زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

رئيس الحكومة الراحل ينتقد دور دمشق ويقول إنها لم تعالج الأمور بحكمة

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام

تنشر «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم ثلاث حلقات من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل صائب سلام تغطي مراحل مهمة من فصول الأزمة اللبنانية، من دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 إلى الغزو الإسرائيلي للجنوب ومناطق واسعة وصولاً إلى بيروت سنة 1982 وما رافق ذلك من أدوار لعبها سلام كأحد أبرز زعماء الطائفة السنية، ومحاولاته لتقريب وجهات النظر والحرص على التوافق الإسلامي - المسيحي والمحافظة على موقع لبنان كبلد مستقل خارج الصراعات.
ويلفت في مذكرات صائب سلام حرصه على التدوين شبه اليومي لوقائع الأحداث واللقاءات والاجتماعات التي شارك فيها وصراحته المتناهية في تقييم القادة والسياسيين العرب واللبنانيين الذين التقاهم وتعاطى معهم.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوافرة في مكتبات لبنان ابتداءً من 28 يونيو (حزيران) وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
وفي هذه الحلقة يعرض سلام ما رافق انتخاب الرئيس إلياس سركيس ودخول القوات السورية واتصالاته في تلك الفترة مع الرئيس حافظ الأسد ومع قيادات لبنانية وفلسطينية.

مع كمال جنبلاط

يوم الاثنين 10 مايو (أيار) من عام 1976، أي بعد انتخاب إلياس سركيس مباشرة، اجتمع عندي النوّاب ريمون إدّه، إميل روحانا صقر، جميل كبّي، محمد يوسف بيضون، ميخائيل الضاهر، حسين الحسيني، حسن الرفاعي، ألبير منصور الذين كانوا قد قاطعوا الانتخابات، وبعد المداولة أصدرنا بياناً هادئاً ومختصراً جداً يدعو إلى التريّث، ولقد لفت النظر يومها أنّ ريمون إدّه أخذ الخسارة بروح طيّبة جداً، وبدا أقلّ تأثّراً من غيره بما حدث. بعد يومين عقدنا اجتماعاً جديداً، تبيّنَ لنا فيه أنّ «التريّث» لا يزال هو الموقف الصحيح، فأصدرنا بياناً جديداً يدعو إليه، ولكن يوم الاثنين التالي، قرّرنا أن نصعّد بعض الشيء، فاجتمعنا وأصدرنا بياناً نحذّر فيه من «استمرار المؤامرة» ونحمّل فيه المسؤولية لـ«أصحابها»؛ وذلك لأنّ الناس بدأت تضجّ من عدم التقدّم بأي خطوة منذ انتخاب سركيس، علماً بأنّ الشعور العامّ الذي ساد بعد انتخابه – رغم المرارة والقهر – كان فيه أمل بالانفراج.
في تلك الآونة، شعر «أبو عمّار» ورفاقه في المقاومة بضيقٍ شديد، فطلبوا عقد قمّة في عرمون، وتقرّر إيفاد السيّد موسى الصدر إلى دمشق في محاولة لإبلاغ السوريين مشاعر القلق التي تعترينا من جرّاء تدخّلهم العسكري، ولا سيّما بسبب ما حصل في طرابلس. وعند نهاية اجتماع القمّة المذكورة، جرت مشادّة بيني وبين المفتي الشيخ حسن خالد، كنت فيها شديد القسوة عليه، خصوصاً أنّني كنت متألّماً من موقفه (وموقف كرامي) المتملّق لسوريا، وعند المشادّة انسحبتُ من الاجتماع؛ الأمر الذي كان له ضجّة كبيرة في الصحف ولدى الرأي العامّ. وكان لموقفي تأييدٌ واسع عند المسلمين الذين قالوا لي إنّهم يشعرون من جديد بأنّني أحافظ على كرامتهم. ووصل الأمر إلى أنّ أسامة فاخوري وغيره من الذين يحقدون عليّ، لم يتمالكوا أنفسهم من الاتّصال بي هاتفياً لتهنئتي على موقفي!

قوات سوريا في بيروت في نوفمبر 1976 (غيتي)

بعد عودة موسى الصدر من دمشق، عقد أعيان قمّة عرمون اجتماعاً آخر آثرت ألّا أحضره، عند ذلك زارني هاني الحسن موفداً من قبل «أبو عمّار»، يرجوني الحضور، فتمنّعت وهو ما زاد من تحبيذ موقفي عند الجميع، بينما ازدادت نقمة الشارع الإسلامي على المفتي وعلى رشيد كرامي.
وعطفاً على موقفي، أسرع شبابنا في «المقاومة الشعبية – روّاد الإصلاح» إلى إعادة قطَع السلاح التي كان الرئيس حافظ الأسد قد أهداها إلينا، وذلك بعد أن طالبتْنا قوّات «الصاعقة» بإعادتها!
بعد ذلك تلقيتُ دعوة أخرى من «أبو عمّار» لملاقاته في عرمون، حيث سيحضر من دمشق مباشرة برفقة عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الثاني بعد القذّافي، فأجبتُ بأنّني حاضر للاجتماع بهما متى أرادا، ولكن ليس في عرمون، فأنا منسحب مما يسمّى «قمّة عرمون». المهمّ، اجتمع جلّود بكرامي واليافي عند المفتي، كما اجتمع بجنبلاط والأحزاب، وبعد ذلك توجّه إلى بغداد. والحقيقة، أنّ زيارة جلّود للبنان أحدثتْ ضجّة كبيرة، حيث إنّ الناس أملوا منها خيراً. لكن ذلك كله سرعان ما ذهب أدراج الرياح؛ إذ إنّ جلّود نفسه أعلن قبل مغادرته بيروت، أنّ زيارته لم تكن للوساطة، حيث إنّه وليبيا، يؤيّدان المقاومة والحركة الوطنية، لذلك فهما طرف!
في تلك الأثناء كان قد عُقد اجتماع بين الرئيس إلياس سركيس وكمال جنبلاط بوساطة من المقاومة، وفي حضور «أبو عمّار» و«أبو إياد»، وكان قد جاءني باسل عقل، من قبَل «أبو إياد»، يسألني ما إن كنت أوافق على الاجتماع بإلياس سركيس بوساطتهم، فأجبتُه بأنّني أقبل ذلك ولكن بتحفّظ، أولاً لأنّني لا أوافق على أن يكون الاجتماع سرّياً، كما جرى مع جنبلاط، الذي سرعان ما انفضح اجتماعه بسركيس فأدّى ذلك إلى توجيه الانتقاد إليه من قِبل الأكثرية، وأنا طول عمري كنت ولا أزال ضدّ الاجتماعات السرّية، وخصوصاً أنّ ما من سرٍّ يمكن أن يبقى سرّاً في لبنان، فهو ينكشف على الفور، وحين ينكشف تكون النتيجة غير مُرضية. وبعد ذلك قلتُ إنّني أربط اجتماعي بسركيس باجتماعه بإدّه، إذا كان راغباً في ذلك، وقلت له إنّني على أي حال أحبّ أن أستشير بعض الزملاء والنوّاب قبل الموافقة النهائية على الاجتماع، وأصررتُ، على أي حال، على أنّ الغاية من الاجتماع يجب أن تكون المصارحة الكاملة، وأنّ ذلك يجب أن يكون مفهوماً. بعد ذلك خابرني باسل عقل يسألني ماذا جَدَّ في الأمر، فقلت إنّني أؤكّد استعدادي بعد مشاورة زملائي في «الجبهة النيابية»، فراجع «أبو إياد» مصادره، ثمّ أبلغني بأنّهم سيرتّبون اللقاء خلال 48 ساعة.

صائب سلام في اجتماع مع الرئيس اللبناني الأسبق إلياس سركيس

- الجيش السوري في لبنان
في الأول من يونيو 1976، انجلت الأمور عبر أحداث يومٍ تاريخي حقاً! ففي ذلك اليوم حدث ما كان يتوقّعه الكثيرون ويعتبرونه التتمّة المنطقية لما كان يحدث: فقد دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية من الشمال ومن الشرق تحت ذريعة حماية المسيحيين... وفي زحلة (بقاعاً) والقبيّات (شمالاً). والحال أنّ الكثيرين من المراقبين كانوا يتساءلون قبل ذلك بأيّام عن السرّ الكامن وراء عنف الأحداث من حول زحلة والقبيّات. وهكذا، بدلاً من أن تسوّى الأمور بحكمة من قبَل السوريين الذين كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك من دون تدخّل عسكري كبير، ها هي الأمور تؤدّي إلى ذلك التدخّل. مهما يكن، على الرغم من أن أطرافاً إسلامية وفلسطينية عديدة كانت تنظر بعين الخشية إلى تزايد التدخّل السوري خلال الأشهر الأخيرة، معتبرة إيّاه مقدّمة لوجودٍ عسكري كثيف، فإنّ الأوضاع اليائسة أودت بالناس إلى تمنّي مجيء أي جيوش لتوقف المجزرة الجماعية، ولتحقق الخلاص. والسؤال اليوم، بعدما حدث ما حدث، هل يكون الخلاص على يد الجيش السوري، أم تتفاقم الأمور في لبنان، وبعد ذلك في سوريا كما يقول بعض الذين يتحدّثون عن وجود مؤامرة أميركية - دولية، تستهدف تمزيق لبنان، ومن ثمّ توريط السوريين لتمزيق سوريا أيضاً؟
عندما صار دخول الجيش السوري حقيقة واقعة، عقَدَ كمال جنبلاط والمقاومة اجتماعات عديدة، وأصدروا العديد من البيانات العنيفة والتصعيدية مع تهديد بالتصادم والمجابهة.
كانت أيّاماً عصيبة تلك التي تلتْ دخول القوّات السورية، حيث تلاحقت الأحداث العسكرية والسياسية بشكل يقطع الأنفاس، وبدت «المقاومة الفلسطينية» مجبرة على خوض العديد من المعارك، سواء أكان ذلك على الجبهة مع السوريين، أم مع «الكتائب» وحلفائهم. غير أنّ ضراوة المعركة وطابعها المصيري لم يوقفا المقاومة عن العديد من التصرّفات التي تثير شكوى الناس. ويبدو أنّ أركان المقاومة شعروا بما يشكو منه الناس وما أشكو منه أنا من تصرّفاتهم، فجاءني «أبو اللطف» برفقة باسل عقل، وكان بيننا حديث طويل، حاول «أبو اللطف» فيه تبرير تصرّفاتهم، فكنت صريحا معه بإيضاح بعض مآخذي، ولا سيّما إهمالهم مشاعر المسلمين الذين هم الأرضية الصلبة التي يجب أن يرتكز عليها الفلسطينيون، ومع هذا، أفهمتُ «أبو اللطف» أنّنا باقون معهم بكلّ إمكاناتنا رغم ما نلقاه منهم؛ لأنّنا نعتبر أنفسنا أصحاب القضيّة مثلهم، ولا نعتبر أننا مثل أولئك الذين يلتفّون حولهم لمنافع سياسية مؤقتة.
جاءني عصام العرب ورفاقه، وهم من المحسوبين على ليبيا، ليبلغ تمّام أنّ عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الذي كان يزور بيروت في ذلك الحين، يرغب في الاجتماع بي مع رؤساء الوزارات وبعض الشخصيات، فأبلغه تمّام اعتذاري عن ذلك. في الساعة الرابعة من اليوم نفسه جاءني رسول من المقاومة ليبلغني، هو الآخر، أنّ جلّود يصرّ على الاجتماع بي في غرفة العمليات، فاعتذرتُ مرّة أخرى، فجاء رسول ثالث، ليقول لي إنّ جلّود سينتظرني في مقرّ الدائرة السياسية للمقاومة فاعتذرت مرّة ثالثة. وقد اعتذرت كلّ تلك المرّات حفاظاً على كرامتي تجاه جلّود وتجاه المقاومة. هذا بينما رشيد كرامي، وهو رئيس الحكومة، أتى عند عصام العرب ليجتمع بجلّود في حضور عبد الله اليافي وعدنان الحكيم ومحمد قبّاني. ويبدو أنّ اعتذاري المتكرّر كان له مفعوله لدى جلّود؛ إذ ما إن حلّت الساعة الثامنة مساءً، حتى وجدتُه يدخل علي في بيتي ومعه «أبو إياد» و«أبو اللطف»، دون سابق إعلام.
كان الحديث مع جلّود مستفيضاً، وأنا قدّرت له ولغيره غيرتهم ومساعيهم؛ إذ إنّه – والحقُّ يقال، مهما كانت دوافعه – كان العربي الوحيد الذي أبدى مثل ذلك الاهتمام وبذل مثل ذلك الجهد بالنسبة إلى الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان في تلك الآونة. من جهتي، نبّهتُه إلى ما اعتدتُ أن أنبّه إليه أركان المقاومة، من ضرورة عدم إهمال المجتمع الإسلامي في لبنان. ثمّ شرحتُ له تفاصيل ما دار بين الرئيس السوري حافظ الأسد وبيني من أحاديث. وصارحت جلّود بأنّني مقتنع الآن بأنّني كنت على غشاوة حين اعتقدتُ صحّة كلّ ما قاله لي الرئيس الأسد، وما زلت على هذه الغشاوة حتى الآن؛ إذ إنّني لا أريد أن أفقد إيماني بحسن نواياه تجاه لبنان. وأحببت أن أُفهم جلّود أنّ انهيار «منظمة الصاعقة» في بيروت كان نتيجة للنقمة الإسلامية العارمة والموقف الصلب الذي وقفناه تجاهها، وطالبتُ جلّود بأن يحاول، إن استطاع، اجتذاب الكتائبيين بفصلهم عن سليمان فرنجيّة وكميل شمعون المساندَين لكلّ أنواع الإجرام، قائلاً له «إن هذه هي خطتي الأساسية التي أتّبعها على الرغم من كلّ ما صدر عن الكتائبيين من وحشية وعنف وإجرام».
- الاجتياح السوري الجديد
ما كدنا نطمئنّ إلى بعض التفاؤل، حتى أتتنا الأنباء متوالية تتحدّث عن اجتياح سوري جديد في منطقة جزّين – صيدا، ومنطقة بعبدا – شانيه عاليه، ولقد ولّد ذلك قلقاً كبيراً عند الكثيرين. طبعاً هذه المرّة لم تكن ردّة فعل المسلمين مماثلة لردّة فعلهم السابقة، يوم دخل الجيش السوري لأول مرّة في يونيو. فالظروف كانت قد تبدّلت كثيراً، ونقمة المسلمين تفاقمت ضدّ المقاومة، بالنسبة إلى الممارسات غير المحمولة، وبالنسبة إلى المساندة المستمرّة التي يلقاها جنبلاط والشيوعيون من هذه المقاومة. إنّ المسلمين يشكون مُرّ الشكوى من الفلسطينيين وعلى الصعد كافة؛ لذلك لا يمكنهم أن يقيسوا ذلك بما يمكن أن يلاقوه على أيدي السوريين، ما دام هذا لم يحصل بعد!
مهما يكن، فإنّ خطة السوريين لم تتوضّح بعد، هل تراهم سيقومون بعمليات محدودة في الجنوب والجبل، أم أنّ ما يقومون به ليس سوى خطوة نحو احتلال شامل للبنان؟ على كلٍّ، هذه المرّة – كما أشرت – لم تصدر ردود فعل عنيفة ضدّهم، بل ولا حتى ردّات فعل عادية. وأنا بدوري لم أتكلم! فمن جهة «أبو عمّار» وجماعته كفّوا عن الاتّصال بي منذ أسبوع على رغم اتّصالي الدائم بهم، ومن جهة أخرى ها هم قد مضوا في تنفيذ خطّتهم مع «المجلس السياسي» و«الإدارة المدنية» و«الأمن الشعبي» في بيروت على رغم امتناعي عن إصدار البيان، وعلى الرغم مما شرحتُه لـ«أبو عمّار» عن الضرر الذي يخشاه أهل بيروت من تسليم شؤونهم لهذا المجلس الذي يسيطر عليه الشيوعيون، وخصوصاً في نواحي الأمن والأمور المعيشية (طحين ومحروقات وغيرها) وفي إدارة المدارس. فالأمن عند من يطلق عليهم اسم «الإدارة المدنية»، يتسلّمه صورياً سنان براج، ولكن وراءهفي الحقيقة ثلاثة شيوعيين حتماً، وهم: إسبر بيطار، «طانيوس» و«كميل». وإدارة التربية كذلك، والدعاية أيضاً، ومن وراء هذا كله أقدَر الشيوعيين، الأمين العام محسن إبراهيم الذي أطلق عليه اسم «ميني بريجنيف»!
- قمة سداسية في الرياض
اتّصل بي علي الشاعر هاتفياً ليبلغني أنّه قد جرى اتفاق على عقد قمّة سداسية في السعودية يحضرها الملك خالد، الأمير الكويتي الشيخ صباح السالم الصباح، الرئيس المصري أنور السادات، الرئيس السوري حافظ الأسد، الرئيس اللبناني إلياس سركيس و«أبو عمّار»، على أن يحاط عقد القمّة بتكتّم شديد. أنا، لمعرفتي بالخبرة، أنّ السرّية في مثل هذه الأمور مستحيلة، أوصلتُ الخبر لبعض أعضاء «الجبهة» وغيرهم! ولم يخبْ تقديري على أي حال، إذ بعد أقلّ من نصف ساعة كان راديو «مونتي كارلو» يذيع الخبر نقلاً عن نيويورك، كما أذاعه راديو «الكتائب» في الوقت نفسه نقلاً عن بيار الجميّل، نقلاً عن إلياس سركيس...
حاولت أن أساعد رشيد كرامي في توجّهه إلى السعودية، بعد أن علمتُ أنّ إلياس سركيس طلب منه مرافقته. كان على كرامي، لكي يتوجّه إلى السعودية، أن يصل أولاً إلى دمشق، لكنّه لم يكن راغباً في أن يخاطر عابراً الطريق إلى العاصمة السورية. هاتفت الشاعر فعلمت منه أنّه سيذهب إلى بعبدا ومن هناك سيرافق سركيس إلى السعودية. اتّصلت بكرامي أغريه بأن يذهب معه فرفض خشية خطر الطريق، إثر ذلك علمت من «أبو عمّار» أنّ طريق مرجعيون سالكة، فهاتفت كرامي مرّة أخرى، فتمنّع قائلاً، إنّ سركيس والسوريين أبلغوه أنّ الطريق خطرة!
ولأول مرّة منذ عشرة أيّام هتفت لياسر عرفات؛ إذ وجدتُ أنّ من غير المناسب في ظروفهم الحالية، وبعد زيارة هاني الحسن لي قبل يوم، وبعد الإعلان عن عقد «قمّة الرياض»، من غير المناسب ألّا أتّصل بالزعيم الفلسطيني قبل سفره، فأشجّعه وأطلب له التوفيق. شعرت على الفور بأنّ مكالمتي كانت بالنسبة إليه أشبه بهبَة من السماء، وكانت مجاملته لي أكثر من المعقول!
على الرغم من انعقاد «قمّة الرياض»، وإشاعتها جوّاً عارماً من التفاؤل، سرعان ما تفاقمت الأمور بعد أيّام قليلة وبشكل أشدّ خطورة وسوءاً من أي وقت مضى، إذ بين يومي 20 و21 أكتوبر (تشرين الأول)، أمضت بيروت أشدّ أيّامها هولاً، بسبب قصف عشوائي يشتدّ حيناً ثمّ يخفّ ويهدأ ليلاً ساعات قليلة لسبب مجهول، ثمّ يشتدّ بصورة مخيفة. قدّر البعض عدد القذائف التي هطلت على جانبَي بيروت بأكثر من خمسة آلاف قذيفة خلال اليومين الأخيرين. أمّا القتلى فتساقطوا بالعشرات والجرحى بالمئات. اتّصلتُ مراراً ببيار الجميّل وبياسر عرفات، وبغيرهما طبعاً، وكنت أحاول أن أحثّ الجميع، وخصوصاً زعيم «الكتائب» وزعيم «المقاومة الفلسطينية»، على التعاون في سبيل إيقاف تلك المجازر المرعبة. وأعتقد أنّني كنت الوحيد الذي يمكنه أن يتّصل بالفريقين معاً. يوم الخميس 21 أكتوبر كنّا قد أمضينا ليلتين في الطابق الأسفل أو الأوسط، وبدا لنا لبعض الوقت أنّ الجحيم الذي فُتح لن يهدأ أبداً. ولكن اعتباراً من يوم الأحد التالي، بدأت نتائج «مؤتمر الرياض» تلوح ميدانياً، فهدأ القصف إلى حدٍّ ما... وساد الأمل في أن يكون وقف النار الجزئي والنسبي الذي ساد في ذلك اليوم، نهائيا هذه المرّة.
مهما يكن، فإنّنا سرعان ما عدنا إلى عيشنا الروتيني، أنا بتّ لا أخرج من الدار إلّا نادراً، ودائماً يرافقني مسلّحون في سيّارة أمامي، وآخرون في سيّارة جيب تسير خلف سيّارتي. ولولا اضطراري إلى المشاركة في اجتماعات «جبهة الاتّحاد الوطني» و«التجمّع الإسلامي» لما كان من شأني أن أخرج أبداً.
- اغتيال كمال جنبلاط وارتداداته
في السادس عشر من مارس (آذار) 1977، اغتيل كمال جنبلاط على طريق المختارة في منطقة الشوف، وكان لذلك الاغتيال رجّة كبيرة في طول لبنان وعرضه، وقد حصلت من قِبل أهل الشوف الدروز ردّة فعل فورية غاضبة، ذهب ضحيّتها أكثر من مائة شوفي مسيحي، ولا سيّما في قرية مزرعة الشوف القريبة من المختارة.
كان واضحاً أنّ البلد مقبل على فتنة كبيرة، قد تكون أكبر من أي فتنة أخرى عرفها، وذلك بسبب مكانة جنبلاط في لبنان، وبسبب تعقّد الظروف اللبنانية، وخصوصاً بسبب الغموض الذي أحاط بالجريمة وجعل محاسبة أي كان عليها بديلاً من محاسبة المسؤولين الحقيقيين عنها. ولئن كان «شمعون» والشمعونيون تعمّدوا إذكاء نار الفتنة، عبر تحريض المسيحيين على إبداء ردود فعل مضادّة على ما حدث لمسيحيي الشوف، فإنّني من جهتي سارعتُ إلى التعاون مع «حزب الكتائب» في محاولة منّا لوأد نار الفتنة، قد نجحنا في ذلك إلى الحدّ الأبعد، وخصوصاً أنّ وليد جنبلاط نجل الزعيم الراحل تبدّى على الفور عاقلاً وحكيماً، وقرّر أن يدفن والده في اليوم التالي مباشرة، بعد أن كانت أحزاب «الحركة الوطنية» قرّرت تأجيل الدفن حتى يوم الأحد تأجيجاً لردود الفعل.
لقد رحل «كمال جنبلاط»، ورحيله أحزننا جميعاً وجعلنا نأسف أسفاً شديداً، في الوقت نفسه الذي دعونا فيه إلى الهدوء والتعقّل، وكانت دعوتنا لذلك قد انطلقت منذ ليلة الاغتيال.
رحل «كمال جنبلاط»، هذا الزعيم الذي لم يكن – في نظري كما في نظر الكثيرين – شخصاً عادياً، بل كان «ظاهرة» إنسانية، إنّه أكبر زعيم قبيلة وأهمّ إقطاعي في لبنان، ومع هذا فإنّه ينادي بالديمقراطية ويرأس حزباً اشتراكياً، هو ينتمي روحياً إلى الدروز – كما يحبّ أن يقول – لكنّه في الوقت نفسه يعلن إسلامه، وهو زعيم إقليمي شوفي ودرزي، ومع هذا نراه ينادي بوحدة لبنان، وبوحدة العرب، ووحدة الإنسانية كلها. إنّه مزيج من التناقضات التي لم يكن ليرفّ له جفن وهو يمارسها جميعاً، متقلّب في مواقفه وسياسته بين يوم وآخر، أفليس هو حامل جائزة «لينين» السوفياتية، في الوقت نفسه الذي يقال عنه فيه إنّه يتبع توجيهات الأميركيين الذين يشتمهم علناً؟
من ناحية الحسابات السياسية البحتة التي كان لا بدّ من أن ترِدَ إلى خاطري رغم فداحة الحدث، كان من الواضح لدي أنّ مقتل كمال جنبلاط وغيابه عن الساحة اللبنانية، سوف يؤدّي مباشرة إلى إضعاف مكانة كميل شمعون، وعلى هامش هذا الواقع طالب إخواننا في «التجمّع الإسلامي» بضرورة أن نتصلّب منذ الآن في مواقفنا، بعد أن كنّا نمثّل نوعاً من الاعتدال بين تطرّف كمال جنبلاط من جهة، وتطرّف كميل شمعون من جهة ثانية، وكنتُ أرى عكس هذا تماماً؛ لذلك رحتُ أقول بضرورة مضاعفة الانفتاح على المسيحيين لكسب المعتدلين وإحراج من يدّعون الاعتدال (وعلى رأس هؤلاء وأولئك «بيار الجميّل» في تناقضاته هو الآخر)، للتعاون على إضعاف شمعون.
في خضمّ ذلك كلّه، كان لا بدّ من طرح السؤال الأساسي: من قتل كمال جنبلاط؟
منذ سنة، وفي عزّ الأوقات العصيبة واشتداد المحنة، كنتُ لا أكفّ عن القول إنّه عندما يهدأ الأمن ظاهراً، ستكون هناك تفجيرات خفيّة، واغتيالات عديدة، والحقيقة أنّنا، منذ هدأت الأحوال نسبياً، كنّا نسمع بين الحين والآخر أسماءَ تتردّد على شفاه العالمين بالأمور، على أساس أنّها مُعرّضة للاغتيال. وكان في مقدّمة تلك الأسماء اسم «ريمون إدّه» واسمي واسم «كمال جنبلاط» واسم «كميل شمعون»، ولكن كان من الواضح لدينا أنّ ترداد الأسماء يهدف أوّلَ ما يهدف إلى إثارة الفتنة والبلبلة. ومع هذا لم أفاجأ أبداً حين جرت محاولات لاغتيال «ريمون إدّه»... الذي كان عمره طويلاً فنجا دائماً من تلك المحاولات. وكذلك لم تفاجئني قذيفة مدفع الهاون التي استهدفت «كميل شمعون» وأخفقت في قتله، والآن لا أحسّ أنّ اغتيال «كمال جنبلاط» كان مفاجأة لي. السؤال الآن: مَن صاحب الاسم التالي على اللائحة؟
غير أنّ هذا السؤال لم يحجب السؤال الآخر، الأساسي: مَن قتل جنبلاط؟
قال البعض، إنّ اغتيال جنبلاط قد نتج من ثارات شخصية...
وقال آخرون، إنّ القتلة عملاء لإسرائيل...
وقال فريق ثالث، إنّ اغتيال «جنبلاط» يقف وراءهالسوريون...
فإلى أي فريق، يا تُرى، يجب أن تتّجه ظنوننا؟
مهما كانت هويّة القاتلين وهويّة محرّضيهم، فإنّ شعور معظم الناس كان الأسف لرحيل رجل من طينة «كمال جنبلاط»، ولكن لم يخلُ الأمر من كثيرين شعروا بالراحة إزاء التخلّص من «جنبلاط»، وهؤلاء لم يكونوا في صفوف المسيحيين وحدهم، بل كان بينهم مسلمون ودروز أيضاً!
- زيارة الأسد والسادات
قبل اغتيال «كمال جنبلاط»، كنت عازماً على التوجّه إلى مصر لمقابلة الرئيس أنور السادات، بعد أن تأخّرَ الجواب الذي كنت أنتظره من سوريا بصدد مقابلة طلبتُها مع الرئيس «حافظ الأسد»، وكنت أوَدّ أن تتمّ قبل زيارتي إلى السعودية، ولكن فجأة، وفيما كنت أستعدّ للسفر إلى مصر، وصلتني برقيّة من السيد «عبد الحليم خدّام» تفيد بأنّ الرئيس «الأسد» سوف يستقبلنا في العاصمة السورية يوم السبت في التاسع عشر من مارس.
- الاجتماع مع حافظ الأسد
توجّهتُ إلى دمشق في الموعد المضروب، وكان الاستقبال كالعادة، لائقاً، تواكبه دراجات نارية وشرطة ووزير الرئاسة «أديب ملحم»، عند نقطة الحدود.
دام الاجتماع بين الرئيس «الأسد» وبيني ثلاث ساعات، من منتصف النهار حتى الثالثة بعد الظهر، وكان بحضور فيصل سلام. ظاهر الحديث كان ودّيّاً للغاية، ولكن لأنّ قلب المؤمن دليله، لم أشعر بأنّ ثمّة صفاءً حقيقياً خلف ذلك الودّ، وخصوصاً أنّ كمال جنبلاط كان لا يزال طريّاً في ذهني وأحاسيسي.
كالعادة، كنت صريحاً مع الرئيس الأسد، فشرحت له كلّ مآخذي على تصرّفاتهم في لبنان، عسكرياً وسياسياً، فلم يتوانَ عن أن يقول لي إنّه يأخذ ذلك في الاعتبار... ومع هذا داخَلَني شعور بأنّه يتصرّف الآن انطلاقاً من الواقع الجديد، أي إحساسه بأنّه أغرَقَ الجيش السوري في الرمال المتحرّكة اللبنانية، وأنّ ذلك يُشعره بالقلق، ويزيد بالتالي من تصلّبه.
بعد زيارتي للرئيس «الأسد»، كان عليّ أن أزور مصر لألتقي الرئيس «السادات»، بعد عشرة أيّام على زيارتي الدمشقية، ولأهمّية زيارتي للقاهرة، وجدت أنّ من الضروري أن أزور الرئيس «إلياس سركيس» وأقابله عشيّة تلك الزيارة، فتوجّهتُ إليه.
أذكر أنّ لقائي بالرئيس سركيس كان بعد ظهر السبت، وكان من المفترض أن يجتمع مجلس الوزراء يوم الاثنين، وفي أهمّ جدول أعماله تعيين قائدٍ جديد للجيش. ويوم الاثنين كنت أنا قد وصلت إلى القاهرة، وهناك صباحاً علمت بحادث الاعتداء الفظيع الذي تعرّض له منزل وزير الدفاع فؤاد بطرس، وكان من الواضح أنّ مسؤولية الاعتداء تقع على كميل شمعون وبشير الجميّل. شعرت بأنّ هذا الإرهاب غايتُه إخضاع رئيس البلاد، ولو خضع هذا للإرهاب لأنهار لبنان، والحقيقة أنّ السلطة برئاسة سركيس لم تخضع للإرهاب، بل إنّها بدلا من ذلك قرّبتْ موعد انعقاد الجلسة الحكومية من بعد الظهر إلى قبل الظهر، وأعلنتْ إعفاء حنّا سعيد من منصبه كقائد للجيش، معيّنة مكانه فكتور خوري. على الفور، حاول كميل شمعون وبشير الجميّل إقامة الدنيا وعدم إقعادها، وساندهم سليمان فرنجيّة في ذلك، لكنّ موقف بيار الجميّل حسم أمر الكتائبيين وحال دون وقوع الفتنة، حيث إنّ «الجميّل» الأب أيّد على الفور ما أقدمتْ عليه السلطة، وكذلك وقف موقفاً حازماً لمنع الإضراب الذي كان قد أعلن، وأيّده الرأي العامّ المسيحي في ذلك تأييداً قويّاً. وأنا حين اجتمعت بـ«بيار الجميّل» بعد ذلك، نبّهتُه إلى أنّ لي يداً في ذلك بالنسبة لما طرأ على الرأي العامّ المسيحي من تطوّر نتيجة لسياسة الانفتاح التي اتّبعتُها، فوافقني على ذلك كلّ الموافقة، والحقيقة أنّ الحادث الذي تعرّض له منزل فؤاد بطرس قد أسهم كثيراً بتبدّل موقف الرأي العامّ المسيحي، الذي لم تعدْ تستبدّ به الرغبة في معاودة الاقتتال.
وأنا، بعد عودتي من القاهرة، وحال وصولي إلى مطار بيروت، أعربت عن سروري بتعيين القائد الجديد، فكان لذلك تأثير طيّب.
- مع الرئيس السادات
وكنت قد توجّهتُ إلى القاهرة إثر مقابلتي للرئيس «سركيس»، وكان برفقتي في زيارتي العاصمة المصرية كلّ من «جميل كبّي» و«علي المملوك»، ومقابلتي مع الرئيس «السادات» جرتْ في «القناطر الخيرية»، واستمرّت ساعة ونصف الساعة، وكان حاضراً خلالها نائبه «حسني مبارك».
كان الحديث ودّيّاً وحميماً، والحقيقة أنّني كنت قد طلبتُ المقابلة قبل أسبوع، لكنّ السفير المصري أجابني، بعد المراجعة، بأنّ وقت الرئيس ضيّق عشية سفره إلى أميركا، وأنّه يفضّل أن يراني بعد عودته منها، لكنّه عاد في اليوم التالي وأخبرني أنّ الرئيس يرغب في مقابلتي قبل سفره، وهو أمر أخبرني به الرئيس «السادات» خلال اللقاء، حيث قال لي «كنت قد قلت للسفير إنّني سأقابلك بعد عودتي من الولايات المتّحدة، لكنّي عدتُ ووجدت أنّ من الأفضل أن نتبادل الرأي قبل ذهابي إلى هناك، رغم ضيق الوقت».
خلال المقابلة شعرت بأنّ «السادات» شديد التفاؤل بمقابلته المقبلة مع الرئيس الأميركي «جيمي كاتر»، قلت له إنّني بدوري متفائل، ومع هذا سألته «هل عندك ما يشير إلى هذا التفاؤل؟» قال «عندي ما نقَلَه إلى كارتر نفسه»، فأطلعتُ الرئيس «السادات» على المذكّرة التي كنت قد بعثتُ بها إلى وزير الخارجية الأميركية «سايروس فانس» خلال زيارته للبنان، فأبدى إعجاباً شديداً بها. بعد ذلك أخبرني الرئيس «السادات» أنّهم كانوا على وشك الاشتباك عسكرياً، مع إسرائيل، أخيراً، بسبب عدوانها في عملية حفر الآبار في خليج «السويس»، وأنّ البوارج والطائرات كانت وشيكة التصادم، لكنّ الرئيس «كارتر» تدخّل مؤكّداً أنّ المنطقة مصرية وستبقى مصرية، وأنّه – أي «كارتر» – لن يسمح بغير ذلك أبداً.
قال «السادات»، إنّه مصرّ على أن يلعب كلّ أوراقه مع الأميركيين؛ لأنّه يعتقد أنّ المفتاح لحلّ النزاع مع إسرائيل كله بيد أميركا، أمّا السوفيات فإنّهم مضطرّون إلى مجاراة واشنطن لا أكثر.
فيما يختصّ بلبنان، قال لي «أنور السادات»، كما سبق للرئيس اللبناني «إلياس سركيس» أن أكّده في خلال اجتماعي به قبل أيّام، أنّ السوريين هم الذين اغتالوا «كمال جنبلاط»، وأكّد «السادات» أنّه رغم كلّ الإشارات التي تنمّ عن رغبة السوريين في وضع اليد نهائياً على لبنان، فهو – أي «السادات» – لن يقبل بذلك، وكشف لي عن أنّه كان قد حذّر الرئيس «الأسد» قائلاً له، إنّ لبنان يجب أن يعود سيّدَ نفسه، في المقابل أخبره بأنّه يوافق على أي اتفاق سوري-أردني على الصعيد العسكري، وحتى على الصعيد السياسي إذا أراد «الأسد» ذلك، لكنّه لن يقبل المساس بلبنان، إلّا إذا رغب لبنان في ذلك بمطلق إرادته الحرّة... وبعد عودته إلى أوضاعه الطبيعية.
ويدرك الرئيس «السادات»، كما قال لي، أنّ المسلمين السُّنّة هم الذين خسروا أكثر من غيرهم من الفئات في لبنان، هذا العام. وللمناسبة، طلب «السادات» من نائبه «حسني مبارك» أن يبلغ السفير والسفارة في بيروت بضرورة التنسيق معي شخصياً في كلّ نشاطاتهم؛ لأنّه يعتبر أنّ صائب سلام هو أمل المسلمين والعرب الوحيد في لبنان. وفي الوقت نفسه حذّرني الرئيس «السادات» من خطر تعرّضي للاغتيال في لبنان، كما طلب منّي أن أبلغ التحذير نفسه إلى «سركيس»؛ لأنّ مَن اغتال «كمال جنبلاط» لن يتورّع عن اغتيال «إلياس سركيس» و«صائب سلام» من بعده. وطلب منّي الرئيس «السادات» أن أبلغ الرئيس سركيس أنّه يؤيّده كامل التأييد، محبّذاً تأييدي لدور الرئيس سركيس ولحكومته الحالية، وانفتاحي على المسيحيين عن طريق «بيار الجميّل». أمّا بالنسبة إلى «شمعون»، فإنّ الرئيس «السادات» يشاطرنا الاعتقاد بأنّه متّفق مع الإسرائيليين.
عندما انتهت المقابلة، وفي حين كان الرئيس السادات يودّعني، حذّرني مرّة أخرى من احتمال اغتيالي، وقال لي إنّني يجب أن أنتبه من السوريين.
- مناورات لتطبيق «اتفاق القاهرة»
مرّت الأسابيع التالية كما التي قبلها، دون أحداث كبيرة يمكن التوقّف عندها: مناورات سياسية وعدم استقرار في الصفّ الإسلامي، إمعان «المقاومة الفلسطينية» في الغرق في أوحال الوضع اللبناني، ازدياد استياء المواطنين... كلّ هذا في وقت راح فيه الجيش السوري يعزّز من وجوده في لبنان. وكان واضحاً أنّ سوريا باتت هي مركز الثقل في الواقع اللبناني. أمّا إسرائيل، فكانت تدخل على الخطّ بين الحين والآخر. وعلى الصعيد العربي، كانت الأوضاع بين شَدّ ومدّ، وكان واضحاً أنّ في الأفق أحداثاً كبيرة تنتظر الفرصة السانحة لتبرز. من ناحيتي، توزّعَ نشاطي بين «المقاصد»، و«التجمّع الإسلامي»، والاستجابة لصرخات الاستغاثة من المواطنين، وكنت أتشدّد أكثر وأكثر تجاه «أبو عمّار» وجماعته، لحرصي عليهم بقدر ما أحرص على «التجّمع» وعلى لبنان ككلّ، لكنّهم لم يشاؤوا أن يُصغوا إلى نصائحي.
وسط ذلك المناخ، تلقّيت دعوة لزيارة دمشق من جديد، والاجتماع بالرئيس «حافظ الأسد»، وكانت الزيارة الجديدة يوم 27 يونيو 1977، وهذه المرّة كان برفقتي النائب جميل كبي الذي كانت تلك هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها الرئيس الأسد. والحقيقة أنّ انطباع «الكبّي» عن الرئيس «الأسد» بعد انتهاء اللقاء فاجأني؛ لأنّه كان مغايراً لما يُجمع عليه الكثيرون. المهمّ، كان الاستقبال الذي بدأ، كالعادة، عند الحدود وصولاً إلى «قصر الضيافة» في دمشق، حاملاً أسمى آيات التكريم، وهو ما أرضاني، لكنّني في الوقت نفسه لم أرتحْ كثيراً لما لمستُه فيه من مبالغة؛ إذ أحسستُ أنّه ربّما كان هناك قدْر من سوء النيّة يُبيَّتُ لي؛ إذ إنّني كنت أنا الوحيد الذي لا أزال أجرؤ على الخروج عن سلطتهم وتوجيهاتهم في لبنان. بعد «قصر الضيافة» أخذونا إلى قصر الرئاسة، حيث اجتمعنا بالرئيس «الأسد»، الذي بعد الترحيب المعتاد والكلام اللطيف والسؤال عن العائلة وعن «تمّام» و«فيصل»، أخذ دفّة الحديث ليقول إنّه يصرّ على ضرورة تنفيذ المقاومة لحصّتها من «اتفاق القاهرة»، طالباً منّا نحن، أن نعلن مطالبنا بذلك ونصرّ عليها، قائلاً إنّه سيحاول الوصول إلى التنفيذ بالتفاهم... فإن لم يُجدِ، فسيكون من الضروري، عندئذٍ، اللجوء إلى القوّة!
كرّر الرئيس الأسد، وكذلك فعل السيد عبد الحليم خدّام، أنّهم ليسوا وراء رشيد كرامي فيما يدعو إليه من «جبهة عريضة»، بل إنّهم منزعجون في الحقيقة من علاقته بالشيوعيين و«جنبلاط» و«المرابطون». قلت لهما إنّ الصورة في لبنان هي خلاف ذلك، وخصوصاً بالنسبة للاتّصالات التي يقوم بها أشخاص مثل «كمال شاتيلا» و«عاصم قانصوه» من المحسوبين على سوريا بشكل أو بآخر.
مهما يكن، فإنّ الرئيس الأسد لم يُخفِ أمامنا أنّه بات أقلّ تفاؤلا اليوم منه حين قابل الرئيس الأميركي «جيمي كارتر»، بل إنّه بات يذهب في تحليله إلى أنّ إسرائيل تتمتّع اليوم بفرصة ذهبية لشنّ حرب جديدة واحتلال أراضٍ عربية أخرى لتضع العالم، من جديد، تجاه الأمر الواقع.
والحقيقة أنّ من يتابع الأمور والتطوّرات، وخصوصاً في أميركا، يلاحظ أنّ التفاؤل الذي كان قد أشاعه الرئيس «كارتر» قبل شهرين، قد أخذ ينقلب إلى شيء من التشاؤم بعد وصول مناحيم بيغن وأحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرّف إلى رئاسة الحكومة، وعلى ضوء الهجمة الصحافية وهجمة «الكونغرس» اللتين تجابهان الرئيس «كارتر» وحكومته، في هذا الصدد.
وكان الرئيس «السادات» قد وصف لي خلال زيارة قمت بها لمصر قبل أسابيع مقابلاته الخاصّة والعامّة مع «جيمي كارتر»، مؤكّداً أنّه اتفق وإيّاه على عقد «مؤتمر جنيف» والوصول إلى إقرار السلام قبل نهاية العام. ومع أنّ الرئيس «كارتر» أعلن عزمه على ذلك مرّة أخرى قبل أيّام، فإنّ من يتتبّع الأمور عن قرب يدرك جسامة المَصاعب والعقبات التي تواجه الرئيس الأميركي في «الكونغرس» والإعلام، كلما حاول أن يضغط على «إسرائيل وأن يفرض عليها شيئاً، وهذه ثابتة من ثوابت الوضع السياسي الأميركي. وأذكر هنا أنّني حين نجح «بيغن» وحزبه في الانتخابات الإسرائيلية ووصل اليمين المتطرّف إلى السلطة للمرّة الأولى، لاحظتُ ضخامة الحملة الإعلامية التي شُنّت ضدّه، فقلت لمن حولي «الله يجيرنا من هجمة صهيونية مضادّة». والواقع أنّ هذه الحملة ما لبثت أن بدأت، وبدا واضحاً أنّ «كارتر» سوف يكون ضحيّتها هو وكلّ أحلامه السلمية، اللهمّ إلّا إذا وجد في أوساط العرب تجاوباً معه يتمثّل في تنازلات إزاء تصلّب إسرائيل!
في أواخر يونيو، قابلتُ الرئيس سركيس، فوجدتُه قانطاً يائساً من إمكان قيامه بأي خطوة جدّية قبل حلّ قضيّة تنفيذ «اتفاق القاهرة»، ومع هذا فإنّه يعلّق بعض الأمل على نتائج الرحلة التي يقوم بها الوزير فؤاد بطرس للبلاد العربية (مصر، السعودية، الكويت) قائلاً، إنّ الأمير فهد بن عبد العزيز سيدعو إلى مؤتمر قمّة سداسيّ، يضع فيه المؤتمِرين أمام مسؤوليّاتهم، ويصرّ على الفلسطينيين لتنفيذ الاتفاقات المعقودة معهم.
أمل إلياس سركيس يكمن هنا فقط، أمّا المشكلة الأساسية فتكمن في المعارضة الشرسة التي يلقاها من قبل «الجبهة اللبنانية» ممثّلة بالرباعي «شمعون»/«فرنجيّة»/«الجميّل»/«قسّيس».
قبل يومين، كان قد تناول الغداء عندي سفير الولايات المتّحدة الأميركية «ريتشارد باركر» الذي أحضر لي معه النصّ الأصلي لبيان كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أصدرتْه في اليوم السابق، ولفتني في البيان أنّه يعيد إلينا شيئاً كثيراً من التفاؤل، بعد أن كانت الغيوم قد تلبّدت كثيراً، إثر هجوم الإعلام الصهيوني و«الكونغرس» على الرئيس جيمي كارتر.
بعد أيّام زارني أمين الجميّل برفقة المحامي عبد الحميد الأحدب، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي يجري فيها حديث طويل بيننا، وكان همّي الأوّل أن أدرس شخصيّته وأحدّد أهدافه وخلفياته وأستنتج إثر ذلك قيمته الحقيقية. كان مثل والده كثير الكلام، تكلَّم وحده أكثر من نصف ساعة وكان حديثه مزيجاً من الشرق ومن الغرب، المهمّ أنّني لاحظت أنّه متضايق مما يسمّيه «جبهة الكفور»، مستعملاً هذا الاسم بدل اسم «الجبهة اللبنانية»، وهذا الأمر كشف لي بالملموس واقع الخلافات التي كنّا نسمع عنها ولا نعرف لها تقييماً حقيقياً، وانتهى أمين الجميّل إلى اقتراحٍ يرمي إلى أن نضع اتفاقاً لمخطّطٍ مشترك نرسمه أنا ووالده بيار الجميّل، ونذهب به إلى رئيس الجمهورية لنعرضه عليه، ومع هذا قال أمين الجميّل، إنّ الآمال التي كانت معقودة على رئيس الجمهورية قد تبخّرت.
حدّثتُه عن إمكانية تفاهم مع الفلسطينيين لإنقاذ الجنوب ومنع الخطر عن كلّ لبنان، قال «إنهم كذابون!» قلت «لكنّهم اجتمعوا بأخيك بشير وبعدد من رفاقه الكتائبيين». قال «أخي بشير لا يفهم شيئاً، ولا يطلع منه شيء!» ولم أكن في حاجة إلى أكثر من هذا الدليل، حتى أتأكّد من الأخبار التي كانت لا تكفّ عن الحديث عن صراع عنيف بين الأخوين. بالنسبة إلى أمين الجميّل، لمستُ أنّ اختلاط كلّ الأمور في حديثه لا يجعله قادراً على أن يشكّل ثقلاً ليفاوض ويفاوَض. ولكن لا شك في أنّه استخدم مهارته لكي يرمي الطابة، في نهاية الأمر، في ملعبي، بحيث يمكنه في المستقبل أن يلقي اللوم علي قائلاً «لقد زرتك وحدّثتك بصراحة وطلبت منك المساهمة في وضع ورقة عمل لكنّك لم تفعل!». لذلك؛ وتحسّباً لهذه «الشطارة»، طلبتُ من عبد الحميد الأحدب، على حدة، أن يتّصل بمن يعرفهم في «الكتائب» من القوم المعتدلين والمنفتحين، من أمثال إبراهيم النجار، ليطلب منهم أن يضعوا، هم، ورقة العمل.
- قيادات المقاومة في الحضيض
في اليوم التالي زارني «أبو إياد» بعد طول جفوة وافتراق؛ إذ كنت لا أكفّ عن تحميله مسؤولية مساندة الشيوعيين و«المرابطون» في محاولاتهم لاقتحام منطقتنا، التي أوقفناها بعنف. مهما يكن، كنت أشعر بأنّ قيادات المقاومة في الحضيض، والوقت ليس وقت معاتبات، فأنا بعد كلّ شيء أحرص على القضيّة الفلسطينية من قيادات المقاومة نفسها. أخبرت «أبو إياد» بما جرى مع شمعون، وقلت له، إنّ هاني الحسن يلحّ علي بضرورة وصلهم بالقيادات المارونية، فرحّب بذلك كثيراً، لكنّه لم يصدّق أن كميل شمعون رضي بالاجتماع بـ«أبو عمّار»، هو الذي كان دائماً يصرّ على رفض ذلك، قلت له إنّ ما يجعلني أعتقد أنّ شمعون جادٌّ هذه المرّة فيما يقول هو أنّه أضاف لرفيق شاهين، الذي تولّى الوساطة بيننا، أنّني إذا وافقت على اقتراحه عليّ أن أخبره بذلك حتى يتدبّر الأمر مع أصحابه (ومع السوريين) كي لا يقوم هؤلاء بإفساد الأمر، معنى هذا أنّ «شمعون» يدرك أنّ هذا الأمر لا يروق السوريين!
عندما أشرتُ أمام «أبو إياد» إلى ما أعتقده من وجود خلافات وضروب منافسة بين قيادات المقاومة، وإلى انعدام الثقة بين هذه القيادات، وبـ«أبو عمّار» شخصياً، شاء «أبو إياد» أن يؤكّد لي تضامنهم فاقترح أن يبعث لي بالموافقة على هذه الخطوات مع «هاني الحسن» بالذات، علماً بأنّ الشائع هو أنّ الخلاف بين «هاني الحسن» و«أبو إياد» شخصياً على أشدّه، إلى درجة أنّ البعض عزا طلب زيارتي اليوم بالذات إلى ما رآه «أبو إياد» من تكرار زيارات «هاني الحسن» لي.
على أي حال، عاد هاني الحسن من دمشق بعد يومين، ليحدّثني فور زيارته لي عن لقاءاته بـ«ناجي جميل» و«محمد ناصيف»، ونقل إليّ معلومات تفيد بأنّ الأوضاع مضطربة في سوريا، وأنّ الوضع الاقتصادي متردٍّ، وقبل خروج «هاني الحسن» من عندي، وصل القاصد الرسولي (سفير الفاتيكان) فعرّفتُه إليه ورتّبتُ له موعدا لزيارته في الغد، ففرح بذلك كثيراً.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
TT

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)

ليس مفاجئاً أن مسار الانتخابات العامة في روسيا ونتائجها لم يحملا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية، فقد سارت الحملات بهدوء لافت، على الرغم من ضجيج الحرب وهيمنة تداعياتها وتأثيراتها المباشرة أو غير المباشرة، في كل مدينة وقرية روسية.

أما النتائج فقد بدت وكأنها رسمت بدقة لتعكس واقع الحال في بلد يواجه «حرباً كونية» ويخوض منذ خمس سنوات تقريباً أخطر منعطف في تاريخه المعاصر.

ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال غير مسبوقة في أي انتخابات، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مناسبة لتجديد الولاء بشكل كامل، ونيل التأييد لسياساته بعد مرور عامين فقط على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد، بنسب تأييد اقتربت من 90 في المائة وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

لكن الأهم من ذلك كله يبقى أن الحملة الانتخابية ونتائجها حملا رسائل عدة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وعكسا واقع الحال في روسيا حيث «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

لجان انتخابية تعمل على فرز الأصوات في نهاية انتخابات الـ«دوما» الروسية في منطقة بودولسك قرب موسكو (إ.ب.أ)

فوز كاسح... غير مفاجئ

على الرغم من غياب عنصر المفاجأة في نتائج الانتخابات، فإن الأرقام والنسب جاءت لافتة للأنظار، وهي لم تقتصر على حصيلة الحزب الحاكم الذي وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ؛ فبعدما كان يستحوذ على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً في البرلمان السابق، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة، بات الآن يسيطر على 350 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

بهذه الحصيلة حصد حزب السلطة رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأصغر التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

لكن هذه النسبة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ إذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها على حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خيارين: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات.

ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

واللافت أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق، ما دل على أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار، وقد حصل حزب «روسيا الموحدة» على نحو 57 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

ناخبون روس يدلون بأصواتهم من خلف الستارة في مركز اقتراع في ماريوبال - دونتسك (إ.ب.أ)

انتخابات تحت النار

جرت الانتخابات على مدار ثلاثة أيام، وشهد اليوم الثالث منها توتراً هائلاً بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات.

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق وخُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح».

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت أكثر من ألف موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت البنية التحتية للاتصالات في روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى ملتقى الثقافة في سان بطرسبرغ في روسيا (أ.ب)

رسائل بوتين

الأكيد أن الاستحقاق الانتخابي ونتائجه حملا رسائل تعمد الكرملين التركيز عليها في أكثر من مفصل. وهي وإن كانت تعكس في غالبيتها شأناً داخلياً، فإنها موجهة كما ظهر بالدرجة الأولى إلى الخارج.

أبرز تلك الرسائل تعلق بتأكيد استقرار الوضع الداخلي الروسي حتى في أحلك أوقات الحرب. ولا يقتصر الأمر هنا على تأكيد أن النظام السياسي راسخ وقوي، وينال رضا الجمهور الذي أقبل بكثافة على الانتخابات، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الآخر غير المعلن هنا، والمتعلق بفقدان النظام الأوكراني شرعيته وعدم قدرته على تجديد ثقة الناس به، نظراً لأن كييف كانت قد أجلت الاستحقاقات الانتخابية غير مرة، بما في ذلك انتخاب رئيس البلاد منذ أكثر من عامين بسبب حالة الطوارئ المعلنة في البلاد.

وهو أمر جادلت موسكو بشأنه طويلاً مع الأميركيين وغيرهم من الوسطاء، ورأت أن «النظام فقد شرعيته ولم يعد طرفاً يمكن إبرام اتفاقات سلام معه».

وعبّر بوتين عن ذلك بوضوح في خطاب إلى الأمة سبق الانتخابات، وأكد فيه حرصه على إنجاح الاستحقاق «في موعده الدستوري»، وأن البلاد تحافظ على احترام تجديد شرعية مؤسساتها الرئاسية (انتخابات 2024) والنيابية والمحلية في الانتخابات الحالية.

الرسالة الثانية تتعلق بتأكيد التفاف الشعب الروسي حول سياسات الكرملين. وهنا كان من المهم جداً أن تأتي النسب مرتفعة جداً، ليس فقط في مجلس الدوما بل وفي المقاطعات والأقاليم التي اختارت حكامها ومجالسها المحلية.

والخلاصة التي تنبثق من هنا مباشرة أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلام ورؤية الكرملين لأي شروط للتسوية المقبلة تحظى بإجماع روسي شبه كامل، وهذا أمر مهم لتعزيز مواقف بوتين أمام دعوات الانخراط في سلام «غير مقبول» شعبياً في الداخل الروسي.

أكثر من 500 عازف وعازفة يشاركون في احتفالية «موسيقى النصر» الوطنية إحياء لذكرى قائد النصر جورجي زوخوف في موسكو (إ.ب.أ)

أما الرسالة الثالثة فقد عكست واحداً من أبرز مستويات تأثير الحرب الجارية على واقع المجتمع. ومع القرارات الكثيرة التي وضعت الأولوية القصوى لدعم الجيش والقوات الرديفة المتمثلة بمئات الألوف من المتعاقدين المحاربين على خطوط النار، بما في ذلك عبر تقديم خدمات وتسهيلات غير مسبوقة في قطاعات عدة على رأسها القطاع المصرفي، حمل ترشيح مئات ممن سبق لهم القتال على الجبهات إلى مجلس الدوما وفوز 46 عضواً منهم في البرلمان الجديد إشارة مهمة إلى مستوى التأثير الحاصل للحرب في المجتمع. ما يعني أن واحداً من كل عشرة أعضاء تقريباً في البرلمان الجديد شارك مباشرة في العمليات القتالية، علماً بأن 41 من هؤلاء الفائزين رشحوا على قوائم الحزب الحاكم نفسه.

الرسالة الرابعة تمثلت في الغياب الكامل للمعارضة في مجتمع بات كتلة واحدة يذكر إلى حد كبير بالمجتمع السوفياتي الموالي تماماً أو الصامت تماماً عن التعبير السياسي. وهنا يجدر التذكير بأن المعارضة النشطة المتمثلة بأنصار المعارض الراحل أليكسي نافالني ومن بقي من الملتفين حول أفكاره هي ضعيفة أصلاً وغدت في الجزء الأعظم منها منفية خارج البلاد، بعدما حوصرت بسلسلة قوانين تتهمها بالإرهاب ودعم الأعداء ومساعي تفتيت الجبهة الداخلية. أما المعارضة «الرسمية» الضعيفة أيضاً والتي بقيت داخل البلاد، فقد مثلها حزب «يابلوكا» الليبرالي وهو الوحيد الذي أعلن معارضة الحرب في أوكرانيا، ومُنع بقرار قضائي من المشاركة في الانتخابات الحالية قبل حلول موعدها بأسابيع قليلة.

متطوع في حزب «الشعب الجديد» الروسي في افتتاح ملتقى مراقبي الانتخابات في موسكو (إ.ب.أ)

ثمة رسائل كثيرة أخرى، تتلخص بين عناصر كثيرة، في ثبات الاقتصاد الروسي وقدرته على تمويل انتخابات ناجحة برغم الضغوط الخارجية، وكذلك في انفكاك روسيا من فكرة الرقابة الغربية على استحقاقاتها الداخلية، وهنا كان ملاحظاً أن نحو 350 مراقباً أشرفوا على الانتخابات بينهم ممثلون عن 12 مؤسسة تابعة لهياكل موالية لروسيا في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

هل اختفت المعارضة؟

في هذا السياق تبدو المعارضة وكأنها غير موجودة، لكنها فاعلة خصوصاً خارج البلاد، ومن المفيد إلقاء نظرة على تعليقاتها المرتبطة بالانتخابات والحرب. فوفقاً لكاتبة معارضة بارزة، فإن «الأمر الوحيد الذي يمكن قوله عن الانتخابات دون مزيد من التوضيح أن حزب (روسيا الموحدة) حقق مرة أخرى ما بُني النظام الانتخابي الروسي برمته في السنوات الأخيرة من أجله: السيطرة، وحصد الأغلبية، والقدرة على تمرير أي قرارات يطلبها الكرملين عبر مجلس الدوما دون عوائق. وبهذا المعنى، لم تكن هناك مفاجآت».

معارضون للرئيس الروسي يتظاهرون أمام السفارة الروسية ببرلين في يوم الانتخابات (أ.ف.ب)

يعكس هذا الاختصار بوضوح المشهد من جانب معارضة تبدو هامشية وصغيرة لكن صوتها مسموع بقوة في أوروبا والعالم.

ومن بين مآخذ المعارضة أيضاً، أن الانتخابات لم تسمح بمناقشة برامج الأحزاب، أو تداول السلطة، أو التمثيل السياسي. بل «جرت خلال حرب لم تكن مجرد الحدث الأبرز في حياة البلاد، بل أصبحت نمط حياة الدولة. الحرب تُغيّر الميزانيات، وسوق العمل، والمدارس، والتلفزيون، والمحادثات العائلية، وقائمة الكلمات المحظورة، وبالطبع، عمل البرلمان القائم أساساً على تمرير القوانين التي تخدم الحرب فوراً، وتحويل أدنى معارضة إلى جريمة».

ووفقاً للمعارضين فإن هذه الآلة ستعمل الآن في ظروف قد لا تكفي فيها القرارات التقليدية المعتادة. بعد عام 2026، تتطلب الحرب أكثر من مجرد الكلمات المناسبة والخطابات الوطنية. إنها تتطلب المال، والبشر، والتعبئة المستمرة للمجتمع، حرفياً ومجازياً.

وكان موضوع مشاركة «أبطال الحرب» في الانتخابات عرضة أيضاً لانتقادات المعارضة، التي رصدت تحولاً ستكون له أبعاد اجتماعية كبيرة. ومع التذكير بتغيير مفهوم الامتيازات والتسهيلات الضخمة التي كان يحصل عليها «المحاربون القدامى» (الحرب العالمية) في السابق، لصالح نخبة جديدة من الذين احترفوا القتال للحصول على عائدات وامتيازات كبيرة، تحذر أوساط في روسيا حالياً من أن «من شاركوا في الحرب سيصبحون النخبة الروسية الجديدة، وأنهم سيحكمون المناطق، ويشغلون المناصب، ويسنون القوانين، ويعلمون الشباب، ويحلون عموماً محل التكنوقراط والبيروقراطيين».

أخيراً يحمل بعض المعارضين على «الأرقام الفلكية» التي حصدها بعض الشخصيات المقربة من الكرملين، مثل رئيس الشيشان رمضان قاديروف الذي حصل وفقاً للنتائج على نسبة 99.85 في المائة من أصوات الشيشانيين. يرى البعض أن هذه الحصيلة «لا تُشير في الواقع إلى الثقة. بل إنها نتيجة تدل على استحالة قياس الثقة. ولا تعكس شيئاً عن آراء الناس، أو ما إذا كانوا خائفين، أو ما إذا كانوا يدعمونه بالفعل».

عموماً فإن الاستحقاق الانتخابي الذي كان يفترض أن يكون داخلياً بامتياز وألا يعكس تأثيرات كبيرة على مجريات السياسة الخارجية، تحول بالفعل إلى مقياس جدي لمستوى تأثير الحرب الكبرى التي تواجهها روسيا على حياة الناس وقراراتهم، وهو بهذا المعنى تحول بالفعل كما قال بوتين قبل الانتخابات إلى استحقاق «حاسم» و«مصيري» قد تعكس نتائجه فضلاً عن الأبعاد السياسية، ملامح المجتمع الروسي لسنوات مقبلة.


الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.