً بالنخب. أما هذا العام فكان الأجدر ألا تستفز تلك القيادات الشارع بصور البذخ الواضحة فيها، في وقت تعجز فيه أسر كثيرة عن توفير مائدة إفطار لائقة لأبنائها».

ولفت التكبالي إلى أن «الغضب تصاعد أيضاً لغياب أي جهد حقيقي من أفرقاء الأزمة، شرقاً وغرباً، لمعالجة ارتفاع سعر الدولار، رغم تحذيرات الخبراء المتكررة من تداعيات ذلك على متوسطي ومحدودي الدخل»، وفق رأيه.

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة»، التي تتخذ من العاصمة طرابلس مقراً لها، وحكومة موازية برئاسة أسامة حماد مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تدير الشرق وبعض مدن الجنوب.

غير أن الانتقاد الأوسع صدى جاء بحجة عدم ملاءمة إقامة تلك الموائد الفاخرة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وفي هذا السياق كتب حساب باسم آدم الضاوي على «فيسبوك» متهكماً: «عزومات ملكية وبذخ لناس مرفهين... لقد نسينا طعم الفواكه واللحوم من غلاء الأسعار».

وعدّ رئيس مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، طارق لملوم، أن «كثرة عدد تلك الموائد والتشكيك في تمويلها من خزينة البلاد هو ما دفع إلى إثارة الانتقادات تجاهها، إلى جانب توظيفها السياسي». وضرب لملوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، مثالاً بوزير الداخلية بحكومة «الوحدة» عماد الطرابلسي، الذي أقام وشارك في موائد كثيرة، وتساءل إن كانت تكاليف تلك الموائد ستدرج في نفقات وزارة الداخلية وتخضع لرقابة ديوان المحاسبة.

وفسر مراقبون حرص الطرابلسي على الوجود وإقامة تلك الموائد بالسعي إلى «توطيد علاقاته مع أعيان وقادة مجموعات مسلحة بالعاصمة وباقي مدن المنطقة الغربية، لتفادي أي محاولة لإزاحته في إطار التعديل الوزاري الجاري بحكومته».

وانتقد لملوم دعوة الطرابلسي لقادة مجموعات مسلحة تواجههم «اتهامات حقوقية جسيمة»، في إشارة إلى صورة الوزير مع معمر الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة»، المتمركزة في ورشفانة جنوب غربي العاصمة.

تحذيرات ومخاوف

حذر الناشط الحقوقي لملوم من «تسابق قادة أجهزة أمنية ومجموعات مسلحة على إقامة موائد إفطار، وتوزيع مساعدات بهدف تعزيز نفوذهم، وخلق حواضن شعبية موالية لهم في أماكن تمركزهم، كون ذلك قد يمهد لانفصال المناطق داخل المدينة الواحدة».

وأثارت مشاركة الضاوي في المأدبة التي أقامها الدبيبة مساء الاثنين الماضي لأعيان ورشفانة جدلاً حقوقياً واسعاً، كما برزت إلى جانب تلك الاعتراضات تعليقات مليئة بالتندر.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

في هذا السياق، ذهب نائب رئيس «حزب الأمة» الليبي أحمد دوغة إلى أن «المسؤولية في استفزاز الشارع بتلك الموائد الفاخرة لا يتحملها فقط القائمون عليها، وإنما أيضاً من حرص على تلبية الدعوة والمشاركة بها، خصوصاً من الشخصيات المستقلة وميسورة الحال».

وقال دوغة لـ«الشرق الأوسط» إن «قطاعاً واسعاً يدرك أن الهدف الحقيقي لإقامتها هو استقطاب الولاءات والتسويق السياسي، وليس ما يرفع من شعارات لمّ الشمل ووحدة الصف والمصالحة». ولفت إلى أن «أغلب الليبيين يرون أن تلك الأموال الطائلة كان من الأجدى توجيهها لتحسين معيشتهم كونهم أبناء دولة نفطية».

ولا تختلف الحال في شرق البلاد، إذ قوبلت مشاركة قائد «الجيش الوطني»، خليفة حفتر، في مأدبة إفطار مع ضباط القوات المسلحة بإشادات لحرصه على استمرار هذا التقليد السنوي، وأيضاً بشكاوى من ارتفاع الأسعار.

غير أن أبرز الانتقادات جاءت حول صور مشاركة نائب القائد العام، الفريق صدام حفتر، في إفطار جماعي مع أبناء قبيلة الدرسة قبل أيام، إذ جاءت التعليقات مقترنة بالتساؤل عن مصير النائب إبراهيم الدرسي المتغيب منذ منتصف 2024، الذي ظهر في مقطع مصور مكبلاً وعليه آثار تعذيب واضحة.


الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
TT

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)
نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

يوجد وفد جزائري حكومي من قطاع المالية والضرائب، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد الأفريقي في مغادرة «المنطقة الرمادية» للبلدان التي تواجه تشريعاتها وتنظيماتها ضعفاً في مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار الأسلحة النووية.

وأكد ناجم رغاني، رئيس «الغرفة الجهوية للموثقين لمنطقة الوسط»، لوسائل إعلام، أن مهمة البعثة الحكومية في السنغال مرتبطة بجهود الجزائر المتعلقة بسحبها من «القائمة الرمادية» لـ«مجموعة العمل المالي»، المعروفة اختصاراً بـ«جافي»، حيث من المتوقع، وفقه، وصول وفد من المجموعة إلى الجزائر العاصمة يومي 14 و15 أبريل (نيسان) المقبل لتقييم تطبيق الإصلاحات؛ التي نفذتها الحكومة للخروج من هذه اللائحة.

يأتي هذا ضمن سلسلة إجراءات تشمل زيارات ودراسات مقارنة لتبادل الخبرات مع دول أخرى، سبق لها الخروج من «المنطقة الرمادية»؛ بهدف الاستفادة من تجاربها العملية في تنفيذ توصيات «المجموعة».

اجتماع لقضاة جزائريين بشأن تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان - أرشيفية)

وأكد رغاني أن الجزائر استكملت تنفيذ خطة العمل المعتمدة من قِبل «مجموعة العمل المالي» بنجاح، وأوضح أن هذا المسار، الذي جرى بالتنسيق الوثيق مع وزارة العدل والقطاعات الوزارية ذات الصلة، شمل حزمة متكاملة من التدابير الرامية إلى تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتتمحور أبرز هذه الإجراءات حول إرساء آليات صارمة لتحديد الهوية الدقيقة للمستفيدين الحقيقيين من الشركات التجارية، وتكثيف الرقابة على القطاعين المالي وغير المالي. كما شملت الإصلاحات ضبط حركة التدفقات المالية عبر الحدود، وتفعيل نظام عقوبات رادع يُطبق بصرامة في حالات المخالفة، بما يضمن الامتثال الكامل للمعايير الدولية.

استلهام التجربة السنغالية

نجح السنغال في فك الارتباط بهذا التصنيف السلبي في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عقب إعلان «جافي»، التي تتبع «مجموعة السبعة الكبار»، خلال اجتماعها الدوري في باريس، عن رفع البلاد من قائمة «الدول الخاضعة للمراقبة المعززة». ويأتي هذا القرار لينهي مرحلة من المتابعة الدقيقة بدأت منذ عام 2021؛ نتيجة ثغرات استراتيجية شابت حينها المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ومن أجل الامتثال الصارم للمتطلبات الدولية، خاض السنغال غمار إصلاحات هيكلية عميقة؛ شملت: تحديث الإطار التشريعي والتنظيمي، عبر سن تشريعات متطورة وإرساء نظم رقابية أشد حزماً. كما ركزت الجهود على رفع كفاءة مؤسسات الرقابة والوحدات المعنية بالتحقيقات المالية، مما ضاعف من قدرتها على تتبع التدفقات المالية، وتجفيف منابع الأنشطة غير المشروعة. وقد تُوج هذا المسار بتعاون وثيق ومستمر مع خبراء «مجموعة العمل المالي» لتنفيذ خطة العمل المقررة، ومعالجة مكامن القصور بدقة متناهية.

رئيس «غرفة الموثقين» لمنطقة الوسط (الغرفة)

وعلى ضوء التقييم الإيجابي للتقدم المحرز، أقرت «جافي» باستيفاء السنغال المعايير الضرورية كافة، مؤكدة مواءمة نظامها الوطني مع المقاييس العالمية؛ مما يمثل شهادة دولية على متانة وموثوقية الحوكمة المالية السنغالية.

وسيتبع خبراء «جافي» الطريقة نفسها مع الجزائر، خلال زيارتهم المقررة الشهر المقبل، وذلك من خلال تحرياتهم التي سيجرونها في الهيئات والمؤسسات التي يُعتقد أنها تعاني من نقائص في مراقبة مصادر التمويلات المشبوهة.

«ملاذات» التمويلات المشبوهة

في سياق مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تعدّ «جافي» أن بعض المهن في الجزائر ذات الصلة بالمعاملات المالية أو القانونية، يمكن أن تكون نقاطاً محتملة للتمويلات المشبوهة إذا لم تُطبق الضوابط اللازمة، ومن بينها نشاط الموثقين في الجزائر. وأُدرجَ الموثقون ضمن الجهات الخاضعة للرقابة؛ لأن طبيعة عملهم تشمل إدارة وتوثيق صفقات مالية وعقارية كبيرة، تتضمن أحياناً مبالغ كبيرة أو تحويلات مالية عبر الحدود.

ووفق رئيس «غرفة الموثقين»، فإن زيارة ممثلي «مجموعة العمل المالي» المرتقبة تهدف إلى التحقق ميدانياً من فاعلية هذه الإجراءات، التي اتبعتها الجزائر على أرض الواقع، والتأكد من أن القوانين والآليات تعمل بشكل صحيح وتؤدي إلى نتائج ملموسة.

اجتماع للموثقين يبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

وفي حال استيفاء المعايير، فقد يُعلَن عن خروج الجزائر من «القائمة الرمادية» في الجمعية العامة المقبلة لـ«المجموعة»، المقررة في يونيو (حزيران) 2026.

وأُخطرت الجزائر رسمياً بضرورة التقيد بتوصيات «جافي» منذ أدرجتها في «القائمة الرمادية» خلال اجتماع 25 أكتوبر 2024، وذلك بعد تقييمها الأنظمة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والإقرار بوجود «أوجه قصور استراتيجية» في تلك الأنظمة. وبموجب هذا الإدراج، تعهدت الجزائر رسمياً العمل على تنفيذ توصيات «جافي»، ومعالجة نقاط الضعف، ضمن إطار زمني متفق عليه مع «المجموعة».

وتشمل التوصيات بذل جهود لتعزيز الرقابة على القطاع غير المالي، مثل المهن القانونية والعقارية والمحاسبية، وتحسين الشفافية في التحويلات المالية عبر الحدود مع مراقبة التحويلات غير الرسمية، بالإضافة إلى متابعة «الكيانات عالية المخاطر»، وتطوير نظام الإشراف القائم على المخاطر، والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

ومنذ أكتوبر الماضي، أعلن «بنك الجزائر» عن إطلاق خطة تهدف إلى مغادرة «المنطقة الرمادية»، تتمثل، وفقه، في تعزيز الشفافية المالية، والارتقاء بالامتثال للمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. مؤكداً أن الحكومة تعمل على تقليل استخدام النقد الورقي في المعاملات التجارية.

وتشمل الخطة، أيضاً، تطوير البنوك والمؤسسات المالية لتصبح جاهزة للانتقال إلى «نظام رقمي متكامل»، بما يسهم في الحد من الاقتصاد غير المهيكل، والتحكم في التدفقات المالية غير المشروعة.


حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة تنطلق دون موافقة حفتر وصالح

اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)
اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)
TT

حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة تنطلق دون موافقة حفتر وصالح

اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)
اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)

التأمت في العاصمة الليبية طرابلس حكومة عبد الحميد الدبيبة المعدّلة في أول اجتماع لها بتشكيلها الجديد، بحضور رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وجاء انطلاق أعمال الحكومة وسط تحديات الانقسام السياسي في ليبيا، ومن دون موافقة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، أو مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح في شرق البلاد.

وضمّت الحكومة المعدّلة بعض الوجوه الجديدة، من بينها سالم الزادمة، الذي كُلّف نائباً لرئيس مجلس الوزراء عن المنطقة الجنوبية خلفاً لرمضان أبو جناح، بالإضافة إلى 14 حقيبة، من بينها جمال أبو قرين وزير الدولة لشؤون المهجرين، ومحمد الغوج الذي أُسندت إليه وزارة الصحة، وراشد أبو غفة لوزارة المالية.

كما جرى تعديل مسمى وزير الدولة للشؤون الاقتصادية، ليصبح وزير الدولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتم تكليف زياد عبد الوارث الحجاجي بهذه الحقيبة.

وقبيل انعقاد اجتماع الحكومة، مساء الأربعاء، جرى تداول الدبيبة والمنفي وتكالة أحاديث بشأن الإجراءات، التي اتُّخذت في إطار تنظيم معالجة حالة الشغور في بعض المواقع داخل الحكومة، وقال مكتب الدبيبة إنه «قدم عرضاً للإجراءات التي باشرها لسدّ الشواغر في عدد من المواقع الحكومية، وضمان استمرارية عمل المؤسسات العامة، وانتظام أداء الجهاز التنفيذي، بما يكفل استمرار تقديم الخدمات للمواطنين، وفق مقتضيات المصلحة العامة».

وحرص مكتب الدبيبة على الإشارة إلى تواصله مع المنفي وتكالة خلال الفترة الماضية بشأن هذه الإجراءات، وذلك في إطار «الحرص على سلامتها واتساقها مع الأطر القانونية والسياسية الحاكمة للمرحلة، لا سيما الاتفاق السياسي»، مشيدين بـ«تفاعله الإيجابي» مع الملاحظات المطروحة، ومراعاته للاعتبارات الوطنية والمؤسسية ذات الصلة.

وأكد تكالة دعمه للتعديلات التي أُجريت على الحكومة، كما أقرّ المنفي «اعتماد الإجراءات التي اتخذها الدبيبة لسدّ الشواغر في بعض المواقع الحكومية، وتعزيز كفاءة الأداء داخل الجهاز التنفيذي، بما يضمن استمرارية عمل مؤسسات الدولة، ويعزز قدرتها على الاضطلاع بمهامها خلال هذه المرحلة».

اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)

وشدد المجتمعون على أهمية استمرار التنسيق بين مؤسسات الدولة وتعزيز التعاون بينها، بما يدعم الاستقرار المؤسسي، ويهيئ الظروف للوصول إلى توافق وطني، يمكّن من إنجاز الانتخابات وفق قواعد متفق عليها وقابلة للتنفيذ.

وقال الدبيبة في مستهل اجتماع الحكومة إن دعم رئيسَي المجلس الرئاسي و«الأعلى للدولة» للإجراءات المتخذة يعكس العلاقة التناغمية الراسخة بين مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن التغييرات التي أجراها على حكومته استهدفت «تجديد الدماء في بعض المواقع، وملء الشواغر في الوزارات والقطاعات الحيوية».

وبينما شدد الدبيبة على أن «معيار الكفاءة كان الأساس في اختيار الوزراء الجدد، إلى جانب توسيع قاعدة التمثيل الوطني لمختلف المناطق والمدن الليبية شرقاً وغرباً وجنوباً»، لفت إلى أن الوزراء الجدد «خضعوا لبرنامج تدريبي وورش عمل متخصصة، تحت إشراف مجلس التطوير الاقتصادي والاجتماعي».

وتحدث الدبيبة عن «التزام حكومته بأن تكون معبرة عن الليبيين كافة، مع تمسكها بتوحيد مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الإداري والمؤسسي، ومواصلة دعم مسار الحكم المحلي، وتمكين البلديات من أداء مهامها بفاعلية».

الوزراء اللافي والطرابلسي وأبو غفة ونائب رئيس الحكومة الزادمة (إلى اليسار) (حكومة «الوحدة»)

وقال الزادمة، الذي كان يشغل منصب نائب الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، إن هذا التكليف الجديد «يحملني مسؤولية خاصة تجاه أهلنا في المنطقة الجنوبية، التي عانت طويلاً من تحديات متراكمة في قطاعات مختلفة».

وتطرق الزادمة في كلمته أمام مجلس الوزراء إلى «حجم التحديات الكبيرة التي تنتظرهم»، لكنه قال: «نعاهد أبناء شعبنا على العمل الجاد والمسؤول لإيجاد حلول عملية وسريعة، وتأمين الخدمات الأساسية، وضمان انتظام إمدادات الوقود، وتحسين الأداء الحكومي، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويرسخ مبدأ العدالة في توزيع التنمية بين مختلف المناطق».

وانتهى الزادمة إلى التأكيد على «العمل بروح الفريق الواحد، مع وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، مسترشدين بمبادئ الشفافية والمساءلة، التي تؤكد عليها تقارير ديوان المحاسبة الليبي، وهيئة الرقابة الإدارية، كركائز أساسية لتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وتحسين جودة الأداء العام».

وفي ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تعيشه ليبيا، تواصلت الانتقادات للتعديلات التي أُدخلت على حكومة الدبيبة؛ إذ رأى حسن الصغير، وكيل وزارة الخارجية السابق في شرق ليبيا، أنها «تكاد تتطابق مع تعديلات رئيس حكومة (الوفاق) السابقة فائز السراج سنة 2018، والتي لم تجعل منه رئيساً على ليبيا كلها، وظل محصوراً في إقليم طرابلس فقط، كما لم تبقه في السلطة، ولم تجنبه الحرب».

ويرى الصغير أن «الدبيبة يسير على خطى السراج؛ يعد بالقدرة على الانفتاح وتوحيد الصف، ويتصرف بعكس ذلك تماماً»، حسب قوله، متسائلاً: «كم يفصلنا عن اشتباكات مسلحة أو تصعيد عسكري محدود أو مفتوح؟»، وأجاب مؤكداً أنها «مسألة وقت ليس إلّا».

الدبيبة والمنفي وتكالة والزادمة وباقي تشكيل الحكومة (مكتب الدبيبة)

وكان «الجيش الوطني»، برئاسة حفتر، قد شن حرباً على العاصمة الليبية في أبريل (نيسان) 2019 إبان رئاسة السراج لحكومة «الوفاق»، استمرت قرابة 13 شهراً، وانتهت بانسحابه إلى خارج حدود طرابلس عند محور «سرت - الجفرة». ولا تزال تعاني ليبيا من انقسام بين حكومتين تتنافسان على السلطة: الأولى في طرابلس، والثانية في شرق ليبيا بقيادة أسامة حمّاد.