زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

رئيس الحكومة الراحل يروي تفاصيل «القصف المجنون» على العاصمة اللبنانية في صيف 1982 ومساعي إنهاء الحرب

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت

صائب سلام مع ياسر عرفات
صائب سلام مع ياسر عرفات

في هذه الحلقة الثانية من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل، صائب سلام، يتناول تفاصيل الفترة الصعبة التي عاشتها بيروت ومعظم مناطق لبنان، خلال الغزو الإسرائيلي في صيف 1982. ويقول إنه كان يشعر وهو تحت قصف المدافع وغارات الطائرات، وكأن «أبواب جهنم قد فُتحت على بيروت».
ويتحدث سلام عن المحاولات والاتصالات التي أجراها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقادة المقاومة الذين كانوا يعيشون في بيروت، وأبرزهم: أبو إياد، وأبو جهاد، وهاني الحسن، إلى جانب القادة اللبنانيين الذين لعبوا دوراً في تلك المرحلة، وخصوصاً رئيس الجمهورية إلياس سركيس، وبشير الجميل الذي كان يقود «القوات اللبنانية»، وانتخب فيما بعد رئيساً للجمهورية، واغتيل قبل أن يتولى منصبه، إضافة إلى اتصالات سلام مع المبعوث الأميركي إلى لبنان في تلك الفترة، السفير فيليب حبيب، الذي كان يتولى ترتيب محاولات وقف إطلاق النار تمهيداً لخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوفرة في مكتبات لبنان بدءاً من 28 يونيو (حزيران)، وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
- قصف الإسرائيليين لبيروت
كان ذلك ليلة الثلاثاء، في 22 يونيو 1982. في هذه الليلة لم ننم، وكلّ أهل بيروت لم يذوقوا طعم النوم من القصف المتواصل. منذ الصباح، حاولت معالجة ذلك. اتّصلت بالرئيس الوزّان فحضر إليّ، ثمّ حضر هاني الحسن، وكانت النتيجة... «هيئة الإنقاذ الوطنية» المؤلفة من الرئيس الوزّان وبرّي وجنبلاط. ثمّ قرّرت الاجتماع بـ«المقاومة الفلسطينية» اليوم للبحث معهم في ترتيب الأمور.
كلّمتُ السفير فيليب حبيب، فوجدته عند رئيس الجمهورية إلياس سركيس، فكلمت رئيس الجمهورية أيضاً، ووعد حبيب بأن يبذل جهده لوقف إطلاق النار. كلّمني السفير حبيب من دارة السفارة الأميركية في اليرزة مرّة أخرى، وطلب أن يقابلني، فذهبت إليه وقابلته، وحال ما أبلغته ما يحصل، قال لي إنّه هو أيضاً لم ينم الليل، وإنّه ليس بحاجة لشاهد، فقد رأى القذائف والقصف يتّصل من قبل الفلسطينيين ومن لفّ لفّهم، وقد بلغت حوالي أربعين قذيفة قبل أن يردّ عليهم الإسرائيليون من البحر والبرّ. وكان السفير موريس درايبر يكتب ملاحظات فيما نبحث فيه. ثمّ اتّصل بواشنطن ليوقف إطلاق النار، ويوقف أيضاً الزحف الإسرائيلي من خلدة إلى بيروت؛ لأن الفلسطينيين كانوا قد أبلغوني صباحاً أنّ القصف الفلسطيني كان سببه التقدّم الإسرائيلي نحو بيروت، ومع هذا فقد أبرق لواشنطن بإيقاف الزحف وأنا عنده.

دبابة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال الغزو (غيتي)

ثمّ كلمني أبو عمّار الذي كان قد حضر إلى منزلي، حين كان «التجمّع الإسلامي» منعقداً، وكان يتكلم بصورة غير معقولة، جنونية: «إنني محاصَر، سأضرب يميناً شمالاً جنوباً، شيوخاً أطفالاً نساءً، على جونية، على البلد، على الجميع، على الإسرائيليين... لن نموت هكذا، لن نموت». حاولت كثيراً أن أكلمه، أن أهدّئ من روعه؛ لكنه لم يسمع منّي كلمة، ثمّ حاولت ثانية قائلاً له: «إن السفير حبيب يسعى جادّاً لإيقاف التقدّم الإسرائيلي»، فأجاب: «سيأخذون المطار، سيُنزلون الدبابات بالهليكوبتر، سيزحفون علينا ونحن لن نموت، سنقاتل!».
مضت عليّ أيّام وأنا أعلن وأردّد، حتى للصحف الأجنبية وللمراسلين الأجانب الذي يتوافدون عليّ بالعشرات، لأعطي الصورة للخارج بأنّ الفلسطينيين قد قاتلوا قتالاً مجيداً من الحدود إلى بيروت، ومن حقهم ألا يموتوا إلا مقاتلين، وأنّهم في بيروت سوف يقاتلون من حي إلى حي ومن شارع إلى شارع، من بيت إلى بيت، وهذا ما كنت أفهمته لحبيب أيضاً، بأنّنا لا نريد أن نوصلهم إلى هذا المأزق. حبيب يلحّ وأنا ألحّ معه منذ مدّة على أنْ ينزل الجيش اللبناني إلى بيروت بالاتفاق مع الفلسطينيين، فمن دون الاتفاق مع الفلسطينيين، لا يمكن أن ينزل الجيش ويضمن ألا يحصل تصادم بينه وبين المسلحين، وخصوصاً الفلسطينيين. وكان أبو عمّار يرفض هذا، ويطلب أن ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى أبعد من 7 كيلومترات، وهو يصرّ ويقول إنّه كان قد أبلغ هذا لجوني عبده، وإنّه ليس في مقدور حبيب تحقيق ما قاله لي بأن يعيد الإسرائيليين إلى الوراء، ولكن بإمكانه أن يوقفهم حيث هم، إذا توقف إطلاق النار، وهو يريد ذلك فعلاً حتى يكون الجيش اللبناني هو متسلّم الأمن في بيروت، ولا تكون هناك حجّة للأميركان تجاه الإسرائيليين، فهم إذا ضربوا بيروت أو اقتحموها، فإنّهم يقتحمون الشرعية من خلال جيشها؛ لكن أبو عمّار كان يقبل مبدئياً نزول هذا الجيش ولا يسهّل ذلك عملياً، وهذا ما سيكون موضع بحث بينه وبين اللجنة الأمنيّة.
مع الأسف، بعض المسلّحين اللبنانيين ومن وراءهم الذين عاشوا على التخريب منذ سنوات، لا يفيدهم أن نأتي اليوم بأي حلول، وها هي البلاد كلها ترى ما أسعى إليه جاهداً منذ أسابيع، في الأيّام والليالي، مع هذا وذلك، مع رئيس الجمهورية، مع حبيب، مع أبو عمّار الذي يزورني مرّتين في اليوم تقريباً، وهم جميعاً يقدّرون ذلك، إلا أنّ هذا التقدير يصبح عكسه عند بعض الفصائل المسلحة من أمثال «المرابطون» وأمثال فلول «الحركة الوطنية» الذين يحرّضون، وقد صرّحوا -كما أفادتني رسالة من سركيس نعوم، المحرّر في «النهار»- بـ«أنّنا لن نسامح بعد سبع سنوات تسميتهم جهادنا تخريباً، وبأن يأتي صائب سلام ليأخذ وجاهة حلّال المسائل». بناءً على ذلك، سيعملون على «خردقة الداخل»، أي صفوف «التجمّع الإسلامي» الذي بقي فيه فلول ممن اعتمد عليهم، مثل تقي الدين الصلح، وهو من أصحاب التعقّل والرويّة، وها هم اليوم يلتفّون حوله كثيراً ويثيرون عنده حساسيات محاولين أن يفرطوا التجمّع.
أنا أعرف كلّ ذلك، ولكنّي أحاول كثيراً أن أتجاهل، محاولاً أن أبقي هذا التجمّع قائماً. وحين اتّصل سماحة المفتي حسن خالد، طلبت منه أن يداري الموضوع، وهو يشعر بما يقع على بيروت من ضير ومن خشية على تهديمها على رؤوسنا جميعاً، أطفالاً وشيوخاً ونساءً. وبعد البحث معه، اقترح أن يدعو البعض مع أبو عمّار والوزّان وجنبلاط. قلت له إنّني أفضّل ألا يُضمّ جنبلاط لأسباب، منها أنّه أتاني مَن يخبرني أنّه قال إن اليوم يوم التشفّي من الفلسطينيين؛ لأنهم ضربوا والده من قبل سنة 1977، يوم دخل السوريون، وهم اليوم يضربونه أيضاً فيما يقومون به في الشوف، وهو نفسه لم يأتِ من المختارة للانضمام إلى «هيئة الإنقاذ» إلا بعد مساعٍ جبارة، وقد اجتمع بها مرّتين، وفي كلّ مرّة كان يخرج من عندي ويتظاهر بأنّه تعقّل وأنّه فهم ما أردّده له بأنّنا جميعاً وراءك نؤيّدك... إلا أنّ جوابه يكون: «أنا لا أتحمّل مسؤولية»، وهو جواب مراوغ لأنّه يريد أن يوقع بهم.
وقد أخبرني أحد المراسلين الأجانب في «الكومودور»، وقد بلغوا في تجمّعهم هناك ما يفوق المائتين عدّاً، أنّ جنبلاط جاءهم فجأة إلى فندقهم بحجّة أنّه يريد أن يعيش هناك. هم يعتبرون ذلك حجّة، فهو جاء فقط ليقول لهم إنّه لا يوافق على ما يحصل، وإنّ أميركا متضامنة مع إسرائيل، وإنّ الإسرائيليين يريدون أن يضربوا. وهو يريد بذلك أن يزايد على المساعي الخيّرة، حتى يثير القوى الشريرة، وحتى يبعث القلق، وكان يردّد دائماً: «أنا عائد إلى المختارة!».

جنود إسرائيليون في بيروت في صيف 1982 (غيتي)

وأذكر أنّه أتاني في المساء اتّصال من السفير حبيب من اليرزة، يقول إنّه أتاه تأكيد من أميركا بأنّ شارون وافق على عدم دخول المطار، وهذا كان طلب الفلسطينيين منّي، وثانياً أنّ عليّ إيقاف القصف، قصف الفلسطينيين، ومن لفّ لفيفهم، كاملاً.
لم أتمكّن في هذا الوقت من الاتّصال بأبو عمّار؛ لأنه كان في اجتماع مع الوزّان وجماعته فاتّصلت بأبو جهاد، وهو رجل عاقل، فأفهمته هذين الأمرين، وقلت له أن يتعقّلوا وأن يعمل هو على إيقاف إطلاق النار بكلّ ما لديه من قوّة، وطلبت منه أن يأتي لمقابلتي هو وأبو عمّار، حال عودة أبو عمّار من الاجتماع.
من جهتي، أنا أبذل هذه المساعي الخيّرة حرصاً منّي على القضيّة الفلسطينية وعلى أصحابها، وقد أخذت من حبيب ضمانات تقول بأنّهم لن يسمحوا بضرب الفلسطينيين إن كان الجيش اللبناني في بيروت، ولن يسمحوا بإذلالهم أو بذبحهم كما قال، وأنا بدوري أوصلتُ هذه التطمينات التي طلبوها بواسطتي من أميركا.
أما جنبلاط فبدل أن يعطيهم تطمينات بعد مقابلته لحبيب، أتى إلى اجتماع فيه الكبير والصغير، المتطرّف وغير المتطرّف، فأخافهم بقوله إنّ حبيب هدّده بأنّ الفلسطينيين سيُضرَبون، وبأنّ الفلسطينيين سيُزالون، لذلك يجب أن ينسحبوا من البلد فوراً... إلخ... إلخ... وأعتقد أنّه أثار ذلك عن قصد، ليثير فيهم التحرّك فيقاوموا، مردّداً أمام البعض أنّه يريد من ذلك أن ينتقم منهم.
- تهديد أبو عمّار
أما أبو عمّار فبعد أن أفرغ كلّ ما في جعبته من كلام جنوني لا معنى له، بأنّه سيخرّب وسيضرب شرقاً وجنوباً وشمالاً... وقد جاراه تقي الدين الصلح الذي بعد مكالمة أبو عمّار لي طلبني، وكان أشدّ وأقسى. طبعاً أنا أخذت هذا من ناحية أخرى، فاستعملته مع حبيب حين قلت له إنّ هذا موقف أبو عمّار، وأمامي أيضاً، وبعد عشر دقائق من الرسالة الأولى، أرسل رسالة ثانية إلى واشنطن يطلب منهم إيقاف الإسرائيليين عن التقدّم.
وأبو عمّار تعوّدنا عليه وعلى تمثيله وعلى شطحاته، قلت له حين كنت سأذهب من عند السفير الأميركي في اليرزة إلى مقابلة الرئيس: «انتظرني في المصيطبة»، وحين حضرت كان قد ترك قبلي بدقائق لأنّه لم يرد أن يقابلني، بعد أن هوّل على المجتمعين وأرعبهم، وخشي إذا حضرت أن أجعله يتعقل؛ لكنني سأحاول أن ألتقي به بعد انتهاء الاجتماع.
ثمّ وصلني خبر أنّ «المرابطون» يحاولون «خردقة» مَن حولي، فيتّصلون بـ«تقي الدين» ويدلّلونه، ويتّصلون بمالك سلام ورشيد الصلح وغيرهم محاولين الالتفاف حول المفتي؛ لكني أعتقد أنّ المفتي سيفهم منّي بالعقل والحكمة، أما الباقون فأنا أداريهم، من تقي الدين إلى الذين يمكنني أن أطالهم، وهم كثيرون من الحركة الوطنية. وكان يأتيني في هذه الأثناء منهم من كانوا أشدّ مواجهة لي، أمثال محمد قبّاني، وعصام نعمان، وعصام العرب وجماعته، كذلك زارني رئيس «الحزب القومي» إنعام رعد الذي بعد خروجه من عندي أعطى بلاغاً للجرائد يقول فيه إنّه زارني وإنّه أيّدني في كلّ مواقفي، فأنا أسعى جاهداً وبكلّ إخلاص للحفاظ على الفلسطينيين وقضيّتهم، وللحفاظ على مدينتي بيروت وعلى لبنان أجمع من خلال ذلك، وهذا يسيء لمن يريد أن يخرّب أكثر فأكثر.
ثمّ جاء جماعة التلفزيون قائلين إنّ الاتّصالات تتوالى راجية إطلالة صائب سلام على التلفزيون ليطمئن الناس. وهذا له منافعه إذا قمتُ به، ولكنّ له مضارّه أيضاً لأنّه يثير الآخرين، هؤلاء الذين يريدون أن يخرّبوا ليجعلوا لأنفسهم مكاناً، حتى إنّه نُشر حديث طويل لرشيد كرامي يحرّض فيه على الحكم وعلى المتعقّلين، ويقول إنّه يجب ألا نبيع القضيّة بالمحافظة على بيروت، وهناك حديث آخر لريمون إدّه الذي خرج أيضاً عن حدوده وعن كلّ أطواره في المدّة الأخيرة، وهو يكلّمني كلاماً غير معقول، ففي حديثه الصحافي ذاك قال: إنّه يجب ألا يكون هنالك «لافال»؛ مشيراً إلى الوزّان الذي أدعمه وأؤيّده؛ لأنّه أفضل من في الساحة اليوم. وحين تلقّف إبراهيم قليلات و«المرابطون» منه كلمة «لافال» أخذوا يعلنون من إذاعتهم محذّرين «لافال» من المضي بعمل «لافال»، أي القيامة، وأخذوا يصنّفون: الوزّان خائن، نبيه برّي خائن، وطبعاً سركيس خائن، وبطرس خائن، وبشير الجميّل خائن، ولم يبقَ إلا جنبلاط المعرقل والمزايد في نظرهم؛ لأنّهم يستفيدون من مراوغته، وهو من دون أي شك يقصد الضرر والهلكة لبيروت وللفلسطينيين بالذات، وقد قال للبعض صراحة إنّه يريد أن ينتقم منهم. والله يقدّم ما فيه خير.
- تحت رحمة قنابل شارون
أتذكّر أنّ ما ذاقته بيروت هو أشدّ ما يكون فظاعة تحت قنابل هذا «الهولاكو» الجديد الذي يريد هدمها. عدوان وحشي أصاب بيروت كما أصاب لبنان كلّه من جنوبه إلى عاصمته، تهديماً وخراباً وهدماً وفتكاً.
سكّان بيروت نزحوا بالألوف المؤلفة، باتّجاه الشمال والشرق، وبقي فيها أيضاً ألوف، وهم كلّهم تحت رحمة قنابل شارون.
ابتدأ شهر رمضان ونحن في هذه الحال، وأنا في كلّ وقت أستصرخ العالم، وكالات الأنباء والصحف... أسعى كلّ ساعة مع الوزراء، مع السفراء، مع «التجمّع الإسلامي».
أصرخ أنّ الإسرائيليين يريدون القضاء على «المقاومة الفلسطينية» نهائياً، وها هم قد احتلّوا جوانب بيروت من جنوبها إلى شرقها إلى شمالها عند الكتائب.
أصرخ مخاطباً السفير حبيب، فيوقف القتال، ثمّ نراه يستمرّ، ويرسل شارون منشورات فيها التهديد والوعيد وضرورة خروج أهل المدينة منها، تلقي هذه المنشورات طائرات كلّ يوم، وكان لها فعلها ودويّها العظيم.
وقد اضطررت للاتّصال برئيس الجمهورية مرّتين، وكلمته بلهجة قاسية قائلاً: «أنت قاعد في بعبدا، ولكن عاصمتك تحت رحمة الإسرائيليين في كلّ ساعة، وقد يدمّرونها، فاستنجد برؤساء العالم ومن خلالهم بشعوب العالم كله!».
كذلك كلّمت مفتي الجمهورية وطلبت منه أن يذيع بياناً من التلفزيون يوجّهه إلى شعوب العالم، ورؤساء أقطار العالم الصديقة والشقيقة.
- مع بشير الجميل
في الوقت ذاته، لم أهدأ وأنا أستقبل المراسلين الأجانب الموجودين في فندق «الكومودور»: من ألمان وطليان وإنجليز وأميركان وفرنسيين، من «BBC» و«AP» و«UP» و«نيويورك تايمز» و«اللوموند» و«ديرشبيغل»... كنت أشرح لهم الوضع والتطوّرات خطوة خطوة،... وأنا مؤمن بأنّني أقوم بواجب وطني وقومي يدعوني لذلك، فالمقاومة الفلسطينية لا يمكن أن تداس تحت أقدام المجتاح الإسرائيلي.
وهذا ما كنت أكرّره لإخواننا الموارنة، ولبشير الجميّل خاصّة، وقد كنتُ على علاقة مع بشير منذ مدّة كما هو معلوم، وكان يكلمني بصيغة: «أنت والدي وأنت مرشدي، إنّ كلّ ما تقوله لي أنفّذه»، وكان هذا حقيقة، ولكن بعد دخول الإسرائيليين شعرت بأنّه تغيّر، فتغيّرتُ معه أيضاً. أرسل لي مرّة محمد صفي الدين بعد أن قال له إنّه يشعر بأنّني تغيّرت عليه، فقال له محمد صفي الدين: «بلى، أنا أيضاً شعرت من صائب بأنّه تغيّر عليك، والسبب هو كذا وكذا وكذا»،
فكلّمته وقلت له: «لقد نقل إليّ محمد صفي الدين وأنت تعرف أنّني صريح، نعم لقد تغيّرت لأنّني شعرت بأنّك أنت تغيّرت. فيا بشير، وأيّها الإخوان الموارنة، أنتم تعلمون أنّ قلبي مفتوح لكم ويدي ممدودة، وكلّنا من أجل لبنان يجب أن نتعاون، ولكن أشعر اليوم بأنّكم قصيرو النظر، فما يناله الإسرائيليون منا ومن إذلال المقاومة إذا تمكنوا من ذلك سيصيبكم الضرر الكبير من بعده، وإنّهم إذا نالوا كلّ ذلك وهدموا بيروت والمسلمين، فلن يقوم لبنان بعد اليوم، وستكونون أنتم تحت رحمة الإسرائيليين، وستكونون أنتم أكثر الخاسرين، فالمسلمون ليس لديهم الكثير مما يأخذه منهم الإسرائيلي المحتلّ، ولكن أنتم سيأخذ من قلوبكم ويمسك برقابكم؛ لأنكم أنتم الذين يكمن عندكم ما تعطونه».
وهذا الحديث كنت أقوله لإخواني المسيحيين كلّهم.
أما أبو عمّار، فكان يأتيني دوماً بعد الإفطار بدقائق، ليجلس ساعات أتجادل معه، جدالاً قاسياً ومريراً، ونفترق لنلتقي ثانية، وهو لا يزال عند موقفه الذي كان عليه من عشر سنوات، يحلم بأمور، ويشتهي، ويقيّم... في ضوء ما يتصوّره خياله، وأنا أحاول أن أضعه عند مسؤولياته.
كذلك أقام أبو عمّار الدنيا حين أتى إليّ يقول إنّ هذه خيانة، أي عودة الوزّان، أي إنّنا نحن خائنون، فثرت عليه بعنف، رجع واعتذر، فقلت له: أنا أدري ماذا أفعل، لم يبقَ لكم إلا الوزّان، عملنا وسعينا من أجل تكوين «هيئة الإنقاذ»، وضحّينا مع جنبلاط ومع بشير الجميّل من أجل ذلك فتكوّنت، واعتقدنا أنّنا خطونا خطوة أولى، ثمّ اجتمعتَ معنا، فاعتقدنا أنّنا خطونا خطوة ثانية، ثمّ في أول اجتماع صدر عنها ما ينبئ بأنّ أعضاءها متّفقون جميعاً، وكانت قدرة عجيبة ألهمنا الله بها وأعاننا فيها، فتمكّنا من أن نجمع جنبلاط وبشير الجميّل على طاولة واحدة، وهذا لم يكن ليحصل لو لم أكن أنا الساعي إليها. ثمّ فرطت هذه الهيئة أو كادت، جمدت، فما بقي إلا رئيس الحكومة الوزّان، ولو لم نبقه غير مستقيل بعد أن قدّم استقالته لسركيس، ولو لم أشدّ وأدفعه دفعاً لبقي على استقالته، وهكذا استمرّت لنا شرعية قائمة، ولو لم يكن كذلك لما بقيت لنا أي شرعية.
وانطفأت «الحركة الوطنية»؛ خصوصاً بعد أن قصد جنبلاط تجمّع الصحافيين في فندقهم، وشتمنا هناك، فقال إن الحكّام خونة، بمن فيهم الوزّان وصائب، وأعلن انسحابه رسمياً منها.
نعم، لم تبقَ «حركة وطنية»، وجنبلاط ترك الساحة وهو منزوٍ في بيته، أما أنا، فأستمرّ منفرداً أحارب بإيماني، بعقلي، بما أعطاني الله من سعة الحيلة، حيلة الرجال في وسع التفكير.
وأذكر أنّه كان يجتمع عندي، أسبوعياً، ثمّ يومياً: «التجمّع الإسلامي»، و«جبهة المحافظة على الجنوب»، وذات مرّة زارنا خلال الاجتماع: الوزراء الخمسة، وأبو عمّار، وأبو جهاد، وأبو الوليد.
كانت جلسة طويلة، وبعد أن ذهبوا، جاءني الرئيس الوزّان منهكاً، وقال لي إنّ الأمور لم تتيسّر بعد، فرغم الأسس التي وُضعت مع أبو عمّار، بقيت التفاصيل العسكرية، وهي شأن لا نتعاطاه، بينما جوني عبده يفهم بها.
وأنا كنت قد قابلت جوني عبده مرّة واحدة في القصر الجمهوري. تحدّثنا يومها، وقلت له إنّنا اليوم في موقف حرج، ويجب أن تدركوا أنتم الموارنة ذلك، مع المسيحيين كلهم، وأرجو أن تنقل هذا إلى الرئيس سركيس وإلى بشير الجميّل، بأنّ عليكم أن تعاونونا على ما نقوم به، فوعدني بأنّه سيضع تصوّراً لما يجب أن يكون من انسحاب المقاومة، ومن تنظيم المسلحين، وهو سيعطيني إيّاه.
ثمّ أتاني هاني الحسن فقال إن جوني عبده اجتمع بحبيب، وأنا أعلم أنّه يجتمع به دائماً، وإنّ حبيب قال له إنّ الوحيد «الكونسيستينت» (Consistent المتماسك والثابت، وهاني ردّد الكلمة الأجنبية من دون أن يفهم معناها) هو صائب سلام، هو الذي آخذ منه الكلام الصريح والواضح. وكان حبيب فعلاً يتّصل بي أو أتّصل به مرّة أو اثنتين أو ثلاث مرّات أحياناً في اليوم، وهو يعتمد على ما أقول. وبناءً على ذلك، سأنتظر من جوني عبده ما سيعطيني لأكلّم حبيب على أساسه.
ثمّ كلّمني الرئيس الوزّان فقال لي إنّهم طلبوه إلى القصر، فالرئيس مريض، وكان هناك فؤاد بطرس وحبيب الذي أبلغهم أنّ إسرائيل رفضت الشروط التي وصلت إليها. حين قال لي الرئيس الوزّان ذلك، كان تقي الدين الصلح عنده، فطلبت منه أن يكتب لي هذه الشروط المرفوضة وأنا سأنظر فيها، مع ما سيصلني من جوني عبده، لأرى ما سأفعل مع حبيب وبشير وغيرهما. وحين قال لي إنّ الوزّان سيستقيل لأنّه لا يستطيع الاستمرار، قلت له أن يبلغه أنّه بذلك سيرتكب أكبر جرم في الدنيا، فليداوم ونحن معه، أقاموا الدنيا علينا في السابق واتّهمونا بالخيانة، لا بأس، واليوم يعرف الجميع أنّ أحسن ما فعلناه أنّنا أبقينا الوزّان صلة الوصل والشرعية به قائمة.
أما بشير فقد أصبح -كما قلت- تحت تأثير الإسرائيليين، وبالطبع قلت له هذا على الهاتف: «إنك ربما لا تكون مع الإسرائيليين يا بشير، ولكنّ هؤلاء الأعوان الذين حولك والذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، والذين تمرّنوا عندهم في تلّ أبيب، والإسرائيليون هؤلاء الذين ناموا معهم وأكلوا وشربوا في تل أبيب، هم عندكم اليوم يأكلون ويشربون معكم، ويتعاطفون ويتعاملون، وما صدر عنهم من قساوة يجب أن ندرك أنّه يضرّ بنا وبكم في النهاية».
على كلٍّ، سأبقى صامداً وباقياً على إيماني. والغريب أنّ آخر سؤال يسألني إيّاه معظم الصحافيين الذين يخرجون من عندي زرافات ووحدانا، هو: «وكم عمرك؟» وكأنّهم يجدون أنّني أقوم بما يقوم به ابن ثلاثين، فأنا أفعل هذا بنشاط وبهمّة، ولإيماني الذي بقي في صدري، ولما أشعره من واجب عليّ أن أقوم به.
من جهة أخرى، كانت تأتيني أصوات صغيرة من الشمال، من كرامي، تعلن أنّه في إنقاذ بيروت علينا ألا نهدر القضيّة، نعم هذا كلام مغرض يشكّل طعنة، كما أنّ هناك طعنات أخرى، من الحركة الوطنية أيضاً، وقد جاء منهم من يقول لي إنّهم يريدون إلقاء السلاح بين يديّ، فأجبتهم بأنّني رغم يدي الممدودة سأتلقفكم بكلّ ما فيكم، وبكلّ ما أسأتم إليّ في السابق، ولكنّني لن أحمل السلاح، فأنا أرفض أن يكون سلاحي البارود والحديد والنار، سلاحي هو ثقة الناس، سلاحي هو الموقف المستمرّ، وهذا ما أخبرته لحبيب، وقلته لجوني عبده.
إذن، أنا مستمرّ في خطّي الواضح والصريح والوطني الذي لا لبس فيه ولا إبهام، رغم أنّ البعض يسمّوننا «مشبوهين» أو خونة؛ لكن أبداً، لقد ضربنا هؤلاء في أول خطوة في قضيّة المجالس المحلية، وسنتابع العراك المرير معهم.
نبيه برّي لم يتّصل بي منذ سنوات، وقد فاجأني حين طلب أن يزورني مع جنبلاط، فأهّلت به على أن يأتي من دون جنبلاط هذا الذي هم مغرورون به، وقد شرحت له الواقع، وقلت له أين يقف. وسُئلت: لماذا لا نعقد اجتماعاً إسلامياً ضخماً، لنقف جميعاً وقفة واحدة؛ لكنني أعرف أنّ هذا الطرح هو للالتفاف حولي، لمخادعتي، من هنا ومن هناك، إما بالمزايدة عليّ مع الفلسطينيين أو ضدّهم. ولأنّني أعرف ذلك وقفت ضدّه أيضاً، بقوّة أعطاني الله إيّاها، لمتابعة النضال المرير الذي يُرهق الجبال، فكيف وأنا في هذه السن، وعائلتي تشفق عليّ، زوجتي وأولادي، والبعيدون منهم يبكون، إلا أنّ تمّام يساعدني حقاً.
وأذكر أنّه في الرابع والعشرين من يونيو 1982، اجتمعت مع أبو عمّار وأبو الوليد وهاني الحسن، بعد أن عدت من زيارة الرئيس الوزّان الذي شرح لي ما تداوله مع حبيب وجوني عبده.
وكان الوزّان غير متأكّد من أنّ المقاومة على استعداد لترك لبنان، وهذه النقطة لا يستطيع أن يناقشها مع حبيب، فهو لا يتحمّل مسؤوليتها، لا تجاه نفسه ولا تجاه التاريخ، أو تجاه من سيحاسبه فيما بعد. وكان خائفاً من الاغتيال ومن موقفه من الفلسطينيين، لذلك قلت للمجتمعين عندي: «يا أبو عمّار، اجمع رؤساء فصائل المقاومة كلهم، بمن فيهم حبش وحواتمة وجبريل وغيرهم، واكتبوا محضراً بأنّكم على استعداد لترك لبنان، ووقّعوا المحضر ثمّ ضعه في جيبك لتسلّمه للوزان، والوزّان أمين وصادق ووطني، وسيحفظ ذلك، فعندما يمكنه أن يذهب إلى حبيب وغيره، يكون مركزه قويّاً، من دون أن يعطيهم هذا المحضر، هو لن يكشفه؛ لكن كي يستطيع بحث الشروط الأخرى، سيكون موقفه أقوى. نعم الوزّان يريد أن يضمن ذلك، ومن ناحية أخرى لا يريد أن يؤخذ عليه أنّ الفلسطينيين إذا انسحبوا من لبنان فسيتركون السوريين وراءهم ليعلنوا أنّهم خُذلوا، فيصيرون وحدهم الأبطال». ثمّ نقلت الأمر كله في اتّصال مع حبيب، وهم يستمعون، قائلاً له: «هناك نقطة للبحث، هي الانسحاب، أي انسحاب السوريين والفلسطينيين والإسرائيليين، فلنترك الإسرائيليين ولنبحث عن انسحاب الآخرين، وأنت يا مستر حبيب دبّر الأمر مع السوريين، وقد يكون ذلك بواسطة أميركا».
فوافق حبيب معي؛ لأن هذا الأمر ليس من شأني أو من شأن الفلسطينيين، أنا أريد أن يكون ظهر الفلسطينيين محميّاً، فلا نكشفهم وطنياً.
وقد عرفت من أبو عمّار، فيما بعد، أنّه علم أنّ الأميركان لا يريدون أن يكون الفرنسيون هم الواسطة بينهم وبين «المقاومة الفلسطينية»، وهم يفضّلون أن يكون صائب سلام هو الوسيط، فأجبته بأنّني لست الوسيط، أنا أساعدكم، وأنصحكم ألا تقطعوا علاقتكم بالفرنسيين.
- في تفاصيل الاتفاق مع الفلسطينيين
أذكر أنّ ميشال أبو جودة، حين علّق في «النهار» تحت عنوان: «رئيس جمهورية بيروت»، شرح طويلاً الوضع الدولي في مقال قال في نهايته: «إن صائب سلام هو رئيس جمهورية بيروت، وإنّ أي حلّ لقضيّة بيروت ينطلق لحلّ قضيّة لبنان ثمّ قضيّة الشرق الأوسط بأسره. وأما إذا هُدمت بيروت أو حوصرت، فسيذهب لبنان بأسره، ولن يكون هناك سلام في المنطقة». وقد توافقت نظرة أبو جودة مع نظرتي.
وفي هذا الإطار، كانت اتّصالاتي بحبيب وبالمقاومة مستمرّة؛ خصوصاً بعد أن كتب ووقّع القياديون في المقاومة محضراً بأنّهم سيخرجون من بيروت، وكان هاني الحسن يزورني، وأنا أجده أعقل الفلسطينيين؛ لأنه يحلّل تحليلاً صحيحاً، فأستعين به على أبو عمّار.
طلب منّي حبيب أن أسألهم إلى أين يريدون أن يذهبوا، فسألت هاني، فلمّح إلى أنّهم حتّى اليوم يدرسون الذهاب إلى سوريا، ولكنّهم لا يريدون أن يعلنوا ذلك، فأجبت حبيب بأنّه أصبح الآن من الضروري وضع تصوّر شامل للموضوع وبرمجته، حينئذ أجد ما هو الحدّ الأقصى وما هو الحدّ الأدنى بين الفريقين فنتدخّل لتسوية الأمور. وقد رأيت من الضروري أن أوجّه برقية إلى السعوديين بواسطة علي الشاعر، وإلى الأمير سعود الفيصل فأطلعهما على كلّ ما جرى، وأعطيهما نصّ الوثيقة التي سلّمنا إيّاها أبو عمّار، مع رأيي في النقطتين المثارتين، واحدة من قبل حبيب بأنّه يريد أن يعرف إلى أين سيذهب الفلسطينيون، والثانية أنّ الفلسطينيين يريدون أن يعرفوا شيئاً عن القوّة الدولية؛ لأن الوزير الفرنسي سبق أن قال لي إنّ ذلك يمكن أن يتمّ خلال 48 ساعة، فهنالك «القوات الدولية» الموجودة في الجنوب التي يمكنها أن تحضر سريعاً، ودول أخرى مثل فرنسا وأميركا تريد أن تبعث بجيوشها، ولكنْ هنالك تضارب بين النظرة الفرنسية والنظرة الأميركية، فالأميركيون لا يريدون أن يتركوا دوراً للفرنسيين ليقوموا به في إنقاذ بيروت ولبنان.
وقد تابعت الحديث مع حبيب، ووجدت من الضروري أن أعطيه بصورة خاصّة مكتومة بيني وبينه نصّ المذكّرة التي وقّعها أبو عمّار، ليكون على بصيرة فيما يقوم به. وبعد أن درسها سألني ماذا يقصد الفلسطينيون بقوّة عربية دولية، أو دولية، قلت له هم يتمنّون قوّة عربية دولية، ولكنّهم يقبلون بقوّة دولية.
كذلك حين كلّمني، في هذا الإطار، جوني عبده، بعد غياب طويل، وكلّمني رئيس الجمهورية، أصررت على أنّ الأمر صار متوقفاً عليهم ليضعوا التصوّر المطلوب، بالسرعة الممكنة، وفيه برمجة لكلّ الأمور...
في هذه الأثناء، كما أذكر، طرأ شيء جديد، وهو ما سُمّي «المبادرة الفرنسية الجديدة»، إذ إنّ سفير فرنسا أتى فأبلغ رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة، بأنّ الحكومة الفرنسية قبلت من حيث المبدأ أن ترسل جيشاً من ضمن جيش دولي، ليساعد على إخراج الفلسطينيين من البلاد.
حبيب والأميركان ما زالوا واقفين وقفة غير معقولة بتاتاً. هم يقولون إنهم لبَّوا طلب «المقاومة الفلسطينية» الذي أتاهم بواسطة حكومة لبنان، فقرّر ريغان إرسال قوّة من «المارينز» لبيروت لهذا الغرض، ثمّ حبيب يقول إنّ هذه القوّة لن تدخل بيروت أو لبنان إلا بعد ذهاب الفلسطينيين كاملاً، إذن فلماذا تأتي؟
وفي اتّصالاتي بحبيب، بعد طرح هذه المبادرة، وجدت سبيلاً للأخذ والردّ بيننا، وخصوصاً أنّه يكلّمني دائماً ويعتبرني «أخاً كبيراً» ويقول لي: «أنا اعتمد على نصائحك وآرائك»، وشعرت بعد استعماله كلمة «كونسلتيشن» (consultation) أنّ هناك مجالاً للتداول، فنويت أن ألقاه ونتحدّث.
في هذا الوقت اتّصل بي الشيخان الأميركيان دود ورفيقه الذي إلى جانبه ولم أكلّمه، وكانا في مكتب جان رياشي السفير في الخارجية، فقلت لهما إنّني لا أذهب إلى الشرقية ولا إلى المجلس، فتحدّثنا حوالي ثلث ساعة، وكان الحديث حامياً. طبعاً، مع شيخ أميركي أكلّمه لأول مرّة، وقد اضطُررت إلى أن أنبش تاريخنا مع أميركا من أوله إلى آخره، وحدّثته عن التناقض فيما يقولونه اليوم: «أنتم تقولون إنكم بناءً على طلب المقاومة تأتون بالجيش الأميركي لمساعدتها على الخروج، ثمّ تقولون: لن يأتي هذا الجيش إلا بعد خروجها، فما هذا التناقض الذي لا نقبله. كلّ مصالح أميركا ستذهب إلى الخراب المطلق، ما دمتم تحت تأثير الصهيونية»، وقلت له: «إنكم إذا قضيتم –وهذا ما أردّده دائماً للتلفزيون الأميركي على أنواعه يومياً وللتلفزيون الألماني والفرنسي وغيره– إذا قضيتم على هذه القيادة العاقلة والواعية والمعتدلة من المقاومة فستكونون قد قمتم بشرّ الأعمال، إذ ستنشأ هنا وهناك، وفي كلّ الأقطار العربية، جماهير من (المقاومة الفلسطينية) في غاية التطرّف، وستكون إرهابية في جوهرها وعملها، وستُطعنون في صميم مصالحكم، ولن يكون هناك سلام في المنطقة، حتى ولا لقوّة إسرائيل التي لم تعد قادرة على أن تسيطر على العالم العربي بأسره. إسرائيل أنتم تؤيّدونها بالمال، مالكم مال دافع الضرائب، وأنتم تؤيّدونها بسلاحكم، حتى بالقنابل الفوسفورية، وحتى بالقنابل العنقودية، وتؤيّدونها سياسياً، وهي بهذا التأييد الأعمى يكون دورها فقط أن تهاجم وتعتدي وتتوسّع وتسيطر، وهذا ليس في مصلحة أميركا بالنتيجة».
- أغسطس (آب) 1982: القصف المجنون
ابتداءً من أول أغسطس، فُتحت أبواب جهنّم على بيروت، وشاهدنا وعشنا أضعاف ما شاهدناه في السابق، فمن الصباح إلى المساء كان القصف الإسرائيلي جواً وبحراً وبرّاً متواصلاً بشكل غريب. في الواقع يمكن أن أسمّيه جهنّم وأبوابها مفتوحة. كنا في بيت أختي فاطمة، فنزلنا إلى الطابق التحتاني؛ حيث اعتقدنا أنّ العقد يحمينا أكثر من البقاء في الطابق الأول، ولم يكن هناك إنسان يتحرّك على الطريق خلال تلك الساعات، كنا نسمع القنابل تتساقط حولنا وتأتينا بعض شظاياها، إلى أن وقعت اثنتان منها عندنا في البيت الملاصق لبيتي، وهو المكتب الذي أضع فيه كلّ أوراقي وملفّاتي، وواحدة انفجرت فخرقت السقف الذي تحت أرض الغرفة على مسافة 60 سنتيمتراً من العقد، إذن، لو أتى شيء من فوقنا لا سمح الله لهُدم البيت على رؤوسنا.
خرجنا من هذه المحنة، وصعدنا إلى الطابق الأول والثاني، وفي اعتقادنا أنّنا لن نرى شيئاً منه سالماً، ولكن الحمد لله أنّ للبيت ربّاً يحميه، وهذا ما كان يردّده هاني الحسن عندما كانت الأوضاع تتأزم وتتساقط القنابل من حولنا، فيقول: «سبحان الله، وكأنّ لهذا البيت شيئاً يحرسه وهو قائم بشموخه بين البيوت الملاصقة».
كنت خلال هذه الأزمة، قد مددت خطوطاً هاتفية إلى الطابق السفلي، مباشرة وغير مباشرة، لأبقى على اتّصال دائم برئيس الجمهورية، فأضغط عليه كثيراً ليطلب جميع سفراء الدول ويطلعهم على ما يجري، وكان يتردّد ويقول إنّه ليس بإمكانه أن يتواصل مع أحد؛ لكنه بعدها قابل تقريباً جميع سفراء الدول الممثّلين في هيئة الأمم، وفي مجلس الأمن.
وكذلك كنت على اتّصال بالوزّان، واتّصالي الأكثر كان مع غسّان تويني في الأمم المتّحدة، للتشاور معه في كيفية تقديم الشكوى إلى مجلس الأمن، وماذا يكتب فيها؛ لأنه في الواقع كان قد أعلن أنّه طلب المراقبين، وهو ليس مطلب الحكومة، وبعد حوار طويل قال لي: «إن الجميع يتشاورون في الغرفة المقفلة»، فقلت له: «وهذه العجوز الشمطاء مندوبة أميركا؟»، قال: «ربما تسايرنا»، وإذا وهو يتحدّث يقول: «اسمع اسمع لقد خرجتْ»، ثمّ قال لي: «لقد وافقت على القرار»، وهذه أول مرّة توافق فيها أميركا على مثل هذا القرار في طلب وقف إطلاق النار، وتوافق على إرسال المراقبين الدوليين، وهو موقف يُعتبر من جانبها موقفاً عدائياً، أو غير ودّي، تجاه إسرائيل.
وأذكر أنّه بعد خروجنا من هذه المحنة أتتني وفود كثيرة تهنّئني بالسلامة بعد أن سمعوا بإصابة مكتبي، وكان منهم أبو عمّار وهاني الحسن.
وأذكر بعد هذا اليوم المجنون، أنّني ذهبت في جولة لأتفقّد الأماكن المصابة أكثر من غيرها في البلد، فذهبت إلى كورنيش المزرعة وجنوبه، وبقيت ساعتين أجول في تلك المنطقة التي سمّيتها حقاً مدينة أشباح، فهي تكاد تكون خالية من السكّان، خالية من كلّ روح، فيها التهديم والحرائق، ومع الأسف، كلّ ما يدمي الفؤاد. وكان يرافقني فريق من التلفزيون الأميركي وغيره، ومن التلفزيون اللبناني أيضاً، وقد صوّروا كثيراً وسجّلوا تعليقي، ثمّ عقدت مؤتمراً صحافياً حين أنهيت الجولة في مكان إقامة فريق «المقاصد» للدفاع المدني، أولئك الشباب الذين يُدخلون العزة والطمأنينة ويعزّزون الإيمان إلى نفسي، أولئك الشباب المتطوّعون الذين يرمون بأنفسهم منذ شهرين وأكثر أمام الجميع، ليطفئوا الحريق هنا أو هناك، ولإنقاذ الأشخاص من تحت الركام، وانتشال الجثث والإتيان بها إلى مستشفى «المقاصد»، وهو ما يشجّع الإنسان على إبقاء الحياة في هذا البلد، رغم كلّ ما يصيبنا من بلايا ورزايا.
وأذكر أنّ ما قلته باللغة العربية في المؤتمر الصحافي هذا، بثّه التلفزيون اللبناني، وما قلته بالإنجليزية تلقفه المراسلون الأجانب وأرسلوه لوكالاتهم وتلفزيوناتهم. وقد أكّد لي كلوفيس مقصود، فيما بعد، أنّ حديثي كان ممتازاً، وهو ضروري جداً لأميركا والأميركيين، فارتحت لسماع ذلك. أما المراسلون هؤلاء فقد أخبروني أنّهم كانوا قد شاهدوا الإسرائيليين يحشدون دباباتهم عند المتحف، وهي أكثر من 80 دبابة، وأنّهم استولوا على المرفأ، وهم يتجمّعون هناك بقوى كبيرة، كما يحاولون الدخول من منطقة الأوزاعي والمطار وبرج البراجنة، إذن هم يطوّقون بيروت ويشدّدون الخناق عليها، ليصلوا إلى قلب العاصمة ويدمّروها.
تبادلت الحديث مع حبيب في هذا الأمر، فطلب أن أتّصل بالمقاومة ليوقفوا إطلاق النار من جهتهم، وكنت مقتنعاً بأنّ الإسرائيليين هم الذين يخرقون وقف إطلاق النار؛ لكنني اتّصلت بأبو جهاد، وحبيب نقل الأمر إلى واشنطن، وقال لي مؤكّداً إنّ أميركا لن تقبل باجتياح بيروت، وأنا لم أعد أثق بأميركا، وأعتقد أنّ ريغان ومواقفه لا تؤثّر، أو لا يريد لها هو أن تؤثّر، على إسرائيل، لوقف عملها العسكري في بيروت.
اتّصلت برئيس الجمهورية، كما أذكر، وكنت عنيفاً معه، قلت له: «أنت رئيس البلاد ومفروض أن تعيش مع أبناء عاصمتك، وتقاسي ما يقاسون من إرهاق تحت القصف العشوائي الوحشي المتواصل، وهم من دون ماء ومن دون كهرباء، والأمراض بدأت تتفشّى... وهم من دون أدوية والكلّ يصرخون، حتى إنّ الإسرائيليين منعوا (الصليب الأحمر) بالذات من إدخال الدواء»، وطالبته بأن يرسل جيشاً من مائتي نفر أو أكثر إلى محطّة المياه وإلى محطّة توليد الكهرباء، فيفرض تسلّمهما، وليقابله الإسرائيلي بالعنف، فيفهم العالم أنّك تحافظ على أرواح أبناء بلدك، فكان أول الأمر مستفهماً، ثمّ قال أخيراً: «خيراً، سنجري اللازم»، فقلت له: «يجب أن تجري اللازم»، وأعتقد أنّ عنفي معه كان إلى أبعد الحدود.
وللأسف، لم تمضِ ساعات على هذا الاتّصال، حتى أتت طائرتان فجّرتا بناية بأكملها، طبعاً عرفت فيما بعد أنّها كانت مكاناً للقيادة الفلسطينية، فطبّقت سبعة طوابق على من فيها، ويقولون إن هنالك مئات الضحايا، فاتّصلت بحبيب لأنّه أصبح لدي هاتف جيد الآن، مددت شريطه من مكتب «المقاصد» إلى بيتي على بعد 1200 متر، وقد عانينا كثيراً في إيجاد الشريط اللازم، فأخذ علماً وخابر واشنطن فوراً.
ولم أعد أحصي الساعات التي أمضيتها في الملجأ، تحت العقد، ونحن نسمع القذائف تنهمر على بيروت، وفي كلّ مرّة أتّصل بحبيب، وهو يقول لي: «فتّش عن القيادة الفلسطينية وأخبرهم بضرورة وقف النار»، وأنا أجيبه بأنّ الإسرائيليين هم الذين يقصفون البلد في كلّ أرجائه، الجنوبية، وقلب بيروت... من كورنيش المزرعة إلى الحمّام العسكري، والله يمنّ علينا بأنّنا لم نُصب بسوء، ولكن هناك ضحايا كثيرة غير الدمار والخراب.
وذات مرّة، بعد سقوط قنابل كثيرة، أخبرني حبيب أنّ وقف إطلاق النار سيكون سريعاً، ذلك أنّه اتّصل بواشنطن، وعرف أنّ الرئيس الأميركي ريغان اتّصل ببيغن، وطلب منه إيقاف إطلاق النار، فاجتمع بيغن بالوزارة الإسرائيلية، ثمّ أبلغ ريغان بأنّهم أمروا بوقف النار، فبثّت إذاعات العالم أنّ ما أبلغه ريغان لرئيس الوزارة الإسرائيلية كان إنذاراً، فأعدت الاتّصال بحبيب وشكرته.
- وداع أبو عمّار
طبعاً كانت علاقتي بالإعلام مستمرّة، زيارات ومقابلات، وقضيّة الانتخاب وقضيّة المقاومة حاضرتان دائماً. وكان عندي تقي الدين الصلح ووليد جنبلاط ونبيه برّي، حين حضر إليّ الوفد الاشتراكي الأوروبي، فدعوت الجميع للغداء، وكان الكلام صريحاً مستفيضاً عن أوضاع لبنان وأوضاع العالم العربي والقضيّة الفلسطينية، وقد طلبوا الاستماع إلى رأيي بعد أن قابلوا شخصيات كثيرة ورسميين. كان الاجتماع ناجحاً، وأكثر الكلام كان لي، إذ كنت أفسّر لهم كلّ الأمور، وهم يستوضحون كلّ شيء. وقد طلبنا منهم أن يسعوا جهدهم كقوة اشتراكية دولية؛ خصوصاً وهم اليوم في مراكز الحكم في بلدان أوروبية كثيرة، ليدركوا أنّ «لبنان أصبح قضيّة كالقضيّة الفلسطينية، لا يمكن إهمالها».
وأعتقد أنّ هذا الاجتماع سيكون له تأثير فاعل، آمل أن نستفيد منه في تحرّكنا المقبل.
وتحضيراً لانسحاب الفلسطينيين جاءني هاني الحسن، وخرج وهو ينوي أن يعود ثانية لوداعي. كذلك جاءني أبو عمّار، ومعه أبو جهاد، وكان قد طلب منّي أن أعمل لتأخير انسحابهم، فاتّصلت بحبيب الذي قال إن ذلك لا يمكن إطلاقاً، ولكنّه سيرتّب الموضوع ليكون ذهاباً مأموناً خلال 24 ساعة أو يومين.
تحدّثت مع أبو عمّار كثيراً في سياسته المستقبلية، ونصحته بأن يترك الأمور الصغيرة وينتقل لحمل مسؤوليات كبيرة، فالفلسطينيون صار لهم شأن كبير في العالم، ولهم مندوبون في حوالي 65-70 دولة، بما يشبه السفراء، وهم يمكنهم أن يمثّلوا قوة دعائية كبيرة، وفي أميركا هناك قوّة فلسطينية من أغنياء ومثقفين، كانوا قد اجتمعوا في لندن، ووضعوا مبلغاً كبيراً مبدئياً، ربما مائة مليون دولار، للقيام بالدعاية فيها. وقد تأثّرت كثيراً بالمقابلة، وصرت أشعر بأنّ أهل بيروت رغم ما قاسوه يعطفون عليهم عند انسحابهم، وأنّ ما نطلبه هو تعزيز قضيّتهم، فنحن نؤيّدها، ونجدها مفيدة لهم ولنا نحن المسلمين في لبنان، وأنّ الضرر سيقع علينا إذا خرجوا مذلولين لا سمح الله.
وبعد يومين، أذكر أنّه أتى إليّ أبو عمّار، وقد جاءني مودّعاً، كان مساءً مؤثراً، قلبي معه، أعدت البحث؛ بل النصيحة المستمرّة، أولاً ليخرج مشجّعاً، وثانياً ليعتبر أنّه لم ينكسر كاملاً، وهذا ما كنت أردّده على الصحافة العالمية من أوروبية وأميركية كلّ يوم، وأنّ عليه أن يغيّر خطّته كاملة، فهو لم يعد في حرب عصابات ولم يعد مقاومة عسكرية؛ بل أصبحت قضيّته قضيّة نضال سياسي، إذن عليه أن يكون رجل دولة بكلّ معنى الكلمة، ينفض عنه غبار كلّ الماضي، وكلّ الممارسات الماضية، ويتّخذ صفة رجل الدولة بهيئة جديدة، ليتصرّف بالقضيّة التي أصبح لها مجال عالمي واسع، وشعبية مؤيّدة من أكثر شعوب العالم.
وقد اعتصر قلبي في ساعة الوداع هذه، حتى زوجتي تميمة دخلت علينا المكتب، وهي لم تفعل هذا من قبل مع أحد، وأحبّت أن تودّعه، فقبّل يدها تقبيلاً حارّاً والدمعة في عينيه، وقال لها: «أقبّل هذه اليد عن جميع نساء بيروت البطلات اللواتي صمدن معنا!». وكانت التلفزيونات العالمية كثيرة عند الباب ونحن خارجان، وبعد أن نزل السلّم، لحقته إلى الأسفل، مُغيّراً عادتي بأن أودّعه على باب المصعد، فأوصلته إلى سيّارته، وقد دمعت عيناه، وأنا تأثّرت تأثّراً عميقاً. كان الله في عونه.
- وجاء يوم مغادرة الفلسطينيين
أذكر أنّه كان يوم الاثنين في 30 أغسطس 1982، حين زار أبو عمّار رئيس الوزراء، ومن هناك توجّه معه إلى المرفأ؛ حيث كان مرافقوه وسط حشد كبير.
وقد نزلت أنا وتمّام وتقي الدين إلى المرفأ، وكان هناك عدد كبير من المودّعين، ومنهم المفتي، والرئيس الحصّ، ورشيد الصلح، ومالك سلام، والبربير، والحركة الوطنية بكاملها، مع وليد جنبلاط، وهناك اختلط الحابل بالنابل عند مدخل الباخرة اليونانية، وقد أتى من «الحركة الوطنية» محسن إبراهيم وجورج حاوي، وأنا لم أكن على علاقة طيّبة معهما، فتقصّدا من بعيد أن يأتيا لمصافحتي، فلم أر بُدّاً أمام الناس من مصافحتهما، ثمّ صعدنا إلى الباخرة، وكان هناك اجتماع في قاعة الاستقبال؛ حيث الرئيس الوزّان يمثّل فخامة رئيس الجمهورية، ومعه رينيه معوّض، وقد ألقى أبو عمّار كلمة مؤثّرة، ثمّ قدّم رسالة للوزّان، ووساماً لبيروت باسم القائد العامّ للمنظّمة... «منظّمة التحرير الفلسطينية»، سمّاه «وسام صمود بيروت» وقد أجابه الوزّان بكلمة طيّبة أيضاً ومؤثّرة، وقال له: «لأول مرّة نزيد على التقاليد في لبنان، فأنا أمثّل رئيس الجمهورية، وكذلك يمثّله معي الزميل وزير التربية رينيه معوّض، أي أنّ لبنان المسيحي والمسلم يودّعك اليوم».
كنت راضياً تماماً عن هذا الوداع؛ لأنه في الواقع أتاح للأخ أبو عمّار، ومن خلال شخصه للمقاومة الفلسطينية، مغادرة مشرّفة كريمة، وما لفت نظر الجميع أنّ الأميركيين، مع أنّهم يرفضون الاعتراف بالمنظمة الفلسطينية، كانوا يحرسون الطرق من المركز التجاري إلى المرفأ، على الجانبين، كما حرسوا أبو عمّار ببوارجهم في البحر. إذن، هذا اعتراف غير مباشر، فقد كانت الباخرة اليونانية بحماية الأسطول الأميركي والأسطول الفرنسي.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
TT

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)

ليس مفاجئاً أن مسار الانتخابات العامة في روسيا ونتائجها لم يحملا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية، فقد سارت الحملات بهدوء لافت، على الرغم من ضجيج الحرب وهيمنة تداعياتها وتأثيراتها المباشرة أو غير المباشرة، في كل مدينة وقرية روسية.

أما النتائج فقد بدت وكأنها رسمت بدقة لتعكس واقع الحال في بلد يواجه «حرباً كونية» ويخوض منذ خمس سنوات تقريباً أخطر منعطف في تاريخه المعاصر.

ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال غير مسبوقة في أي انتخابات، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مناسبة لتجديد الولاء بشكل كامل، ونيل التأييد لسياساته بعد مرور عامين فقط على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد، بنسب تأييد اقتربت من 90 في المائة وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

لكن الأهم من ذلك كله يبقى أن الحملة الانتخابية ونتائجها حملا رسائل عدة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وعكسا واقع الحال في روسيا حيث «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

لجان انتخابية تعمل على فرز الأصوات في نهاية انتخابات الـ«دوما» الروسية في منطقة بودولسك قرب موسكو (إ.ب.أ)

فوز كاسح... غير مفاجئ

على الرغم من غياب عنصر المفاجأة في نتائج الانتخابات، فإن الأرقام والنسب جاءت لافتة للأنظار، وهي لم تقتصر على حصيلة الحزب الحاكم الذي وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ؛ فبعدما كان يستحوذ على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً في البرلمان السابق، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة، بات الآن يسيطر على 350 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

بهذه الحصيلة حصد حزب السلطة رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأصغر التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

لكن هذه النسبة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ إذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها على حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خيارين: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات.

ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

واللافت أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق، ما دل على أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار، وقد حصل حزب «روسيا الموحدة» على نحو 57 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

ناخبون روس يدلون بأصواتهم من خلف الستارة في مركز اقتراع في ماريوبال - دونتسك (إ.ب.أ)

انتخابات تحت النار

جرت الانتخابات على مدار ثلاثة أيام، وشهد اليوم الثالث منها توتراً هائلاً بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات.

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق وخُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح».

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت أكثر من ألف موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت البنية التحتية للاتصالات في روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى ملتقى الثقافة في سان بطرسبرغ في روسيا (أ.ب)

رسائل بوتين

الأكيد أن الاستحقاق الانتخابي ونتائجه حملا رسائل تعمد الكرملين التركيز عليها في أكثر من مفصل. وهي وإن كانت تعكس في غالبيتها شأناً داخلياً، فإنها موجهة كما ظهر بالدرجة الأولى إلى الخارج.

أبرز تلك الرسائل تعلق بتأكيد استقرار الوضع الداخلي الروسي حتى في أحلك أوقات الحرب. ولا يقتصر الأمر هنا على تأكيد أن النظام السياسي راسخ وقوي، وينال رضا الجمهور الذي أقبل بكثافة على الانتخابات، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الآخر غير المعلن هنا، والمتعلق بفقدان النظام الأوكراني شرعيته وعدم قدرته على تجديد ثقة الناس به، نظراً لأن كييف كانت قد أجلت الاستحقاقات الانتخابية غير مرة، بما في ذلك انتخاب رئيس البلاد منذ أكثر من عامين بسبب حالة الطوارئ المعلنة في البلاد.

وهو أمر جادلت موسكو بشأنه طويلاً مع الأميركيين وغيرهم من الوسطاء، ورأت أن «النظام فقد شرعيته ولم يعد طرفاً يمكن إبرام اتفاقات سلام معه».

وعبّر بوتين عن ذلك بوضوح في خطاب إلى الأمة سبق الانتخابات، وأكد فيه حرصه على إنجاح الاستحقاق «في موعده الدستوري»، وأن البلاد تحافظ على احترام تجديد شرعية مؤسساتها الرئاسية (انتخابات 2024) والنيابية والمحلية في الانتخابات الحالية.

الرسالة الثانية تتعلق بتأكيد التفاف الشعب الروسي حول سياسات الكرملين. وهنا كان من المهم جداً أن تأتي النسب مرتفعة جداً، ليس فقط في مجلس الدوما بل وفي المقاطعات والأقاليم التي اختارت حكامها ومجالسها المحلية.

والخلاصة التي تنبثق من هنا مباشرة أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلام ورؤية الكرملين لأي شروط للتسوية المقبلة تحظى بإجماع روسي شبه كامل، وهذا أمر مهم لتعزيز مواقف بوتين أمام دعوات الانخراط في سلام «غير مقبول» شعبياً في الداخل الروسي.

أكثر من 500 عازف وعازفة يشاركون في احتفالية «موسيقى النصر» الوطنية إحياء لذكرى قائد النصر جورجي زوخوف في موسكو (إ.ب.أ)

أما الرسالة الثالثة فقد عكست واحداً من أبرز مستويات تأثير الحرب الجارية على واقع المجتمع. ومع القرارات الكثيرة التي وضعت الأولوية القصوى لدعم الجيش والقوات الرديفة المتمثلة بمئات الألوف من المتعاقدين المحاربين على خطوط النار، بما في ذلك عبر تقديم خدمات وتسهيلات غير مسبوقة في قطاعات عدة على رأسها القطاع المصرفي، حمل ترشيح مئات ممن سبق لهم القتال على الجبهات إلى مجلس الدوما وفوز 46 عضواً منهم في البرلمان الجديد إشارة مهمة إلى مستوى التأثير الحاصل للحرب في المجتمع. ما يعني أن واحداً من كل عشرة أعضاء تقريباً في البرلمان الجديد شارك مباشرة في العمليات القتالية، علماً بأن 41 من هؤلاء الفائزين رشحوا على قوائم الحزب الحاكم نفسه.

الرسالة الرابعة تمثلت في الغياب الكامل للمعارضة في مجتمع بات كتلة واحدة يذكر إلى حد كبير بالمجتمع السوفياتي الموالي تماماً أو الصامت تماماً عن التعبير السياسي. وهنا يجدر التذكير بأن المعارضة النشطة المتمثلة بأنصار المعارض الراحل أليكسي نافالني ومن بقي من الملتفين حول أفكاره هي ضعيفة أصلاً وغدت في الجزء الأعظم منها منفية خارج البلاد، بعدما حوصرت بسلسلة قوانين تتهمها بالإرهاب ودعم الأعداء ومساعي تفتيت الجبهة الداخلية. أما المعارضة «الرسمية» الضعيفة أيضاً والتي بقيت داخل البلاد، فقد مثلها حزب «يابلوكا» الليبرالي وهو الوحيد الذي أعلن معارضة الحرب في أوكرانيا، ومُنع بقرار قضائي من المشاركة في الانتخابات الحالية قبل حلول موعدها بأسابيع قليلة.

متطوع في حزب «الشعب الجديد» الروسي في افتتاح ملتقى مراقبي الانتخابات في موسكو (إ.ب.أ)

ثمة رسائل كثيرة أخرى، تتلخص بين عناصر كثيرة، في ثبات الاقتصاد الروسي وقدرته على تمويل انتخابات ناجحة برغم الضغوط الخارجية، وكذلك في انفكاك روسيا من فكرة الرقابة الغربية على استحقاقاتها الداخلية، وهنا كان ملاحظاً أن نحو 350 مراقباً أشرفوا على الانتخابات بينهم ممثلون عن 12 مؤسسة تابعة لهياكل موالية لروسيا في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

هل اختفت المعارضة؟

في هذا السياق تبدو المعارضة وكأنها غير موجودة، لكنها فاعلة خصوصاً خارج البلاد، ومن المفيد إلقاء نظرة على تعليقاتها المرتبطة بالانتخابات والحرب. فوفقاً لكاتبة معارضة بارزة، فإن «الأمر الوحيد الذي يمكن قوله عن الانتخابات دون مزيد من التوضيح أن حزب (روسيا الموحدة) حقق مرة أخرى ما بُني النظام الانتخابي الروسي برمته في السنوات الأخيرة من أجله: السيطرة، وحصد الأغلبية، والقدرة على تمرير أي قرارات يطلبها الكرملين عبر مجلس الدوما دون عوائق. وبهذا المعنى، لم تكن هناك مفاجآت».

معارضون للرئيس الروسي يتظاهرون أمام السفارة الروسية ببرلين في يوم الانتخابات (أ.ف.ب)

يعكس هذا الاختصار بوضوح المشهد من جانب معارضة تبدو هامشية وصغيرة لكن صوتها مسموع بقوة في أوروبا والعالم.

ومن بين مآخذ المعارضة أيضاً، أن الانتخابات لم تسمح بمناقشة برامج الأحزاب، أو تداول السلطة، أو التمثيل السياسي. بل «جرت خلال حرب لم تكن مجرد الحدث الأبرز في حياة البلاد، بل أصبحت نمط حياة الدولة. الحرب تُغيّر الميزانيات، وسوق العمل، والمدارس، والتلفزيون، والمحادثات العائلية، وقائمة الكلمات المحظورة، وبالطبع، عمل البرلمان القائم أساساً على تمرير القوانين التي تخدم الحرب فوراً، وتحويل أدنى معارضة إلى جريمة».

ووفقاً للمعارضين فإن هذه الآلة ستعمل الآن في ظروف قد لا تكفي فيها القرارات التقليدية المعتادة. بعد عام 2026، تتطلب الحرب أكثر من مجرد الكلمات المناسبة والخطابات الوطنية. إنها تتطلب المال، والبشر، والتعبئة المستمرة للمجتمع، حرفياً ومجازياً.

وكان موضوع مشاركة «أبطال الحرب» في الانتخابات عرضة أيضاً لانتقادات المعارضة، التي رصدت تحولاً ستكون له أبعاد اجتماعية كبيرة. ومع التذكير بتغيير مفهوم الامتيازات والتسهيلات الضخمة التي كان يحصل عليها «المحاربون القدامى» (الحرب العالمية) في السابق، لصالح نخبة جديدة من الذين احترفوا القتال للحصول على عائدات وامتيازات كبيرة، تحذر أوساط في روسيا حالياً من أن «من شاركوا في الحرب سيصبحون النخبة الروسية الجديدة، وأنهم سيحكمون المناطق، ويشغلون المناصب، ويسنون القوانين، ويعلمون الشباب، ويحلون عموماً محل التكنوقراط والبيروقراطيين».

أخيراً يحمل بعض المعارضين على «الأرقام الفلكية» التي حصدها بعض الشخصيات المقربة من الكرملين، مثل رئيس الشيشان رمضان قاديروف الذي حصل وفقاً للنتائج على نسبة 99.85 في المائة من أصوات الشيشانيين. يرى البعض أن هذه الحصيلة «لا تُشير في الواقع إلى الثقة. بل إنها نتيجة تدل على استحالة قياس الثقة. ولا تعكس شيئاً عن آراء الناس، أو ما إذا كانوا خائفين، أو ما إذا كانوا يدعمونه بالفعل».

عموماً فإن الاستحقاق الانتخابي الذي كان يفترض أن يكون داخلياً بامتياز وألا يعكس تأثيرات كبيرة على مجريات السياسة الخارجية، تحول بالفعل إلى مقياس جدي لمستوى تأثير الحرب الكبرى التي تواجهها روسيا على حياة الناس وقراراتهم، وهو بهذا المعنى تحول بالفعل كما قال بوتين قبل الانتخابات إلى استحقاق «حاسم» و«مصيري» قد تعكس نتائجه فضلاً عن الأبعاد السياسية، ملامح المجتمع الروسي لسنوات مقبلة.


الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.