زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

رئيس الحكومة الراحل يروي تفاصيل «القصف المجنون» على العاصمة اللبنانية في صيف 1982 ومساعي إنهاء الحرب

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات

في هذه الحلقة الثانية من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل، صائب سلام، يتناول تفاصيل الفترة الصعبة التي عاشتها بيروت ومعظم مناطق لبنان، خلال الغزو الإسرائيلي في صيف 1982. ويقول إنه كان يشعر وهو تحت قصف المدافع وغارات الطائرات، وكأن «أبواب جهنم قد فُتحت على بيروت».
ويتحدث سلام عن المحاولات والاتصالات التي أجراها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقادة المقاومة الذين كانوا يعيشون في بيروت، وأبرزهم: أبو إياد، وأبو جهاد، وهاني الحسن، إلى جانب القادة اللبنانيين الذين لعبوا دوراً في تلك المرحلة، وخصوصاً رئيس الجمهورية إلياس سركيس، وبشير الجميل الذي كان يقود «القوات اللبنانية»، وانتخب فيما بعد رئيساً للجمهورية، واغتيل قبل أن يتولى منصبه، إضافة إلى اتصالات سلام مع المبعوث الأميركي إلى لبنان في تلك الفترة، السفير فيليب حبيب، الذي كان يتولى ترتيب محاولات وقف إطلاق النار تمهيداً لخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوفرة في مكتبات لبنان بدءاً من 28 يونيو (حزيران)، وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
- قصف الإسرائيليين لبيروت
كان ذلك ليلة الثلاثاء، في 22 يونيو 1982. في هذه الليلة لم ننم، وكلّ أهل بيروت لم يذوقوا طعم النوم من القصف المتواصل. منذ الصباح، حاولت معالجة ذلك. اتّصلت بالرئيس الوزّان فحضر إليّ، ثمّ حضر هاني الحسن، وكانت النتيجة... «هيئة الإنقاذ الوطنية» المؤلفة من الرئيس الوزّان وبرّي وجنبلاط. ثمّ قرّرت الاجتماع بـ«المقاومة الفلسطينية» اليوم للبحث معهم في ترتيب الأمور.
كلّمتُ السفير فيليب حبيب، فوجدته عند رئيس الجمهورية إلياس سركيس، فكلمت رئيس الجمهورية أيضاً، ووعد حبيب بأن يبذل جهده لوقف إطلاق النار. كلّمني السفير حبيب من دارة السفارة الأميركية في اليرزة مرّة أخرى، وطلب أن يقابلني، فذهبت إليه وقابلته، وحال ما أبلغته ما يحصل، قال لي إنّه هو أيضاً لم ينم الليل، وإنّه ليس بحاجة لشاهد، فقد رأى القذائف والقصف يتّصل من قبل الفلسطينيين ومن لفّ لفّهم، وقد بلغت حوالي أربعين قذيفة قبل أن يردّ عليهم الإسرائيليون من البحر والبرّ. وكان السفير موريس درايبر يكتب ملاحظات فيما نبحث فيه. ثمّ اتّصل بواشنطن ليوقف إطلاق النار، ويوقف أيضاً الزحف الإسرائيلي من خلدة إلى بيروت؛ لأن الفلسطينيين كانوا قد أبلغوني صباحاً أنّ القصف الفلسطيني كان سببه التقدّم الإسرائيلي نحو بيروت، ومع هذا فقد أبرق لواشنطن بإيقاف الزحف وأنا عنده.

دبابة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال الغزو (غيتي)

ثمّ كلمني أبو عمّار الذي كان قد حضر إلى منزلي، حين كان «التجمّع الإسلامي» منعقداً، وكان يتكلم بصورة غير معقولة، جنونية: «إنني محاصَر، سأضرب يميناً شمالاً جنوباً، شيوخاً أطفالاً نساءً، على جونية، على البلد، على الجميع، على الإسرائيليين... لن نموت هكذا، لن نموت». حاولت كثيراً أن أكلمه، أن أهدّئ من روعه؛ لكنه لم يسمع منّي كلمة، ثمّ حاولت ثانية قائلاً له: «إن السفير حبيب يسعى جادّاً لإيقاف التقدّم الإسرائيلي»، فأجاب: «سيأخذون المطار، سيُنزلون الدبابات بالهليكوبتر، سيزحفون علينا ونحن لن نموت، سنقاتل!».
مضت عليّ أيّام وأنا أعلن وأردّد، حتى للصحف الأجنبية وللمراسلين الأجانب الذي يتوافدون عليّ بالعشرات، لأعطي الصورة للخارج بأنّ الفلسطينيين قد قاتلوا قتالاً مجيداً من الحدود إلى بيروت، ومن حقهم ألا يموتوا إلا مقاتلين، وأنّهم في بيروت سوف يقاتلون من حي إلى حي ومن شارع إلى شارع، من بيت إلى بيت، وهذا ما كنت أفهمته لحبيب أيضاً، بأنّنا لا نريد أن نوصلهم إلى هذا المأزق. حبيب يلحّ وأنا ألحّ معه منذ مدّة على أنْ ينزل الجيش اللبناني إلى بيروت بالاتفاق مع الفلسطينيين، فمن دون الاتفاق مع الفلسطينيين، لا يمكن أن ينزل الجيش ويضمن ألا يحصل تصادم بينه وبين المسلحين، وخصوصاً الفلسطينيين. وكان أبو عمّار يرفض هذا، ويطلب أن ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى أبعد من 7 كيلومترات، وهو يصرّ ويقول إنّه كان قد أبلغ هذا لجوني عبده، وإنّه ليس في مقدور حبيب تحقيق ما قاله لي بأن يعيد الإسرائيليين إلى الوراء، ولكن بإمكانه أن يوقفهم حيث هم، إذا توقف إطلاق النار، وهو يريد ذلك فعلاً حتى يكون الجيش اللبناني هو متسلّم الأمن في بيروت، ولا تكون هناك حجّة للأميركان تجاه الإسرائيليين، فهم إذا ضربوا بيروت أو اقتحموها، فإنّهم يقتحمون الشرعية من خلال جيشها؛ لكن أبو عمّار كان يقبل مبدئياً نزول هذا الجيش ولا يسهّل ذلك عملياً، وهذا ما سيكون موضع بحث بينه وبين اللجنة الأمنيّة.
مع الأسف، بعض المسلّحين اللبنانيين ومن وراءهم الذين عاشوا على التخريب منذ سنوات، لا يفيدهم أن نأتي اليوم بأي حلول، وها هي البلاد كلها ترى ما أسعى إليه جاهداً منذ أسابيع، في الأيّام والليالي، مع هذا وذلك، مع رئيس الجمهورية، مع حبيب، مع أبو عمّار الذي يزورني مرّتين في اليوم تقريباً، وهم جميعاً يقدّرون ذلك، إلا أنّ هذا التقدير يصبح عكسه عند بعض الفصائل المسلحة من أمثال «المرابطون» وأمثال فلول «الحركة الوطنية» الذين يحرّضون، وقد صرّحوا -كما أفادتني رسالة من سركيس نعوم، المحرّر في «النهار»- بـ«أنّنا لن نسامح بعد سبع سنوات تسميتهم جهادنا تخريباً، وبأن يأتي صائب سلام ليأخذ وجاهة حلّال المسائل». بناءً على ذلك، سيعملون على «خردقة الداخل»، أي صفوف «التجمّع الإسلامي» الذي بقي فيه فلول ممن اعتمد عليهم، مثل تقي الدين الصلح، وهو من أصحاب التعقّل والرويّة، وها هم اليوم يلتفّون حوله كثيراً ويثيرون عنده حساسيات محاولين أن يفرطوا التجمّع.
أنا أعرف كلّ ذلك، ولكنّي أحاول كثيراً أن أتجاهل، محاولاً أن أبقي هذا التجمّع قائماً. وحين اتّصل سماحة المفتي حسن خالد، طلبت منه أن يداري الموضوع، وهو يشعر بما يقع على بيروت من ضير ومن خشية على تهديمها على رؤوسنا جميعاً، أطفالاً وشيوخاً ونساءً. وبعد البحث معه، اقترح أن يدعو البعض مع أبو عمّار والوزّان وجنبلاط. قلت له إنّني أفضّل ألا يُضمّ جنبلاط لأسباب، منها أنّه أتاني مَن يخبرني أنّه قال إن اليوم يوم التشفّي من الفلسطينيين؛ لأنهم ضربوا والده من قبل سنة 1977، يوم دخل السوريون، وهم اليوم يضربونه أيضاً فيما يقومون به في الشوف، وهو نفسه لم يأتِ من المختارة للانضمام إلى «هيئة الإنقاذ» إلا بعد مساعٍ جبارة، وقد اجتمع بها مرّتين، وفي كلّ مرّة كان يخرج من عندي ويتظاهر بأنّه تعقّل وأنّه فهم ما أردّده له بأنّنا جميعاً وراءك نؤيّدك... إلا أنّ جوابه يكون: «أنا لا أتحمّل مسؤولية»، وهو جواب مراوغ لأنّه يريد أن يوقع بهم.
وقد أخبرني أحد المراسلين الأجانب في «الكومودور»، وقد بلغوا في تجمّعهم هناك ما يفوق المائتين عدّاً، أنّ جنبلاط جاءهم فجأة إلى فندقهم بحجّة أنّه يريد أن يعيش هناك. هم يعتبرون ذلك حجّة، فهو جاء فقط ليقول لهم إنّه لا يوافق على ما يحصل، وإنّ أميركا متضامنة مع إسرائيل، وإنّ الإسرائيليين يريدون أن يضربوا. وهو يريد بذلك أن يزايد على المساعي الخيّرة، حتى يثير القوى الشريرة، وحتى يبعث القلق، وكان يردّد دائماً: «أنا عائد إلى المختارة!».

جنود إسرائيليون في بيروت في صيف 1982 (غيتي)

وأذكر أنّه أتاني في المساء اتّصال من السفير حبيب من اليرزة، يقول إنّه أتاه تأكيد من أميركا بأنّ شارون وافق على عدم دخول المطار، وهذا كان طلب الفلسطينيين منّي، وثانياً أنّ عليّ إيقاف القصف، قصف الفلسطينيين، ومن لفّ لفيفهم، كاملاً.
لم أتمكّن في هذا الوقت من الاتّصال بأبو عمّار؛ لأنه كان في اجتماع مع الوزّان وجماعته فاتّصلت بأبو جهاد، وهو رجل عاقل، فأفهمته هذين الأمرين، وقلت له أن يتعقّلوا وأن يعمل هو على إيقاف إطلاق النار بكلّ ما لديه من قوّة، وطلبت منه أن يأتي لمقابلتي هو وأبو عمّار، حال عودة أبو عمّار من الاجتماع.
من جهتي، أنا أبذل هذه المساعي الخيّرة حرصاً منّي على القضيّة الفلسطينية وعلى أصحابها، وقد أخذت من حبيب ضمانات تقول بأنّهم لن يسمحوا بضرب الفلسطينيين إن كان الجيش اللبناني في بيروت، ولن يسمحوا بإذلالهم أو بذبحهم كما قال، وأنا بدوري أوصلتُ هذه التطمينات التي طلبوها بواسطتي من أميركا.
أما جنبلاط فبدل أن يعطيهم تطمينات بعد مقابلته لحبيب، أتى إلى اجتماع فيه الكبير والصغير، المتطرّف وغير المتطرّف، فأخافهم بقوله إنّ حبيب هدّده بأنّ الفلسطينيين سيُضرَبون، وبأنّ الفلسطينيين سيُزالون، لذلك يجب أن ينسحبوا من البلد فوراً... إلخ... إلخ... وأعتقد أنّه أثار ذلك عن قصد، ليثير فيهم التحرّك فيقاوموا، مردّداً أمام البعض أنّه يريد من ذلك أن ينتقم منهم.
- تهديد أبو عمّار
أما أبو عمّار فبعد أن أفرغ كلّ ما في جعبته من كلام جنوني لا معنى له، بأنّه سيخرّب وسيضرب شرقاً وجنوباً وشمالاً... وقد جاراه تقي الدين الصلح الذي بعد مكالمة أبو عمّار لي طلبني، وكان أشدّ وأقسى. طبعاً أنا أخذت هذا من ناحية أخرى، فاستعملته مع حبيب حين قلت له إنّ هذا موقف أبو عمّار، وأمامي أيضاً، وبعد عشر دقائق من الرسالة الأولى، أرسل رسالة ثانية إلى واشنطن يطلب منهم إيقاف الإسرائيليين عن التقدّم.
وأبو عمّار تعوّدنا عليه وعلى تمثيله وعلى شطحاته، قلت له حين كنت سأذهب من عند السفير الأميركي في اليرزة إلى مقابلة الرئيس: «انتظرني في المصيطبة»، وحين حضرت كان قد ترك قبلي بدقائق لأنّه لم يرد أن يقابلني، بعد أن هوّل على المجتمعين وأرعبهم، وخشي إذا حضرت أن أجعله يتعقل؛ لكنني سأحاول أن ألتقي به بعد انتهاء الاجتماع.
ثمّ وصلني خبر أنّ «المرابطون» يحاولون «خردقة» مَن حولي، فيتّصلون بـ«تقي الدين» ويدلّلونه، ويتّصلون بمالك سلام ورشيد الصلح وغيرهم محاولين الالتفاف حول المفتي؛ لكني أعتقد أنّ المفتي سيفهم منّي بالعقل والحكمة، أما الباقون فأنا أداريهم، من تقي الدين إلى الذين يمكنني أن أطالهم، وهم كثيرون من الحركة الوطنية. وكان يأتيني في هذه الأثناء منهم من كانوا أشدّ مواجهة لي، أمثال محمد قبّاني، وعصام نعمان، وعصام العرب وجماعته، كذلك زارني رئيس «الحزب القومي» إنعام رعد الذي بعد خروجه من عندي أعطى بلاغاً للجرائد يقول فيه إنّه زارني وإنّه أيّدني في كلّ مواقفي، فأنا أسعى جاهداً وبكلّ إخلاص للحفاظ على الفلسطينيين وقضيّتهم، وللحفاظ على مدينتي بيروت وعلى لبنان أجمع من خلال ذلك، وهذا يسيء لمن يريد أن يخرّب أكثر فأكثر.
ثمّ جاء جماعة التلفزيون قائلين إنّ الاتّصالات تتوالى راجية إطلالة صائب سلام على التلفزيون ليطمئن الناس. وهذا له منافعه إذا قمتُ به، ولكنّ له مضارّه أيضاً لأنّه يثير الآخرين، هؤلاء الذين يريدون أن يخرّبوا ليجعلوا لأنفسهم مكاناً، حتى إنّه نُشر حديث طويل لرشيد كرامي يحرّض فيه على الحكم وعلى المتعقّلين، ويقول إنّه يجب ألا نبيع القضيّة بالمحافظة على بيروت، وهناك حديث آخر لريمون إدّه الذي خرج أيضاً عن حدوده وعن كلّ أطواره في المدّة الأخيرة، وهو يكلّمني كلاماً غير معقول، ففي حديثه الصحافي ذاك قال: إنّه يجب ألا يكون هنالك «لافال»؛ مشيراً إلى الوزّان الذي أدعمه وأؤيّده؛ لأنّه أفضل من في الساحة اليوم. وحين تلقّف إبراهيم قليلات و«المرابطون» منه كلمة «لافال» أخذوا يعلنون من إذاعتهم محذّرين «لافال» من المضي بعمل «لافال»، أي القيامة، وأخذوا يصنّفون: الوزّان خائن، نبيه برّي خائن، وطبعاً سركيس خائن، وبطرس خائن، وبشير الجميّل خائن، ولم يبقَ إلا جنبلاط المعرقل والمزايد في نظرهم؛ لأنّهم يستفيدون من مراوغته، وهو من دون أي شك يقصد الضرر والهلكة لبيروت وللفلسطينيين بالذات، وقد قال للبعض صراحة إنّه يريد أن ينتقم منهم. والله يقدّم ما فيه خير.
- تحت رحمة قنابل شارون
أتذكّر أنّ ما ذاقته بيروت هو أشدّ ما يكون فظاعة تحت قنابل هذا «الهولاكو» الجديد الذي يريد هدمها. عدوان وحشي أصاب بيروت كما أصاب لبنان كلّه من جنوبه إلى عاصمته، تهديماً وخراباً وهدماً وفتكاً.
سكّان بيروت نزحوا بالألوف المؤلفة، باتّجاه الشمال والشرق، وبقي فيها أيضاً ألوف، وهم كلّهم تحت رحمة قنابل شارون.
ابتدأ شهر رمضان ونحن في هذه الحال، وأنا في كلّ وقت أستصرخ العالم، وكالات الأنباء والصحف... أسعى كلّ ساعة مع الوزراء، مع السفراء، مع «التجمّع الإسلامي».
أصرخ أنّ الإسرائيليين يريدون القضاء على «المقاومة الفلسطينية» نهائياً، وها هم قد احتلّوا جوانب بيروت من جنوبها إلى شرقها إلى شمالها عند الكتائب.
أصرخ مخاطباً السفير حبيب، فيوقف القتال، ثمّ نراه يستمرّ، ويرسل شارون منشورات فيها التهديد والوعيد وضرورة خروج أهل المدينة منها، تلقي هذه المنشورات طائرات كلّ يوم، وكان لها فعلها ودويّها العظيم.
وقد اضطررت للاتّصال برئيس الجمهورية مرّتين، وكلمته بلهجة قاسية قائلاً: «أنت قاعد في بعبدا، ولكن عاصمتك تحت رحمة الإسرائيليين في كلّ ساعة، وقد يدمّرونها، فاستنجد برؤساء العالم ومن خلالهم بشعوب العالم كله!».
كذلك كلّمت مفتي الجمهورية وطلبت منه أن يذيع بياناً من التلفزيون يوجّهه إلى شعوب العالم، ورؤساء أقطار العالم الصديقة والشقيقة.
- مع بشير الجميل
في الوقت ذاته، لم أهدأ وأنا أستقبل المراسلين الأجانب الموجودين في فندق «الكومودور»: من ألمان وطليان وإنجليز وأميركان وفرنسيين، من «BBC» و«AP» و«UP» و«نيويورك تايمز» و«اللوموند» و«ديرشبيغل»... كنت أشرح لهم الوضع والتطوّرات خطوة خطوة،... وأنا مؤمن بأنّني أقوم بواجب وطني وقومي يدعوني لذلك، فالمقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تداس تحت أقدام المجتاح الإسرائيلي.
وهذا ما كنت أكرّره لإخواننا الموارنة، ولبشير الجميّل خاصّة، وقد كنتُ على علاقة مع بشير منذ مدّة كما هو معلوم، وكان يكلمني بصيغة: «أنت والدي وأنت مرشدي، إنّ كلّ ما تقوله لي أنفّذه»، وكان هذا حقيقة، ولكن بعد دخول الإسرائيليين شعرت بأنّه تغيّر، فتغيّرتُ معه أيضاً. أرسل لي مرّة محمد صفي الدين بعد أن قال له إنّه يشعر بأنّني تغيّرت عليه، فقال له محمد صفي الدين: «بلى، أنا أيضاً شعرت من صائب بأنّه تغيّر عليك، والسبب هو كذا وكذا وكذا»،
فكلّمته وقلت له: «لقد نقل إليّ محمد صفي الدين وأنت تعرف أنّني صريح، نعم لقد تغيّرت لأنّني شعرت بأنّك أنت تغيّرت. فيا بشير، وأيّها الإخوان الموارنة، أنتم تعلمون أنّ قلبي مفتوح لكم ويدي ممدودة، وكلّنا من أجل لبنان يجب أن نتعاون، ولكن أشعر اليوم بأنّكم قصيرو النظر، فما يناله الإسرائيليون منا ومن إذلال المقاومة إذا تمكنوا من ذلك سيصيبكم الضرر الكبير من بعده، وإنّهم إذا نالوا كلّ ذلك وهدموا بيروت والمسلمين، فلن يقوم لبنان بعد اليوم، وستكونون أنتم تحت رحمة الإسرائيليين، وستكونون أنتم أكثر الخاسرين، فالمسلمون ليس لديهم الكثير مما يأخذه منهم الإسرائيلي المحتلّ، ولكن أنتم سيأخذ من قلوبكم ويمسك برقابكم؛ لأنكم أنتم الذين يكمن عندكم ما تعطونه».
وهذا الحديث كنت أقوله لإخواني المسيحيين كلّهم.
أما أبو عمّار، فكان يأتيني دوماً بعد الإفطار بدقائق، ليجلس ساعات أتجادل معه، جدالاً قاسياً ومريراً، ونفترق لنلتقي ثانية، وهو لا يزال عند موقفه الذي كان عليه من عشر سنوات، يحلم بأمور، ويشتهي، ويقيّم... في ضوء ما يتصوّره خياله، وأنا أحاول أن أضعه عند مسؤولياته.
كذلك أقام أبو عمّار الدنيا حين أتى إليّ يقول إنّ هذه خيانة، أي عودة الوزّان، أي إنّنا نحن خائنون، فثرت عليه بعنف، رجع واعتذر، فقلت له: أنا أدري ماذا أفعل، لم يبقَ لكم إلا الوزّان، عملنا وسعينا من أجل تكوين «هيئة الإنقاذ»، وضحّينا مع جنبلاط ومع بشير الجميّل من أجل ذلك فتكوّنت، واعتقدنا أنّنا خطونا خطوة أولى، ثمّ اجتمعتَ معنا، فاعتقدنا أنّنا خطونا خطوة ثانية، ثمّ في أول اجتماع صدر عنها ما ينبئ بأنّ أعضاءها متّفقون جميعاً، وكانت قدرة عجيبة ألهمنا الله بها وأعاننا فيها، فتمكّنا من أن نجمع جنبلاط وبشير الجميّل على طاولة واحدة، وهذا لم يكن ليحصل لو لم أكن أنا الساعي إليها. ثمّ فرطت هذه الهيئة أو كادت، جمدت، فما بقي إلا رئيس الحكومة الوزّان، ولو لم نبقه غير مستقيل بعد أن قدّم استقالته لسركيس، ولو لم أشدّ وأدفعه دفعاً لبقي على استقالته، وهكذا استمرّت لنا شرعية قائمة، ولو لم يكن كذلك لما بقيت لنا أي شرعية.
وانطفأت «الحركة الوطنية»؛ خصوصاً بعد أن قصد جنبلاط تجمّع الصحافيين في فندقهم، وشتمنا هناك، فقال إن الحكّام خونة، بمن فيهم الوزّان وصائب، وأعلن انسحابه رسمياً منها.
نعم، لم تبقَ «حركة وطنية»، وجنبلاط ترك الساحة وهو منزوٍ في بيته، أما أنا، فأستمرّ منفرداً أحارب بإيماني، بعقلي، بما أعطاني الله من سعة الحيلة، حيلة الرجال في وسع التفكير.
وأذكر أنّه كان يجتمع عندي، أسبوعياً، ثمّ يومياً: «التجمّع الإسلامي»، و«جبهة المحافظة على الجنوب»، وذات مرّة زارنا خلال الاجتماع: الوزراء الخمسة، وأبو عمّار، وأبو جهاد، وأبو الوليد.
كانت جلسة طويلة، وبعد أن ذهبوا، جاءني الرئيس الوزّان منهكاً، وقال لي إنّ الأمور لم تتيسّر بعد، فرغم الأسس التي وُضعت مع أبو عمّار، بقيت التفاصيل العسكرية، وهي شأن لا نتعاطاه، بينما جوني عبده يفهم بها.
وأنا كنت قد قابلت جوني عبده مرّة واحدة في القصر الجمهوري. تحدّثنا يومها، وقلت له إنّنا اليوم في موقف حرج، ويجب أن تدركوا أنتم الموارنة ذلك، مع المسيحيين كلهم، وأرجو أن تنقل هذا إلى الرئيس سركيس وإلى بشير الجميّل، بأنّ عليكم أن تعاونونا على ما نقوم به، فوعدني بأنّه سيضع تصوّراً لما يجب أن يكون من انسحاب المقاومة، ومن تنظيم المسلحين، وهو سيعطيني إيّاه.
ثمّ أتاني هاني الحسن فقال إن جوني عبده اجتمع بحبيب، وأنا أعلم أنّه يجتمع به دائماً، وإنّ حبيب قال له إنّ الوحيد «الكونسيستينت» (Consistent المتماسك والثابت، وهاني ردّد الكلمة الأجنبية من دون أن يفهم معناها) هو صائب سلام، هو الذي آخذ منه الكلام الصريح والواضح. وكان حبيب فعلاً يتّصل بي أو أتّصل به مرّة أو اثنتين أو ثلاث مرّات أحياناً في اليوم، وهو يعتمد على ما أقول. وبناءً على ذلك، سأنتظر من جوني عبده ما سيعطيني لأكلّم حبيب على أساسه.
ثمّ كلّمني الرئيس الوزّان فقال لي إنّهم طلبوه إلى القصر، فالرئيس مريض، وكان هناك فؤاد بطرس وحبيب الذي أبلغهم أنّ إسرائيل رفضت الشروط التي وصلت إليها. حين قال لي الرئيس الوزّان ذلك، كان تقي الدين الصلح عنده، فطلبت منه أن يكتب لي هذه الشروط المرفوضة وأنا سأنظر فيها، مع ما سيصلني من جوني عبده، لأرى ما سأفعل مع حبيب وبشير وغيرهما. وحين قال لي إنّ الوزّان سيستقيل لأنّه لا يستطيع الاستمرار، قلت له أن يبلغه أنّه بذلك سيرتكب أكبر جرم في الدنيا، فليداوم ونحن معه، أقاموا الدنيا علينا في السابق واتّهمونا بالخيانة، لا بأس، واليوم يعرف الجميع أنّ أحسن ما فعلناه أنّنا أبقينا الوزّان صلة الوصل والشرعية به قائمة.
أما بشير فقد أصبح -كما قلت- تحت تأثير الإسرائيليين، وبالطبع قلت له هذا على الهاتف: «إنك ربما لا تكون مع الإسرائيليين يا بشير، ولكنّ هؤلاء الأعوان الذين حولك والذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، والذين تمرّنوا عندهم في تلّ أبيب، والإسرائيليون هؤلاء الذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، هم عندكم اليوم يأكلون ويشربون معكم، ويتعاطفون ويتعاملون، وما صدر عنهم من قساوة يجب أن ندرك أنّه يضرّ بنا وبكم في النهاية».
على كلٍّ، سأبقى صامداً وباقياً على إيماني. والغريب أنّ آخر سؤال يسألني إيّاه معظم الصحافيين الذين يخرجون من عندي زرافات ووحدانا، هو: «وكم عمرك؟» وكأنّهم يجدون أنّني أقوم بما يقوم به ابن ثلاثين، فأنا أفعل هذا بنشاط وبهمّة، ولإيماني الذي بقي في صدري، ولما أشعره من واجب عليّ أن أقوم به.
من جهة أخرى، كانت تأتيني أصوات صغيرة من الشمال، من كرامي، تعلن أنّه في إنقاذ بيروت علينا ألا نهدر القضيّة، نعم هذا كلام مغرض يشكّل طعنة، كما أنّ هناك طعنات أخرى، من الحركة الوطنية أيضاً، وقد جاء منهم من يقول لي إنّهم يريدون إلقاء السلاح بين يديّ، فأجبتهم بأنّني رغم يدي الممدودة سأتلقفكم بكلّ ما فيكم، وبكلّ ما أسأتم إليّ في السابق، ولكنّني لن أحمل السلاح، فأنا أرفض أن يكون سلاحي البارود والحديد والنار، سلاحي هو ثقة الناس، سلاحي هو الموقف المستمرّ، وهذا ما أخبرته لحبيب، وقلته لجوني عبده.
إذن، أنا مستمرّ في خطّي الواضح والصريح والوطني الذي لا لبس فيه ولا إبهام، رغم أنّ البعض يسمّوننا «مشبوهين» أو خونة؛ لكن أبداً، لقد ضربنا هؤلاء في أول خطوة في قضيّة المجالس المحلية، وسنتابع العراك المرير معهم.
نبيه برّي لم يتّصل بي منذ سنوات، وقد فاجأني حين طلب أن يزورني مع جنبلاط، فأهّلت به على أن يأتي من دون جنبلاط هذا الذي هم مغرورون به، وقد شرحت له الواقع، وقلت له أين يقف. وسُئلت: لماذا لا نعقد اجتماعاً إسلامياً ضخماً، لنقف جميعاً وقفة واحدة؛ لكنني أعرف أنّ هذا الطرح هو للالتفاف حولي، لمخادعتي، من هنا ومن هناك، إما بالمزايدة عليّ مع الفلسطينيين أو ضدّهم. ولأنّني أعرف ذلك وقفت ضدّه أيضاً، بقوّة أعطاني الله إيّاها، لمتابعة النضال المرير الذي يُرهق الجبال، فكيف وأنا في هذه السن، وعائلتي تشفق عليّ، زوجتي وأولادي، والبعيدون منهم يبكون، إلا أنّ تمّام يساعدني حقاً.
وأذكر أنّه في الرابع والعشرين من يونيو 1982، اجتمعت مع أبو عمّار وأبو الوليد وهاني الحسن، بعد أن عدت من زيارة الرئيس الوزّان الذي شرح لي ما تداوله مع حبيب وجوني عبده.
وكان الوزّان غير متأكّد من أنّ المقاومة على استعداد لترك لبنان، وهذه النقطة لا يستطيع أن يناقشها مع حبيب، فهو لا يتحمّل مسؤوليتها، لا تجاه نفسه ولا تجاه التاريخ، أو تجاه من سيحاسبه فيما بعد. وكان خائفاً من الاغتيال ومن موقفه من الفلسطينيين، لذلك قلت للمجتمعين عندي: «يا أبو عمّار، اجمع رؤساء فصائل المقاومة كلهم، بمن فيهم حبش وحواتمة وجبريل وغيرهم، واكتبوا محضراً بأنّكم على استعداد لترك لبنان، ووقّعوا المحضر ثمّ ضعه في جيبك لتسلّمه للوزان، والوزّان أمين وصادق ووطني، وسيحفظ ذلك، فعندما يمكنه أن يذهب إلى حبيب وغيره، يكون مركزه قويّاً، من دون أن يعطيهم هذا المحضر، هو لن يكشفه؛ لكن كي يستطيع بحث الشروط الأخرى، سيكون موقفه أقوى. نعم الوزّان يريد أن يضمن ذلك، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يؤخذ عليه أنّ الفلسطينيين إذا انسحبوا من لبنان فسيتركون السوريين وراءهم ليعلنوا أنّهم خُذلوا، فيصيرون وحدهم الأبطال». ثمّ نقلت الأمر كله في اتّصال مع حبيب، وهم يستمعون، قائلاً له: «هناك نقطة للبحث، هي الانسحاب، أي انسحاب السوريين والفلسطينيين والإسرائيليين، فلنترك الإسرائيليين ولنبحث عن انسحاب الآخرين، وأنت يا مستر حبيب دبّر الأمر مع السوريين، وقد يكون ذلك بواسطة أميركا».
فوافق حبيب معي؛ لأن هذا الأمر ليس من شأني أو من شأن الفلسطينيين، أنا أريد أن يكون ظهر الفلسطينيين محميّاً، فلا نكشفهم وطنياً.
وقد عرفت من أبو عمّار، فيما بعد، أنّه علم أنّ الأميركان لا يريدون أن يكون الفرنسيون هم الواسطة بينهم وبين «المقاومة الفلسطينية»، وهم يفضّلون أن يكون صائب سلام هو الوسيط، فأجبته بأنّني لست الوسيط، أنا أساعدكم، وأنصحكم ألا تقطعوا علاقتكم بالفرنسيين.
- في تفاصيل الاتفاق مع الفلسطينيين
أذكر أنّ ميشال أبو جودة، حين علّق في «النهار» تحت عنوان: «رئيس جمهورية بيروت»، شرح طويلاً الوضع الدولي في مقال قال في نهايته: «إن صائب سلام هو رئيس جمهورية بيروت، وإنّ أي حلّ لقضيّة بيروت ينطلق لحلّ قضيّة لبنان ثمّ قضيّة الشرق الأوسط بأسره. وأما إذا هُدمت بيروت أو حوصرت، فسيذهب لبنان بأسره، ولن يكون هناك سلام في المنطقة». وقد توافقت نظرة أبو جودة مع نظرتي.
وفي هذا الإطار، كانت اتّصالاتي بحبيب وبالمقاومة مستمرّة؛ خصوصاً بعد أن كتب ووقّع القياديون في المقاومة محضراً بأنّهم سيخرجون من بيروت، وكان هاني الحسن يزورني، وأنا أجده أعقل الفلسطينيين؛ لأنه يحلّل تحليلاً صحيحاً، فأستعين به على أبو عمّار.
طلب منّي حبيب أن أسألهم إلى أين يريدون أن يذهبوا، فسألت هاني، فلمّح إلى أنّهم حتّى اليوم يدرسون الذهاب إلى سوريا، ولكنّهم لا يريدون أن يعلنوا ذلك، فأجبت حبيب بأنّه أصبح الآن من الضروري وضع تصوّر شامل للموضوع وبرمجته، حينئذ أجد ما هو الحدّ الأقصى وما هو الحدّ الأدنى بين الفريقين فنتدخّل لتسوية الأمور. وقد رأيت من الضروري أن أوجّه برقية إلى السعوديين بواسطة علي الشاعر، وإلى الأمير سعود الفيصل فأطلعهما على كلّ ما جرى، وأعطيهما نصّ الوثيقة التي سلّمنا إيّاها أبو عمّار، مع رأيي في النقطتين المثارتين، واحدة من قبل حبيب بأنّه يريد أن يعرف إلى أين سيذهب الفلسطينيون، والثانية أنّ الفلسطينيين يريدون أن يعرفوا شيئاً عن القوّة الدولية؛ لأن الوزير الفرنسي سبق أن قال لي إنّ ذلك يمكن أن يتمّ خلال 48 ساعة، فهنالك «القوات الدولية» الموجودة في الجنوب التي يمكنها أن تحضر سريعاً، ودول أخرى مثل فرنسا وأميركا تريد أن تبعث بجيوشها، ولكنْ هنالك تضارب بين النظرة الفرنسية والنظرة الأميركية، فالأميركيون لا يريدون أن يتركوا دوراً للفرنسيين ليقوموا به في إنقاذ بيروت ولبنان.
وقد تابعت الحديث مع حبيب، ووجدت من الضروري أن أعطيه بصورة خاصّة مكتومة بيني وبينه نصّ المذكّرة التي وقّعها أبو عمّار، ليكون على بصيرة فيما يقوم به. وبعد أن درسها سألني ماذا يقصد الفلسطينيون بقوّة عربية دولية، أو دولية، قلت له هم يتمنّون قوّة عربية دولية، ولكنّهم يقبلون بقوّة دولية.
كذلك حين كلّمني، في هذا الإطار، جوني عبده، بعد غياب طويل، وكلّمني رئيس الجمهورية، أصررت على أنّ الأمر صار متوقفاً عليهم ليضعوا التصوّر المطلوب، بالسرعة الممكنة، وفيه برمجة لكلّ الأمور...
في هذه الأثناء، كما أذكر، طرأ شيء جديد، وهو ما سُمّي «المبادرة الفرنسية الجديدة»، إذ إنّ سفير فرنسا أتى فأبلغ رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة، بأنّ الحكومة الفرنسية قبلت من حيث المبدأ أن ترسل جيشاً من ضمن جيش دولي، ليساعد على إخراج الفلسطينيين من البلاد.
حبيب والأميركان ما زالوا واقفين وقفة غير معقولة بتاتاً. هم يقولون إنهم لبَّوا طلب «المقاومة الفلسطينية» الذي أتاهم بواسطة حكومة لبنان، فقرّر ريغان إرسال قوّة من «المارينز» لبيروت لهذا الغرض، ثمّ حبيب يقول إنّ هذه القوّة لن تدخل بيروت أو لبنان إلا بعد ذهاب الفلسطينيين كاملاً، إذن فلماذا تأتي؟
وفي اتّصالاتي بحبيب، بعد طرح هذه المبادرة، وجدت سبيلاً للأخذ والردّ بيننا، وخصوصاً أنّه يكلّمني دائماً ويعتبرني «أخاً كبيراً» ويقول لي: «أنا اعتمد على نصائحك وآرائك»، وشعرت بعد استعماله كلمة «كونسلتيشن» (consultation) أنّ هناك مجالاً للتداول، فنويت أن ألقاه ونتحدّث.
في هذا الوقت اتّصل بي الشيخان الأميركيان دود ورفيقه الذي إلى جانبه ولم أكلّمه، وكانا في مكتب جان رياشي السفير في الخارجية، فقلت لهما إنّني لا أذهب إلى الشرقية ولا إلى المجلس، فتحدّثنا حوالي ثلث ساعة، وكان الحديث حامياً. طبعاً، مع شيخ أميركي أكلّمه لأول مرّة، وقد اضطُررت إلى أن أنبش تاريخنا مع أميركا من أوله إلى آخره، وحدّثته عن التناقض فيما يقولونه اليوم: «أنتم تقولون إنكم بناءً على طلب المقاومة تأتون بالجيش الأميركي لمساعدتها على الخروج، ثمّ تقولون: لن يأتي هذا الجيش إلا بعد خروجها، فما هذا التناقض الذي لا نقبله. كلّ مصالح أميركا ستذهب إلى الخراب المطلق، ما دمتم تحت تأثير الصهيونية»، وقلت له: «إنكم إذا قضيتم –وهذا ما أردّده دائماً للتلفزيون الأميركي على أنواعه يومياً وللتلفزيون الألماني والفرنسي وغيره– إذا قضيتم على هذه القيادة العاقلة والواعية والمعتدلة من المقاومة فستكونون قد قمتم بشرّ الأعمال، إذ ستنشأ هنا وهناك، وفي كلّ الأقطار العربية، جماهير من (المقاومة الفلسطينية) في غاية التطرّف، وستكون إرهابية في جوهرها وعملها، وستُطعنون في صميم مصالحكم، ولن يكون هناك سلام في المنطقة، حتى ولا لقوّة إسرائيل التي لم تعد قادرة على أن تسيطر على العالم العربي بأسره. إسرائيل أنتم تؤيّدونها بالمال، مالكم مال دافع الضرائب، وأنتم تؤيّدونها بسلاحكم، حتى بالقنابل الفوسفورية، وحتى بالقنابل العنقودية، وتؤيّدونها سياسياً، وهي بهذا التأييد الأعمى يكون دورها فقط أن تهاجم وتعتدي وتتوسّع وتسيطر، وهذا ليس في مصلحة أميركا بالنتيجة».
- أغسطس (آب) 1982: القصف المجنون
ابتداءً من أول أغسطس، فُتحت أبواب جهنّم على بيروت، وشاهدنا وعشنا أضعاف ما شاهدناه في السابق، فمن الصباح إلى المساء كان القصف الإسرائيلي جواً وبحراً وبرّاً متواصلاً بشكل غريب. في الواقع يمكن أن أسمّيه جهنّم وأبوابها مفتوحة. كنا في بيت أختي فاطمة، فنزلنا إلى الطابق التحتاني؛ حيث اعتقدنا أنّ العقد يحمينا أكثر من البقاء في الطابق الأول، ولم يكن هناك إنسان يتحرّك على الطريق خلال تلك الساعات، كنا نسمع القنابل تتساقط حولنا وتأتينا بعض شظاياها، إلى أن وقعت اثنتان منها عندنا في البيت الملاصق لبيتي، وهو المكتب الذي أضع فيه كلّ أوراقي وملفّاتي، وواحدة انفجرت فخرقت السقف الذي تحت أرض الغرفة على مسافة 60 سنتيمتراً من العقد، إذن، لو أتى شيء من فوقنا لا سمح الله لهُدم البيت على رؤوسنا.
خرجنا من هذه المحنة، وصعدنا إلى الطابق الأول والثاني، وفي اعتقادنا أنّنا لن نرى شيئاً منه سالماً، ولكن الحمد لله أنّ للبيت ربّاً يحميه، وهذا ما كان يردّده هاني الحسن عندما كانت الأوضاع تتأزم وتتساقط القنابل من حولنا، فيقول: «سبحان الله، وكأنّ لهذا البيت شيئاً يحرسه وهو قائم بشموخه بين البيوت الملاصقة».
كنت خلال هذه الأزمة، قد مددت خطوطاً هاتفية إلى الطابق السفلي، مباشرة وغير مباشرة، لأبقى على اتّصال دائم برئيس الجمهورية، فأضغط عليه كثيراً ليطلب جميع سفراء الدول ويطلعهم على ما يجري، وكان يتردّد ويقول إنّه ليس بإمكانه أن يتواصل مع أحد؛ لكنه بعدها قابل تقريباً جميع سفراء الدول الممثّلين في هيئة الأمم، وفي مجلس الأمن.
وكذلك كنت على اتّصال بالوزّان، واتّصالي الأكثر كان مع غسّان تويني في الأمم المتّحدة، للتشاور معه في كيفية تقديم الشكوى إلى مجلس الأمن، وماذا يكتب فيها؛ لأنه في الواقع كان قد أعلن أنّه طلب المراقبين، وهو ليس مطلب الحكومة، وبعد حوار طويل قال لي: «إن الجميع يتشاورون في الغرفة المقفلة»، فقلت له: «وهذه العجوز الشمطاء مندوبة أميركا؟»، قال: «ربما تسايرنا»، وإذا وهو يتحدّث يقول: «اسمع اسمع لقد خرجتْ»، ثمّ قال لي: «لقد وافقت على القرار»، وهذه أول مرّة توافق فيها أميركا على مثل هذا القرار في طلب وقف إطلاق النار، وتوافق على إرسال المراقبين الدوليين، وهو موقف يُعتبر من جانبها موقفاً عدائياً، أو غير ودّي، تجاه إسرائيل.
وأذكر أنّه بعد خروجنا من هذه المحنة أتتني وفود كثيرة تهنّئني بالسلامة بعد أن سمعوا بإصابة مكتبي، وكان منهم أبو عمّار وهاني الحسن.
وأذكر بعد هذا اليوم المجنون، أنّني ذهبت في جولة لأتفقّد الأماكن المصابة أكثر من غيرها في البلد، فذهبت إلى كورنيش المزرعة وجنوبه، وبقيت ساعتين أجول في تلك المنطقة التي سمّيتها حقاً مدينة أشباح، فهي تكاد تكون خالية من السكّان، خالية من كلّ روح، فيها التهديم والحرائق، ومع الأسف، كلّ ما يدمي الفؤاد. وكان يرافقني فريق من التلفزيون الأميركي وغيره، ومن التلفزيون اللبناني أيضاً، وقد صوّروا كثيراً وسجّلوا تعليقي، ثمّ عقدت مؤتمراً صحافياً حين أنهيت الجولة في مكان إقامة فريق «المقاصد» للدفاع المدني، أولئك الشباب الذين يُدخلون العزة والطمأنينة ويعزّزون الإيمان إلى نفسي، أولئك الشباب المتطوّعون الذين يرمون بأنفسهم منذ شهرين وأكثر أمام الجميع، ليطفئوا الحريق هنا أو هناك، ولإنقاذ الأشخاص من تحت الركام، وانتشال الجثث والإتيان بها إلى مستشفى «المقاصد»، وهو ما يشجّع الإنسان على إبقاء الحياة في هذا البلد، رغم كلّ ما يصيبنا من بلايا ورزايا.
وأذكر أنّ ما قلته باللغة العربية في المؤتمر الصحافي هذا، بثّه التلفزيون اللبناني، وما قلته بالإنجليزية تلقفه المراسلون الأجانب وأرسلوه لوكالاتهم وتلفزيوناتهم. وقد أكّد لي كلوفيس مقصود، فيما بعد، أنّ حديثي كان ممتازاً، وهو ضروري جداً لأميركا والأميركيين، فارتحت لسماع ذلك. أما المراسلون هؤلاء فقد أخبروني أنّهم كانوا قد شاهدوا الإسرائيليين يحشدون دباباتهم عند المتحف، وهي أكثر من 80 دبابة، وأنّهم استولوا على المرفأ، وهم يتجمّعون هناك بقوى كبيرة، كما يحاولون الدخول من منطقة الأوزاعي والمطار وبرج البراجنة، إذن هم يطوّقون بيروت ويشدّدون الخناق عليها، ليصلوا إلى قلب العاصمة ويدمّروها.
تبادلت الحديث مع حبيب في هذا الأمر، فطلب أن أتّصل بالمقاومة ليوقفوا إطلاق النار من جهتهم، وكنت مقتنعاً بأنّ الإسرائيليين هم الذين يخرقون وقف إطلاق النار؛ لكنني اتّصلت بأبو جهاد، وحبيب نقل الأمر إلى واشنطن، وقال لي مؤكّداً إنّ أميركا لن تقبل باجتياح بيروت، وأنا لم أعد أثق بأميركا، وأعتقد أنّ ريغان ومواقفه لا تؤثّر، أو لا يريد لها هو أن تؤثّر، على إسرائيل، لوقف عملها العسكري في بيروت.
اتّصلت برئيس الجمهورية، كما أذكر، وكنت عنيفاً معه، قلت له: «أنت رئيس البلاد ومفروض أن تعيش مع أبناء عاصمتك، وتقاسي ما يقاسون من إرهاق تحت القصف العشوائي الوحشي المتواصل، وهم من دون ماء ومن دون كهرباء، والأمراض بدأت تتفشّى... وهم من دون أدوية والكلّ يصرخون، حتى إنّ الإسرائيليين منعوا (الصليب الأحمر) بالذات من إدخال الدواء»، وطالبته بأن يرسل جيشاً من مائتي نفر أو أكثر إلى محطّة المياه وإلى محطّة توليد الكهرباء، فيفرض تسلّمهما، وليقابله الإسرائيلي بالعنف، فيفهم العالم أنّك تحافظ على أرواح أبناء بلدك، فكان أول الأمر مستفهماً، ثمّ قال أخيراً: «خيراً، سنجري اللازم»، فقلت له: «يجب أن تجري اللازم»، وأعتقد أنّ عنفي معه كان إلى أبعد الحدود.
وللأسف، لم تمضِ ساعات على هذا الاتّصال، حتى أتت طائرتان فجّرتا بناية بأكملها، طبعاً عرفت فيما بعد أنّها كانت مكاناً للقيادة الفلسطينية، فطبّقت سبعة طوابق على من فيها، ويقولون إن هنالك مئات الضحايا، فاتّصلت بحبيب لأنّه أصبح لدي هاتف جيد الآن، مددت شريطه من مكتب «المقاصد» إلى بيتي على بعد 1200 متر، وقد عانينا كثيراً في إيجاد الشريط اللازم، فأخذ علماً وخابر واشنطن فوراً.
ولم أعد أحصي الساعات التي أمضيتها في الملجأ، تحت العقد، ونحن نسمع القذائف تنهمر على بيروت، وفي كلّ مرّة أتّصل بحبيب، وهو يقول لي: «فتّش عن القيادة الفلسطينية وأخبرهم بضرورة وقف النار»، وأنا أجيبه بأنّ الإسرائيليين هم الذين يقصفون البلد في كلّ أرجائه، الجنوبية، وقلب بيروت... من كورنيش المزرعة إلى الحمّام العسكري، والله يمنّ علينا بأنّنا لم نُصب بسوء، ولكن هناك ضحايا كثيرة غير الدمار والخراب.
وذات مرّة، بعد سقوط قنابل كثيرة، أخبرني حبيب أنّ وقف إطلاق النار سيكون سريعاً، ذلك أنّه اتّصل بواشنطن، وعرف أنّ الرئيس الأميركي ريغان اتّصل ببيغن، وطلب منه إيقاف إطلاق النار، فاجتمع بيغن بالوزارة الإسرائيلية، ثمّ أبلغ ريغان بأنّهم أمروا بوقف النار، فبثّت إذاعات العالم أنّ ما أبلغه ريغان لرئيس الوزارة الإسرائيلية كان إنذاراً، فأعدت الاتّصال بحبيب وشكرته.
- وداع أبو عمّار
طبعاً كانت علاقتي بالإعلام مستمرّة، زيارات ومقابلات، وقضيّة الانتخاب وقضيّة المقاومة حاضرتان دائماً. وكان عندي تقي الدين الصلح ووليد جنبلاط ونبيه برّي، حين حضر إليّ الوفد الاشتراكي الأوروبي، فدعوت الجميع للغداء، وكان الكلام صريحاً مستفيضاً عن أوضاع لبنان وأوضاع العالم العربي والقضيّة الفلسطينية، وقد طلبوا الاستماع إلى رأيي بعد أن قابلوا شخصيات كثيرة ورسميين. كان الاجتماع ناجحاً، وأكثر الكلام كان لي، إذ كنت أفسّر لهم كلّ الأمور، وهم يستوضحون كلّ شيء. وقد طلبنا منهم أن يسعوا جهدهم كقوة اشتراكية دولية؛ خصوصاً وهم اليوم في مراكز الحكم في بلدان أوروبية كثيرة، ليدركوا أنّ «لبنان أصبح قضيّة كالقضيّة الفلسطينية، لا يمكن إهمالها».
وأعتقد أنّ هذا الاجتماع سيكون له تأثير فاعل، آمل أن نستفيد منه في تحرّكنا المقبل.
وتحضيراً لانسحاب الفلسطينيين جاءني هاني الحسن، وخرج وهو ينوي أن يعود ثانية لوداعي. كذلك جاءني أبو عمّار، ومعه أبو جهاد، وكان قد طلب منّي أن أعمل لتأخير انسحابهم، فاتّصلت بحبيب الذي قال إن ذلك لا يمكن إطلاقاً، ولكنّه سيرتّب الموضوع ليكون ذهاباً مأموناً خلال 24 ساعة أو يومين.
تحدّثت مع أبو عمّار كثيراً في سياسته المستقبلية، ونصحته بأن يترك الأمور الصغيرة وينتقل لحمل مسؤوليات كبيرة، فالفلسطينيون صار لهم شأن كبير في العالم، ولهم مندوبون في حوالي 65-70 دولة، بما يشبه السفراء، وهم يمكنهم أن يمثّلوا قوة دعائية كبيرة، وفي أميركا هناك قوّة فلسطينية من أغنياء ومثقفين، كانوا قد اجتمعوا في لندن، ووضعوا مبلغاً كبيراً مبدئياً، ربما مائة مليون دولار، للقيام بالدعاية فيها. وقد تأثّرت كثيراً بالمقابلة، وصرت أشعر بأنّ أهل بيروت رغم ما قاسوه يعطفون عليهم عند انسحابهم، وأنّ ما نطلبه هو تعزيز قضيّتهم، فنحن نؤيّدها، ونجدها مفيدة لهم ولنا نحن المسلمين في لبنان، وأنّ الضرر سيقع علينا إذا خرجوا مذلولين لا سمح الله.
وبعد يومين، أذكر أنّه أتى إليّ أبو عمّار، وقد جاءني مودّعاً، كان مساءً مؤثراً، قلبي معه، أعدت البحث؛ بل النصيحة المستمرّة، أولاً ليخرج مشجّعاً، وثانياً ليعتبر أنّه لم ينكسر كاملاً، وهذا ما كنت أردّده على الصحافة العالمية من أوروبية وأميركية كلّ يوم، وأنّ عليه أن يغيّر خطّته كاملة، فهو لم يعد في حرب عصابات ولم يعد مقاومة عسكرية؛ بل أصبحت قضيّته قضيّة نضال سياسي، إذن عليه أن يكون رجل دولة بكلّ معنى الكلمة، ينفض عنه غبار كلّ الماضي، وكلّ الممارسات الماضية، ويتّخذ صفة رجل الدولة بهيئة جديدة، ليتصرّف بالقضيّة التي أصبح لها مجال عالمي واسع، وشعبية مؤيّدة من أكثر شعوب العالم.
وقد اعتصر قلبي في ساعة الوداع هذه، حتى زوجتي تميمة دخلت علينا المكتب، وهي لم تفعل هذا من قبل مع أحد، وأحبّت أن تودّعه، فقبّل يدها تقبيلاً حارّاً والدمعة في عينيه، وقال لها: «أقبّل هذه اليد عن جميع نساء بيروت البطلات اللواتي صمدن معنا!». وكانت التلفزيونات العالمية كثيرة عند الباب ونحن خارجان، وبعد أن نزل السلّم، لحقته إلى الأسفل، مُغيّراً عادتي بأن أودّعه على باب المصعد، فأوصلته إلى سيّارته، وقد دمعت عيناه، وأنا تأثّرت تأثّراً عميقاً. كان الله في عونه.
- وجاء يوم مغادرة الفلسطينيين
أذكر أنّه كان يوم الاثنين في 30 أغسطس 1982، حين زار أبو عمّار رئيس الوزراء، ومن هناك توجّه معه إلى المرفأ؛ حيث كان مرافقوه وسط حشد كبير.
وقد نزلت أنا وتمّام وتقي الدين إلى المرفأ، وكان هناك عدد كبير من المودّعين، ومنهم المفتي، والرئيس الحصّ، ورشيد الصلح، ومالك سلام، والبربير، والحركة الوطنية بكاملها، مع وليد جنبلاط، وهناك اختلط الحابل بالنابل عند مدخل الباخرة اليونانية، وقد أتى من «الحركة الوطنية» محسن إبراهيم وجورج حاوي، وأنا لم أكن على علاقة طيّبة معهما، فتقصّدا من بعيد أن يأتيا لمصافحتي، فلم أر بُدّاً أمام الناس من مصافحتهما، ثمّ صعدنا إلى الباخرة، وكان هناك اجتماع في قاعة الاستقبال؛ حيث الرئيس الوزّان يمثّل فخامة رئيس الجمهورية، ومعه رينيه معوّض، وقد ألقى أبو عمّار كلمة مؤثّرة، ثمّ قدّم رسالة للوزّان، ووساماً لبيروت باسم القائد العامّ للمنظّمة... «منظّمة التحرير الفلسطينية»، سمّاه «وسام صمود بيروت» وقد أجابه الوزّان بكلمة طيّبة أيضاً ومؤثّرة، وقال له: «لأول مرّة نزيد على التقاليد في لبنان، فأنا أمثّل رئيس الجمهورية، وكذلك يمثّله معي الزميل وزير التربية رينيه معوّض، أي أنّ لبنان المسيحي والمسلم يودّعك اليوم».
كنت راضياً تماماً عن هذا الوداع؛ لأنه في الواقع أتاح للأخ أبو عمّار، ومن خلال شخصه للمقاومة الفلسطينية، مغادرة مشرّفة كريمة، وما لفت نظر الجميع أنّ الأميركيين، مع أنّهم يرفضون الاعتراف بالمنظمة الفلسطينية، كانوا يحرسون الطرق من المركز التجاري إلى المرفأ، على الجانبين، كما حرسوا أبو عمّار ببوارجهم في البحر. إذن، هذا اعتراف غير مباشر، فقد كانت الباخرة اليونانية بحماية الأسطول الأميركي والأسطول الفرنسي.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
TT

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)

بعد أكثر من شهر على نيلها ثقة البرلمان، في 14 مايو (أيار) 2026، لا تزال حكومة علي الزيدي غير مكتملة التشكيل، فما يقرب من 10 حقائب وزارية لم تُحسم بعد، من بينها وزارتان تحتلان موقعاً محورياً في بنية الدولة العراقية، هما الداخلية والدفاع.

وفي بلدٍ كثيراً ما تولد فيه الحكومات بعد مفاوضات طويلة بين الأحزاب، والكتل البرلمانية، وشبكات النفوذ، والقوى الإقليمية، قد يبدو هذا البطء مألوفاً، غير أن هذا الانطباع لا يصح إلا ظاهرياً؛ فعدم اكتمال التشكيلة الحكومية لا يعكس الصعوبات المعتادة المرتبطة بتقاسم المناصب فحسب، بل يكشف، قبل كل شيء، أن التسويات التي أتاحت وصول علي الزيدي إلى السلطة لم تُفضِ بعد إلى توازن حكومي حقيقي.

وبذلك، يتمتع رئيس الوزراء بشرعية برلمانية، لكنه لا يسيطر بصورة كاملة على جهازه التنفيذي. وحكومته قائمة قانونياً، لكنها تبقى ناقصة سياسياً. ولم تعد المسألة الأساسية تتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، بل في هامش المناورة الذي سيُمنح له لتنفيذ برنامجه السياسي والاقتصادي والأمني.

فهل سيكون علي الزيدي مجرد مدير لتسوية أبرمتها القوى الرئيسية داخل المعسكر الشيعي، أم سيتمكن تدريجياً من تحويل هذه التسوية إلى رافعة حقيقية للعمل السياسي، واستعادة جزء، ولو محدود، من قدرة الدولة العراقية على المبادرة؟

في هذا السياق، تكتسب الزيارة التي يُفترض أن يجريها علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف يوليو (تموز) أهمية خاصة؛ فهذه الزيارة تتجاوز بكثير إطار زيارة دبلوماسية تقليدية. وإلى جانب الملفات الاقتصادية والطاقة والقضايا الأمنية التي أُعلن أنها ستكون محور النقاش، فإنها ستمثل أول اختبار حقيقي لولايته الحكومية، كما ستتيح تقييم قدرته على تعزيز شرعيته الدولية، وتوسيع هامش استقلاليته إزاء القوى السياسية التي أوصلته إلى السلطة، وكذلك تحديد طبيعة علاقته بالإدارة الأميركية، في وقت تبدو فيه أولويات واشنطن في العراق آخذة في التغير.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

العراق في معادلة إقليمية جديدة

استوقفت كثيرين المفاجأة الاستراتيجية التي فجّرتها طهران، وغيرت بعض موازين القوى في المنطقة، وتمثلت في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإدخال تغيير مقلق على القانون الدولي عبر فرض ما سمته «حقها في السيطرة».

وقد أتاح الاتفاق المرحلي الذي جرى التوصل إليه بين واشنطن وطهران وقفاً لإطلاق النار، وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات المقبلة. ومن المرجح أن يقلل هذا الاتفاق من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة على المدى القصير، لكنه لا يحل أياً من الملفات الأساسية التي لا تزال موضع خلاف عميق بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، بل إن المنافسة بينهما تميل، على العكس، إلى الانتقال نحو ساحات لا تزال مصالحهما تتقاطع فيها، ويأتي العراق في مقدمتها.

بالنسبة إلى بغداد، ينطوي هذا التطور على مفارقة واضحة. فمن جهة، قد يتيح الانفراج النسبي بين واشنطن وطهران لحكومة علي فالح الزيدي هامشاً إضافياً لمواصلة إصلاحاتها، من دون أن تتحمل بصورة مباشرة تداعيات أي تصعيد إقليمي. ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا الانفراج نفسه إلى نقل ساحة التنافس بين القوتين إلى داخل المؤسسات العراقية، بحيث تصبح الدولة العراقية هي ميدان الصراع الرئيسي.

إضافة إلى ذلك، يعيد الاتفاق بين واشنطن وطهران فتح الملف العراقي على جبهات جيوسياسية أخرى.

فمن المتوقع أن تعمل دول الخليج على تسريع استراتيجياتها الرامية إلى ترسيخ مصالحها الإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بالعراق وسوريا ولبنان. وفي الوقت نفسه، ستسعى تركيا، تحديداً عبر استراتيجيتها الجيوسياسية في مجالي الطاقة والربط اللوجستي، إلى تعزيز موقعها في العراق. أما الصين وروسيا، فستحاولان بدورهما تثبيت حضورهما فيما تعدانه «الجبهة الجنوبية» للهجوم الأميركي ــ والغربي عموماً ــ في الفضاء الأوراسي، أي إيران (إلى جانب الجبهة الغربية المتمثلة بأوكرانيا، والجبهة الشرقية المتمثلة بتايوان) وما يحيط بها من فضاءات اتصال وامتداد.

ومن المفترض أن يتمكن العراق من الاستفادة من هذه المنافسة الجديدة على النفوذ الإقليمي، ولا سيما من خلال جذب الاستثمارات الاقتصادية، والحصول على دعم أكبر لمسار التطبيع والاندماج الإقليمي.

وسوف ينعكس هذا التحول الجيوسياسي، بصورة حتمية، على موقع العراق داخل التنافس القائم بين واشنطن وطهران. فعلى امتداد ما يقرب من عقدين، قام النظام السياسي العراقي على توازن ملتبس؛ فلا هو محمية أميركية، ولا تابع مطلق لإيران، بل فضاء مفتوح للتفاوض الدائم بين التأثيرات الخارجية، والنخب المحلية، والأحزاب الطائفية، والفصائل المسلحة، والمؤسسات الهشة، والاقتصاد الريعي.

وأتاح هذا النموذج، رغم هشاشته، قدراً من الاستقرار النسبي طوال سنوات، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأنه يدخل اليوم مرحلة جديدة، يُفترض أن تتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

تحول في السياسة الأميركية

يبدو أن إدارة ترمب لم تعد مستعدة للقبول الكامل بالمنطق الضمني الذي حكم الملف العراقي خلال السنوات الماضية، والقائم على نوع من الإدارة المشتركة، المباشرة أو غير المباشرة، بين واشنطن وطهران.

فالرسائل التي صدرت حتى الآن تشير إلى توجه أميركي يقوم على إرساء نفوذ طويل الأمد، يستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية نفسها، بحيث يؤدي هذا التعزيز، عبر أدوات تكنوقراطية، وربما أيضاً من خلال قدر أكبر من الحياد الآيديولوجي، إلى ترجيح كفة المصالح الوطنية العراقية، لا سيما الاقتصادية منها، على حساب النفوذ الإيراني.

ويبدو أن عدداً من المسؤولين داخل الإدارة الأميركية يتبنون هذه الرؤية؛ إذ يؤكدون أن العراق يمكنه أن يتحرر تدريجياً من اعتماده على الدعم الإيراني إذا ما استعادت مؤسسات الدولة العراقية مصداقيتها وفاعليتها.

وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب العسكري الأميركي، المقرر في سبتمبر (أيلول) 2026، تبدو المقاربة الأمنية البحتة غير كافية لمعالجة الوضع العراقي، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن عمليات استهداف قادة الفصائل المسلحة وبناها التنظيمية، التي استمرت بصورة متكررة منذ عام 2020، لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.

ومن بين أبرز المدافعين عن هذا التوجه يبرز توم برّاك، الذي يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المقاربة. فهو السفير الأميركي لدى تركيا، وأحد المقربين من دونالد ترمب، كما يُعرف بعلاقته الوثيقة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان واحد أبرز المدافعين عن فاعلية النظم المركزية (بل حتى التسلطية) في أحداث انتقال، وهو اليوم أحد أبرز الفاعلين في الملفين السوري والعراقي.

وينتمي برّاك إلى المدرسة الكلاسيكية التي ترى أن أي نفوذ مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم من دون دول مركزية تتمتع بحد أدنى من المصداقية السياسية والمؤسساتية. من هنا، يدعم برّاك في سوريا مساراً براغماتياً لتطبيع العلاقات مع الحكم الجديد في دمشق، بينما ينعكس الأمر في العراق في اهتمام خاص بتعزيز دور بغداد، من دون إغفال أهمية أربيل ومكانتها.

لهذا السبب ينبغي فهم إعادة تنشيط عدد من الملفات خلال الفترة الأخيرة؛ فالمساعي الرامية إلى تخفيف التوتر بين بغداد وأربيل، والرغبة في تشجيع تنسيق أوثق بين بغداد ودمشق، وكذلك الاهتمام المتجدد ببعض المشاريع الإقليمية، لا تعكس مجرد اعتبارات دبلوماسية، بل تندرج جميعها ضمن منطق واحد، يتمثل في تعزيز قدرة الدولة العراقية تدريجياً على استعادة دورها بوصفها الفاعل المركزي في التوازنات الإقليمية. وسيؤدي التوصل إلى تسوية للخلافات المزمنة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ــ سواء فيما يتعلق بالموازنة، أو صادرات النفط، أو إدارة موارد الطاقة، أو توزيع الصلاحيات ــ إلى تعزيز موقع بغداد، ومن ثم إلى تقوية موقع علي الزيدي نفسه.

وينطبق المنطق نفسه على العلاقات بين بغداد ودمشق؛ إذ يبدو أن السلطات الأميركية (تحت تأثير برّاك) باتت تفضل اليوم قيام تنسيق براغماتي بين العاصمتين، ليس انطلاقاً من تأييدها للسلطة السورية الجديدة بقدر ما ينبع ذلك من رغبتها في تحقيق الاستقرار في منطقة حدودية أصبحت ذات أهمية بالغة للأمن الإقليمي.

فلا تزال الحدود العراقية - السورية تمثل رهاناً استراتيجياً رئيسياً في مكافحة الجماعات المسلحة، وعمليات التهريب، وشبكات العبور غير الشرعي، لكنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تستعيد دورها فضاءً للتبادل الاقتصادي ولحركة الطاقة إذا ما توفرت الظروف السياسية المناسبة.

وفي هذا السياق، تستعيد فكرة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك – بانياس أهمية خاصة؛ فهذا المشروع لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يحمل أيضاً دلالات جيوسياسية عميقة، ومن شأنه أن يوفر للعراق منفذاً إضافياً لتصدير نفطه عبر البحر الأبيض المتوسط، بما يقلل، ولو جزئياً، من اعتماده على المسارات الحالية التي تمر عبر الخليج أو تركيا.

والأهم من ذلك أنه سيجسد عودة العراق إلى أداء دوره التاريخي بوصفه حلقة وصل بين الخليج والمشرق العربي والبحر الأبيض المتوسط. ورغم أن هذا المشروع، وحده، لن يكون كفيلاً بحل الأزمة الاقتصادية العراقية، فإنه يعبّر عن إرادة لإعادة تموضع العراق في قلب الديناميات الإقليمية، بدلاً من بقائه مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية.

الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

الحكم في ظل القيود المالية

غير أن هذا الأفق شديد الهشاشة، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الداخلي؛ فحكومة علي الزيدي ورثت أوضاعاً مالية متدهورة. وتقلصت هوامش حركة الدولة بصورة كبيرة نتيجة الالتزامات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في عهد حكومة محمد شياع السوداني. وباتت كتلة الرواتب في القطاع العام، والإنفاق الاجتماعي، والديون الداخلية، والالتزامات المالية المختلفة، تستنزف جزءاً كبيراً من موارد الدولة.

يضاف إلى ذلك ما يحيط بصادرات النفط من صعوبات؛ فالمفاوضات مع تركيا بشأن استئناف التصدير عبر ميناء جيهان لم تحسم بعد، ما يحرم العراق من جزء مهم من إيراداته النفطية. وقبل اندلاع هذه الأزمة، كانت الصادرات عبر هذا الخط تبلغ مئات الآلاف من البراميل يومياً.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد ظرف اقتصادي عابر أو وضع مالي مؤقت، بل تكشف الحدود البنيوية للنموذج السياسي والاقتصادي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003؛ فقد تحولت الدولة العراقية تدريجياً إلى آلية واسعة لإعادة توزيع الريع النفطي. وأصبحت رواتب الموظفين، ومعاشات التقاعد، والإعانات الاجتماعية، والعقود الحكومية، والشركات العامة، وشبكات المقاولات الثانوية، تشكل الأدوات الأساسية التي يجري من خلالها تنظيم التوازنين السياسي والاجتماعي.

وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد ضمان دفع الرواتب بصورة منتظمة مجرد قضية تتعلق بالإدارة المالية أو بالموازنة العامة، بل أصبح قضية جوهرية تتصل باستقرار النظام السياسي نفسه. ويعتمد بصورة مباشرة على المالية العامة ما يقرب من 5 ملايين موظف حكومي، يضاف إليهم ملايين المتقاعدين والمستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا النظام قد يؤدي سريعاً إلى انفجار توترات اجتماعية واسعة، ويزيد من هشاشة حكومة تواجه أصلاً تحديات سياسية متعددة ومتزامنة.

أما الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، فتظل محدودة؛ فقد يوفر إصدار السندات الحكومية سيولة مالية مؤقتة، لكنه لن يعالج الاختلالات البنيوية العميقة، كما أن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يبقى مقيداً بضعف السيولة المتوافرة داخل الاقتصاد العراقي.

ويبقى خيار الاستعانة بالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي قائماً، غير أنه سيقترن بشروط صارمة، من بينها إصلاح الشركات العامة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة المالية العامة، والحد التدريجي من بعض أشكال الدعم الحكومي.

وقد تسهم هذه الإجراءات في طمأنة الشركاء الدوليين، لكنها تحمل في المقابل مخاطر تغذية حالة من الاستياء الاجتماعي في بلد لا تزال الدولة فيه تمثل صاحب العمل الأكبر، كما تمثل شبكة الأمان الأساسية التي تمتص آثار الأزمات الاقتصادية.

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غربي مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

الفصائل بين المأسسة وإعادة التشكل

ترتبط الأزمة الاقتصادية في العراق ارتباطاً وثيقاً بالمسألة الأمنية؛ لأن الدولة لم تعد مجرد دولة ريعية توزع عوائد النفط، بل أصبحت فضاءً تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع شبكات سياسية وإدارية واقتصادية وعسكرية متشابكة، تتغذى جميعها، بدرجات متفاوتة، من الريع العام. ومن هنا، لم تعد الفصائل المسلحة تستمد قوتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من عملية مأسسة طويلة شهدتها خلال العقدين الماضيين، جعلتها تمتلك امتدادات داخل البرلمان والسلطة التنفيذية، وحضوراً في أجهزة الإدارة العامة، وموارد مالية، وشبكات ومكاتب اقتصادية، ومكاتب حماية للعمل مع الشركات النفطية، ووسائل إعلام، ومنظمات اجتماعية، فضلاً عن بعض «الشرعية» التي اكتسبها عدد منها خلال الحرب ضد تنظيم «داعش».

وبذلك، فإن النظر إلى هذه الفصائل بوصفها مجرد جماعات مسلحة تقف خارج الدولة لم يعد يعكس الواقع العراقي كما تشكل بعد عام 2003؛ لهذا، فإن التداخل بين الدولة والفصائل لم يعد مجرد اختراق لمؤسسات الدولة، بل أصبح جزءاً من طريقة اشتغالها نفسها.

وهذا الواقع يدعو أيضاً إلى تجاوز تبسيط آخر كثيراً ما يتكرر في الأدبيات الغربية، وهو اختزال هذه الفصائل في كونها «أذرعاً إيرانية»؛ فليست جميعها على الدرجة نفسها من القرب من طهران، ولا تتمتع بالمستوى نفسه من الارتباط السياسي أو العسكري بها؛ فبعضها يمتلك هامشاً معتبراً من الاستقلالية، ويضع حساباته العراقية في المقام الأول، بينما يبقى بعضها الآخر أكثر اندماجاً في الشبكات الإقليمية لطهران؛ ولذلك يبدو أدقّ الحديث عن «فصائل عراقية قريبة من إيران» بدلاً من اختزالها في كونها مجرد امتدادات مباشرة لها؛ لأن هذا الاختزال يحجب التحولات التي عرفتها هذه التنظيمات داخل المجتمع والدولة العراقيين.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لفهم النقاشات الدائرة اليوم حول مستقبل الفصائل؛ إذ يبدو أن قسماً منها أصبح مستعداً لبحث إعادة تنظيم وضعه بصورة تدريجية، بينما لا تدور المفاوضات القائمة مع الحكومة حول نزع السلاح بصورة فورية، بقدر ما تتمحور حول تعميق اندماج هذه التنظيمات داخل «هيئة الحشد الشعبي»، وإقامة فصل أوضح بين النشاط السياسي والقيادة العسكرية.

وفي المقابل، تبدي تنظيمات أخرى، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء»، تحفظاً أكبر تجاه أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تقليص هامش استقلالها أو إعادة تعريف علاقتها بالدولة.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى واقعية الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فهل يمكن فعلاً الفصل بين السياسة والسلاح، بينما كلاهما يتحرك ضمن البنية المؤسسية نفسها؟ وهل يمكن تطبيق نماذج تقليدية لنزع السلاح، وإعادة الإدماج على تنظيمات لم تعد تقف خارج الدولة؟

واليوم، لم تعد الفصائل تدافع عن ترساناتها العسكرية، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخل الدولة، وعن حصتها من الموارد العامة، وعن شبكاتها الاقتصادية، وعن جمهور اجتماعي بات يعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ما توفره من وظائف، ورواتب، وخدمات، ورعاية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتسبين إليها يتراوح بين 200 ألف و300 ألف عنصر، وهو رقم يعني، مع احتساب أسرهم، أن ملايين العراقيين أصبحوا مرتبطين بهذه المنظومة بدرجات مختلفة؛ ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة هيكلتها أو تقليص دورها سيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغوط أميركية تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ونفوذ إيراني يسعى إلى الحفاظ على جزء من منظومة الردع الإقليمية، ومصالح محلية واسعة أصبحت ترى في استمرار هذه الفصائل ضماناً لمواقعها الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل هذا التداخل، لم يعد السؤال: كيف يمكن نزع سلاح الفصائل؟ بل كيف يمكن إعادة بناء دولة؟

الزمن بوصفه عنصراً في ميزان القوى

يضاف إلى هذا التعقيد المؤسسي بعدٌ آخر غالباً ما يجري التقليل من أهميته، هو العلاقة بالزمن. فالولايات المتحدة تفكر عادة وفق أفق زمني سياسي قصير نسبياً، تحكمه مدة الولاية الرئاسية، والبحث عن نتائج سريعة، والاستحقاقات الدبلوماسية القريبة.

أما الفصائل العراقية القريبة من إيران، شأنها شأن طهران نفسها، فتتحرك ضمن أفق زمني مختلف تماماً؛ فهي تعرف كيف تنتظر، وكيف تؤجل اتخاذ القرارات، وكيف تستوعب الضغوط، وتكثر من الوساطات، وتحول الزمن نفسه إلى مورد سياسي.

وفي العراق، يشكل الزمن في حد ذاته أحد عناصر ميزان القوى؛ فالفاعلون الأكثر رسوخاً هم الذين يعرفون كيف يصمدون أمام تغير الحكومات، والعقوبات الدولية، وتبدل التوازنات السياسية، والأزمات الإقليمية.

وهذه القدرة على العمل بمنطق الزمن الطويل تفسر لماذا أسفرت المحاولات المتعاقبة لإعادة هيكلة المجال الأمني عن نتائج متواضعة؛ فالقوى المحلية تدرك أن موازين القوى الدولية تتغير بوتيرة أسرع كثيراً من تغير التوازنات الداخلية العراقية. كما تساعد هذه الفوارق الزمنية على فهم الكيفية التي جرى بها تلقي الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل داخل جزء مهم من المشهد السياسي العراقي.

فقد ترسخ تدريجياً لدى شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين الاعتقاد بأن إيران خرجت من هذه المواجهة وهي أكثر قوة من الناحية السياسية، ولا يعني ذلك أن طهران لم تتكبد خسائر، أو أنها لم تتعرض لضغوط كبيرة، بل يعني ببساطة أن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يُدفع إلى هامش المعادلة الإقليمية. وبالنسبة إلى كثير من حلفائه، فإن مجرد قدرته على الصمود قدمت شكلاً من أشكال «الانتصار السياسي».

وتؤثر هذه القراءة بصورة مباشرة في سلوك الفصائل العراقية الأقرب إلى طهران؛ فكثير منها يطرح اليوم سؤالاً بسيطاً: إذا كانت إيران نفسها قد حافظت على قدراتها الإقليمية، فلماذا تقدم الفصائل، داخل العراق، تنازلات؟

عناصر من "الحشد الشعبي" يجرون تمريناً تعبوياً في أحد المعسكرات (إعلام الهيئة)

هل هناك عقيدة أميركية جديدة؟

في المحصلة، لا تسمح المرحلة الراهنة بعدُ بالقول إن ثمة عقيدة أميركية جديدة، واضحة المعالم، قد تبلورت تجاه العراق، غير أن جملة من المؤشرات توحي بأن جزءاً من الإدارة الأميركية بات يرى أن الحد من النفوذ الإيراني لا يمر، عبر المواجهة المباشرة مع طهران، بل عبر تعزيز تدريجي لمصداقية الدولة العراقية وقدرتها على العمل.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع العراقي الآنف الذكر، كما أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران والعراق يتحرك وفق إيقاع زمني مختلف.

وسيجد علي الزيدي نفسه مضطراً إلى مواجهة مجموعة من التحديات المتزامنة. ففي الوقت نفسه، عليه أن يعمل على استعادة التوازن في المالية العامة، وأن يحافظ على التسويات السياسية القائمة، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، وأن يوازن علاقات بغداد بكل من أربيل ودمشق، وأن يحافظ على حوار بنّاء مع واشنطن، من دون أن يؤدي ذلك كله إلى إعادة إنتاج حالة الاستقطاب الداخلي.

لذا، فإن تحدي الحكومة الجديدة اليوم ليس في نجاحها في إدارة شؤون البلاد، بل في معرفة ما إذا كان العراق قادراً، على إعادة بناء دولة أكثر مصداقية، ضمن التوازنات السياسية القائمة التي وفرت قدراً من الاستقرار النسبي.

وفي هذه المنطقة الفاصلة، بين الإصلاح والاستمرار، وبين سلطة الدولة وسلطة شبكات النفوذ والهيمنة، وبين الإيقاعات الوطنية والإقليمية المختلفة، سيتحدد، على الأرجح، مستقبل العراق السياسي خلال السنوات المقبلة.

*باحث في الأنثروبولوجيا السياسية

المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي


بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
TT

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)

فتحت الفيضانات التي ضربت شمال وشرق سوريا مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة إضافة إلى زيادة تدفق المياه الواردة من تركيا، الباب من جديد أمام تساؤلات حول أزمة المياه في سوريا والعراق، وما إذا كانت تركيا تستخدم نهري دجلة والفرات ورقة ضغط سياسية وأمنية.

تتمحور أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا حول تقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، وتركيا هي دولة المنبع التي تسيطر على الروافد الرئيسية، وتسببت سياساتها المائية وتوسعها في إنشاء السدود على النهرين في التأثير الشديد على التدفقات المائية وتفاقم الجفاف وانخفاض مناسيب المياه إلى مستويات شبه كارثية، لا سيما في العراق الذي ضربته موجة جفاف لم يشهدها منذ أكثر من 80 عاماً.

وتتمسك تركيا بأن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وأن من حقها إدارة مواردهما بناءً على سيادتها الإقليمية، بينما يطالب العراق وسوريا بتصنيفهما نهرين دوليين، واعتماد معايير التقاسم العادل والقوانين الدولية وفقاً للاتفاقيات التاريخية الموقعة، كمعاهدة لوزان 1923، وبروتوكولات التعاون المشترك.

سوء إدارة أم استنزاف موارد؟

واجهت تركيا اتهامات بتوظيف المياه ورقة ضغط ضد العراق وسوريا لأسباب أمنية تتعلق في الأساس بنشاط حزب «العمال الكردستاني» وامتداداته الموجودة على أراضي البلدين، والتي تطورت إلى التدخل العسكري عبر عمليات جوية وبرية في البلدين الجارين خلَّفت وجوداً عسكرياً تركياً، لطالما كان مثار خلاف بين أنقرة وبغداد على وجه الخصوص.

وتتمحور الأزمة حول قضايا رئيسية عدة، أهمها مشروع «جنوب شرقي الأناضول» لتنمية مناطق شرق وجنوب شرقي تركيا، والذي أقامت خلاله تركيا سدوداً وخزانات ضخمة، من أبرزها سدود أتاتورك، وكيبان، وإليسو، بهدف تنظيم الري وتوليد الطاقة، ما أدى إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي الممر والمصب، سوريا والعراق، بشكل كبير.

أدى شح المياه إلى جفاف شديد في العراق خلال عام 2025 لم يسبق له مثيل منذ 80 عاماً (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الأمر بشكل سلبي جداً على العراق تحديداً، حيث أدى شح المياه إلى أزمة حادة في القطاع الزراعي، وتقلص المساحات الزراعية، وتضرر الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى اندلاع أزمات اجتماعية واضطرابات بيئية متكررة.

كذلك أثر انخفاض التدفقات، بشكل مباشر، على توليد الطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب لملايين الأشخاص، وزيادة مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في سوريا في فترات الجفاف.

وجرت محاولات دبلوماسية بين الحين والآخر؛ لتسوية الخلافات، حيث تم التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة ومذكرات تفاهم ثنائية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، لضمان تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الحيوية لكل دولة، أو الاعتماد في بعض فترات الجفاف الشديد على إقناع تركيا بزيادة التدفقات، في ظل تمسكها بأنها دولة فقيرة مائياً، وإصرارها بأن الأزمة في العراق نابعة من سوء إدارة محلية واستغلال للموارد وليس بسبب سدودها.

وغالباً ما شكلت المياه في بلاد ما بين النهرين عنصراً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، إلى عامل مؤسس للحضارة أو مصدر للصراع، وأحياناً مفتاح لإعادة البناء والتنمية المشتركة، كما انعكس في توقيع العراق وتركيا اتفاقية إطارية في مجال المياه والتنمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ما يجمعه دجلة يفرّقه الفرات

بحسب الكاتب الباحث التركي المتخصص في شؤون المياه، بيلجاي دومان، برزت هذه الاتفاقية، التي لم يكشف الطرفان عن بنودها بالكامل بعد، باعتبارها تطوراً مهماً، ليس فقط في العلاقات بين أنقرة وبغداد، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة الموارد المشتركة في الشرق الأوسط.

ولفت دومان إلى أنه مع نشوء تركيا والعراق وسوريا، أصبح تنظيم استخدام الموارد ضرورة سياسية وقانونية، لكنه في الوقت ذاته تحوّل إلى ملف خلافي دائم، وبينما أصبح نهر الفرات قضية ثلاثية، بات نهر دجلة محوراً أساسياً للعلاقات التركية - العراقية.

فيضانات الفرات أغرقت مساحات شاسعة من الأراضي في دير الزور في شمال شرقي سوريا مطلع يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وجرت محاولات مبكرة للتوصل إلى تفاهمات حول تقسيم الحصص، كاتفاقية أنقرة عام 1921 واتفاقية 1946 بين تركيا والعراق، اللتين وضعتا أسس تقنية للتعاون، شملت تبادل البيانات والسيطرة على الفيضانات.

ولاحقاً، جاءت الاتفاقية السورية - التركية عام 1987، وهي اتفاقية مؤقتة لتقاسم مياه نهر الفرات بين سوريا وتركيا خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك والتي امتدت إلى 5 سنوات.

ووقّعت الاتفاقية في 17 يوليو (تموز) 1987، ونصت على تعهد الجانب التركي بأن يوفر معدلاً سنوياً يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية - السورية بشكل مؤقت إلى حين الاتفاق على التوزيع النهائي لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاث على ضفتيه.

وفي 17 أبريل (نيسان) 1989، وقعت سوريا والعراق اتفاقية تنص على أن تكون حصة العراق الممررة له من الحدود السورية 9.106 مليار متر مكعب، وحصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة.

وسجلت سوريا اتفاقيتها مع تركيا في الأمم المتحدة عام 1994 لضمان الحد الأدنى من حقها وحق العراق في مياه الفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

المياه مقابل «العمّال الكردستاني»

مع تزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، والضغط على الأكراد في سوريا، ودفع العراق إلى اتخاذ موقف من حزب «العمال الكردستاني» وتصنيفه منظمة إرهابية، تم تحديد مبادئ عدم الضرر والعدالة في التوزيع ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه، وضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة.

مسلحون من «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

وعززت هذه الاتفاقية الموقف القانوني للعراق وسوريا في مواجهة تركيا، باعتبارهما دولتين تضمان أراضي واسعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، ولذلك كانت سوريا من أولى الدول التي صادقت عليها فور إعلانها، لكن تركيا لم تنضم إليها؛ لأنها رأت فيها إضراراً بمصالحها وحقوقها المائية، وصوتت ضد اعتمادها.

ولم تلجأ سوريا، التي يروي الفرات أكثر من 640 ألف هكتار من أراضيها، إلى التحكيم الدولي للحصول على حقوقها المائية من تركيا؛ لأن القانون الدولي لا يزال غير حاسم في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن القانون الدولي يشترط موافقة طرفي النزاع على الذهاب للتحكيم.

وتسبب الدعم السوري لحزب «العمال الكردستاني»، والسماح لمسلحيه باستخدام شمال سوريا كقاعدة خلفية لعملياتهم، في أن اتجهت تركيا للتعنت أكثر وربطت هذا الدعم بالخلافات المائية.

وعقدت عام 1993 جولة مفاوضات تركية - سورية في أنقرة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول حصص المياه، لم تصل إلى نتيجة مختلفة عن اتفاقية عام 1987، المؤقتة التي ارتبطت بفترة ملء بحيرة أتاتورك فقط.

وشهدت الفترة نفسها توقيع اتفاقية تنمية مشتركة بين سوريا وتركيا على نهر العاصي، الذي ينبع من أعالي سهل البقاع في لبنان، وكانت تركيا قد استُبعدت من تقاسمه مع سوريا ولبنان عام 1994. وجاء تنازلها عن حصتها منه بمثابة ثمن زهيد دفعته مقابل استفادة أكبر من نهر الفرات، فلم يكن يصل إلى ولاية هاتاي التركية سوى 10 في المائة من مياهه بعدما تكون ملوثة وغير صالحة لأي استخدام. ولعقود طويلة، اعتبر سكان الولاية الحدودية مع سوريا، والمعروفة تاريخياً بـ«لواء إسكندرون»، أن سياسات المركز جاءت مجحفة بحقهم، وأسهمت في تهميشهم وحرمانهم من مورد طبيعي نتيجة لاعتبارات سياسية وقومية ودينية.

استهدفت الفصائل السورية الموالية لتركيا سد تشرين في شرق حلب بعد سقوط نظام بشار الأسد لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة (رويترز)

الثورة السورية... فرصة تركية

بعد انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد، سارعت تركيا إلى استكمال تنفيذ مشروع قنوات مياه شانلي أورفا عام 2012، التي سمحت باستخدام المياه المحتجزة في سد أتاتورك لري السهول الحدودية مع سوريا في حرّان وماردين وجيلان بينار، وكذلك اكتمال حجز المياه في سد سيلوان عام 2011، ولم تتخذ سوريا أي خطوة مقابلة نتيجة انشغال سلطة الأسد بقمع الثورة.

وأظهر التحرك السوري في ملف المياه في مواجهة تركيا أن أهم استراتيجيتها كانت التركيز على استغلال الأمن الداخلي وتهديد «العمال الكردستاني»، الذي انتهى مع توقيع اتفاقية أضنة؛ لأن السبل الأخرى بدت غير ممكنة، بحكم قوة تركيا العسكرية وقدرتها على تعزيز موقفها من خلال التحالفات الخارجية، فضلاً عن سيطرتها على منبع نهر الفرات.

العراق: جفاف واضطرابات

كان العراق، الذي يحصل على 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا، هو الأكثر تضرراً من نقص المياه، وواجه أزمات حادة متتالية في أجزاء مختلفة من أراضيه، وبخاصة بعد بدء تشغيل سد إليسو، الذي بني في أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا، عام 2020، والسدود الأخرى التي بنيت على روافد أصغر، ووصلت التوترات إلى ذروتها مع تركيا بشأن هذه المسألة.

يقول خبراء إن إقامة سد إليسو ضمن مشروع تنمية جنوب شرقي تركيا أثر سلباً على حصة العراق من مياه دجلة وخفضها بنسبة 60 % (موقع ولاية بطمان التركية)

وأدت قضايا بيئية أخرى، مثل قطع الأشجار في شمال العراق وسط حملة عسكرية تركية ضد مسلحي «العمال الكردستاني»، إلى تفاقم التوترات مع أنقرة، ولم تسفر الجهود المبذولة للضغط على الحكومة التركية عن أي تغير بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إليسو قليلاً، أي ترحيل المشكلة قليلاً بدلاً من حلها.

وفي صيف عام 2018، تسبب تضاؤل موارد المياه إلى جانب التلوث في نفوق الأسماك في نهر الفرات، وتحول نقص المياه إلى أحد الأسباب الرئيسية للاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات التي تلت ذلك، وصولاً إلى ذروة الجفاف في 2025 على نحو غير مسبوق منذ 80 عاماً.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه نهر دجلة إلى ما يقرب من 60 في المائة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء.

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا العراق إلى عدم استخدام ملف المياه ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، وطالب بالتوصل إلى رؤية إقليمية مشتركة تعتمد على توزيع عادل للمياه العابرة للحدود، منوهاً في الوقت نفسه بوجود تقدم في المفاوضات وعمل اللجان المشتركة مع الجانبين التركي والإيراني.

وحافظ البلدان، على الرغم من ذلك، على علاقات إيجابية، تطورت بشكل كبير في ظل رئاسة محمد شياع السوداني للحكومة العراقية، حيث تم التوصل إلى تفاهمات أمنية واقتصادية وتجارية وفي ملفات المياه والطاقة، والتركيز على التعاون في مشروع «طريق التنمية».

وتحولت الخلافات المائية، التي ارتبطت أيضاً بالملف الأمني كما في الحالة السورية، إلى سبيل للتعاون بعدما أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» جماعة محظورة في 2024.

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان والعراق فؤاد حسين يوقعان اتفاقية آلية التعاون المائي في بغداد بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في 2 نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

«طريق التنمية» يمرّ بالسياسة

في 2 نوفمبر 2025، وقّع وزيرا الخارجية التركي، هاكان فيدان، والعراقي، فؤاد حسين، «وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي» كآلية لتنفيذ اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه الموقعة في عام 2024 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العراق.

ورسمت الاتفاقية إطار التعاون المائي في مشروعات تُقدر بمليارات الدولارات، وبموجبها ستقوم شركات تركية بإنشاء بنية تحتية جديدة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتخزينها في العراق، ويتم تمويل هذه المشاريع من عائدات النفط العراقي، في محاولة لتحويل صادرات البلاد من النفط الخام إلى أمن مائي.

وحسب ما رشح عن الاتفاقية، التي لم يعلن الجانبان بنودها، تشمل المشاريع الأولية سدوداً لتجميع المياه ومبادرات لاستصلاح الأراضي.

ووصفت أنقرة هذه المبادرة بأنها مفيدة للطرفين من حيث تحقيق الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مراسم التوقيع: «نحن في تركيا حريصون على دعم أمن العراق وتنميته وسلامته، ودعمنا في هذا الشأن مطلق».

ووصف حسين الاتفاقية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي والإنتاج الغذائي والاستقرار الاقتصادي، لافتاً إلى أن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تثبيت رئاسة إردوغان في 2028؟

وأثارت الاتفاقية شكوكاً ومخاوف لدى بعض السياسيين والخبراء في مجال المياه في العراق، وذهب البعض إلى أنها تخدم مصالح تركيا أكثر من العراق، كما تدعم إردوغان في سعيه إلى البقاء في رئاسة تركيا بعد عام 2028.

وتواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية، التي أعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة بمشروع «طريق التنمية» والتعاون المائي، معتبرة أنه طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا.

كما أن مسألة تخصيص إيرادات نفطية لإبرام عقود مع الشركات التركية تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية، فضلاً عن احتمال نشوء عراقيل بسبب الاعتماد على مورد واحد، هو النفط لهذا التمويل، ما يجعله عرضة للمخاطر والتقلبات حسب الأسعار في أسواق النفط العالمية.

مباحثات تركية - عراقية حول المياه والأمن وقضايا التعاون في أنقرة في 2025 (الخارجية التركية)

ويلفت بعض معارضي الاتفاقية إلى عدم وجود إطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب إطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.

وعلى الرغم من بدء عملية بين تركيا وحزب «العمال الكردستاني» لإنهاء نشاطه، فإن ملف الحزب ووجود عناصره في شمال العراق في مناطق لا تسيطر عليها حكومة بغداد، يمكن أن يتسبب في عقبة تحول دون تنفيذ الاتفاقية.

يضاف إلى ذلك أن الأمر لا يقتصر على الأوضاع الداخلية للعراق بل يمتد إلى الوضع الإقليمي، ورؤية بعض الأطراف أن تعزيز العلاقات بين العراق وتركيا قد يشكل ضغطاً عليها، وهو ما قد يحول العراق إلى ساحة للتنافس وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية.

الإرث العثماني

بحسب الكاتب التركي، بيلجاي دومان، فإن الاتفاقية تحقق مصلحة مشتركة لكل من تركيا والعراق، لافتاً إلى أن إشكالية المياه بين تركيا والعراق لم تكن وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين تحول دجلة والفرات من نهرين داخليين في كيان سياسي واحد إلى نهرين عابرين للحدود بين دول مستقلة.

لكنه أشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة في العلاقات التركية - العراقية هو التحوّل التدريجي من منطق الصراع حول تقاسم المياه إلى منطق إدارة المنفعة المشتركة، وإعادة صياغة شاملة لكيفية فهم الموارد العابرة للحدود على أنها أداة دافعة للتكامل، لا مصدر دائم للتوتر.

إردوغان ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني خلال توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع طريق التنمية في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التركية)

وأوضح أن الملمح الجديد الأبرز في الاتفاقية يتمثل في الربط العضوي بين ملفي المياه والطاقة، حيث تستخدم عائدات النفط الذي تستورده تركيا من العراق في تمويل مشاريع مائية داخل الأراضي العراقية، وهي مشاريع تنفذها شركات تركية متخصصة في مجالات السدود، وشبكات الري الحديثة، ومعالجة المياه، والحد من الهدر، وبذلك يجرى تجاوز أحد أهم عوائق التنمية في العراق، وهو نقص التمويل، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو شروط مؤسسات مالية دولية.

وأضاف دومان، في مقال عبر منصة «فكر تورو» التركية، أن هذا النموذج يمنح تركيا دوراً جديداً، لا بوصفها دولة تتحكم بمصادر المياه فحسب، بل كشريك في إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وهو ما يعزز نفوذها الإقليمي بأدوات اقتصادية وتنموية بدل الأدوات الصلبة، مع إمكانية التوسع إقليمياً؛ إذ يمكن أن يشكل مرجعاً عملياً للتعاون مع سوريا في المستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة مياه نهر الفرات، وذلك في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة، وتحول دبلوماسية المياه في المشرق من مصدر هشاشة وصراع مزمن إلى منصة لبناء الثقة والتكامل الإقليمي، من خلال الربط بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية بدل اختزالها في معادلات السيادة والصراع.

بدورها، قالت الباحثة التركية البارزة في مجال المياه العابرة للحدود، الدكتورة توبا إيفريم مادن، لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حاجة للإدارة المشتركة القائمة على حلول تكنولوجية لموارد المياه بدلاً من الصراع أو النزاعات القانونية.

وأضافت أن مشاكل دول المصب تنتج في الغالب عن غياب الاستقرار السياسي وتدمير البنية التحتية، وبالتالي سوء استغلال الموارد وهدرها.

تركيا ليست غنية بالمياه

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن تركيا ليست دولة غنية بالموارد المائية، كما أنها ليست دولة بها الكثير من المياه في منطقتها؛ إذ تقع في منطقة مناخية شبه قاحلة، ولديها مياه أقل من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه مقارنة بجيرانها وأميركا الشمالية وشمال أوروبا الغنية بالمياه.

في البلدان الغنية بالمياه، يبلغ نصيب الفرد من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً أكثر من 10 آلاف متر مكعب، وتبلغ هذه الكمية في تركيا نحو 1350 متراً مكعباً، بحسب بيانات وزارة الخارجية التركية.

ووفقاً للتقديرات بأن عدد السكان سيصل إلى 100 مليون في عام 2030، فمن المتوقع أن تتخفض كمية المياه للفرد في تركيا إلى نحو 1000 متر مكعب، ونظراً لأن موارد المياه في تركيا تختلف جغرافياً وموسمياً، فإنها لا تستطيع تلبية الاحتياجات الحالية والمتوقعة في كل منطقة، وبمعنى آخر، بينما تتمتع بعض مناطق تركيا بموارد مائية وفيرة وغير مناسبة للاستخدام، لا توجد مياه كافية في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان.

وتتلقى المناطق القاحلة وشبه القاحلة في تركيا 4 أو 5 أشهر من هطول الأمطار سنوياً، ولذلك فإن مشاريع تطوير موارد المياه، مثل السدود والخزانات التي تسمح بتجميع المياه في أوقات المطر لاستخدامها طول العام، ذات أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

في الوقت ذاته، يزداد استهلاك الطاقة في تركيا بسبب التحضر السريع والتصنيع، ويتوافق نصيب الفرد من استخدام الطاقة في تركيا مع سدس متوسط ​​الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، ويتم تنفيذ مشاريع لاستخدام الموارد المحلية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، للاستفادة من إمكانات الطاقة المائية المتجددة والرخيصة والصديقة للبيئة.

تسببت قلة هطول الأمطار في جفاف خزانات المياه في تركيا وأثرت بشكل كبير على الزراعة في عام 2025 (إعلام تركي)

ووضع تقرير «بؤر الجفاف حول العالم 2023 - 2025»، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80 في المائة من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

ومع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي، وتقترب، بحسب خبراء أتراك ودوليين، من الوصول إلى العتبة الحرجة للفقر المائي» مع احتمالات لتصنيفها رسمياً كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

وتراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا من نحو 1650 متراً مكعباً في مطلع الألفية الثانية إلى ما دون 1300 متر مكعب حالياً، مقترباً من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنوياً، ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19 في المائة خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحدياً هيكلياً بالغ الخطورة، كما يقول خبراء المياه.

وشهدت تركيا عاماً من الجفاف الحاد في 2025، تميز بندرة الأمطار وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، وعاشت أكثر شهور ديسمبر (كانون الأول) حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50 في المائة عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

غياب الاستجابة

يرى خبراء أنه رغم تزايد التحذيرات بشأن الوصول إلى خطر الفقر المائي، فإن الاستجابة الرسمية من جانب السلطات لا تزال دون مستوى التحدي.

ونبه أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، مصطفى تشاشماز، إلى أن التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية، كما أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر مع نزايد موجات الحر، ما يتطلب حلولاً تقنية عاجلة، مثل إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقاً وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها المياه المالحة المعالجة بها.

وأشار، في الوقت ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءاً من المشكلة، بسبب استهلاك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة.

وتواجه تركيا واحداً من أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف، وتزايد مظاهر الإجهاد البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف 2025، التي بلغت نحو 3 آلاف حريق.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم في نحو 90 في المائة من مياه الفرات، وفي قسم كبير من مياه دجلة.

وخلال افتتاح مشاريع مائية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه كما يعتقد البعض، موضحاً أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 ملليمتراً، وهو ما يقل كثيراً عن المعدل العالمي.

يطالب خبراء بإيجاد حلول تكنولوجية لتقليل فائض خزانات مياه الأمطار المكشوفة في تركيا لتقليل التبخر (إعلام تركي)

ويوضح الخبراء أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35 في المائة عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

وأعلنت الحكومة التركية، مؤخراً، عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غرب البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة، وبناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لا سيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

وتتمثل الأولويات العاجلة في خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15 في المائة، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20 في المائة من الطلب الحضري، وتعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.


«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
TT

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

قبل سنوات قليلة كان البحث عن مسكن في الرياض كالسير بين الألغام: أسعار فلكية لمساحات غير مستغلة وسوق تحكمها «التخمينات». ذلك كله تغير بنقرة سريعة على تطبيق ذكي.

في الطابق العشرين من أحد الأبراج المكتبية شاهقة الارتفاع، شمال العاصمة الرياض، يجلس المهندس خالد (38 عاماً) يتأمل في شاشة هاتفه الذكي تطبيق «إيجار». بضع نقرات سريعة كانت كافية لتجديد عقد شقته السكنية في إحدى الضواحي الحديثة، دون الحاجة لزيارة مكتب عقاري تقليدي، أو مواجهة الاختناقات المرورية في شوارع العاصمة، ودون قلق من «مفاجآت» المؤجر التقليدية التي طالما أرَّقت المستأجرين في سنوات مضت.

قبل خمس سنوات فقط، كانت رحلة البحث عن مسكن للمواطن السعودي تشبه السير في حقل ألغام: أسعار فلكية لمساحات شاسعة غير مستغلة، وسوق تحكمها «العلاقات والتخمينات» الشخصية، وغياب للتنظيم. اليوم، يمثل خالد الجيل الجديد من السعوديين الذين لم يعودوا يبحثون عن مجرد «جدران وأربعة حوائط»، بل عن «جودة حياة»: مجمع سكني متكامل، وممرات مشجرة للمشاة، وموثوقية رقمية كاملة، وجوار شركات عالمية اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها.

ما يمر به خالد في يومياته ليس مجرد تغيير اعتيادي في عنوان السكن، بل هو الانعكاس الحي لـ«زلزال» تنظيمي واقتصادي واجتماعي صامت تقوده «رؤية 2030»، يعيد تشكيل أعرق وأكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ويحوّلها من بيئة تقليدية غير رسمية، إلى منظومة مؤسسية شفافة تجذب رؤوس الأموال كـ«ملاذ آمن»، وسط عالم مضطرب. هذا المشهد الفردي يعكس بدوره مساراً أوسع تشهده السوق العقارية السعودية، التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقودها مشاريع كبرى، وإصلاحات تنظيمية متتابعة، وتوسع عمراني واقتصادي متسارع في مختلف مناطق المملكة، لا سيما في المدن الرئيسة، وعلى رأسها الرياض.

مشهد عام لمساحات مخصصة لمشاريع الإسكان الحديثة في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

تحول هيكلي ضمن «رؤية 2030»

إن هذا التحول الهيكلي اللّافت الذي تترجمه شاشة هاتف خالد، يختصر الجهود المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي لم تعد تستهدف توفير وحدات سكنية مجردة، بل رَفْع جودة الحياة، وزيادة نسب التملك، وتطوير بيئة عمرانية معاصرة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.

ويؤكد مختصون عقاريون أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو السكاني الطبيعي، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتطوير المدن الكبرى كمراكز اقتصادية إقليمية، مع إصلاحات تنظيمية غير مسبوقة. ويضيف الخبراء أن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع العقاري يتجه نحو مزيد من الاحترافية والشفافية والاستدامة، بما يجعله أحد أهم المحركات الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى أن هذه الجهود المتناغمة أعادت رسم ملامح القطاع العقاري السكني والاستثماري، ومنظومة الإسكان بأسرها في أربعة محاور أساسية هي الأسعار، والتمويل، والتشريع، والذوق المعماري، إلى جانب تنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

أحد المجمعات السكنية الحديثة في الرياض وقد بدت مواقف السيارات والفسحة الخضراء المشتركة (الشرق الأوسط)

صحيح أن السوق العقارية لم تصل بعد إلى نقطة التوازن الكامل، وما زال الطلب أقوى من العرض في المدى المنظور؛ ما يسهم في احتفاظ الأسعار ببعض زخم الارتفاع مع تفاوت حسب المدينة ونوع السكن، إلا أن التشريعات الجديدة وزيادة المعروض المنظم وتوسع أدوات التمويل المدعوم، تُشير جميعها إلى مستقبل أكثر استدامة واتزاناً.

وكان القطاع العقاري قد شهد نقلة تنظيمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، عبر مجموعة من الأنظمة واللوائح التي أسهمت في تعزيز شفافية وحوكمة القطاع، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، وترخيص الوسطاء والمنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية، وتوثيق العمليات العقارية إلكترونياً؛ ما انعكس في الحد من الممارسات غير النظامية، ورفع موثوقية البيانات العقارية، ورفع كفاءة السوق وشفافيتها.

ويبرز هنا دور تفعيل وتطوير منصة «إيجار» وتعزيز دورها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ورفع موثوقية السوق الإيجارية، حيث تتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار لتؤكد هذا النجاح التاريخي؛ إذ تجاوز عدد العقود الإيجارية المسجلة عبر المنصة حاجز الـ10 ملايين عقد منذ إطلاقها، تشكل العقود السكنية منها النسبة الأكبر بنحو 8.3 مليون عقد، تمثل 82.3 في المائة من إجمالي العقود، فيما بلغ عدد العقود التجارية نحو 1.7 مليون عقد، مع تسجيل طفرة توثيقية بلغت أكثر من 1.5 مليون عقد خلال عام 2024 وحده.

أحد مشاريع «الوطنية للإسكان» وقد بدت الوحدات السكنية المتوسطة والمستقلة (الشرق الأوسط)

مدن مصغرة ومجتمعات مكتفية

عند الغوص في تفاصيل هذه المجمعات السكنية الجديدة، يتضح أنها لم تعد مجرد كتل خرسانية متراصة للنوم، بل تحولت إلى «مدن مصغرة» مكتفية ذاتياً ومصمَّمة هندسياً لتلبية احتياجات الحياة المعاصرة دون عناء. فالمجمع الذي يقطنه خالد يضم في محيطه نادياً صحياً متطوراً (جيم) منفصلاً، وصيدلية، وميني ماركت متكاملاً، ومقاهي ومغاسل ملابس؛ ما يجعل الساكن في غنى عن مغادرة أسوار المجمع لقضاء احتياجاته اليومية الأساسية.

وتتخذ الحياة داخل هذه المشاريع شكلاً اجتماعياً جديداً يرتكز على «المساحات المشتركة»؛ حيث توفر الحدائق الداخلية المفتوحة، والملاعب الرياضية، والمجالس العامة المخصصة لساكني المجمع بيئة خصبة تتيح للأطفال اللعب بأمان وللكبار التلاقي العفوي. هذا النمط المعماري قدم بدوره بديلاً عصرياً ومنظماً تخلل مكان فكرة «الحي التقليدي» أو «الحارة والشارع القديم» (ما يُطلق عليه «الفريج»). فبدلاً من التفاعل العشوائي السابق في الأزقة، باتت هذه المساحات المشتركة تخلق شبكة علاقات اجتماعية آمنة بين العائلات والوافدين من مختلف الثقافات، تلائم تماماً إيقاع الحياة العصري والسريع.

وهنا يبرز تحول سيكولوجي لافت يفرضه هذا النمط المعماري الجديد، وهو الانتقال نحو مفهوم «العزلة الاختيارية» أو «الخصوصية المشروطة»؛ فخلافاً لـ«الفريج» القديم الذي كان يفرض تفاعلاً اجتماعياً دائماً ومستقراً قد لا يحبذه جيل الشباب اليوم، تمنح المجمعات الحديثة قاطنيها مرونة كاملة في اختيار أوقات الراحة وأوقات التفاعل الاجتماعي.

رجل سعودي يعبر زقاقاً في أحد الأحياء التراثية السياحية في الرياض (غيتي)

الأسرة الصغيرة وغياب «بيت الجد»

هذا التحول المعماري واكبه تحوّل اجتماعي أعمق في بنية الأسرة السعودية التقليدية؛ فلو سألت والد خالد قبل عقدين من الزمن عن مسكن العمر، لقال دون تردد: «فيلا رئيسية كبرى بأسوار عالية ومساحات هائلة تجمع الأبناء والأحفاد». في ذلك الوقت، كان مفهوم «بيت الجد» هو المحور الأساسي الذي يتوزع الأبناء في شقق فوقه أو ملاحق حوله في سكن مشترك ممتد. أما اليوم، فقد انفرط عقد هذا النمط التقليدي لصالح استقلالية كاملة للأسرة النواة الصغيرة. جيل خالد بات يفضل العيش المستقل في شقق معاصرة ومجمعات ذكية تمنحه الخصوصية والراحة وتتناسب مع قدراته المالية، مبتعداً عن أعباء الفيلات السكنية الضخمة والمتهالكة التي باتت تمثل إرثاً معمارياً يصعب على جيل الشباب إدارته أو تحمل تكاليف صيانته وتشغيله بشكل منفرد.

مرونة وعناية بلا «عمالة»

لم يتوقف التغيير عند حدود حجم المسكن، بل امتد ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية من الداخل وطبيعة الصيانة المنزلية؛ فالشقق والمجمعات الحديثة بتصاميمها المدروسة والذكية ألغت تماماً الحاجة للأنماط المعمارية السابقة، مثل «الملاحق الخارجية المنفصلة» أو «مجالس الضيوف الضخمة المعزولة» التي كانت تلتهم مساحات شاسعة دون استخدام حقيقي؛ حيث استبدلت بها جلسات داخلية مفتوحة وعملية.

هذه الكفاءة في المساحة وسهولة العناية بالموقع أدَّت تلقائياً إلى تخلي كثير من الأسر المعاصرة عن مفهوم «العاملة المنزلية المقيمة» أو «السائق الخاص»؛ إذ وفرت شركات إدارة المجمعات خدمات صيانة مركزية دورية تشمل النظافة والترميم بضغطة زر عبر التطبيقات، مما قلَّص التكاليف والالتزامات الأسرية المعتادة في البيوت الكبيرة القديمة.

ركاب على متن مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب - غيتي)

النقل وثقافة المترو

على مستوى التخطيط الحضري، ارتبطت هذه الضواحي والمجمعات السكنية الجديدة بشبكة طرق وشرايين نقل حديثة صممتها الدولة لفك الاختناقات المرورية. هذه المشاريع لم تعد تُحدِث ازدحامات عشوائية في محيطها بفضل المداخل والمخارج الذكية، بل على العكس تماماً، بدأت في بث ثقافة جديدة كلياً في المجتمع العقاري، وهي ثقافة الاعتماد على المواصلات العامة.

وجرى ربط معظم هذه المجمعات المعاصرة بمسارات حافلات الرياض ومحطات «مترو الرياض» الذكي، مما دفع موظفين، مثل خالد وجيرانه من الوافدين التنفيذيين، إلى ترك سياراتهم الخاصة في مواقف المجمع، وتفضيل المترو للوصول إلى مقار عملهم في الأبراج المكتبية، شمال ووسط العاصمة، متجاوزين عناء القيادة اليومية.

المرأة... وافد جديد إلى ملعب العقار

لعل التحول الاجتماعي الأكثر دلالة في المجمعات السكنية لعام 2026 هو قدرة الفتيات والمستقلات على السكن بمفردهن والعمل في السعودية كعازبات؛ فقد تلاشت إلى حد بعيد النظرة الفاصلة بين مجمعات «العزاب» ومجمعات «العائلات»، لتصبح الكفاءة والأمان والالتزام بالأنظمة هي المعيار الوحيد الذي يحكم الجميع في مجمعات مختلطة وراقية تحتضن الجميع دون تمييز.

وفي هذا السياق، تروي ريم العبد الله (29 عاماً)، وهي اختصاصية تسويق في إحدى الشركات العالمية بالرياض، تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «انتقلت من المنطقة الشرقية إلى الرياض قبل عامين، بعد حصولي على فرصة عمل، وكان أكبر مخاوفي هو العثور على مسكن آمن ومستقل يعكس نمط حياتي المعاصر كفتاة عازبة تركز على مسيرتها المهنية، لكن الواقع هنا تجاوز كل توقعاتي».

وتستطرد ريم في حديثها عن تفاصيل حياتها اليومية داخل المجمع قائلة: «المجمع الذي أقطنه ليس مجرد مكان للنوم، بل هو نظام حياة متكامل وخالٍ من التعقيد؛ فلم أعد بحاجة لاستقدام عاملة منزلية مقيمة أو الاعتماد على سائق خاص كالسابق؛ حيث تتيح لي إدارة المجمع، عبر تطبيقها الذكي، جدولة خدمات التنظيف والصيانة الدورية بضغطة زر وبموثوقية عالية تمنحني طمأنينة كاملة أثناء غيابي في العمل. وحتى نمط تسوقي واهتمامي بصحتي تغير؛ فالجيم والصيدلية والميني ماركت تقع كلها على بُعد خطوات من مصعد شقتي، مما وفر عليَّ عناء القيادة والبحث عن مواقف بعد يوم عمل طويل».

سعوديتان تمشيان أمام جامع الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

وعن البُعد الاجتماعي وثقافة التنقل الجديدة في العاصمة، تضيف ريم لـ«الشرق الأوسط»: «المساحات المشتركة والمقاهي الملحقة بالمجمع خلقت بديلاً حضارياً وذكياً عن الحي التقليدي؛ حيث ألتقي بجيراني من السعوديين والوافدين وسط أجواء يملأها الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة». وتضيف: «الأجمل من ذلك، أن المجمع مرتبط مباشرة بشبكة النقل الحديثة؛ إذ تفصلني دقائق معدودة مشياً عن محطة المترو، مما جعلني أتخلى تماماً عن قيادة سيارتي في ساعات الذروة الصباحية، لأصل إلى مكتبي، شمال الرياض، براحة تامة وبثقافة نقل عام لم نكن لنتخيلها قبل سنوات؛ فالأنظمة العقارية والأمنية والتحول الحضري هنا منحني أماناً واستقلالية جعلت من سكني في الرياض مكاناً لتحقيق طموحي العملي والشخصي».

حركة حيوية للمارة والمتسوقين في شارع التحلية التجاري النابض بالحياة بوسط العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

العاصمة تشعل «ثورة الطلب»

من شرفة مجمّعه السكني، يلاحظ خالد تنوعاً كبيراً في وجوه جيرانه؛ فبينهم الموظف التنفيذي القادم من جدة، والخبير التقني الأوروبي، والمستثمر الآسيوي. وفي قراءة تحليلية لعمق هذا المشهد، يقول الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القطاع يعيش مرحلة تحول استثنائية تقودها مستهدفات الرؤية، حيث لم يعد الطلب على السكن مرتبطاً بالنمو الديموغرافي التقليدي، بل بات انعكاساً مباشراً للتحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض.

ولفت إلى أن خطط تحويل العاصمة إلى مركز اقتصادي عالمي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات الدولية، أطلقت موجة هجرة داخلية وخارجية واسعة شملت موظفين تنفيذيين ومتخصصين وطلاباً ورواد أعمال - كحالة المهندس خالد وزملائه - مما خلق طلباً غير مسبوق على الوحدات السكنية، سواء للتملك أو الإيجار.

وفي المقابل، يرى الزهراني أن المعروض السكني يواجه تحدياً طبيعياً في مواكبة هذا التدفق المتسارع؛ فالمشاريع الجديدة تتقدم بوتيرة عالية، غير أن هندستها الإنشائية تحتاج إلى وقت لتنعكس بالكامل على السوق، بينما يستمر توافد السكان والأنشطة الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يفسر جانباً من فجوة الأسعار الحالية وارتفاع الإيجارات في بعض المناطق الحيوية التي يقطنها الجيل الجديد.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

ميزان التمويل وتحديات الفائدة

هذه الفجوة بين العرض والطلب ترافقت مع تبدل في حسابات الأسر التمويلية. فالمهندس خالد، كغيره من أبناء جيله، يتابع بدقة تحركات السياسات النقدية. ويشير الزهراني إلى أن أسعار الفائدة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات الطفرة التمويلية السابقة، وذلك في إطار التوجهات الهادفة إلى كبح موجات التضخم والارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية، خلال الأعوام الماضية.

هذا الارتفاع انعكس تلقائياً على القوة الشرائية للأفراد، ودفع كثيراً من الأسر إلى إعادة حساباتها التمويلية وتأجيل بعض قرارات التملك أو البحث عن خيارات أكثر مرونة، كالإيجار المؤقت الذكي.

يقول الزهراني هنا: «الحكومة السعودية تدرك تماماً هذه التحديات وما تفرضه من ضغوط على المستهلكين، لذلك بادرت بإطلاق حزمة واسعة من الحلول المرنة عبر وزارة البلديات والإسكان وصندوق التنمية العقارية وبرنامج (سكني)، بالشراكة مع المطورين، لتخفيف أثر تكلفة التمويل وزيادة المعروض».

وتتجلى هذه الحلول التي تتبناها المملكة في حزمة تدابير تشريعية وتنظيمية وتمويلية شاملة يترجمها «برنامج الإسكان» أحد أبرز برامج «رؤية 2030»، التي وضعت نصب عينيها هدفاً استراتيجياً برفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70 في المائة بحلول عام 2030 (وصلت النسبة حالياً إلى 66.2 في المائة من 47 في المائة في 2016)، مدعومة بـ4 محاور استراتيجية تلامس تفاصيل يوميات مواطنين مثل خالد.

التمكين التمويلي الذكي

لم يعد التمويل العقاري عبئاً منفرداً؛ إذ يقدم برنامج «سكني» خيارات تمويلية مدعومة بالشراكة مع البنوك المحلية لتسهيل شراء الوحدات الجاهزة أو البناء الذاتي، بالتوازي مع الدور المحوري الذي تلعبه الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC) بضخ السيولة في السوق، وتثبيت نسب المرابحة طويلة الأجل لحماية جيل الشباب من تقلبات الفائدة العالمية، دون إغفال الفئات الأشد حاجة، عبر تسليم أكثر من 95 ألف وحدة سكنية تنموية تراكمية من خلال برنامج الإسكان التنموي.

الحوكمة ومنع العشوائية

الرحلة الرقمية التي اختبرها خالد بهاتفه تدعمها حزمة من التنظيمات الرقابية؛ بدءاً من منصة «إيجار» وتحويل عقودها إلى «صكوك تنفيذية» تحمي حقوق الجميع، مروراً بتنظيم الوساطة العقارية وحصرها على المرخصين من الهيئة العامة للعقار، وصولاً لبرنامج «وافي» الذي ينظم البيع على الخريطة ويحمي أموال المشترين ويوفر تدفقات آمنة للمطورين.

مترو الرياض يعبر وسط المدينة (أ.ف.ب)

تكسير الاحتكار وأنسنة الضواحي

لضبط ميزان الأسعار ومحاربة المضاربات، جاء تفعيل برنامج «رسوم الأراضي البيضاء» داخل النطاق العمراني ليجبر الملّاك على تطويرها أو بيعها، مما ضاعف المعروض العقاري، وتزامن ذلك مع صعود الضواحي السكنية الكبرى التي تقودها شركات وطنية عملاقة، مثل «روشن» (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) لتقديم أحياء متكاملة الخدمات تعزز جودة الحياة وأنسنة المدن.

عالمية السوق والاستدامة

التحول لم يقف عند حدود الداخل؛ فمع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار لعام 2026، فُتحت الأبواب لرساميل عالمية ومسارات استثمارية منظمة وضعت العقار السعودي كـ«حصان أسود» دولي، ترافقه منصات رقمية تضمن جودة الأصول المستدامة، مثل منصة «البناء المستدام»، لفحص المباني قبل الشراء.

ويتوقع الزهراني بدء ظهور دورة أكثر توازناً بين العرض والطلب، في ظل استمرار المشاريع الكبرى وبرامج التطوير الحضري، بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، وأن تتضح آثارها بشكل أكبر بحلول عام 2028، بما يضمن لجيل خالد فرص تملك أكثر استدامة وأقل عبئاً على المدى الطويل.

امرأتان تتبضعان من سوق محلية وسط الرياض (أ.ف.ب)

وداعاً لـ«الفلل الهالكة»

التغيير لم يكن في طريقة الدفع فحسب، بل في فلسفة المسكن ذاته. لو سألت والد خالد قبل عشرين عاماً عن بيت العمر، لقال فوراً: «فيلا بأسوار عالية ومساحات شاسعة». لكن خالد يفضل شقته الحديثة ذات الممرات المشجرة.

هذا التحول الجوهري يحلله الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنَّ السوق السكنية تشهد مرحلة تحول نوعي تتجاوز مفهوم توفير الوحدات السكنية المجردة إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030»، حيث لم يعد النجاح يُقاس بعدد الوحدات المطوَّرة، بل بقدرتها على رفع جودة الحياة وتحسين تجربة السكن اليومية.

وفيما يتعلق بدور المطورين العقاريين، يشير الموسى إلى أن الضواحي السكنية الكبرى أسهمت في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن» عبر توفير بيئات متكاملة تجمع بين السكن، والخدمات، والمرافق، والمساحات المفتوحة المشجرة، ضمن نطاق واحد، يحمي سكانها من التنقل اليومي الطويل.

هذا التحول في المعروض واكبه (بحسب الموسى) تغير طبيعي في تفضيلات الأسر السعودية، فالمستهلك اليوم (مثل خالد) أصبح أكثر وعياً واهتماماً بكفاءة المسكن، وجودة الموقع، وسهولة الصيانة، مقارنة بالتركيز التقليدي السابق على المساحات الضخمة المهدورة.

ونتيجة لذلك، نشهد اليوم إقبالاً متزايداً على الشقق السكنية الحديثة والمجمعات المتكاملة التي توفر تجربة معيشية تليق بمتطلبات الحياة المعاصرة.

ثورة التشريعات

السهولة الرقمية التي جدد بها خالد عقده لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثورة تشريعية قطعت دابر العشوائية العقارية. فقد شهد القطاع نقلة تنظيمية غير مسبوقة عززت الشفافية والحوكمة، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، ترخيص المنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الله الموسى أن الأنظمة الحديثة وتنظيم الإعلانات العقارية حمت المتعاملين وجعلت البيانات أكثر دقة لمساعدة المستهلك والمستثمر على اتخاذ قراره بكفاءة، لافتاً إلى الدور المحوري لمنصة «إيجار» في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتوثيق الحقوق والالتزامات إلكترونياً، مما قلّص النزاعات القضائية وسرّع إجراءات المعالجة؛ فلم يعد أحد مضطراً لانتظار «مفاجآت المؤجر»، أو زيارة المكاتب التقليدية.

«الحصان الأسود»

حين يغادر خالد مكتبه في ذلك البرج الشمالي، يلتقي في ردهة الاستقبال بمديري مقار الشركات العالمية التي انتقلت حديثاً للرياض. هذا المشهد يؤكد أن العقار السعودي بات يظهر في الأفق الدولي كـ«ملاذ آمن» وسط عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وحول هذا التفاعل الدولي، يؤكد الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاضطرابات الحالية أثبتت أن السعودية هي البيئة الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، لامتلاكها قدرات سيادية وعسكرية متطورة، وهي النقطة التي منحت المستثمرين غير السعوديين رسالة طمأنينة إضافية.

العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

ويوضح الفقيه أن الجاذبية الاستثمارية العالية الحالية للسوق العقارية تبلورت بشكل واضح في التشريعات الأخيرة التي دعمت المستثمر الأجنبي والسعودي على حد سواء، من خلال عدة قنوات استراتيجية، أبرزها نظام الإقامة المميزة، وقانون تملك واستثمار غير السعوديين المحدث الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية هذا العام (2026).

وتجمع التقارير الدولية الصادرة حديثاً على أن السعودية هي «الحصان الأسود» في ملف الاستثمار العقاري العالمي.

وتابع الفقيه بالقول: «إن الأرقام الصادرة عن وزارة الاستثمار تثبت أن المملكة تتقدم يوماً بعد يوم كعملاق اقتصادي قادم لـ«الشرق الأوسط». ويكفي النظر إلى زخم وكثافة الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية إلى العاصمة الرياض، والتي تجاوزت في آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2026 أكثر من 660 شركة إقليمية، لندرك حجم المناخ القانوني الجاذب».

وأكمل الفقيه برصد نبض السوق الميداني الذي يتقاطع مع محيط خالد الوظيفي قريباً: «بحكم عملنا ووجودنا اليومي داخل السوق، نلاحظ بشكل جلي تنامي رغبة غير السعوديين في التملك والاستثمار؛ حيث أبرمت بالفعل جنسيات متعددة صفقات ضخمة، وفي مقدمتها الجنسيات الصينية والمصرية وغيرها، وقد تضاعف زخم هذه الأعداد والصفقات مع دخول التصنيفات والتشريعات المحدثة حيز النفاذ مؤخراً».

ميزان التحديات

هذه الترسانة التشريعية والتحولات الرقمية الباهرة التي يلمسها جيل خالد، لا تلغي أن الطريق نحو نقطة الاتزان العقاري الكاملة لا يزال يمر عبر حقل من التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والميداني.

ويتمثل أول هذه التحديات في فجوة المدى الزمني بين العرض والطلب؛ فبينما يتدفق السكان والمقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى العاصمة الرياض بوتيرة متسارعة وخاطفة، تحتاج المشاريع الإنشائية والضواحي السكنية الكبرى إلى دورة زمنية تمتد لسنوات حتى تكتمل وتنعكس بالكامل كمخزون متاح في السوق، وهو ما يفسر استمرار طفرة الإيجارات وضغوط الأسعار الحالية في المناطق الحيوية.

أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى جبهة أخرى، تبرز معادلة تكلفة التمويل كتحدٍ مباشر يواجه القوة الشرائية للأفراد؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة كأداة لكبح التضخم العالمي يضع عبئاً إضافياً على الأسر، ويدفع قسماً من جيل الشباب إلى تأجيل قرارات التملك واللجوء لخيارات مرنة، مما يضع برامج الدعم السكني أمام اختبار مستمر لابتكار حلول تمويلية أكثر ديناميكية.

يُضاف إلى ذلك تحدي مواكبة المطورين العقاريين المحليين للسرعة والمعايير الصارمة التي تفرضها مفاهيم «أنسنة المدن» والبناء المستدام؛ حيث تتطلب السوق اليوم تحولاً كاملاً من الشركات العقارية التقليدية نحو العمل المؤسسي، لضمان تسليم وحدات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية تلائم الشريحة الأوسع من المواطنين دون تأخير في الجداول الزمنية للبيع على الخريطة.

في الختام، يعود خالد إلى شقته مساءً، يسير في الممر المشجّر المؤدي إلى بوابته الرقمية، يدرك تماماً أن تفاصيل يومه البسيطة هي جزء من لوحة رسمتها «رؤية 2030»... لوحة لا تبني مجرد ناطحات سحاب، بل تُعيد صياغة نمط وعمران حياة بأكملها.