زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح

رئيس الحكومة الراحل يروي تفاصيل المفاوضات التي أدت إلى نهاية الحكم «الشهابي» في لبنان وانتخاب فرنجية

صائب سلام مع جمال عبد الناصر
صائب سلام مع جمال عبد الناصر
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح

صائب سلام مع جمال عبد الناصر
صائب سلام مع جمال عبد الناصر

يروي رئيس الحكومة اللبناني الراحل صائب سلام في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة من مذكراته، قصة المفاوضات التي انتهت بانتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية في لبنان سنة 1970، والذي أنهى الحكم الشهابي وما كان يعرف بتدخل «المكتب الثاني» (استخبارات الجيش اللبناني) في الحياة السياسية. ويكشف سلام أن موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية كان أحد الدوافع وراء عزوفه عن الترشح في تلك السنة.
ويتحدث سلام في هذه الحلقة عن زيارته القاهرة للتعزية في وفاة الرئيس جمال عبد الناصر التي حصلت بينما كان مكلفاً تشكيل الحكومة الأولى في عهد فرنجية، ويروي تفاصيل عن لقائه مع الرئيس أنور السادات.
وتصدر مذكرات صائب سلام عن دار نشر «هاشيت أنطوان» وستكون متوفرة في مكتبات لبنان، بدءاً من الغد 28 يونيو (حزيران)، وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
في أواسط يوليو (تموز) 1970، أخذت معركة الرئاسة في لبنان تحتدم جدّياً، وذلك وسط أوضاع محلية وعربية في غاية التوتّر، فمن ناحية، كان هناك الصراع بين القاهرة و«المقاومة الفلسطينية» حول شروع القاهرة في قبول مشروع الحلّ السلمي الذي كان يُسمّى في ذلك الحين «مشروع روجرز»، ومن ناحية ثانية، كانت هناك الصراعات العربية/ العربية المتفاقمة. ففي سوريا صراعات عنيفة على السلطة، وكذلك الحال في السودان. أما في منطقة الخليج، فالبريطانيون يستعدّون للجلاء، ومطامع إيران تتضاعف. وكان هناك ما بدأ يتّخذ سمة الحقيقة في القاهرة نفسها: لقد بات مؤكّداً أن الرئيس عبد الناصر مريض وعلى نحو جدّيّ.
- الاستعداد للانتخابات الرئاسية... هل يعود شهاب؟
أمضيتُ طوال يوم الأربعاء في 28 يوليو في اتّصالات ولقاءات انتخابية، للتوفيق بين وجهات نظر «الحلف الثلاثي» ووجهة نظر كمال جنبلاط. وفي هذا السبيل، اجتمعت طويلاً بشوكت شقير، ثمّ بكاظم الخليل، ثمّ دعوتُ إلى اجتماعٍ مسائيّ، حضره عديد من النوّاب والفعاليات، ومن بينهم كامل الأسعد وكمال جنبلاط وتقي الدين الصلح. وخلال ذلك الاجتماع، استعرضنا العديد من الأسماء المرشّحة، ثمّ فجأة ومن دون مقدّمات، طرحتُ اسم سليمان فرنجيّة –للمرّة الأولى على الأرجح– فما كان من كمال جنبلاط إلا أن تراجع من فوره مستنكراً الأمر. تجاوزتُ الموضوع ولم أجب، ولم أحبّ أن أحدّد الأمر أكثر من ذلك، أما هو من جهته، فقد عرض عدّة أسماء كان بعضها مقبولاً، مثل اسم فؤاد عمّون. في النهاية، اتفقنا على أن ننتظر لنرى كيف سيتطوّر الأمر مع «الحلف الثلاثي»، وأن ننتظر الاجتماع الذي دعا إليه جوزف سكاف بعد يومين. وفي الوقت نفسه بلغنا أنّ يوسف سالم، بالاتفاق مع رينيه معوّض وغابي لحّود، رئيس «المكتب الثاني»، بدأ يدعو النوّاب إلى الاجتماع في اليوم التالي، وأنّ دعوته شملت نائبي الضنيّة رغم عدم تماشيهما معهم، ومن هنا تبيّن أنّهم باتوا على شعور بالضعف، ما جعلهم مستعدّين لأي تنازل لأي نائب آخر.

صائب سلام مع كميل شمعون

ومن جهتنا تعدّدت اجتماعاتنا، وكان مأزقنا أنّنا -رغم اتفاقنا على ضرورة التخلّص من الحكم القائم- لم نتمكّن من الاتفاق على مَن سنأتي به، فشمعون غير مقبول عربياً، وبيار الجميّل لا يحظى بالإجماع، وإدّه بدأ ينفرط عقد المؤيّدين من حوله. فماذا نفعل؟ هنا كان اقتراح وجيه تقدّم به شوكت شقير، وهو أن نطلب من كلّ الفعاليات المارونية الحليفة لنا أن تجتمع وتتّفق على ماروني مناسب نؤيّده نحن بالتالي؛ لكن هذا الاقتراح ما لبث أن تلاشى.
بعد ذلك، خلال اجتماعاتنا مع كمال جنبلاط، بدا الأمر وكأنّه استقرّ على مرشّحَين لا يوافق هو على أحدهما (حبيب كيروز) ولا نوافق نحن على الثاني (الجنرال جميل لحّود)، وعادت الأزمة تطلّ برأسها. ومع هذا، رحنا نسعى جدّياً لترشيح حبيب كيروز؛ خصوصاً أنّ استمزاج رأي سليمان فرنجيّة في الأمر بعد عودته من سفر طويل قاده إلى موسكو وبلجيكا، كشف عن تحبيذه للفكرة. أما بالنسبة إلى فؤاد شهاب، فإنّه تلقّى تلك الآونة بالذات دعماً كبيراً، تمثّلَ فيما نُقل عن الرئيس عبد الناصر –عن طريق سفير مصر الذي بلغ الأمر لنسيم مجدلاني– من أنّه يؤيّد عودته. ومع هذا، فإنّ أركان السفارة نفوا ذلك، وكذلك فعل حسن صبري الخولي، كما أخبرنا كمال جنبلاط الذي التقاه في المطار، مضيفاً أنّ الخولي طلب إليه أن يتوجّه إلى مصر لمقابلة عبد الناصر يوم الخميس؛ لكن يوم الخميس كان متأخّراً بالنسبة إلينا؛ لأن صبري حمادة كان قد قابل فؤاد شهاب وعاد إلى المجلس ليبلغ الجميع بأنّه ربما يعيّن جلسة الانتخاب آخر الأسبوع. أما من ناحية شهاب، فكان لم يزل حتى ساعتها ممتنعاً عن إعلان ترشيحه. البعض يقول إنّها مناورة، أما أنا فكان اعتقادي أنّه حقاً لن يترشّح إلا إذا وفّروا له مسبقاً أكثرّية محترمة. وفي جميع الأحوال كان يبدو واضحاً أنّ جمع مثل تلك الأكثرية غير ممكن. غير أنّ هذا لم يمنع الاتّصالات معي من أجل إعلان موقف إيجابي من شهاب، فكان جوابي الوحيد: «فليعلن بصراحة أنّه مرشّح، وأنا مستعدّ عند ذلك لكلّ حوار، ولكن على الأسس والمبادئ التي مشينا عليها حتى حينها».

صائب سلام مع فؤاد شهاب

إلى ذلك الحين، كان «الحلفيون» لا يزالون ينظرون بعين الجدّية إلى ترشيح بيار الجميّل، ولكن فجأة بدأوا يشعرون بأنّه لم يعد بإمكانهم أن يتمسّكوا به طويلاً، وأخذوا يفاوضون «الكتائبيين» على أن يتخلّى الجميع لصالح مرشّح آخر يمكنه أن يأمل جمع الأصوات اللازمة. وكان اسم شمعون في ذهنهم؛ لكن حين فاتحوني بالأمر استبعدتُ الفكرة كلّياً. من ناحيته، أخبرني جنبلاط مساء يوم الأربعاء بأنّه كان في اجتماع حزبي قرّر أن يدعم الجنرال لحّود حتى النهاية ومهما كانت النتيجة. لم أعلق على الأمر كثيراً؛ بل استفدتُ من مزاج كمال جنبلاط المرح والمنفرج عند ذلك المساء، واقترحتُ عليه أن يجتمع بسليمان فرنجيّة عندي في البيت. وبالفعل، حضر الاثنان إلى بيتي عند المساء، وكان ذلك أول لقاء بينهما بعد طول جفاء، فكانت النتيجة أن أثار اللقاء ضجّة كبيرة في البلد، والحقيقة أنّ الاجتماع الذي دام نحو ساعة كان ودّياً، تطرّقنا فيه إلى بحث عديد من الأمور، ومن بينها التوتّر القائم آنذاك بين الفدائيين الفلسطينيين وعبد الناصر، وهنا أخبرني جنبلاط بأنّ الفدائيين طلبوا منه أن يتوجّه إلى مصر لمقابلة عبد الناصر وإقناعه بمواقفهم. عند ذلك أخبرت جنبلاط بأنّ ممثّل عبد الناصر، حسن صبري الخولي، آتٍ من دمشق ومعه رسالة له من عبد الناصر، يطلب إليه فيها أن يؤيّد شهاب، فانتفض جنبلاط واستنكر ذلك، ثمّ قال إنه على أي حال سوف يُفهِم الخولي حقيقة الوضع، وأنّه ليس بإمكاننا أن نؤيّد شهاب في أي حال من الأحوال... وانتهى الاجتماع وسط مناخ في منتهى الودّ بين فرنجيّة وجنبلاط، ما سيكون له بالتأكيد تأثير إيجابي كبير على أوضاعنا، وفعل القنبلة على نفسية خصومنا الذين كانت قوّتهم الأساسية تقوم على تمزيق صفوفنا.
في سياق هذه المحاولات، اتّصل بي ناظم القادري، وأبلغني رسالة من فضل الله دندش، العامل مع «الشهابيين»، فحواها أنّ أنطوان سعد، من «المكتب الثاني»، يريد الاتّصال بي لمناقشتي في بعض الأمور، وبعد أخذ وردّ اجتمعتُ بسعد، ومعه دندش والقادري، في بيتي بالدوحة. وكانت خلاصة الحديث أنّ شهاب يريد إنقاذ البلد؛ لكنه لا يمكنه ذلك إلا إذا تحالف مع الجناح الإسلامي، وبالتحديد مع صائب سلام.

صائب سلام مع سليمان فرنجية

عدنا إذن إلى الأسطوانة نفسها، أسطوانة أنّني إذا أيّدت شهاب أضمن رئاسة الحكومة. وهنا وجدتُ لزاماً عليّ أن أعود، أنا نفسي، إلى تكرار أسطوانتي التي يعرفونها: أفهمتهم أنّني لست ممن يتطلّعون إلى رئاسات أو كراسي، وأنّ همّي أن يقوم البلد على أسس صحيحة حتى يرتاح الرأي العامّ والشعب. وأفهمتُهم خصوصاً أنّ لدي أصدقاء مثل كامل الأسعد وجوزف سكاف أتعاون معهم، ولا أريد أن أنفصل عنهم في أي حال من الأحوال. وهنا لمّحوا إلى أنّ رئاسة المجلس ستكون مضمونة للأسعد، فكرّرت أنّ المسألة ليست مسألة كراسي. وطال بحثنا للأمور، وكان سعد يردّد أنّه إنما أتى حاملاً منديل السلام الأبيض، وليس من حقّي أن أردّه هكذا! فقلت له: «ليست المسألة مسألة منديل أبيض أو أسود، المسألة مسألة مبادئ وشعب ووطن». وهنا قال ناظم القادري: «للبحث صلة وسنعاود الحوار»، فقلتُ إنّ حواري الأساسي هو مع رفاقي، فقال سعد: «نحن لا نعرف غيرك... أنت القوّال وهم الردّادون».
وانتهى الاجتماع وهم يأملون أن يتمكّنوا من استمالتي، أما أنا، فكنتُ أفضّل أن أبقى معارضاً شرط أن أحافظ على كرامتي وكرامة الشعب. ومن ناحية ثانية، كان هناك جديد أساسي قد طرأ في ذلك اليوم بالذات، فالفكرة التي طرحتُها ذات يوم عَرَضاً على كمال جنبلاط، بدأت الآن تأخذ طريقها... وها هي الصحف تتحدّث عن إمكانية ترشيح سليمان فرنجيّة الذي بات يمكن القبول به من ناحية «الحلفيين»، كما من ناحية كمال جنبلاط.
أنا شخصياً، رغم حبّي وتأييدي لسليمان، كنت أعلم على أي حال أنّ الذين كانوا ينادون به هم أنفسهم الذين يُبدون خوفهم من ألا يكون كفؤاً لرئاسة الجمهورية بسبب عدم ثقافته، ولأنّه لم يتجاوز حتى حينها كونه نائباً عن ضيعته. وإضافة إلى هذا، كنت متحفّظاً جدّاً تجاه تصرّفاته، وعناده الذي يمكن أن يوصله إلى الشطط، إضافة إلى خشيتي من بوادر التعصّب الطائفي التي كانت قد بدأت تظهر لديه في الآونة الأخيرة، والتي يمكن أن تزداد حدّة بعد وصوله إلى الحكم، إذا وصل؛ حيث إنّ نظْرته إلى المسلمين والعرب باتت جافّة، إن لم أقل عدائية.
أما بالنسبة إلى التدخّلات الخارجية، فيمكن عند هذا المنعطف تسجيل ثلاث ملاحظات:
• أوّلها، تكرار زيارة السفير الجزائري لي، ومحاولته التوفيق بين وجهات نظرنا المتعارضة والدفاع عن المواقف الفلسطينية، إضافة إلى مواصلة أبو يوسف (من «فتح») العمل معنا، مقابل أن نحاور عبد الناصر باسم «فتح».
• الملاحظة الثانية، جواب أتى من السعوديين فحواه أنّهم لم يروا ضرورة أن يتدخّلوا في المعركة.
• أما الأمر الثالث والأهمّ، فكان ما نقَله لي جنبلاط، من أنّه اجتمع بحسن صبري الخولي في بغداد، فأبلغه الأخير أنّ مصر لا تؤيّد شهاب ولا «الشهابية». في جميع الأحوال، عرفتُ أنّ القاهرة أرسلتْ في الآونة الأخيرة ثلاثة رسميين إلى لبنان، بينهم محمد نسيم، المطّلع على أحوال المنطقة وتفصيل الوضع اللبناني، وكانت مهمّة البعثة دراسة الرأي العامّ اللبناني وموقفه من قضيّة الانتخابات المقبلة.
بقي أن أذكر في هذه المناسبة ما نقله إليّ سفير الجزائر عن السوريين، وعلى لسان نور الدين الأتاسي، من أنّهم ليسوا موافقين، في أي حال من الأحوالّ على عودة شهاب رئيساً للبنان، وأنّهم سيحاربون مثل هذه الفكرة بكلّ قوّتهم.
- مناورات ومشاورات قبل ترشيحنا فرنجيّة
كانت تلك هي الصورة يوم الأول من أغسطس (آب) 1970: شدّ وجذب، تأييداً أو مقارعة لعودة شهاب إلى الحكم، وبدْء ترسّخ فكرة أن يكون سليمان فرنجيّة هو مرشّح المعارضة، مع موافقة جنبلاط الضمنية على ذلك، وموافقتي أنا أيضاً، رغم تحفّظاتي على سليمان فرنجيّة. ويبدو أنّ انتشار فكرة ترشيح هذا الأخير، جعل «الشهابيين» يعتقدون أنّنا لم نكن جادّين في الأمر، وأنّنا كنا نطرح اسمه لأنّنا مرتبكون ولسنا قادرين على إيجاد مرشّح قوي وحقيقي. ولمّا كنت أنا هدف تحرّك «الشهابيين» الأساسي، لذلك عادوا يتّصلون بي، وعاد سامي الخطيب للتحرّك طالباً مقابلتي عن طريق العديد من الفعاليات المحليّة، مثل محمود الحكيم وعبد الحفيظ كريدية وغيرهما، ومن جهة أخرى، كان ناظم القادري يشدّد الضغط عليَّ لحساب فضل الله دندش، ومن ورائه أنطوان سعد، اللذين يبدو أنّهما خُيّل إليهما أنّ لقائي الأول معهما كان ناجحاً ويعِد باتفاق قريب. أما أنا، فكان جوابي الوحيد: فليترشّح شهاب ولنبحث الأمر بعد ذلك.
وكان الشهابيون يتّصلون بكامل الأسعد الذي اضطرّ أمام الشائعات العديدة التي دارت حول الموضوع، إلى عقد ندوة صحافية نفى فيها أي اتفاق معهم. ولكنْ كانت هنا مشكلة حقيقية، فلئن كنّا -جنبلاط وأنا- قادرين على تأييد ترشيح سليمان فرنجيّة، فإنّ الأسعد لم يكن قابلاً بذلك، واعتراضه له سببان:
• أولهما، موقف فرنجيّة من «المقاومة الفلسطينية» وصولاً إلى إقامته معسكراً لتدريب المقاتلين ضدّها في زغرتا.
• وثانيهما، ما يراه من عدم كفاءة سليمان فرنجيّة لشغل منصب رئيس الجمهورية.
لكن كان من الواضح لي أنّ هذا الأمر سوف ينتهي على خير، وأنّه ليس كفيلاً بإلقاء أي ظلّ على تحالفي مع كامل الأسعد.
وفي الوقت الذي ازدادت فيه حدّة التحرّك، جاءني أحمد إسبر ليقول لي ما هو جديد حقاً، وهو أنّ غابي لحّود أخبره، بصورة قاطعة، بأنّهم إنما يعملون للإتيان بإلياس سركيس رئيساً للجمهورية؛ لأن شهاب ليس وارداً، وهو نفسه لا يقبل. وأنا كنتُ فهمت شيئاً من هذا على لسان أنطوان سعد الذي كان قد أكّد لي أنّ شهاب لن يترشّح إلا إذا ضمن نوعية ناخبيه، قبل أن يضمن عددهم.
ولعلّ هذا ما دفع رشيد كرامي إلى التوجّه للقاهرة لاستطلاع رأيها النهائي في الأمر، بعدما تقاربت الآراء والتحليلات بصدد الموقف المصري، ولقد سبقتْ عودة رشيد كرامي إلى لبنان شائعات وأخبار عن أنّه لم يلقَ في زيارته لمصر سوى الفشل.
والمؤكّد أنّ فشل رحلة كرامي القاهرية كان السبب المباشر لخروج شهاب عن صمته أخيراً، وإصداره ليلة الثلاثاء 4 أغسطس، بياناً أعلن فيه عزوفه عن ترشيح نفسه؛ لأن المؤسّسات، على حدّ قوله: «لم تعد تحتمل، ولأنّ الوضع العامّ مهترئ، والاقتصاد متدهور...». كان واضحاً أنّه يريد عبر بيانه أن يهوّل على مَن سيقبل الترشيح، وكأنّ لا أحد يمكنه إصلاح الأمور.
كثيرون طلبوا منّي أن أعلّق على بيان شهاب؛ لكنني رفضت. المهمّ كان بالنسبة إليّ أنّ علينا أن نتحرّك على نور، وأن نعرف من هو خصمنا الحقيقي، لنعرف إلى من سينتهي اختيارنا. وكان لدينا في الواقع عدّة مرشّحين، من بينهم ريمون إدّه بالطبع الذي كان ترشيحه يَلقى معارضة أساسية من كمال جنبلاط. أما مرشحنا الأوفر حظاً فكان يبدو سليمان فرنجيّة، رغم أنّني أنا شخصياً كنت لا أزال راغباً في أن يكون ريمون إدّه... فسليمان لن يكون -في جميع الأحوال- من القوّة بحيث يعرف كيف يتصدّى جدّياً للأجهزة التي ستظلّ تحاول السيطرة على الحكم، مهما كانت هويّة الرئيس المقبل.
وفي سياق عملي لصالح إدّه، نجحتُ يوم 6 أغسطس، في جَمعه بالسفير الجزائري شهاب طالب الذي كان يرفض لقاءه في البداية رفضاً كاملاً. ولمّا كنت أعرف ما للسفير الجزائري من تأثير على القوى التقدّمية في البلد، وخصوصاً على كمال جنبلاط، كان اجتماع إدّه به ضرورياً. والحقيقة أنّ الاجتماع كان طيّباً ودام حوالي ساعتين. وفي اليوم التالي، اجتمعت بجنبلاط الذي كان يستعدّ لزيارة القاهرة لبحث قضيّة الوجود الفلسطيني، فطلبتُ منه أن يقنع المسؤولين في القاهرة بألا يعترضوا على أحد، مما يعطينا حرّية التصّرف وحرّية الحركة. وكان ذهني خلال ذلك كله متّجهاً صوب إدّه؛ لأنني مقتنع بأنّه الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يبدّل الأوضاع، وأن يكون رجل دولة مسؤولاً.
واقترب موعد الانتخاب، وتواصلت المناورات والمشاورات ليلاً ونهاراً. وراحت المواقف تتقلّب والأعصاب تتشنّج. وفي يوم 14 أغسطس رشّح كميل شمعون نفسه رسمياً عبر بيان مسهَب، كان فيه ما يرضي الوضع العربي، وكذلك الوضع اللبناني بالطبع. وكان للبيان ردّ فعل كبير في لبنان، أما ردّ فعل «النهجيين» فكان قاسياً، وعبّر عنه كثيرون، منهم: رشيد كرامي، وعبد الله اليافي، وعدنان الحكيم، وعثمان الدنا، وغيرهم، أما أنا فأردتُ أن أكون متحفّظاً في ردّ فعلي، وخصوصاً أنّني كنت غير راغب في أن أصرّح سلباً أو إيجاباً تحت وطأة أي انفعال. كان موقفي المبدئي هو التريُّث في انتظار التشاور مع الزملاء الرفاق، قبل إعلان أي رأي في هذا الموضوع، وهكذا رحتُ أكثّف الاجتماعات مع الرفاق الأقربين، ولا سيما مع كامل الأسعد وجوزف سكاف اللذين لم يكونا أقلّ منّي انفعالاً، خشية من ردّ الفعل الذي سيُبديه كمال جنبلاط، علماً بأنّني كنت صلَة الوصل بينهما وبينه، وهدّأت من روعهما مؤكّداً لهما أنّه إن كان جنبلاط سينفصل عنا بسبب ما قد يجدّ، فليكن هو نفسه مسؤولاً عن ذلك، إذ يُستحسن بنا ألا نبادر نحن بأي رّد فعل سلبي تجاهه. بعد ذلك، اجتمعت بكمال جنبلاط في بيت شوكت شقير، وكنت قد أرسلتُ له عن طريق أصدقائي من محازبيه محاولاً إقناعه بترشيح ريمون إدّه؛ خصوصاً بعدما رشّح شمعون نفسَه، وهذه المرّة وجدتُه منفتحاً؛ لكنه قال لي إنّه لن يتّخذ موقفه (اليوم)، إذ عليه أولاً أن يستشير أركان حزبه وأصدقاءہ، ولقد لمستُ منه -على أي حال- بعض الميل لتأييد ريمون إدّه. وكان جنبلاط على موعد للالتقاء برشيد كرامي (في الغد)، وكان قد تسرّب إليّ أنّ رشيد كرامي مستعدّ لمؤازرة ريمون إدّه، وأنا من ناحيتي ما إن علمتُ بهذا حتى أرسلتُ لكرامي من يقنعُه بالمشي مع إدّه، بعدما تخلّى شهاب عن مشروعه بالعودة؛ خصوصاً أنّني أعرف أنّ كرامي لم يكن راغباً في إلياس سركيس.
كان يخامرني الانطباع بأنّ ذلك اليوم سيكون يوماً حاسماً، فقد أخبرني السفير المصري بأنّ القاهرة لا تقف موقف التأييد أو الاعتراض من أي مرشح، ومن ناحية شمعون كنت أحسب أنّه مستعدّ لتأييد إدّه، رغم أنّه هو نفسه مرشّح؛ بل هو مستعدّ لأن يقنع «الكتائب» بتأييد إدّه، وشمعون سرّب إليّ ذلك عن طريق غسّان تويني، فاستغربتُه بعض الشيء؛ لكنني قبِلتُه على علّاته، وصار عليّ الآن أن أحسم الأمور بين ريمون إدّه وسليمان فرنجيّة، وأن أقنع كمال جنبلاط بذلك، علماً بأنّه بات شبه مؤكّد أنّ «النهجيين» سوف يرشّحون إلياس سركيس.
لم يكن إدّه هو المرشّح الأمثل بالنسبة إليّ؛ لكنه الأفضل بين كلّ الأسماء المطروحة، إذا استثنينا مرشّحاً من الخارج هو الشيخ فريد الدحداح.
كان اليوم التالي، 15 أغسطس، يوماً حاسماً، وكان يوم سبت، ولم يبقَ على موعد جلسة الانتخابات سوى يومين. ومن هنا اختلطت الأمور أكثر وأكثر، وبات شبه واضح لنا أنّ كرامي وجنبلاط اتفقا على أن يكون الشيخ فريد الدحداح مرشّحهما. لم يكن لي اعتراض عليه؛ لكنني كنت أريده مرشّح تسوية لا مرشّح معركة، والفارق بين الحالتين كبير! أما جنبلاط فقد تشبّث بموقفه، وجاء ليقول لي إنّنا إذا لم نوافق معه على الدحداح، فإنّه سيكون مضطرّاً لقطع الطريق على شمعون، وللانضمام إلى «النهجيين» وانتخاب إلياس سركيس. طلبت منه أن يتروّى حتى الغد؛ لكنه أخذ يضغط بشكل كان من الواضح منه أنّه يريد أن يحشرنا، ومع ذلك استخدمتُ التروّي معه، وكنت أعلم أنّ أيّاً من الأمور لن يُحسم نهائياً اليوم، وأنّ اللعبة كلها سوف تُلعب غداً، الأحد.
- فرنجيّة رئيساً
وبالفعل، جاءت التطوّرات الأساسية يوم الأحد، وكانت مدهشة، أوصلتنا إلى انتصار مفاجئ لم نكن نتوقّعه.
بدأ الأمر منذ الصباح، خلال اجتماع «تكتّل الوسط»؛ حيث قرّر «التكتّل»، ترشيح سليمان فرنجيّة، خلافاً لما كان كمال جنبلاط يتوقّع. وانفضّ ذلك الاجتماع على أساس أن تجتمع لجنة خماسيّة، منّي ومن كامل الأسعد وجوزف سكاف وسليمان فرنجيّة وحبيب كيروز، بعد الظهر، بكمال جنبلاط. وبالفعل، جاء جنبلاط بعد الظهر وراح يبدّل مواقفه، بمعدّل موقف في الدقيقة، فمرّة يطرح اسم الجنرال لحّود، ومرّة يقول إنّه يسعى لمرشّح تفاهم، وثالثة يقول إنّه في حال استمرار شمعون سوف يضطرّ لتأييد إلياس سركيس، ترَك الجلسة وهو لا يقرّ له قرار، فتداولنا الأمر بحزم، ثمّ اتّخذنا القرار النهائي بترشيح سليمان فرنجيّة. وكان ذلك بعدما حلّلنا الأوضاع ووضعنا كافة الحسابات والاحتمالات، وطرحْنا جانباً كلّ تحفّظاتنا تجاه فرنجيّة. ثمّ، لجعل ذلك الترشيح نهائياً ورسمياً، دوّنّا وثيقة بذلك ووقّعناها جميعاً، نحن الخمسة أولاً، ثمّ نسيم مجدلاني الذي استدعيناه من الجبل، فلمّا تردّدَ أرسلنا له إلياس سابا فأحضره. وبعد ذلك توجّه سليمان فرنجيّة إلى شمعون الذي تنازل له ووقّع الوثيقة، ثمّ وقّعها الأخَوان عبد المجيد وعبد اللطيف الزين.
وكان للخبر وقْع الصاعقة في البلد، أما كمال جنبلاط فقد سارع إلى الاتّصال بي معاتباً... فناقشتُه في الأمر. وبعد ذلك، حين علم جنبلاط بأنّ شمعون أيّد فرنجيّة، وأنّ ريمون إدّه فعل الشيء نفسَه، سارع إلى الاجتماع بأركان حزبه والقوى التقدّمية واليساريين والشيوعيين، ثمّ التقوا جميعاً بإلياس سركيس أكثر من ساعتين، وكانت أخبار الاجتماع تتوالى إليّ، وأحسستُ في لحظة بأنّ جنبلاط بات على وشك إعلان تأييده لسركيس، فما كان منّي إلا أن أرسلتُ لقادة «المقاومة الفلسطينية» أخبرهم بالأمر، وطالباً منهم أن يضغطوا عليه. ثمّ اتّصلتُ بشوكت شقير للغاية نفسها. وأعتقد أنّ هذا كله قد فعل فعله، إذ خرج سركيس من عند جنبلاط غير متّفق معه، وبتّ شبه واثق من أنّنا سنكسب المعركة؛ خصوصاً أنّنا، تحسّباً لأي طارئ، طلبنا من الشيخ فريد الدحداح أن يتّصل بجنبلاط ليخبره أنّه ليس مرشّحاً وأنّه يؤيّد سليمان فرنجيّة. وبعد ذلك ذهب إليه عبد اللطيف الزين ونسيم مجدلاني، فعادا من عنده برسالة لي ولسليمان فرنجيّة، تتضمّن... تهنئة لفرنجيّة بالفوز. ومع هذا طلب جنبلاط أن نصبر عليه قليلاً، ريثما يجتمع بأعضاء «جبهة النضال» ليتّخذوا الموقف النهائي.
وتمّ كلّ شيء كما كنا نريد، وجرت الانتخابات يوم 17 أغسطس، وكان الفوز من نصيب مرشّحنا سليمان فرنجيّة، وفي ذلك انتصار كبير لنا، كلّل جهودنا وصراعنا الطويل مع «المكتب الثاني».
أما أنا، فبعد نجاح سليمان فرنجيّة، شعرت بشيء من الراحة، ولكنّني شعرتُ أيضاً بأنّ ثمّة معارك جديدة تنتظرني.
- تأثّري بوفاة عبد الناصر
كنا في خضمّ ذلك كله، حين وصلَ إلينا من القاهرة أسوأ نبأ يمكن أن يصل... نبأ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر. وأنا، مثل كلّ الوطنيين في لبنان، ومثل كلّ الشرفاء على امتداد العالم العربي، وفي العالم كله، صعقني النبأ، ووقفتُ دقائق غير مصدّق حين نُقل إليّ، رغم أنّني كنت على علم بخطورة حالة الرئيس عبد الناصر.
أمام هول ذلك النبأ، أحسستُ بأنّ الانتصارات كلّها واهية، وأنّ العالم قد انتهى، ورحتُ أتساءل في قرارة نفسي عن جدوى كلّ شيء، إذا كان الموت يأتي في النهاية ليخطف زعيماً كان مالئ الدنيا وشاغل الناس، وكان طوال ما يقارب من عشرين عاماً محور حياتنا العربية، ومبعث آمالنا ومُحرّك الأحداث العنيفة والكبيرة التي كانت مصدر عزّتنا وكرامتنا ذات يوم.
أمام هول الفاجعة، راحت شفتاي تتمتمان بارتجاف: «لا حول ولا قوّة إلا بالله... إنا لله وإنا إليه راجعون».
- زيارتي ضريح عبد الناصر، والرئيس بالوكالة أنور السادات
صحيح أنّ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ليلة 28 سبتمبر (أيلول) 1970 كانت حدثاً جللاً واستثنائياً؛ لكن لأن مسيرة الحياة لا تتوقّف رغم كلّ شيء، كان علي أن أتجاوز حزني –العامّ والخاصّ– وأن أفكّر بالمسائل السياسية والحكومية. ولئن كنت ذُهلتُ أمام نبأ وفاة الزعيم العربي الكبير، فإنّي ذهلتُ أيضاً أمام ردود الفعل على ذلك الرحيل في لبنان. وشعرتُ أمام التعبير الرهيب للشعب اللبناني عن تأثّره بالحدث المروّع، بأنّ الوفاء ليس كلمة؛ بل هو فعل وذهنية، كما شعرتُ بفداحة المصاب وبكمْ أنّ شعوبنا بحاجة إلى أبطال، وكم كان عبد الناصر بطلاً استثنائياً. ولئن كان حزّ في نفسي أن يرحل عبد الناصر في وقت تبدو فيه الأوضاع السياسية العربية مبهمة؛ بل وعلى الرغم من المساعي الهائلة التي بذلَها لحقن الدماء في الأردن، من خلال تجاوزه لمرارته إزاء مواقف الطرفين منه. كان يحزّ في نفسي أنّ عبد الناصر قضى في وقت تتراكم فيه الظلال على علاقته بالقضيّة المقدّسة... قضيّة فلسطين.
من ناحية مبدئية، وبسبب قربي الشديد والشخصي من جمال عبد الناصر في الماضي، كان من المفروض أن أشارك في التشييع؛ لكن، بما أنّ شارل حلو كان لا يزال هو الرئيس الفعلي للبنان، ومعنى ذلك أنّه هو الذي سيرأس وفد لبنان في تشييع الرئيس عبد الناصر، رفضتُ الذهاب تحت رئاسته، وآثرت أن أؤخّر سفري لعدّة أيّام. وفي تلك الأثناء، تطوّرت الأوضاع السياسية في لبنان؛ حيث استقالت الحكومة، ما إن تسلّم سليمان فرنجيّة الحكم فعلياً، وكان ذلك يوم السبت في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول). وفي يوم الاثنين التالي، وكما كان متوقّعاً، كُلّفتُ بتشكيل الحكومة الجديدة، بعدما كان هناك إجماعٌ على هذا خلال الاستشارات النيابية المعتادة. فأجريتُ الاستشارات، واجتمعت بالرئيس فرنجيّة للتوصّل إلى تحديد التشكيلة الوزارية معه. لكن سرعان ما بدأ الخلاف بيننا؛ حيث كانت العقبة الكبرى رغبتي أو إصراري على أن تكون حقيبة الدفاع لريمون إدّه، وحين رفض فرنجيّة ذلك، ما كان منّي إلا أن بادرتُ إلى الاعتذار، مرّة ثانية وثالثة؛ لكنه استبقاني وانتهى الأمر إلى تشكيلة أعطينا فيها وزارة المالية والتصميم لريمون إدّه، فإذا رفض نأسف لذلك ثمّ نأتي بغيره. وتولّيت أنا إخبار الصحافيين بذلك، ثمّ تلاني عمر مسّيكة، الأمين العامّ لرئاسة مجلس الوزراء الذي أعلن صدور المراسيم قائلاً إنّ الأسماء لن تُعلن إلا عند الصباح، وعند الصباح باشرتُ الاتّصال بالوزراء المعنيين لإخبارهم، وكان الأول ريمون إدّه الذي رفض رفضاً قاطعاً، ولم أكن مستغرباً لذلك، ثمّ تلاه في الرفض كميل شمعون، أما كمال جنبلاط فتذمّر وتململَ واعداً بأنّه سوف يجتمع بحزبه ثمّ يتّخذ قراره... وبدأت الأمور تميع. هنا اتّصل بي سليمان فرنجيّة طالباً التوقف عن إبلاغ الوزراء؛ لأن الأمور لا يمكن أن تجري على ذلك النحو. وبالفعل توقّفتُ عن ذلك، وعن كلّ نشاط، إذ كان عليّ في ذلك اليوم، يوم الخميس، أن أسافر إلى القاهرة للتعزية في وفاة الرئيس عبد الناصر. ولم يكن بإمكاني أن أتراجع عن ذلك أو أؤجّله، بعدما كنت قد أعلنته في الأسبوع الفائت، حين سئلت عن السبب الذي جعلني لا أرافق الوفد الذي ترأسه الرئيس السابق شارل حلو.
توجّهتُ إلى مصر في طائرة خاصّة، على رأس وفد نيابي كان من أعضائه: كامل الأسعد، ورائف سمارة، وجعفر شرف الدين، وناظم القادري، وأحمد فاضل، وعبد اللطيف الزين، وباخوس حكيم، وتقي الدين الصلح، وغيرهم.
كان الاستقبال في القاهرة رائعاً جدّاً، ليس فقط من حيث نظرتي إليه؛ بل كذلك من حيث تأثيرُه في القاهرة، ثمّ في بيروت، بعدما عدنا في اليوم التالي، وراحت الصحف والإذاعات ومحطّات التلفزة تتحدّث عن الزيارة. وكان في استقبالنا في المطار صلاح الشاهد آمر تشريفات الرئيس المؤقّت أنور السادات، مع فريق عسكريّ. وكان أول ما فعلناه حال وصولنا أن توجّهنا إلى ضريح الرئيس الراحل، وقد كان تأثّري بالغاً عند قراءة الفاتحة على قبر الرئيس؛ حيث استعدتُ ذكرياتي معه، ومواقفه العظيمة وتضحياته والأمور العظيمة التي حقّقها. كنت أشعر بأنّ هذا الرجل قد وهَبَ حياته حقاً لأمّته العربية كلها، وخطر في بالي أنّه سوف يأتي يوم نفهمه فيه أكثر وننصفه فيه أكثر.
بعد زيارة الضريح، توجّهنا إلى قصر الضيافة الذي يحمل اسم «قصر العروبة»، للاستراحة بعض الوقت، ثمّ قصدنا بيت الرئيس عبد الناصر لتعزية أبنائه وإخوته وإخوانه. وكان هناك خالد عبد الناصر، وإخوة الرئيس الراحل، وبعض أقربائه، وصهره، فعانقتُهم جميعاً وقبّلتهم بتأثّر بالغ، وكانوا واقفين جميعاً عند الباب في استقبالي، ثمّ دخلنا معاً، وكان البيت مليئاً بالرجال. أما النساء فكنّ في الطابق الأعلى. وبعد ذلك، جاءني صلاح الشاهد ليسرّ في أذني بأنّ عليّ أن أتوجّه إلى خارج القاعة، فتوجّهتُ وحدي، وكانت عند باب الغرفة هدى جمال عبد الناصر فعزّيتها، وكان التأثّر بادياً علينا نحن الاثنين. وناداني صلاح الشاهد مرّة ثانية فإذا بي أجد السيّدة حرم الرئيس عبد الناصر تقابلني، وقال لي الشاهد إنّها لم تنزل من جناح النساء لتجتمع بأحد قبلي أو تتقبّل أي تعازٍ من أحد؛ لكنها حين سمعتْ بأنّي موجود نزلت من الطابق الأعلى. وعزّيتها بدورها متأثّراً، والتقطت لنا صورة نُشرت في صحف لبنان ومصر، وكان لها دوي كبير وتأثير أكبر. وقد قيل لي يومها إنّها بعدما غادرنا القاعة أنا ورفاقي وقعتْ مغشيّاً عليها.
بعد بيت الرئيس عبد الناصر، ذهبنا لمقابلة الرئيس بالوكالة، أنور السادات، وهو صديق قديم لي كنتُ قد تعرّفتُ إليه خلال الأعوام الأولى للثورة. كان اللقاء به حارّاً، وحين تعانقنا، كان التأثّر بادياً على الجميع، ثمّ تبادلنا بعض عبارات التعزية والتعبير عن مشاعر الودّ، وبعدها دخل السادات في الحديث مباشرة، فقال إنه بحاجة إلى تأييد الإخوة العرب ومساعدتهم. وبعد ذلك دخلنا أنا وهو وكامل الأسعد بمفردنا إلى مكتبه؛ حيث بقينا نحو ساعة وربع الساعة نتداول الأمور الراهنة. ومما علق في ذهني يومها من الحديث ومن تشعّباته، ما أخبرَنا به عن اجتماعه بالموفد الأميركي ريتشاردسون الذي سأله، أول ما سأله، عمّا إن كانت مصر لا تزال مستعدّة للسير في الحلّ السلمي، فقال له السادات، حسب ما روى لنا: نعم بالتأكيد وبكلّ تصميم.
ومع هذا قال له السادات إنّ مصر مصرّة على عدم سحب صواريخها من جبهة القتال مهما كانت الظروف، وأضاف أنّ الأميركيين الذين لا يكفّون عن التجسّس على المصريين، بدلاً من أن يطلبوا من مصر سحب صواريخها، عليهم أن يفوا بتعهداتهم التي كانوا قد قطعوها بخصوص عدم إعطاء إسرائيل أي أسلحة خلال فترة وقف إطلاق النار؛ لأنهم بدلاً من الإيفاء بتعهداتهم في هذا المجال لم يتوانَوا عن تزويد إسرائيل بستٍ وثلاثين طائرة من طراز «فانتوم»، إضافة إلى مبلغ 500 مليون دولار.
وقال السادات إنّ ريتشاردسون طلب منه أن يقبلوا بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، فكان رَدّ السادات الرفض الباتّ؛ لأن نظرية مصر تقوم على عدم جواز التفاوض مع عدوّ يحتلّ الأرض. «فلتنسحب إسرائيل ونتفاوض على كلّ شيء بعد ذلك»، هكذا قال له السادات كما أكّد لنا بنفسه. وأشار السادات إلى أنّ الأميركيين يحاولون الاستفادة من غياب عبد الناصر، للضغط على مصر أكثر وأكثر.
كان بعد هذا حديثٌ طويل عن الدول العربية، وموقف كلّ دولة من الأخرى، والواقع أنّ السادات كان يرى أنّ وضع البلدان العربية متفسّخ تماماً؛ حيث لا توجد أي دولة تؤيّد الدولة الأخرى، وتساعدها، ولهذا طلب منا السادات أن يؤيّد لبنان مصر، كما طالبَنا بما كان عبد الناصر يطالبُنا به دائماً، أي أن يبقى لبنان جسراً بين مصر والعالم، وأن يستخدم موقعه ومكانته في سبيل الضغط على الأميركيين والإنجليز.
وكانت مناسبة للبحث في شؤون المسلمين في لبنان، فرسمتُ للسادات صورة واضحة –من وجهة نظري طبعاً– عن أوضاعنا، ثمّ عرّجتُ على مواقف سفير مصر عبد الحميد غالب في الماضي، وخصوصاً إزاء «المقاصد»، وشرحتُ له تفاصيل المعركة التي دارت من حول «المقاصد» وكانت موجّهة ضدّي بتوجيهٍ سافر من السفارة المصرية. ثمّ قلتُ له إنّ كثيراً من الأطراف يتستّرون بـ«الناصرية» شعاراً ليعملوا في الواقع لصالح «الشهابية»، مما يلحق الضرر بالمسلمين كما بمصير المجتمع الإسلامي في لبنان.
- حكومة الشباب
عدنا من القاهرة مساءً، ومن فوري توجّهتُ لزيارة الرئيس فرنجيّة، ورويتُ له الشؤون التي تهمّه من مداولاتنا مع أنور السادات، ثمّ أخبرتُه أنّني بتّ شديد الإرهاق ولذلك سأذهب لأنام، على أن أوافيه في اليوم التالي لمواصلة البحث في قضيّة التشكيلة الحكومية.
وبالفعل، ذهبتُ إليه في اليوم التالي فكان منشرح الصدر، على غير عادته، وعاودنا البحث في تشكيلة الحكومة العتيدة، وقلّبنا مختلف التصوّرات والتشكيلات الممكنة، وأدركنا أنّ أيّاً من التشكيلات التقليدية التي سنضعها لن تنال رضا الجميع ولا موافقتهم، فماذا نفعل؟
بكلّ بساطة: نراعي الظروف الجديدة ونُحْدث «ثورة صغيرة». فما هي هذه الثورة؟ بكلّ بساطة أيضاً: حكومة شباب جُدد من خارج الأوساط السياسية التقليدية. رميتُ الفكرة وأنا أشرح مدى ما سيكون لها من ردّ فعل لدى الرأي العامّ، وكنت أعتقد أنّ الرئيس فرنجيّة سيرفض الفكرة من فوره؛ لكنني فوجئت بموافقته عليها. وهنا طرحتُ أمامه عدّة أسماء على سبيل المثال لا الحصر: نديم دمشقية –مثلاً- للخارجية، وهنري إدّه، والدكتور جميل كبّي، وغسّان تويني للتربية، بين أسماء أخرى. ولم يُبدِ فرنجيّة موافقته وحسب؛ بل بدتْ عليه الحماسة الشديدة. وقال لي: «أنا معك، اذهب وفاوض النوّاب في محاولة أخيرة منك تجاههم، فإذا رفضوا، وهم سيرفضون قطعاً، تكون حرّاً في تشكيل الحكومة التي تتحدّث عنها. أما إذا وقف المجلس ضدّنا ورفض منحنا الثقة، فليس هناك أسهل من حلّ المجلس وإجراء انتخابات جديدة». وأضاف: «أنا معك... فإما أن نبقى معاً، وإما أن نذهب معاً».
هذا الكلام شجّعني طبعاً على مفاوضة النوّاب من موقع المطمئنّ، فاجتمعتُ مع كمال جنبلاط، ثمّ اجتمعتُ بكثيرين غيره، منهم كامل الأسعد وجان عزيز. وكانت نتيجة تلك المشاورات تشكيلة مؤقّتة من 16 نائباً، أدخلتُ فيها جوزف سكاف الذي كان يعدّ عقدة من العقد؛ لأن سليمان فرنجيّة يرفض إدخاله من خارج المجلس، أما أنا فكنت أصرّ عليه بسبب ما له لديّ، وفي نظري، من موقع خاصّ، فهو كان معنا على الدوام في السرّاء والضرّاء ولا يجوز أن يبقى خارجاً.
حملتُ هذه التشكيلة وذهبتُ إلى الرئيس فرنجيّة بعد ظهر اليوم نفسه، فوجدتُه متلكّئاً ومتردّداً، يعترض حيناً على سكاف وحيناً على بويز، أختارُ إدّه فيطالب بإدوار حنين، وحين أقول له عدنان الحكيم يقول لي أمين الحافظ، ثمّ يفرض علي إسبر، وبعد ذلك ينصح بأخذ شاهين وفوّاز عن الشيعة في الجنوب، فأقول له إنّ هذا لا يعطي شيئاً لكامل الأسعد، فيقول: فليكْتفِ كامل الأسعد برئاسة المجلس. إثر هذا كلّه ساد التوتّر، وبدأ يتضخّم بيننا، وأدركتُ أنّه يسعى، لسبب ما، إلى عرقلة كلّ حلّ أتوصّل إليه. استدعَينا مستشارينا الشخصيين والمشتركين، من أمثال جورج أبو عضل وعزّت الحافظ، وتوسّعتْ رقعة النقاش؛ لكننا لم نصل إلى أي نتيجة، وخامرتني فكرة الاعتذار فاقترحتُها؛ لكنّه رفضها بسرعة. ركّبنا تشكيلات أخرى؛ لكن لم تحظَ أي منها بالموافقة، فحيناً نتّصل بشمعون فيعترض، وحيناً يعترض جنبلاط، وفي أحيان كثيرة يكون الاعتراض من فرنجيّة نفسه.
وراح ذلك يتكرّر خلال الأيّام التالية... إلى أن انتهى الأمر باتفاقنا على العودة إلى فكرة «حكومة الشباب» التي لم يعدْ منها بدّ؛ خصوصاً أنّ الفكرة قد تسرّبتْ إلى أوساط الرأي العامّ فأسفرتْ عن حماسة شديدة. وهكذا تشكّلت تلك الحكومة التي كان كلّ عناصرها من أصحاب الفكر والجدارة، من الذين لم يُعرفوا في السياسة من قبل –باستثناء قلّة منهم– لكنّهم عُرفوا كمبدعين في مجالاتهم.
وهكذا أعلنت التشكيلة وكانت قنبلة إيجابية ضجّ لها الرأي العامّ، وتناقلتْ أخبارَها صحف العالم كله، وبدا واضحاً أنّ الحكم الجديد يريد ضَخّ دم جديد في الحياة السياسية اللبنانية. وكان من الطبيعي للنوّاب أن يتململوا إزاء ذلك الواقع الجديد الذي نفرضه عليهم، وكان في مقدّمة المتململين شمعون و«حزب الأحرار» اللذان راحا يتقرّبان، في نوع من الردّ علينا، من «النهجيين» وصبري حمادة ورشيد كرامي وعادل عسيران، وغيرهم. أما أنا، فكنت أجد الدعم التامّ من الرئيس فرنجيّة ومن كامل الأسعد الذي بات، بالطبع، مرشّحنا الوحيد والمنطقي لرئاسة المجلس النيابي.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
TT

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)

اختلطت خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق البحر المتوسط، فتحوّل الغاز من مجرد ثروة طبيعية، إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية.

فأمام ازدياد الاستكشفات النفطية في هذه المنطقة الاستراتيجية، ارتفع منسوب التوتر، وتمثَّل ذلك في شكاوى متبادلة إلى الأمم المتحدة بين ليبيا واليونان ومصر وقبرص، بجانب تحركات دبلوماسية لا تخلو من رسائل مبطَّنة، ليتشكَّل مشهد مضطرب يشي بأن معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.

وفي قلب هذه التشابكات المعقَّدة، تبرز السياسة بوصفها المحرِّك الأساسي للصراع. فتركيا، الساعية إلى كسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية وفي مجال الطاقة، فيما تتحصَّن بقية الأطراف بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثينا حتى تل أبيب.

وعليه، بات «حوض المتوسط» أشبه بـ«مراجل» تغلي على نار السياسة، كاشفاً عن نزاع مستقبلي تتصاعد مؤشراته وتتوالى نذره؛ فبينما يبرز التنافس على مكامن الغاز كعنوان ظاهري، يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. هذا ما يستشفه خبراء دوليون وعرب في قراءتهم للمشهد عبر «الشرق الأوسط»، محذرين من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد».

بدايات الصراع

بدأ الصراع الفعلي على غاز شرق المتوسط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع توالي الاكتشافات الضخمة التي حوَّلت المنطقة من مجرد ممرات ملاحية إلى خزان عالمي للطاقة، وتصاعدت حدتها مع اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عامي 2009 و2010 قبالة سواحل فلسطين (تمار ثم ليفياثان).

تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل «أفروديت» عام 2011 وهو ما فجَّر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام «جمهورية قبرص» بالتنقيب دون اتفاق مع «جمهورية شمال قبرص التركية»، وكان ذلك نقطة التحول التي لفتت أنظار الإقليم والعالم إلى ثروات شرق المتوسط.

السفينة «LNG Endeavour» تحمل شحنة غاز من «مجمع إدكو» المصري في طريقها إلى كندا (وزارة البترول المصرية)

ومع تسارع الاكتشافات التي كان أبرزها أيضاً حقل «ظهر» قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة طاقوياً، ليتصاعد الصراع أكثر ما بين عامي 2019 و2020 بعدما وقَّعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح أنقرة نطاقاً بحرياً ممتداً، وهو ما اعتبرته اليونان ومصر و«جمهورية قبرص» حينها «انتهاكاً للقانون الدولي وتعدياً على حقوقها السيادية»، عقب ذلك تحول الصراع من مجرد خلافات فنية إلى استقطاب سياسي وعسكري.

وعاد الصراع ساخناً إلى الواجهة عندما أعلنت اليونان في 12 يونيو (حزيران) 2025، عن دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت مما أثار حفيظة حكومتي غرب ليبيا وشرقها وعدَّتا ذلك «انتهاكاً صريحاً للحقوق السيادية الليبية».

خرائط الأمر الواقع

تتسارع راهناً، أطراف الأزمة ممَثلة في دول: ليبيا واليونان وتركيا ومصر و«جمهورية قبرص» فيما يمكن تعريفه بـ«سباق مصالح» عبر لقاءات رفيعة وزيارات مكوكية كانت القاهرة وأثينا ثم القدس أهم محطاتها، بقصد غلّ يد «الطرف الآخر» وقطع الطريق عليه. وتركيا من جانبها ترفض تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بصيغتها التي تعتمدها اليونان وقبرص ومصر، وتعارض منح الجزر مثل (كاستيلوريزو اليونانية) مناطق اقتصادية خالصة، وترى أن ذلك يغصب حقوقها وحقوق «جمهورية شمال قبرص التركية» في الجرف القاري التركي بشرق المتوسط.

وبدا أن التحركات الحالية لتركيا واليونان آخذة في التصعيد، إذ سارعت كل منهما- على نحو مستقل- إلى تحديث «خريطة تخطيط الحيز البحري» بغرض «فرض أمر واقع» في أجواء لم تخلُ من اتهامات متبادلة، يشبهها بعض المحللين «ببرميل بارود يوشك على الانفجار».

وتقول اليونان إن تركيا تحاول السيطرة على «أرض يونانية» في خطوة «تفتقر إلى أساس قانوني»، بينما ترى أنقرة أن «مساعي اليونان لفرض خريطتها دون الترسيم مع جيرانها خطوات أحادية الجانب مخالفة للقانون الدولي ومحكوم عليها بالفشل».

خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الدولي في اقتصاديات الطاقة ممدوح سلامة، أن اليونان، مسنودةً بدعم أوروبي صريح، «لن تتهاون تجاه أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة بغرض التنقيب عن الهيدروكربونات».

والمنطقة الاقتصادية الخالصة، هي منطقة بحرية نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، وتمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية محددة على موارد هذه المنطقة، تمتد إلى 200 ميل بحري كحد أقصى من خط الأساس (شاطئ الدولة).

ويذهب سلامة- وهو أستاذ زائر في اقتصاديات الطاقة بكلية «إي إس سي بي» لإدارة الأعمال في لندن- في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «إذا أصرت تركيا على انتهاك المياه اليونانية؛ فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري خطير في البحر المتوسط».

وجزيرة قبرص المتوسطية مقسمة شطرين منذ عام 1974: الأول هو «جمهورية شمال قبرص» التي لا تعترف بها سوى أنقرة، والآخر هو «جمهورية قبرص» المعترف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي. وجاء تقسيم الجزيرة بعدما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة، رداً على ما تقول أنقرة إنها محاولة القبارصة اليونانيين «الانقلاب على الحكومة وإلحاق الجزيرة باليونان».

حفتر والاستخبارات التركية

خلف كواليس الصراع تسابق أنقرة الزمن لكسب ودّ المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي بغرض دفع مجلس النواب الذي يترأسه عقيلة صالح بالتصديق على مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي سبق ووقعتها مع سلطات طرابلس عام 2019. من أجل ذلك، أجرى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن زيارة إلى بنغازي عبر الفرقاطة «TCG قنالي أدا» في نهاية أغسطس (آب) 2025، وهو ما أشارت إليه صحيفة «إيكاثمريني» اليونانية.

في مقابل ذلك، وخلال زيارة بالقاسم حفتر «مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا» إلى أثينا بدايات سبتمبر (أيلول) 2025، نقل إليه وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابتريتيس، رفض بلاده والاتحاد الأوروبي مذكرة التفاهم الموقّعة مع تركيا، والتي وصفها بـ«الباطلة وغير القانونية»، بحسب بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية اليوناية لانا زوخيو.

وتهدأ أزمة الطاقة في «المتوسط» لبعض الوقت، لتعود وتطفو على السطح مجدداً بمزيد من التوتر.

عامل يدير صماماً بمنشأة تخزين غاز في روسيا التي تأثرت بشكل ملحوظ بتراجع صادراته لأوروبا (رويترز)

ويرى ريكاردو فابياني مدير مشروع شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية» أن «قضية موارد الغاز في شرق البحر المتوسط تظل قائمة ومشتعلة، بالنظر إلى أن اهتمام معظم الدول الإقليمية منصب راهناً على قضايا أخرى مثل الأوضاع في قطاع غزة.

ويعتقد فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة الحدود البحرية «ستبقى دون حل؛ رغم تحسن العلاقات بين مصر وتركيا» لافتاً إلى أن المنطقة لا تزال منقسمة بين تركيا وليبيا من جهة، وبقية الدول الأخرى من جهة ثانية».

وعلى عكس موقف تركيا التي تريد دفع البرلمان الليبي إلى الموافقة على مذكرة ترسيم الحدود الموقعة 2019 تطالب اليونان بعكس ذلك، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات الدبلوماسية بين سلطات أثينا وبنغازي، ودفع الأخيرة ممثلة في وزارة الخارجية بحكومة أسامة حماد إلى استدعاء القنصل اليوناني، أثاناسيوس أناستوبولوس ونائبته.

وكان رئيس البرلمان اليوناني، نيكيتاس كاكلامانيس، قد دعا رئيس مجلس النواب الليبي، خلال محادثاتهما في أثينا، في بدايات ديسمبر (كانون الأول) إلى عدم التصديق على مذكرة التفاهم التركية-الليبية، وطالب بإلغائها. وقد أثارت هذه التصريحات غضب سلطات شرق ليبيا.

وتتيح مذكرة التفاهم- والتي أعادت حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة التأكيد على الالتزام بها عام 2021، مع اتفاقات إضافية تتعلق بالطاقة- ترسيم مناطق اقتصادية خالصة متصلة بين البلدين في «شرق المتوسط».

ويعني هذا من وجهة نظر اليونان إلغاء حقوقها البحرية لعديد الجزر التابعة لها مثل رودس، وكاستيلوريزو وكارباثوس وكريت، ولهذا عارضت مذكرة التفاهم بشدة، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً لقانون البحار» الذي يمنح الجزر «حقوقاً بحرية كاملة»، كما رأت أنها تمنح في المقابل تركيا نفوذاً «غير مشروع» في منطقة غنية بالغاز والطاقة.

وسبق ووقعت بعض دول المتوسط، اتفاقيات ترسيم للحدود من بينها: قبرص ولبنان عام 2007- قبرص وإسرائيل عام 2010- مصر وقبرص عام 2013، والأخيرة اعترضت عليها أنقرة في حينها. علماً بأن قانونيين ينظرون إليها على أنها متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982.

سفينة عسكرية إسرائيلية تبحر بجوار منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط (أرشيفية - رويترز)

شكاوى في الأمم المتحدة

أظهرت مذكرات رفعتها ليبيا ومصر واليونان وقبرص إلى الأمم المتحدة جانباً من الصراع المكتوم بشأن مكامن حوض شرق المتوسط، وتمحور الخلاف حول سؤال قانوني-سياسي: من يملك حق التنقيب والاستغلال؟

واحتجت طرابلس دبلوماسياً في مذكرتها على مطالب أثينا بالحدود البحرية جنوب وغرب جزيرة كريت. وأعلنت فيها بشكل رسمي حدود الجرف القاري الليبي، مدعومة بخرائط وإحداثيات تفصيلية، وذلك لتثبيت شرعية مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية. كما اتهمت أثينا «بخلق أوضاع فعلية تضر بالحقوق السيادية لليبيا»، ورأت أن عملية الترخيص اليونانية «إجراء غير قانوني وأحادي الجانب دون أساس قانوني أو اتفاق ثنائي».

كما رفضت طرابلس اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين مصر واليونان عام 2020، واعتبرته «باطلاً وغير متسق مع قواعد القانون الدولي وقانون البحار».

ورأت طرابلس أن اليونان ومصر «لا تملكان أي حقوق قانونية في المناطق البحرية التي تشملها مذكرة التفاهم الليبية- التركية، مؤكدة أن هذه المناطق تقع ضمن نطاق السيادة الليبية الكاملة».

ورداً على ذلك، رأت اليونان في مذكرتها إلى الأمم المتحدة أن «المطالب الليبية لا تستند على أساس من الصحة أو القانون، وتتجاهل حقيقة أن أثينا تتمتع بحقوق سيادية بحكم الأمر الواقع على الجرف القاري وموارده في هذه المناطق»، كما قالت اليونان إن «خط الحدود الذي اقترحته ليبيا ليس له أساس قانوني، ورُسم في انتهاك كامل لقانون البحار الدولي».

وترى اليونان- مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- بأن من حقها إقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد على مسافة 200 ميل بحري حول كل واحدة من جزرها المتعددة بالبحر المتوسط.

ويعتبر الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي، الصراع بالمتوسط «قضية معقدة جداً؛ نظرا لتداخل الاحتياطات مع قضايا ترسيم الحدود السياسية والبحرية»، لكنه يشير إلى أن «احتمالية تزايد النزاع في قادم الأيام واردة جداً».

ويلفت الشحاتي إلى أن بلاده «تمتلك ميزةً استراتيجية تتمثل في عدم الاستعجال لاستغلال المناطق المتنازع عليها، نظراً لتوفر موارد بديلة؛ مما يمنحها القدرة على المناورة التكتيكية وتأجيل المواجهة، ريثما تتوصل الأطراف الأخرى لا سيما في (المثلث التركي المصري اليوناني) إلى تسوية لخلافاتها».

وفي المذكرة التي تقدمت بها بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة في 20 يوليو (تموز) 2025، وكُشف عنها في الشهر الذي يليه، قالت إن «المنطقة التي أعلنت عنها اليونان للتنقيب، تقع ضمن مناطق بحرية لا تزال خاضعة لنزاع لم يُحل بين البلدين».

جانب من المنتدى الدولي الـ14 للغاز في سانت بطرسبرغ... 8 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

مكامن الغاز

دفعت الأزمات المبكرة في «حوض شرق المتوسط» سبع دول إلى إنشاء «منتدى غاز شرق المتوسط» بوصفه «فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها»، خصوصاً مع ظل وجود احتياطات كبيرة من الغاز، تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفقاً للهيئة العامة المصرية للاستعلامات في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

غير أن أسامة مبارز الأمين العام للمنتدى قدر هذه الاحتياطات بنحو 300 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وفقاً للدراسات، وذلك خلال تصريحات إعلامية في فبراير (شباط) 2025.

ووقَّعت مصر والأردن واليونان وجمهورية قبرص وفلسطين وإسرائيل وإيطاليا، على تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» في سبتمبر (أيلول) 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصدر قراراً في ديسمبر 2022 بتحديد الحدود البحرية الغربية للبلاد بالبحر المتوسط. ونشرت الجريدة الرسمية القرار، الذي تضمن قوائم الإحداثيات الخاصة بالحدود، إضافة إلى إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بالقرار والإحداثيات المحددة.

أبعاد النفوذ والسيادة

الصراع الدائر حول مكان شرق المتوسط انتقل من خانة الخلاف على الغاز إلى صدام وشيك حول «السيادة البحرية»، وفق ما ترصده دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فتركيا تتبنى مشروعها المعروف بـ«الوطن الأزرق»، وهي رؤية جيوسياسية تعتبر أن الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي «لا تملك جرفاً قارياً». والهدف وفقاً للتحليلات كسر الحصار الجغرافي المفروض عليها ومنع تحوّل البحر المتوسط إلى «بحيرة يونانية».

ويستند الموقف اليوناني- الأوروبي، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويرى الاتحاد الأوروبي أن «أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي»، مما جعل الغاز «محركاً» لترسيم الحدود.

أما دور إسرائيل، فيشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنها تدير ملف الغاز وفق استراتيجية «دبلوماسية الأنابيب»، ويرى أن الغاز الإسرائيلي المصدر إلى مصر والأردن ليس صفقة تجارية فحسب، بل هو وسيلة لخلق «اعتماد متبادل» يقلل من احتمالات الصدام العسكري ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة. ووفق شركة «نيوميد إنرجي» الإسرائيلية، تبلغ قيمتها 35 مليار دولار.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

وتحلل تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الدور الأميركي كـ«ضامن للمسارات البديلة»، بمعنى أن واشنطن ترى في «غاز المتوسط» فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي.

ويتحدث طارق المجريسي، الزميل الأول في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، عن «سعي النخب الليبية كافة لاسترضاء واشنطن بشتى الوسائل»، معتبراً أن «الطاقة تظل الورقة الرابحة في هذا المسعى». وكشف عن وساطة أجراها مسعد بولس، مستشار ترمب للشؤون العربية والشرق أوسطية خلال زيارة حديثة «لتسهيل صفقات مع شركتي (هيل إنترناشيونال) و(إكسون موبيل) بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية».

ويقرأ جيمي إنغرام، المحرر الإداري في مجلة (MEES) المشهد المحيط بغاز شرق المتوسط على اعتبار أن الموارد الطبيعية والحدود المتنازع عليها «تشكّل دائماً مزيجاً قابلاً للاشتعال»، ومع ذلك يرى أن الخلاف القائم «من غير المرجّح أن يتفاقم بشكل كبير في الوقت القريب».

(MEES) تعدُّ واحدة من أقدم النشرات التحليلية المتخصصة في شؤون الطاقة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومقرها في نيقوسيا بقبرص. ويقول إنغرام لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه القضية في جوهرها مسألة تم استغلالها ضمن سياق قضايا جيوسياسية أوسع»؛ ويدلل على ذلك بأن «تركيا ترى في دعمها لمطالب ليبيا فوائد اقتصادية وسياسية، وهي في موقع جيّد لتقديم هذا الدعم نظراً لاستيائها من الحدود البحرية الأخرى في المنطقة».

وفي ظل التباين في التقديرات حول احتمالات نشوب مواجهة، يربط مراقبون دوليون هذا السيناريو بمدى التوافق بين الأطراف الفاعلة في الأزمة. وفي هذا الإطار، يعزو فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المتخصص في شؤون شمال أفريقيا، حالة الهدوء الحذر إلى انشغال هذه الأطراف بملفات أخرى، لافتاً إلى أن القاهرة وأنقرة «تميلان حالياً إلى ترجيح كفة التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك».

ويضيف فابياني أن التوترات مع اليونان «لا تزال قائمة مع غياب أي أفق للحل حالياً، مما يرجح استمرار التصعيد الدبلوماسي. كما استبعد التوصل إلى تسوية قريبة بشأن ترسيم الحدود البحرية، نظراً لغياب الضغوط الجدية التي تدفع الأطراف نحو إيجاد حل».

واليونان التي تحظى بدعم من مالطا، تتمسك بـ«حقها في التنقيب»، وقال وزير خارجيتها جورج غيرابتريتيس إن «بلده يعتزم وضع خريطة طريق خاصة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط مع ليبيا بحلول نهاية العام الحالي»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

وكان موقع «توفيما» اليوناني قد أفاد في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، بأن مالطا انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة؛ إذ وجهت مذكرتي احتجاج رسميتين تدعوان حكومة طرابلس إلى الانخراط في الحوار».

وضمَّنت مالطا إحدى هاتين المذكرتين «رفضها القاطع للخريطة والإحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس في مذكرتها المقدمة إلى الأمم المتحدة، بداعي أنها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا».

كما رأت مالطا أن طرابلس «أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالاً على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر مما شوّه ترسيم الحدود».

«شيفرون» الأميركية على الخط

دافع الجيولوجي النفطي وخبير اقتصاديات الطاقة الدكتور كونستانتينوس نيكولاو، عن موقف بلده اليونان في رفضها للمذكرة المقدمة من حكومة طرابلس إلى الأمم المتحدة، وعدّها «غير مقبولة»، ودلل على ذلك بالمادة «121» من القانون الدولي للبحار، التي تمنح الجزر كامل الحقوق في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

واعتبر نيكولاو في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن فوز شركة «شيفرون» الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، «يشكل تحدياً كاملاً لمذكرة تركيا- ليبيا لدعم مبدأ (الوطن الأزرق) لتركيا».

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين بقطاع النفط والغاز في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

وأعلنت اليونان رسميا في 25 أكتوبر 2025 منح أربع قطع بحرية لتحالف دولي، تقوده «شيفرون» بغرض الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهي المنطقة المتنازع عليها مع ليبيا.

وأوضحت اليونانية أنه بعد إجراء التقييمات والمفاوضات مع «شيفرون»، وقع الاختيار على تحالف «شيفرون - اليونان القابضة»، وهو مشروع مشترك.

وتشمل الكتل البحرية في العرض الذي قدمته «شيفرون» الكتل المسماة جنوب بيلوبونيز، و«إيه 2»، وجنوب كريت الأول، وجنوب كريت الثاني. وتعمل أثينا و«شيفرون» الآن على وضع اللمسات النهائية على اتفاقية الامتياز.

ومن منظور يوناني، يعتقد نيكولاو أن استراتيجية «الوطن الأزرق اخترعتها أنقرة للمطالبة والاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان؛ بما في ذلك العديد من الجزر اليونانية». لكنَّ محليين أتراكاً يرفضون هذه النظرة من منطلق أن بلادهم «تدافع عن مصالحها الاستراتيجية».

نيكولاو يرى أن ذلك «تم على النقيض من القانون الدولي للبحار 1982، الذي ينص في المادة 121 على «حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة».

ويعدُّ «شرق المتوسط» مركزاً رئيسياً للاستكشاف في السنوات الماضية، ففي منتصف يناير (كانون الثاني) 2025 أعلنت شركة «إكسون موبيل» عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر، بعد نجاحها في حفر بئر استكشافية في البحر الأبيض المتوسط.

تحالفات عسكرية

متغيرات دولية عدة وتربيطات تتم في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز «شرق المتوسط»، شيء من هذا يتم بين تركيا والصين، ففي 23 سبتمبر (أيلول) 2025 وصفت صحيفة «غريك سيتي تايمز» اليونانية ما يجرى بشأن هذا الملف بأنه «إعصار جيوسياسي» يقترب من منطقة شرق المتوسط، ويهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة.

وتحدثت الصحيفة عن «بداية حرب باردة جديدة في المنطقة»، بالنظر إلى التطورات الجارية في شرق البحر المتوسط وفي ليبيا، وأشارت إلى «تشكّل تحالف تركي– صيني في شرق البحر المتوسط، يعمل على ضم ليبيا»، وقالت إن هذا التحرك «ستكون له تداعيات أوسع نطاقاً على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها، ومن بينها إسرائيل».

صهاريج غاز البترول المسال في منشأة مملوكة لشركة «إركوتسك» للنفط في روسيا (رويترز)

وفي نهاية ديسمبر 2025 شهدت مدينة القدس قمة ثلاثية، وأعلنت إسرائيل واليونان وجمهورية قبرص اتفاقها على تعميق التعاون الأمني والدفاعي، في خطوة عدها متابعون تتجاوز التنسيق السياسي إلى بناء مظلة أمنية أكثر تماسكاً في شرق المتوسط.

وفي نهاية ديسمبر 2025 أعلن الجيش الإسرائيلي، توقيع برنامج تعاون عسكري ثلاثي مع اليونان وجمهورية قبرص لعام 2026.

وعدَّ رئيس وزراء «جمهورية شمال قبرص التركية»، أونال أوستال، هذا الاتفاق «محاولة إسرائيلية لنقل الاضطراب إلى شرق المتوسط». واعتبر في بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن «المحاولات الجارية لإخراج المنطقة من كونها (ساحة سلام) وتحويلها إلى (مسرح للصراع) لا تهدد جزيرة قبرص فحسب؛ بل تهدد حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله، وأن «قبول الثنائي اليوناني القبرصي بأن يكونا مجرد بيادق في هذه المؤامرة الخطيرة خطأ تاريخي».

ما يجري راهناً في كواليس الأزمة دفع المجريسي المحلل السياسي الليبي إلى طرح تساؤل جوهري حول طبيعة حقول الغاز في البحر المتوسط: هل هي «مناجم ذهب» للازدهار الاقتصادي أم «براكين تغلي» تهدد بانفجار الصراع؟

كما تساءل الدبلوماسي المصري، بلال المصري عبر دراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي في أغسطس 2025: هل الحدود البحرية في شرق المتوسط ستكون سبباً رئيسياً لمواجهة مسلحة محتملة؟

وفي تحليل تشريحي للأزمة الراهنة، يرى المجريسي أن الصراع يتجاوز مجرد تسويق الغاز؛ إذ لطالما اعتبرت أنقرة ليبيا حجر زاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بـ«الوطن الأزرق». ويهدف هذا المشروع إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعياً لتحقيق حزمة من المكاسب المالية والجيوسياسية والأمنية المتكاملة.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

التحكيم الدولي... أم الحرب؟

يعتقد إنغرام، المحرر الإداري في مجلة MEES أنه في نهاية المطاف بعد هذه الصراعات، «يظل أفضل سبيل هو توقّيع الأطراف كافة على اتفاق للتحكيم الدولي، بحيث تُحدَّد الحدود البحرية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار». لكن إنغرام، يرى أن هذا الطرح «غير واقعي؛ فكثير من مطالب تركيا المتعلقة بحدودها البحرية مع اليونان وقبرص سيُرجَّح رفضها».

وأمام تعقّد الأزمة، وتمسّك كل دولة بما تعتبره «حقها المشروع»، يشير فابياني خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا، إلى أن «الحل يجب أن يبدأ من (منتدى غاز شرق المتوسط) بشكل أكثر شمولية، على أن يشمل أصحاب المصلحة كافة؛ مع إشراك تركيا بشكل فعَّال لتعزيز التعاون الإقليمي من أجل الاستثمارات الضرورية».

وضمن هذا الإطار، يرى فابياني أنه يمكن للأطراف المتنازعة «التوصل إلى تسويات بشأن حدودهم البحرية، وهو أمر لن يكون سهلاً، لكنه ممكن مع تقديم تنازلات متبادلة أيضاً في قضايا إقليمية أخرى».

عامل يفحص صمامات التحكم في مركز الغاز الطبيعي التابع لشركة النفط والأنابيب التركية غرب أنقرة (Hv)

وفي مقابل تشابك الاتهامات، يطرح الخبير الدولي ممدوح سلامة سيناريو بديلاً للحل، يستند إلى وفرة الموارد النفطية الليبية في المناطق البرية والبحرية غير المتنازع عليها، ما يغني طرابلس عن الانخراط في صراع مع اليونان مدفوعاً بالأجندة التركية، خاصة في ظل التبعات الاقتصادية القاسية للحرب الأهلية المستمرة منذ 2014. ويحذر سلامة من أن الصدام مع أثينا حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة قد يؤدي إلى عزوف الاستثمارات الأجنبية، التي تعد حجر الزاوية لتطوير احتياطاتها من الهيدروكربونات».

وينتهي سلامة إلى أن «الحل الوحيد هو التوصل إلى اتفاق لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة من خلال تفاوض تشارك فيه تركيا واليونان وليبيا معاً».

وعقب تصاعد دخان الأزمة أممياً، تطرق الرئيس المصري إلى الحدود البحرية، وذلك خلال استقباله حفتر بالقاهرة في 8 ديسمبر 2025. وأشار المتحدث باسم الرئاسة المصرية إلى «توافق الجانبين في ملف ترسيم الحدود البحرية، وأهمية استمرار التعاون المشترك بما يحقق مصلحة البلدين دون إحداث أي أضرار؛ وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وكانت مصر ضمَّنت مذكرتها إلى الأمم المتحدة رفضها للحدود المعلنة للقارة البحرية الليبية، معتبرة أن مواقف ليبيا «لا تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتنتهك أحكام القانون الدولي»، وهو ما وصفه الجيولوجي النفطي اليوناني نيكولاو، بـ«السياسة الصحيحة». معتقداً أن «أي طريق آخر قد يؤدي إلى قانون الغاب... والبديل هو استخدام القوة».

وبسؤاله عن احتمالية اتجاه الأوضاع نحو اللجوء للقوة، نظراً لأن كل طرف يصر على ما يعتبره «حقه التاريخي»، قال نيكولاو إن بوادر الأزمة المستقبلية «باتت تلوح في الأفق»، في ظل ما وصفه بـ«اللامبالاة» من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، و«عزوفهم عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار».

ويختتم قراءته للمشهد المأزوم بالتأكيد على أن «جمهورية قبرص، بمقدراتها المحدودة، لا تمتلك القدرة على مجابهة تركيا؛ مما يجعل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي المخرج السلمي الوحيد المتاح».

وفي ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، يستشرف اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، نُذر خطر وشيك، لافتاً إلى أن بلاده تواجه تحديات جسيمة تهدد أمنها القومي على المحاور الاستراتيجية كافة.

وخلص فرج إلى أن «النزاع المسلح القادم في المنطقة سيتمحور حول غاز المتوسط... الحروب التقليدية لم تعد هي العامل الحاسم، بل أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية».


مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

TT

مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)
رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)

إنها صبيحة يوم جمعة وكنيسة مار إلياس في حي الدويلعة الدمشقي تدق أجراسها إيذاناً ببدء القداس الأسبوعي. هنا ترفع صلوات وترانيم يومية، بينما يقام قداس الأحد أيام الجمعة أيضاً ليتزامن مع العطلة الأسبوعية في البلاد، ويناسب «الموظفين ومن يرتبطون بدوام عمل أو دراسة»، والأمر على هذا المنوال منذ أيام النظام السابق.

هي الكنيسة نفسها التي تعرَّضت قبل 6 أشهر لتفجير انتحاري أودى بحياة 25 شخصاً، ولا تزال صورهم مرفوعة في الساحة العامة للمنطقة على شكل لافتة كبيرة وأخرى كزينة على شكل شجرة ميلاد، في حين القداديس والمناسبات الدينية ولقاءات الفرق الكشفية تجري كلها في قاعة سفلية يُفترَض أنها مؤقتة.

على بعد أيام قليلة من عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية الغربية، كان المبنى الرئيسي للكنيسة لا يزال قيد الترميم. وكان أهالي الحي، والعائلات المكلومة تحديداً، يأملون في أن تنتهي الأعمال بوتيرة أسرع علّهم ينجحون في إحياء صلاة العيد في كنيستهم. لكن ذلك لم يحدث.

كنيسة مار إلياس في الدويلعة قيد الترميم بعد التفجير الانتحاري الذي وقع فيها في 22 يونيو الماضي (الشرق الأوسط)

كثر الحديث والترويج لتبرعات من رجال أعمال مسلمين أطلقت عملية الترميم من دون إمكانية التثبت من ذلك، حتى من الكنيسة نفسها.

في النهار كان فتيان وفتيات الكشافة كما القساوسة والشبان الأكبر سناً يتراكضون في الأحياء وبين الأزقة للمشاركة والإشراف على سير الأعمال، من نصب منصة وتنظيف أرصفة وتأمين مقاعد كافية لحدث استثنائي. إضاءة شجرة الميلاد الكبيرة واحتفالية اجتماعية دينية تعلن بدء موسم الأعياد. لكن ذلك أيضاً، لم يحدث.

فما إن بدأ الناس في التوافد إلى المكان مع ساعات المساء الأولى، حتى سرت شائعة بأن «داعشياً» يتجوّل بين الجموع. أثار الأمر بلبلة واستنفاراً أمنياً وتدافعاً كبيراً نتج منه حالتا إغماء لسيدتين ومزيد من الفوضى مع وصول المسعفين، انتهت كلها بإلغاء الفعالية وتأجيلها لوقت آخر بلا كثير جمهرة وصخب.

تضاربت الروايات عمّا حدث تماماً في تلك اللحظة، وبدا أن أحداً من أهل المنطقة لا يريد الخوض في التفاصيل. فحتى أحد أهالي الضحايا الذي كان وافق موافقة مبدئية على التحدث إلينا، عاد واعتذر تفادياً لـ«تقليب المواجع».

شاع الخبر واختفى سريعاً كأنه لم يحدث.

شجرة الدويلعة مزينة بصور وأسماء ضحايا التفجير الانتحاري الذي وقع في كنيسة مار إلياس في يونيو الماضي (أ.ب)

«مخاوف طبيعية»

نفى صاحب صيدلية في الدويلعة أن يكون الحادث متعلقاً بأي عمل إرهابي وإنما رد المسألة برمتها إلى «مخاوف طبيعية». قال الرجل مفضلاً عدم ذكر اسمه إن «كل ما في الأمر أن شاباً على موتوسيكل يحمل علم (لا إله إلا الله) الأبيض، وهو شائع جداً هذه الأيام، مرّ للفرجة بينما الناس يتوافدون إلى الحفل». وتابع قوله: «يبدو أن أحد شباب الحراسة المحلية لحق به فهرب مسرعاً؛ ما أثار الذعر والفوضى والتدافع». وقلل الرجل من تلك البلبلة كونها «أمراً طبيعياً في هذه الظروف».

وإذ تبدو الإحالة إلى الطبيعة محط كلام شائع بين الناس هنا لتفسير أحوالهم، فإنها تبقى كالسهل الممتنع حيال أي محاولة للاستفاضة أو الشرح. إنها تبديد للسؤال قبل الخوض في البحث عن إجابة.

وأما الخوف «الطبيعي» بدوره، فقد أرجعه الصيدلاني إلى صدمة لم تكمل عامها الأول بعد، ولا تزال تحفر في النفوس و«أفقدت الناس الشعور بالأمان»، بعدما وقع ما لم يخطر ببال. عن لحظة تفجير الكنيسة في يونيو (حزيران) 2024، قال: «كان جاري هنا في الصيدلية وسمعنا الصوت. تهافت الناس وبدأوا يصرخون: انتحاري في الكنيسة. انتحاري في الكنيسة. لم نصدّق وأكملنا حديثنا معتقدين أنه مجرد كذب وتهويل».

رجال إنقاذ وأشخاص يتفقدون الدمار في موقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق (أ.ف.ب)

وأضاف بعد برهة صمت كمن يعاتب نفسه: «كيف نصدق؟ بعمري هيك شيء ما صار!».

وعندما هرعت سيارات الإسعاف وهبّ الجميع للمساعدة وجاء رجل بابنته إلى الصيدلية لتطبيب جرحها والدماء تسيل من جبينها، حدثت فجأة لحظة يقظة.

إنه انتحاري فجَّر نفسه بين المصلين. لقد حدث ذلك بالفعل.

وحي الدويلعة الذي شاع ذكره بعد تلك الحادثة يقع في جنوب شرقي دمشق. وهو مختلط سكانياً بين مسلمين سنة وغالبية مسيحية متنوعة مذهبياً تتقاسم كنائسها المختلفة الشوارع الرئيسية للمنطقة التي تشبه قرية صغيرة، في حين الأبنية في الأحياء الداخلية أقرب إلى العشوائيات.

وقد شهدت منطقة الدويلعة دفقاً سكانياً كبيراً جعلها مكتظة بشكل أكبر بعد توافد مهجَّرين من المناطق السورية الأخرى التي شهدت أعمالاً عسكرية وحربية، بينما بقيت هي بمنأى عن أي «حوادث أمنية»، وذلك على عكس أحياء تكاد تكون ملاصقة لها مثل جوبر والتضامن المدمَّرين تدميراً كاملاً.

حراسة أهلية وأمن ذاتي

واليوم، تحمي الدويلعة نفسها بنظام «حراسة أهلية»، يتناوب من خلاله شبان من أبناء المنطقة على حفظ الأمن ومراقبة دخول وخروج «الغرباء». وقد شاع هذا النمط في أكثر من منطقة أو مدينة، ومنها جرمانا المختلطة طائفياً بين مسلمين ومسيحيين وأقليات أخرى وغالبية درزية طاغية، ويفصلها عن الدويلعة الجسر المتحلق الجنوبي.

مسؤول «قطاع أمني» في الدويلعة، شرح لنا تقسيمات العمل الميداني و«التدرج في التشدد الأمني»، فقال: «مباشرة بعد لحظة السقوط استنفرنا كشباب حي لحفظ الممتلكات من السرقة والنهب. توزعنا في الشوارع وتحت منازلنا بطريقة عفوية في البداية، ثم أخذنا نوزّع الورديات والأدوار بيننا. ولم يأت أحد نحونا. أعتقد أننا كنا منسيين أصلاً... واستمرت بنا الحال هكذا حتى تفجير (كنيسة) مار إلياس».

وكما شكَّل العمل الإرهابي لحظة يقظة لصاحب صيدلية، فقد كان صفعة أيقظت أحياء كاملة من «المنسيين» وكأن مقولة «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» وجدت ترجمتها الحرفية هنا.

طفل يغفو في قداس ليلة عيد الميلاد في كنيسة مار يعقوب النصيبي في القامشلي (رويترز)

ويوضح الشاب كيف تغير الوضع كلياً، فقال: «تطوعنا بشكل أكبر لحماية الكنائس أولاً فتم تطويقها، بالإضافة إلى توزيع مجموعات أكثر بين البيوت وعند مداخل الأحياء الصغيرة وبدأنا بنحو 80 أو 90 شاباً».

وبالفعل، لدى زيارة الدويلعة كانت كنيسة مار إلياس مغلقة للعامة ويمكن الدخول إليها عبر باب خلفي ضيق يعرفه مرتادوها ومن يعرِّفون عن نفسهم عبر شخص ثقة. وكان هذا حال غالبية دور العبادة المسيحية التي مررنا بها، كما بدا الشبان المتجمعون عند النواصي أكثر من مجرد «متسكعين» في يوم جمعة مشمس.

وحسب الشاب الذي يزاوج بين وظيفة حكومية نهاراً ومهمة الحراسة مساءً، فإن هؤلاء «الأمنيين» كلهم متطوعون بالكامل، يسهرون على أهلهم وأرزاقهم من دون مقابل مادي وكل بحسب قدرته وظروفه، «يشاركهم أحياناً بعض أصدقائهم أو جيرانهم المسلمون».

تعاون مع المخفر

وأما عن رجال الأمن الفعليين، التابعين للحكومة السورية، فهؤلاء يبقون في المخفر وفي فرع الأمن الجنائي عند مدخل المنطقة، لا يتجولون في الشارع إلا بطلب مباشر من «مجموعات الأحياء». فإذا وقع حادث أو مشادة تتطلب تدخلهم، يتم استدعاؤهم؛ لكون المتطوعين غير مسلحين إلا ببعض القطع الفردية «وهي قليلة جداً ومرخصة ويحملها أصحابها بمعرفة المخفر».

ويوضح محدثي أن أحداً من حملة السلاح الفردي لا يستخدمه في مناوبات الحراسة المشتركة لئلا يتحمل مسؤولية فردية عن أي حادث عام فتنزلق الأمور إلى تصعيد غير مضبوط «خصوصاً أن شباب الأمن لا يتأخرون في الاستجابة عندما نطلبهم».

ويتابع: «الوضع مربك جداً. فما عدنا نعلم كيف نميز الخطر الحقيقي... وفي الحادثة الأخيرة وصل الأمن وساعدنا منذ اللحظة الأولى، لكن حالة هلع عامة أصابت الناس. ماذا نفعل مع الخوف؟ مشكلتنا ليست أبداً مع الدولة، فنحن نريد دولة، ولا مع رجال الأمن، فقد وقفوا معنا. مشكلتنا في غياب الأمن».

مسلح درزي (يسار) يتحدث مع قوات الأمن السورية التي توصلت إلى اتفاق للانتشار حول جرمانا جنوب دمشق (أ.ب)

«تفاهمات» جرمانا

ذلك الكلام بحرفيته تسمعه في جرمانا التي نالت حصتها من «صفعة اليقظة» مع مشاكل المناطق الدرزية بدءاً بمواجهات صحنايا نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ثم أحداث السويداء، لكن سريعاً ما نأت جرمانا بنفسها عبر «تفاهمات محلية»، أبرزها مشاركة الشباب الدروز في دوريات الأمن العام ونقاط الحراسة والعمل معهم بواقع شاب أو اثنين لكل مجموعة أمنية من خمسة عناصر.

وإذ لا يرتدي شبان الحراسة الأهلية في جرمانا اللباس العسكري، غير أنهم يلتزمون بشيء من الملمح العسكري كالبنطال والقميص الأسودين تحت سترة كاكية أو كحلية، ويشكّلون بذلك «مفاتيح» الأحياء ووجهاً مألوفاً للأهالي ورجال الأمن معاً فيضبطون إيقاع الطرفين معاً.

وبخلاف الدويلعة، تعدُّ جرمانا تقليدياً مدينة للطبقة المتوسطة وأصحاب المهن الحرة في دمشق وهي شهدت بدورها توسعاً كبيراً في العقد الأخير، جعلها أكثر اكتظاظاً وزحمة وعشوائية. لكن الركيزة فيها حسب أحد شبانها، وهو رجل دين درزي، أن «التعايش الأهلي هنا فطري وسابق على الأوضاع الحالية»، لافتاً إلى أن دروز جرمانا هم «سكان أصليون يقيمون فيها منذ ما يقارب ألف عام، ولا يتحدرون من حلب وشمال البلاد».

وبالتالي، فإن «الإشكالات الأمنية» التي برزت في العام الماضي، هي مرة أخرى «أمور طبيعية»، ألفها دروز جرمانا عبر العصور وباختلاف أنظمة الحكم في دمشق. وهنا، في هذه البقعة من الفسيفساء السورية، يشكل الترابط السني - الدرزي التاريخي، صمغ الروابط الاجتماعية وركيزة الأمن السياسي. لذا؛ حين فاوض أبناء جرمانا على إبقاء سلاحهم، وهم بعكس أبناء الدويلعة، مسلحون ولا يخفون ذلك، فقد نجحوا في التوصل إلى «حلول وسطية مُرضية للجميع» بالمشاركة الفاعلة في حفظ أمن منطقتهم والبقاء ضمن حدودها.

زينة ميلاد ورأس السنة في أحد أحياء حلب وبدا رجلا أمن يحرسان المكان (الشرق الأوسط)

وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين مطلب السكان بـ«ضبط الأمن» من جهة، وندائهم الصامت بـ«الحفاظ على خصوصية المنطقة» من جهة ثانية في معادلة صعبة تشوبها جيرة قابلة للاشتعال في أي لحظة، قال الشاب الأمني ابن الدويلعة: «في الواقع عرضوا علينا الانتساب للشرطة عوضاً عن العمل التطوعي هذا، لكن الأهالي رفضوا لأن ذلك يعني خروج الشباب من الحي لتأدية خدمتهم، حيث يتم توزيعهم في المناطق السورية كافة، كذلك يفترض بهم الالتزام بقرارات القيادة وهم يفضلون البقاء في الدويلعة».

صور نمطية

وإذا كانت جرمانا تعيش بشيء من الرخاء الاقتصادي، فإن الدويلعة، وباختلاف الانتماءات الطائفية والمناطقية فيها، يبقى القاسم المشترك الأبرز بين سكانها هو الحالة الاقتصادية المتردية التي تشابه الفقر إن لم تكن الفقر بعينه. يقول شاب من أبناء الحي تهجَّر مع والدته «في مطلع الأحداث» (الثورة ضد نظام بشار الأسد) من درعا ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره: «هناك نظرة للمسيحيين بأنهم بالضرورة مرفَّهون وأغنياء وهم لا يعرفون كيف يعيش الناس هنا. يعتقدون أننا جميعاً من القصَّاع وباب توما».

شجرة ميلاد وزينة في أحد فنادق باب توما في دمشق (الشرق الأوسط)

وعمَّا إذا كان يعرف هاتين المنطقتين الشهيرتين معرفة جيدة أو له أقارب فيهما مثلاً، قال إنه يذهب أحياناً مع أصدقائه للفرجة، ولكنه يعود قبل هبوط الليل.

وهناك في القصَّاع وباب توما، حيث البيوت الدمشقية التقليدية التي تحولت فنادق ومطاعم فاخرة، بدت زينة الميلاد هذا العام استثنائية بكل المقاييس، وطغت على المشهد العام للعاصمة السورية؛ إذ امتدت إلى شوارع وأحياء خارج حدود المناطق ذات الطابع المسيحي حصراً.

بدت أحياء دمشق الراقية كلها مزدانة بشجرات العيد والزينة الحديثة كما عمدت الفنادق والأسواق التي امتنعت عن إبداء أي مظاهر احتفالية العام الماضي، إلى استعراض كل ما لديها من إضاءة وتصاميم ميلادية متنوعة. في أكثر من فندق حمل حرفيون وفنانون محليون بضائعهم ومصنوعاتهم اليدوية للمشاركة في «معارض الميلاد»، حيث عزفت فرق شبابية موسيقى غربية من وحي المناسبة.

عائلة سورية تلتقط صورة تذكارية أمام شجرة الميلاد في دمشق (أ.ف.ب)

ولا يخفى أن شجرات الزينة في الأماكن العامة والفعاليات ومداخل الحارات محمية بعناصر من الأمن العام أو سيارات شرطة، أو بحراسات أهلية تعمل بالتنسيق كما هي الحال في الدويلعة. كذلك، فإن الضوء الأخضر الحكومي، غير المعلن ولا المكتوب، بضرورة أن يحتفل المسيحيون بأكثر صخب ممكن، لا يخفى بدوره. فالجهد الكبير المبذول في «طمأنة» القلقين، يتجاوز دمشق وأحياءها إلى حلب وما بينهما من بلدات مسيحية بدأت تشهد عودة أهلها تدريجياً ومعهم طقوسهم الميلادية وصورهم وفيديوهاتهم التي انتشرت على «السوشيال ميديا».

أقليات ضمن أقليات

قد يوحي ذلك المشهد العام لبرهة بأن للمسيحيين في سوريا حصةً أكبر من حجمهم الديمغرافي في قطاعات السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو أي حيز عام، وهم كانوا حتى مطلع 2011 يقاربون 10 في المائة من السكان، حسب المعلن رسمياً. لكنهم عملياً وبمختلف مذاهبهم ومشاربهم (وهم يقاربون 11 طائفة) ممثلون بوزارة واحدة للشؤون الاجتماعية تحتل فيها الوزيرة هند قبوات مقعد المرأة ومقعد الطائفة معاً، مثلما منح الدروز وزيراً للزراعة هو ابن السويداء أمجد بدر.

شجرة ميلاد وبابا نويل في بلدة القنيّة في إدلب (أ.ف.ب)

وفي وقت تتسابق فيه مكونات المجتمع السوري من «الأقليات الأكبر» على نفض خطاب «الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة» الذي كان يرفعه حزب «البعث» شعاراً، وحجز مواقع في التركيبة الجديدة تعكس واقعهم على الأرض، يبدو الإحجام والترفع عن المطالبة بحصة وازنة من الدولة ومؤسساتها هو مآل «الأقليات الأصغر». فحتى وظيفة الشرطي في حي فقير كالدويلعة لا تبدو مغرية كفاية، وكأن جُلّ المطالب يتحقق في شجرة عيد وبعض الزينة الموسمية ومشاركة ضمن حدود الحارة، وهم إذ ذاك يرسخون كونهم استثناءً نادراً و«أقلية نموذجية».


كيف يجرف تسونامي الذكاء الاصطناعي ملايين إلى البطالة؟

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

كيف يجرف تسونامي الذكاء الاصطناعي ملايين إلى البطالة؟

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)

لم يكن عام 2025 سعيداً على اللبنانية حامدة الشاكر، وهي مدققة ومحررة لغوية، إذ انتهت مسيرتها المهنية قبل أن ينتهي العام. الشاكر، التي لامس عمرها الستين، لم يسبق لها تجربة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو التحدث مع «تشات جي بي تي»، كما يفعل الكثيرون، ولم تدرك أن هذه الأدوات التي غزت أجهزة الجوال والكمبيوتر باتت تؤدي عملها بسرعة وكفاءة مذهلتين.

لقد شكّل هذا التحول في المهن «تسونامي» جرفها مع ملايين الموظفين حول العالم نحو البطالة، في ظاهرة لا تستثني أحداً وتضرب قطاعات متعددة. لكن تأثيرها يكون أشد على الموظفين الذين تجاوزوا سن الخمسين، ولم يواكبوا سرعة التغيير التكنولوجي. فوفقاً لموقع «allaboutai»، تسبب اعتماد الذكاء الاصطناعي حتى الآن في فقدان نحو 14 مليون موظف لأعمالهم حول العالم، و«الحبل على الجرار»؛ إذ هناك توقعات بزوال 92 مليون وظيفة في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة.

في جوهره، الذكاء الاصطناعي هو قدرة الأنظمة الحاسوبية على محاكاة التفكير البشري، واتخاذ القرارات، وتنفيذ المهام المعقدة، بدءاً من التخطيط وصولاً إلى التطبيق العملي، بخاصة في المجالات النظرية والتحريرية.

صدمة ومستقبل غامض

هذا الواقع لم تكن الشاكر على علم به، ما تسبب لها بصدمة تلتها صدمة أخرى خلال 2025 الذي شهد أوسع انتشار لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كانت الصدمة الأولى حين تلقت اتصالاً من قسم الموارد البشرية يخبرها بتخفيض راتبها بنسبة 50 في المائة بسبب «صعوبات مالية تواجهها الشركة». وبعد أقل من خمسة أشهر، جاءتها الثانية عبر اتصال آخر يبلغها بقرار الاستغناء عنها، من دون أن تفهم السبب.

لكن وفق رواية الشاكر، نقلاً عن مسؤول قسمها، لم تكن وحيدة في ذلك؛ إذ فقد نصف الفريق وظائفهم نتيجة تأثير الذكاء الاصطناعي على عقود العملاء، أي الشركات التي راحت تستعين بالذكاء الاصطناعي لصياغة أخبارها وبياناتها وتقاريرها، مجاناً أو مقابل اشتراك شهري زهيد، مقارنة بالمبالغ التي كانت تتكبدها للتعاقد مع وكالات متخصصة في مجال العلاقات العامة والدعاية.

وفي هذا السياق، تشير تحليلات اقتصادية، نشرتها «رويترز»، إلى أن الاشتراك السنوي في أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة – حتى على مستوى المؤسسات – لا يتجاوز في كثير من الحالات تكلفة راتب موظف واحد لشهور محدودة. وهذا يجعل القرار، من منظور إداري بحت، خياراً «موفراً» وسهل التبرير مالياً.

وهكذا، تصبح الشاكر وزملاؤها رقماً إضافياً في معادلة باردة: شركات تزيد أرباحها وتخفض تكلفة الإنتاج، مقابل اتساع رقعة العاملين الذين يُدفعون خارج السوق، ليس لأنهم أقل كفاءة، بل لأن الخوارزميات باتت أقل كلفة من البشر.

القطاعات الأكثر تأثراً

قصة الشاكر وزملائها ليست حالات فردية؛ بل هي جزء من ظاهرة عالمية متنامية، شملت موظفين وعمالاً في قطاعات متعددة. وتشير تقارير متخصصة إلى أن الوظائف القائمة على المهام الروتينية أو المعالجة المتكررة للبيانات هي الأكثر عرضة للاستبدال، وذلك مع التوسع في استخدام أدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي. وهنا نظرة على أبرز تلك القطاعات:

خدمات الزبائن ومراكز الاتصالات: تُعد في مقدمة القطاعات المهددة. فأنظمة المحادثة الذكية وتحليل النصوص والصوت باتت قادرة على التعامل مع استفسارات المستخدمين بكفاءة عالية، وفقاً لموقع TechRT.

البيانات والدعم الإداري: يبرز هذا القطاع بين الأكثر تأثراً. فمهام مثل إدخال البيانات وتصنيف الملفات وأعمال السكرتارية تُستبدل بأدوات أتمتة متقدمة، حسب منصة Complete AI Training.

التجزئة وسلاسل التوريد: تُظهر تقارير Pleeq Software وninjatech.blog أن الدفع الذاتي، والمستودعات الذكية، وأتمتة المخزون، أسهمت في تقليل الحاجة إلى موظفي الصندوق (الكاشير) والعمال التقليديين في المخازن.

الصناعة والإنتاج: عزّز انتشار الروبوتات الاصطناعية وتقنيات التحكم الآلي من تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف العمالة اليدوية، حسب موقع All About AI.

المحاسبة والعمليات المالية: وظائفها البسيطة تسجل تراجعاً في الطلب، وذلك نتيجة اعتماد الشركات على برمجيات مالية ذكية قادرة على تنفيذ مهام مسك الدفاتر (bookkeeping) والعمليات الروتينية، حسب Complete AI Training.

صناعة المحتوى والإعلام: لم تكن هذه الصناعة بمنأى عن التحولات؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة المحتوى وتلخيصه وإعادة صياغته، مما يهدد عدداً من المهام الكتابية البسيطة.

ولا يدري كثير من الموظفين الذين فقدوا أعمالهم أنهم ضحايا «الثورة الصناعية الرابعة»، التي كان كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ومديره حينها، نبّه إلى نتائجها قبل حدوثها بقوله، أمام «القمة العالمية للحكومات» في دبي عام 2016، إن «العالم يقف على حافة ثورة تكنولوجية من شأنها أن تحدث تغييراً جذرياً في أنماط الحياة التي نعيشها والعمل الذي نؤديه والطريقة التي نتعامل بها بعضنا مع بعض. وبسبب عظم حجم هذه الثورة ونطاقها وتعقيداتها، فإن التغييرات التي سترافقها لم ترَ البشرية مثيلاً لها من قبل. نحن لا نعرف حتى الآن كيف ستكون تلك التغييرات، لكن شيئاً واحداً واضحاً لنا الآن: يجب أن يكون تجاوبنا نحن (مهما كنا في القطاع الخاص والعام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني) معها متكاملاً وشاملاً».

متطلبات السوق والمهارات البشرية

وما توقعه شواب تحقق بشكل كبير، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، مع تزايد تبني الشركات حول العالم لأدوات الذكاء الاصطناعي، ولم تعد الخبرة وحدها كافية للبقاء ضمن سوق العمل التنافسي. الوظائف التقليدية تتغير بسرعة، والمهارات البشرية المطلوبة أصبحت أكثر تخصصاً وتعقيداً؛ إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على الأداء الفردي، بل على القدرة على التعاون مع الأنظمة الذكية وتحويل المعلومات إلى قيمة مضافة.

في هذا السياق، يبرز دور الخبراء المهنيين الذين يفهمون كيفية دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي دون التضحية بجودة النتائج أو العمق التحليلي، وفق ما يوضحه مزيد حجاز، رئيس تحرير وكالة «نحو الحوار للدعاية والإعلان» في الرياض.

ويؤكد حجاز لـ«الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من العمل اليومي من ناحية السرعة والكمية، بينما تبقى المراجعة والتحرير والتحليل مرتبطة بالكامل بالإنسان لضمان الجودة».

ويضيف حجاز أن «القطاع يحتاج اليوم إلى مهارات جديدة، ومن يتخلف عنها يكن خارج السرب. أبرزها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل، وقراءة البيانات، والتحليل التنبؤي، وتحويل المعلومات إلى سردية مشوّقة. الدمج بين مهارات الإنسان وأدوات الذكاء الاصطناعي هو ما يضمن التفوق».

من جانبه، يشدد فراس بركات، خبير الاتصالات الاستراتيجية في السعودية، على أن الذكاء الاصطناعي «يمثل نقطة تحول محورية في أسواق العمل، تعزز الكفاءة وتعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة».

ويقول بركات لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أنه تسبب في فقدان وظائف تقليدية كالمهام الروتينية، لكنه، في المقابل، محرك ضخم لتوليد فرص عمل جديدة في مجالات متقدمة مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية، وهندسة الحلول الرقمية، ووظائف لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة».

تكرار التاريخ

إلا أن حسن يحيى، الخبير التكنولوجي المقيم في الولايات المتحدة، يقدم رأياً مستنداً إلى التاريخ، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليست المرة الأولى التي يقف فيها العالم مذهولاً أمام التطورات التقنية. يتكرر الخطاب نفسه حول فقدان الوظائف مع كل ابتكار ضخم»، لافتاً إلى أنه في عام 1959، عندما أدخلت «جنرال موتورز» الروبوت الاصطناعي «يونيمايت»، برزت موجة كبيرة تحذر من خطورته على الوظائف.

ويشير يحيى إلى أن «الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر على ملايين الوظائف، وهناك توقعات للمنتدى الاقتصادي العالمي بزوال 92 مليون وظيفة خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن في المقابل، سيولد أكثر من 170 مليون وظيفة جديدة، ما يعني تحولاً جذرياً في بنية العمل، لا بطالة جماعية».

ومن هنا، يقول يحيى: «من المنطق أن فقدان الوظائف من دون تعويضها لا يخدم الشركات ولا الاقتصادات، ما يجعل توليد وظائف جديدة أمراً حتمياً. لكن ذلك يتطلب تعلم كيفية العمل مع الذكاء الاصطناعي؛ لأن تجاهل هذا التحول قد يترك كثيرين خارج سوق العمل المتغير».

توفير التكلفة وتعظيم الأرباح

ما يتعرّض له الموظفون لا يمكن فصله عن معادلة اقتصادية باتت تتكرر في آلاف الشركات حول العالم. فبدلاً من الاحتفاظ بموظفين ذوي خبرة، وما يصاحب ذلك من رواتب وتأمينات وحقوق نهاية خدمة، تتجه مؤسسات كثيرة إلى الاستغناء عن كوادرها لمصلحة الذكاء الاصطناعي.

وهذا ما يؤكده تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum)؛ إذ يفيد بأن 41 في المائة من الشركات العالمية تخطط لتقليص قواها العاملة بحلول عام 2030 نتيجة اعتمادها المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وهنا يتحدث حجاز عن تأثير تبني الذكاء الاصطناعي على علاقة الشركات مع العملاء، فيقول إن «استخدام الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع العمل وتحسين جودته بشكل ملحوظ. انتقلنا من مرحلة سرعة الحصول على المعلومة إلى مرحلة (المعلومة في ومضة)، أي تحليلها وصياغتها لحظياً، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم سيناريوهات متعددة للمحتوى، وتحليل اتجاهات الجمهور». ويستشهد بدراسة لـDeloitte تفيد بأن دمج الذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة أدى إلى خفض زمن إنتاج المحتوى بنسبة 25-35 في المائة وتحسين دقته.

سوق بمليارات الدولارات

وهنا تتوزع المكاسب على جهتين، رجال الأعمال وشركاتهم وكذلك الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي التي تحقق عائدات مالية ضخمة، تتناقض مع واقع آلاف الموظفين. ففي منتصف عام 2025، حسب تقرير لـ«رويترز»، وصلت الإيرادات السنوية لشركة OpenAI، المطوّرة لنموذج ChatGPT، إلى نحو 10 مليارات دولار بنهاية النصف الأول من العام، متجهة نحو هدف يتجاوز 12.7 مليار دولار بحلول نهاية العام، مدفوعة بالطلب المتسارع على خدماتها وبرمجياتها الذكية.

ولا يقتصر هذا النمو المالي على OpenAI وحدها؛ إذ أظهر تقرير لـ«فوربس» أن شركات تقنية عالمية أخرى تمتلك وحدات ذكاء اصطناعي تُسهم في رفع إيراداتها السنوية بمليارات الدولارات، ما جعل الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر الربح للشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا، حتى عندما يستغني بعضها عن موظفين بهدف تحسين كفاءة التكلفة التشغيلية.

اللاعبون الرئيسيون

وبناء على ما تقدم، يطرح سؤال جوهري هو: من هم اللاعبون الرئيسيون في هذا المجال؟ ويجيب الذكاء الاصطناعي نفسه بالتالي: شركة OpenAI، الأشهر عالمياً بفضل ChatGPT، رائدة في النماذج اللغوية الضخمة، ولديها شراكة استراتيجية مع Microsoft.

تليها Google DeepMind، التي طورت نماذج قوية مثل Gemini وAlphaGo، وتعد رائدة في الذكاء الاصطناعي العلمي والطب والبحث.

وMicrosoft نفسها أصبحت قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مستثمرة مليارات الدولارات في OpenAI، ودمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي في Windows وOffice (Copilot) وAzure AI.

في المقابل، تعمل NVIDIA على تطوير الرقاقات والمعالجات الأساسية للذكاء الاصطناعي، بينما تقدم Meta (Facebook) نماذج مفتوحة مثل LLaMA. وكذلك تعد Amazon (AWS) رائدة في الذكاء الاصطناعي السحابي، فيما تبرز Anthropic كمنافس قوي في مجال نماذج اللغة.

أما بالنسبة إلى حجم سوق الذكاء الاصطناعي فتفيد تقديرات حديثة بأنه بلغ في عام 2025 نحو 747.9 مليار دولار، مع توقعات بنموه ليصل إلى 2.74 تريليون دولار بحلول عام 2032، وفق موقع AffMaven.

القلق من التداعيات

هذا التباين الصارخ بين عائدات بمليارات الدولارات تحققها شركات الذكاء الاصطناعي، والخطر المتصاعد الذي يهدد ملايين الموظفين الذين يجدون أنفسهم بلا عمل أو في وظائف هشّة، يطرح سؤالاً أخلاقياً واقتصادياً مركزياً: لماذا تستفيد الشركات من التكنولوجيا لتقليل التكلفة الإنتاجية وتعظيم أرباحها، بينما تظل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه الموظفين المستغنى عنهم غائبة أو مؤجلة في كثير من الأحيان؟

فهذا التوفير، كما يحذر خبراء اقتصاد، يتم غالباً دون تحمل الشركات لمسؤولياتها الاجتماعية، ولا يُقابل بإعادة تأهيل حقيقية للموظفين المسرّحين، ولا بتوليد فرص بديلة لهم، مما يسهم في تعميق أزمة البطالة عالمياً بدلاً من معالجتها.

إسلام الشافعي، الخبير الاقتصادي المقيم في نيويورك، يستهل حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالإشارة إلى تصريح أدلى به رئيس الاحتياطي الفيدرالي (الأميركي) جيروم باول، في 20 ديسمبر (كانون الأول) وتضمن تحذيراً من «موجة الاستغناء عن الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي، أو توقف شركات عن الإعلان عن وظائف للسبب نفسه».

مخاوف من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد للإنسان (أ.ب)

ثم يقدم الشافعي رأياً مغايراً، لكنه يحمل تحذيرات عميقة. ويقول: «حتى هذه اللحظة، الرعب من الذكاء الاصطناعي هو رعب وقائي أو مسبق؛ إذ لم يبلغ مرحلة يحل بها محل الإنسان تماماً. ما هو حاصل الآن هو استعانة به، لكن لا يمكن الثقة به بشكل كامل». ويضيف: «صحيح أنه قد يؤدي إلى انخفاض عدد العمال، حيث يمكن لعمل كان يتطلب 5 موظفين أن ينجزه موظف واحد مع الذكاء الاصطناعي. هذا هو الخطر الحقيقي»، مشيراً إلى أن منظمة العمل الدولية لديها تحفظات كبيرة بشأن السلامة وقدرة الآلة على اتخاذ القرار. ومع ذلك، هناك أعمال لم يهددها الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، مثل الحرف اليدوية (السباك، الكهربائي، النجار، الخياط)، وستبقى لفترة طويلة تعتمد على القدرة البشرية والإبداع البشري».

كسر الاحتكارات

وفي هذا السياق يركز يحيى على كسر ثلاثة احتكارات رئيسية لمواجهة هذه التحولات:

احتكار الشهادات الجامعية في التوظيف: شركات كبرى مثل «غوغل» و«ديل» أسقطت شرط الشهادات الجامعية، لتركز على المهارات المكتسبة.

الاحتكار التقني: الذكاء الاصطناعي منح الأفراد قدرة أكبر على تنفيذ الأفكار من دون الحاجة إلى فرق كبيرة.

الاحتكار اللغوي: للمرة الأولى، أصبحت التكنولوجيا غير مرتبطة بلغة واحدة، ما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي بلغته الأم، ويفتح المجال لملايين الأشخاص للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.

والاقتصاد الرقمي استمد من الثورة الرقمية التي غدت جزءاً رئيسياً من الاقتصاد العالمي، وتُظهر البيانات حجماً هائلاً يعكس تأثير التكنولوجيا والتحوّل الرقمي على الإنتاج والنمو؛ إذ من المتوقع أن يتجاوز حجم الاقتصاد الرقمي العالمي في عام 2025 نحو 24 تريليون دولار، ما يعادل نحو 21 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، مع استمرار النمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد التقليدي.

اضمحلال الرأسمالية

أما الشافعي فيذهب بعيداً في تحليله، بخاصة خلال حديثه عن الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية والدول المتقدمة التي تعتمد في مداخيلها على الضرائب التي تحصّل بمعظمها من الموظفين، ويقول: في حال فقدان الموظفين لوظائفهم مقابل الذكاء الاصطناعي الذي يعد أصحاب الأعمال المستفيد الأكبر منه، لن يبقى هناك وعاء ضريبي كافٍ للحكومات لتمويل خدماتها، مما قد يؤدي إلى انهيار هذه المجتمعات بسبب الفقر العام. في المقابل، قد تكون الدول التي تعتمد على نموذج التكافل والتعاون، حيث تكون الدولة هي المنتج، أكثر قدرة على مواجهة هذا التحدي.

ويشير الشافعي إلى أن «رجال الأعمال الذين كانوا يبنون مصانعهم في شرق آسيا للاستفادة من رخص الأيدي العاملة، قد يعودون إلى أوطانهم ليعتمدوا على الروبوتات في إنتاج سلعهم».

قلق أممي

ولما كانت مسألة خسارة الوظائف تأخذ بعداً عالمياً، فإنها بدأت تلقى صدى داخل أروقة الأمم المتحدة، وبخاصة في مقرها الرئيسي في نيويورك.

وهذا ما يؤكده الشافعي، الذي يمارس عمله من ذاك المقر الأممي، ويقول: «إن هناك قلقاً شديداً في الأمم المتحدة تجاه ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن يؤخذ عليها أنها أصيبت بمرض التغاضي والحالة النفسية التي تصيب المضاربين عندما تكون هناك فقاعة اقتصادية، وهو محاولة النظر إلى المكاسب والتغاضي عن حجم الخسائر».

ويلفت إلى أن النقاش في الأمم المتحدة يدور حول أحد جانبي الذكاء الاصطناعي، أي الإيجابيات، إذ يسرع 80 في المائة من أهداف التنمية المستدامة (التي اعتمدتها الأمم المتحدة)، ويدعم 27 في المائة من مجالاتها، ويساعد في الأمن السيبراني. لكن الجانب الآخر، أي السلبيات، فإنهم لم ينظروا إليها بشكل واسع بعد، مثل الهاكرز (المخترقين) الذين قد يستغلون الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تغزو الكوكب.

ويؤكد الشافعي أن «المجتمع أصبح الآن مصاباً بمرض التعامي نتيجة هذه الفقاعة التكنولوجية، ويبحث عن المبررات، ويتغاضى عن السلبيات». وينبغي أن تكون هناك قوانين تنظم هذه البيئة؛ إذ أظهرت دراسات الأمم المتحدة أن 85 في المائة من الدول تفتقر إلى البيئة القانونية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. لكن بعض الأصوات، وفي مقدمتها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تحذر بقوة من ترْك مستقبل البشرية للخوارزميات. وسبق له أن حذر في مجلس الأمن وغيره، من عسكرة الذكاء الاصطناعي. والسؤال هنا: إذا لم يكن الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، فهل كانت ستدعمه الدول؟ هناك مخاوف من أن يتحول إلى سباق وقيود أمنية جديدة تفرضها الحكومات على مواطنيها، بحيث يكون هو الرقيب وأن يتحول إلى آلة لعذاب المواطنين. يختتم الشافعي بأن أكثر المجالات التي ينطلق فيها الذكاء الاصطناعي هي المجالات العسكرية والأمنية وتقنيات التعرف على الوجه والتتبع، محذراً من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد، وربما تقضي على الحياة على سطح الأرض.

تهديد أم فرصة؟

ومن هنا، فإن المخاوف من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود فقدان الوظائف أو إعادة تشكيل سوق العمل، بل تمتد إلى مستويات أكثر خطورة تمسّ جوهر الأمن الإنساني ذاته والشفافية، وبخاصة في مجال المعلومات.

وهنا يؤكد حجاز أن «الذكاء الاصطناعي يفرض مسؤولية أكبر لضمان الدقة والشفافية. نعتمد منهجاً واضحاً يشمل جودة المعلومات وموثوقيتها، والشفافية في الاستخدام، ونلتزم بالإفصاح عن دوره في عملياتنا».

لكن هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ يجيب حجاز: «رغم أن هذا السؤال بات هاجساً، فإن التجارب الحديثة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي تطور حتمي يجب استثماره. فكما واجه العالم تحفظات مشابهة عند ظهور الحاسوب ثم الإنترنت، يتكرر المشهد اليوم، لكنه سرعان ما يتحول إلى عنصر تمكين بدل التهديد».

ويلفت إلى أن كثيراً من الدول، بينها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، أصبح التكيف مع الحداثة جزءاً من الثقافة المهنية فيها. لكن من المهم الإشارة إلى أن 90 في المائة من العاملين في القطاع عالمياً، وفق دراسة من Cornell ArXiv، يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على موثوقية المعلومات ويزيد الحاجة للتحقق. كما يتوقع 59 في المائة من الجمهور الأميركي انخفاض عدد الصحافيين. في المقابل، تؤكد Muck Rack أن 75 في المائة من محترفي الإعلام والعلاقات العامة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الإنتاجية وتحليل البيانات وتطوير المحتوى، «ما يعني أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهنة، لا استبدالها»، طبقاً لحجاز.

القيمة الإنسانية

ويؤكد أن «الإبداع هو القيمة الإنسانية التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها تحت أي ظرف. في (حوار)، نحرص على تحفيز المبادرات الفردية وتشجيع الشغف المهني، وهذا يتسق مع (رؤية السعودية 2030) التي وضعت الإنسان في قلب عملية التحول». ويضيف أن التقنية تعزز الإبداع ولا تلغيه، والإنسان يظل مصدر القيمة الأساسية.

ليس بديلاً

والإبداع البشري لا يزال ضرورياً، حى الآن، وفق ما يؤكده أستاذ الترجمة الدكتور محمد خير ندمان لـ«الشرق الأوسط». ويتحدث عن تجربته قائلاً: «من تجربتي في مجال الترجمة والكتابة أستطيع القول إن أدوات الذكاء الصناعي أصبحت توفر حوالي ٦٠%؜ من الوقت على الأقل، وهي تدعم عمل المترجم والكاتب وتعززه، لكنها -حتى الآن- ليست بديلاً عن العنصر البشري بشكل كامل». ويضيف: «أحياناً يرتكب الذكاء الصناعي أخطاء (قاتلة)، ومهمة العنصر البشري أن يدقق ما ينتجه الذكاء الصناعي ويصحح ما يرتكبه من أخطاء. حتى عند البحث عن معلومات، يعطي الذكاء الصناعي أحياناً معلومات خاطئة تماماً. ويشير ندمان، وهو سوري، إلى أنه سأل الذكاء الصناعي مرة عن نفسه فـ"جعلني كاتباً وشاعراً تركياً!!!».

من جهته، يقول بركات، إن «مستقبل سوق العمل لن يُقاس بعدد الوظائف التي تختفي، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على تطوير المهارات وتبني ثقافة التعلم المستمر. التحدي الأكبر يتمثل في مواكبة التحولات السريعة من خلال الاستثمار في التعليم، وإعادة التأهيل المهني، وتمكين الشباب من المهارات الرقمية».

الخبز والخباز

لكن الدكتور م. عبدالهادي، رئيس قسم علم الأمراض (Pathology) في أحد مستشفيات الولايات المتحدة، يرى أن «تسونامي» الذكاء الاصطناعي «لن يستمر طويلاً إذا وُضعت لوائح تنظيمية مناسبة له». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل من يقرأ معلومات طبية عبر الإنترنت أو يجمعها باستخدام الذكاء الاصطناعي يصبح طبيباً، ولا كل من ينقل أخباراً يصبح صحافياً، ولا كل من يقرأ عن محرك سيارة يصبح ميكانيكياً. على سبيل المثال، حتى لو جمعت معلومات واسعة حول القانون بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فلن تُقبل في المحكمة كمحامٍ»، مشيراً إلى الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد الأشخاص على طرح الأسئلة الصحيحة لمتخصصيهم، وجعل الإجراءات أكثر فعالية، مع تعزيز مصداقية الخبراء وتقليل فرص الاحتيال أو التدخل غير المهني.

ويستعين الدكتور عبدالهادي بالمثل القائل «أعطِ خبزك للخباز حتى لو أكل نصفه»، ليؤكد أن «الخبرة الحقيقية يجب أن تبقى في يد المختصين، فالتدريب المهني والتراخيص لا يمكن ولا ينبغي منحها للهواة، حتى لو كانوا مثقفين ومطلعين بفضل الذكاء الاصطناعي». ويختتم قائلاً: «نصف المعلومة قد يضر أكثر مما ينفع عند التطبيق، والأدلة الحقيقية تظهر في النتائج».

محاولة أخيرة؟

حامدة الشاكر لا تعد نفسها من الشباب، وهي تعيش في بلد (لبنان) يعاني من أزمة مالية كبرى ولا تقاعد فيه للعاملين في القطاع الخاص، وكانت تظن أن وظيفتها في شركة لها بُعد إقليمي تشكل لها ضمانة طويلة الأمد، لكن جاء من يهدد لقمة عيشها من حيث لا تحتسب.

وبعد فقدانها عملها، حاولت اللحاق بالركب المتسارع. أنشأت حساباً على «لينكدإن» وسجلت في منصات توظيف، وبخاصة الخليجية مثل «بيت.كوم»، وتتابع دورات مجانية على الإنترنت لتعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحرير، وأرسلت عشرات النسخ من سيرتها الذاتية. لكن الردود كانت قليلة، وغالباً آلية. وتوضح أن «الإعلانات تطلب مهارات لم تكن مطلوبة عندما بدأت مسيرتي. يريدون شخصاً يكتب، ويحلل بيانات، ويدير أدوات ذكاء اصطناعي، ومختص في حسابات (السوشيال ميديا)، ويعمل بثلاثة أضعاف السرعة».

قصتها تعكس معضلة جيل كامل وجد نفسه خارج السوق، لا بسبب ضعف الكفاءة، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت فجأة. وتختم بمزيج من السخرية والحسرة قائلة: «قبل نحو مائتي عام عندما جاءت الثورة الصناعية وحلت الآلة وخط الإنتاج محل الحرفيين، صدر النداء الشهير: يا عمال العالم اتحدوا... فهل يأتي الآن من ينادي: يا موظفي العالم اتحدوا؟».