زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

رئيس الحكومة الراحل ينتقد دور دمشق ويقول إنها لم تعالج الأمور بحكمة

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
TT

زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (1): صارحت حافظ الأسد بمآخذي على دور سوريا السياسي والعسكري في لبنان

صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام
صائب سلام في دمشق مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدام

تنشر «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم ثلاث حلقات من مذكرات رئيس الحكومة اللبناني الراحل صائب سلام تغطي مراحل مهمة من فصول الأزمة اللبنانية، من دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 إلى الغزو الإسرائيلي للجنوب ومناطق واسعة وصولاً إلى بيروت سنة 1982 وما رافق ذلك من أدوار لعبها سلام كأحد أبرز زعماء الطائفة السنية، ومحاولاته لتقريب وجهات النظر والحرص على التوافق الإسلامي - المسيحي والمحافظة على موقع لبنان كبلد مستقل خارج الصراعات.
ويلفت في مذكرات صائب سلام حرصه على التدوين شبه اليومي لوقائع الأحداث واللقاءات والاجتماعات التي شارك فيها وصراحته المتناهية في تقييم القادة والسياسيين العرب واللبنانيين الذين التقاهم وتعاطى معهم.
وتصدر المذكرات في ثلاثة أجزاء عن دار نشر «هاشيت أنطوان»، وستكون متوافرة في مكتبات لبنان ابتداءً من 28 يونيو (حزيران) وعلى موقع «أنطوان أونلاين».
وفي هذه الحلقة يعرض سلام ما رافق انتخاب الرئيس إلياس سركيس ودخول القوات السورية واتصالاته في تلك الفترة مع الرئيس حافظ الأسد ومع قيادات لبنانية وفلسطينية.

مع كمال جنبلاط

يوم الاثنين 10 مايو (أيار) من عام 1976، أي بعد انتخاب إلياس سركيس مباشرة، اجتمع عندي النوّاب ريمون إدّه، إميل روحانا صقر، جميل كبّي، محمد يوسف بيضون، ميخائيل الضاهر، حسين الحسيني، حسن الرفاعي، ألبير منصور الذين كانوا قد قاطعوا الانتخابات، وبعد المداولة أصدرنا بياناً هادئاً ومختصراً جداً يدعو إلى التريّث، ولقد لفت النظر يومها أنّ ريمون إدّه أخذ الخسارة بروح طيّبة جداً، وبدا أقلّ تأثّراً من غيره بما حدث. بعد يومين عقدنا اجتماعاً جديداً، تبيّنَ لنا فيه أنّ «التريّث» لا يزال هو الموقف الصحيح، فأصدرنا بياناً جديداً يدعو إليه، ولكن يوم الاثنين التالي، قرّرنا أن نصعّد بعض الشيء، فاجتمعنا وأصدرنا بياناً نحذّر فيه من «استمرار المؤامرة» ونحمّل فيه المسؤولية لـ«أصحابها»؛ وذلك لأنّ الناس بدأت تضجّ من عدم التقدّم بأي خطوة منذ انتخاب سركيس، علماً بأنّ الشعور العامّ الذي ساد بعد انتخابه – رغم المرارة والقهر – كان فيه أمل بالانفراج.
في تلك الآونة، شعر «أبو عمّار» ورفاقه في المقاومة بضيقٍ شديد، فطلبوا عقد قمّة في عرمون، وتقرّر إيفاد السيّد موسى الصدر إلى دمشق في محاولة لإبلاغ السوريين مشاعر القلق التي تعترينا من جرّاء تدخّلهم العسكري، ولا سيّما بسبب ما حصل في طرابلس. وعند نهاية اجتماع القمّة المذكورة، جرت مشادّة بيني وبين المفتي الشيخ حسن خالد، كنت فيها شديد القسوة عليه، خصوصاً أنّني كنت متألّماً من موقفه (وموقف كرامي) المتملّق لسوريا، وعند المشادّة انسحبتُ من الاجتماع؛ الأمر الذي كان له ضجّة كبيرة في الصحف ولدى الرأي العامّ. وكان لموقفي تأييدٌ واسع عند المسلمين الذين قالوا لي إنّهم يشعرون من جديد بأنّني أحافظ على كرامتهم. ووصل الأمر إلى أنّ أسامة فاخوري وغيره من الذين يحقدون عليّ، لم يتمالكوا أنفسهم من الاتّصال بي هاتفياً لتهنئتي على موقفي!

قوات سوريا في بيروت في نوفمبر 1976 (غيتي)

بعد عودة موسى الصدر من دمشق، عقد أعيان قمّة عرمون اجتماعاً آخر آثرت ألّا أحضره، عند ذلك زارني هاني الحسن موفداً من قبل «أبو عمّار»، يرجوني الحضور، فتمنّعت وهو ما زاد من تحبيذ موقفي عند الجميع، بينما ازدادت نقمة الشارع الإسلامي على المفتي وعلى رشيد كرامي.
وعطفاً على موقفي، أسرع شبابنا في «المقاومة الشعبية – روّاد الإصلاح» إلى إعادة قطَع السلاح التي كان الرئيس حافظ الأسد قد أهداها إلينا، وذلك بعد أن طالبتْنا قوّات «الصاعقة» بإعادتها!
بعد ذلك تلقيتُ دعوة أخرى من «أبو عمّار» لملاقاته في عرمون، حيث سيحضر من دمشق مباشرة برفقة عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الثاني بعد القذّافي، فأجبتُ بأنّني حاضر للاجتماع بهما متى أرادا، ولكن ليس في عرمون، فأنا منسحب مما يسمّى «قمّة عرمون». المهمّ، اجتمع جلّود بكرامي واليافي عند المفتي، كما اجتمع بجنبلاط والأحزاب، وبعد ذلك توجّه إلى بغداد. والحقيقة، أنّ زيارة جلّود للبنان أحدثتْ ضجّة كبيرة، حيث إنّ الناس أملوا منها خيراً. لكن ذلك كله سرعان ما ذهب أدراج الرياح؛ إذ إنّ جلّود نفسه أعلن قبل مغادرته بيروت، أنّ زيارته لم تكن للوساطة، حيث إنّه وليبيا، يؤيّدان المقاومة والحركة الوطنية، لذلك فهما طرف!
في تلك الأثناء كان قد عُقد اجتماع بين الرئيس إلياس سركيس وكمال جنبلاط بوساطة من المقاومة، وفي حضور «أبو عمّار» و«أبو إياد»، وكان قد جاءني باسل عقل، من قبَل «أبو إياد»، يسألني ما إن كنت أوافق على الاجتماع بإلياس سركيس بوساطتهم، فأجبتُه بأنّني أقبل ذلك ولكن بتحفّظ، أولاً لأنّني لا أوافق على أن يكون الاجتماع سرّياً، كما جرى مع جنبلاط، الذي سرعان ما انفضح اجتماعه بسركيس فأدّى ذلك إلى توجيه الانتقاد إليه من قِبل الأكثرية، وأنا طول عمري كنت ولا أزال ضدّ الاجتماعات السرّية، وخصوصاً أنّ ما من سرٍّ يمكن أن يبقى سرّاً في لبنان، فهو ينكشف على الفور، وحين ينكشف تكون النتيجة غير مُرضية. وبعد ذلك قلتُ إنّني أربط اجتماعي بسركيس باجتماعه بإدّه، إذا كان راغباً في ذلك، وقلت له إنّني على أي حال أحبّ أن أستشير بعض الزملاء والنوّاب قبل الموافقة النهائية على الاجتماع، وأصررتُ، على أي حال، على أنّ الغاية من الاجتماع يجب أن تكون المصارحة الكاملة، وأنّ ذلك يجب أن يكون مفهوماً. بعد ذلك خابرني باسل عقل يسألني ماذا جَدَّ في الأمر، فقلت إنّني أؤكّد استعدادي بعد مشاورة زملائي في «الجبهة النيابية»، فراجع «أبو إياد» مصادره، ثمّ أبلغني بأنّهم سيرتّبون اللقاء خلال 48 ساعة.

صائب سلام في اجتماع مع الرئيس اللبناني الأسبق إلياس سركيس

- الجيش السوري في لبنان
في الأول من يونيو 1976، انجلت الأمور عبر أحداث يومٍ تاريخي حقاً! ففي ذلك اليوم حدث ما كان يتوقّعه الكثيرون ويعتبرونه التتمّة المنطقية لما كان يحدث: فقد دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية من الشمال ومن الشرق تحت ذريعة حماية المسيحيين... وفي زحلة (بقاعاً) والقبيّات (شمالاً). والحال أنّ الكثيرين من المراقبين كانوا يتساءلون قبل ذلك بأيّام عن السرّ الكامن وراء عنف الأحداث من حول زحلة والقبيّات. وهكذا، بدلاً من أن تسوّى الأمور بحكمة من قبَل السوريين الذين كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك من دون تدخّل عسكري كبير، ها هي الأمور تؤدّي إلى ذلك التدخّل. مهما يكن، على الرغم من أن أطرافاً إسلامية وفلسطينية عديدة كانت تنظر بعين الخشية إلى تزايد التدخّل السوري خلال الأشهر الأخيرة، معتبرة إيّاه مقدّمة لوجودٍ عسكري كثيف، فإنّ الأوضاع اليائسة أودت بالناس إلى تمنّي مجيء أي جيوش لتوقف المجزرة الجماعية، ولتحقق الخلاص. والسؤال اليوم، بعدما حدث ما حدث، هل يكون الخلاص على يد الجيش السوري، أم تتفاقم الأمور في لبنان، وبعد ذلك في سوريا كما يقول بعض الذين يتحدّثون عن وجود مؤامرة أميركية - دولية، تستهدف تمزيق لبنان، ومن ثمّ توريط السوريين لتمزيق سوريا أيضاً؟
عندما صار دخول الجيش السوري حقيقة واقعة، عقَدَ كمال جنبلاط والمقاومة اجتماعات عديدة، وأصدروا العديد من البيانات العنيفة والتصعيدية مع تهديد بالتصادم والمجابهة.
كانت أيّاماً عصيبة تلك التي تلتْ دخول القوّات السورية، حيث تلاحقت الأحداث العسكرية والسياسية بشكل يقطع الأنفاس، وبدت «المقاومة الفلسطينية» مجبرة على خوض العديد من المعارك، سواء أكان ذلك على الجبهة مع السوريين، أم مع «الكتائب» وحلفائهم. غير أنّ ضراوة المعركة وطابعها المصيري لم يوقفا المقاومة عن العديد من التصرّفات التي تثير شكوى الناس. ويبدو أنّ أركان المقاومة شعروا بما يشكو منه الناس وما أشكو منه أنا من تصرّفاتهم، فجاءني «أبو اللطف» برفقة باسل عقل، وكان بيننا حديث طويل، حاول «أبو اللطف» فيه تبرير تصرّفاتهم، فكنت صريحا معه بإيضاح بعض مآخذي، ولا سيّما إهمالهم مشاعر المسلمين الذين هم الأرضية الصلبة التي يجب أن يرتكز عليها الفلسطينيون، ومع هذا، أفهمتُ «أبو اللطف» أنّنا باقون معهم بكلّ إمكاناتنا رغم ما نلقاه منهم؛ لأنّنا نعتبر أنفسنا أصحاب القضيّة مثلهم، ولا نعتبر أننا مثل أولئك الذين يلتفّون حولهم لمنافع سياسية مؤقتة.
جاءني عصام العرب ورفاقه، وهم من المحسوبين على ليبيا، ليبلغ تمّام أنّ عبد السلام جلّود، المسؤول الليبي الذي كان يزور بيروت في ذلك الحين، يرغب في الاجتماع بي مع رؤساء الوزارات وبعض الشخصيات، فأبلغه تمّام اعتذاري عن ذلك. في الساعة الرابعة من اليوم نفسه جاءني رسول من المقاومة ليبلغني، هو الآخر، أنّ جلّود يصرّ على الاجتماع بي في غرفة العمليات، فاعتذرتُ مرّة أخرى، فجاء رسول ثالث، ليقول لي إنّ جلّود سينتظرني في مقرّ الدائرة السياسية للمقاومة فاعتذرت مرّة ثالثة. وقد اعتذرت كلّ تلك المرّات حفاظاً على كرامتي تجاه جلّود وتجاه المقاومة. هذا بينما رشيد كرامي، وهو رئيس الحكومة، أتى عند عصام العرب ليجتمع بجلّود في حضور عبد الله اليافي وعدنان الحكيم ومحمد قبّاني. ويبدو أنّ اعتذاري المتكرّر كان له مفعوله لدى جلّود؛ إذ ما إن حلّت الساعة الثامنة مساءً، حتى وجدتُه يدخل علي في بيتي ومعه «أبو إياد» و«أبو اللطف»، دون سابق إعلام.
كان الحديث مع جلّود مستفيضاً، وأنا قدّرت له ولغيره غيرتهم ومساعيهم؛ إذ إنّه – والحقُّ يقال، مهما كانت دوافعه – كان العربي الوحيد الذي أبدى مثل ذلك الاهتمام وبذل مثل ذلك الجهد بالنسبة إلى الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان في تلك الآونة. من جهتي، نبّهتُه إلى ما اعتدتُ أن أنبّه إليه أركان المقاومة، من ضرورة عدم إهمال المجتمع الإسلامي في لبنان. ثمّ شرحتُ له تفاصيل ما دار بين الرئيس السوري حافظ الأسد وبيني من أحاديث. وصارحت جلّود بأنّني مقتنع الآن بأنّني كنت على غشاوة حين اعتقدتُ صحّة كلّ ما قاله لي الرئيس الأسد، وما زلت على هذه الغشاوة حتى الآن؛ إذ إنّني لا أريد أن أفقد إيماني بحسن نواياه تجاه لبنان. وأحببت أن أُفهم جلّود أنّ انهيار «منظمة الصاعقة» في بيروت كان نتيجة للنقمة الإسلامية العارمة والموقف الصلب الذي وقفناه تجاهها، وطالبتُ جلّود بأن يحاول، إن استطاع، اجتذاب الكتائبيين بفصلهم عن سليمان فرنجيّة وكميل شمعون المساندَين لكلّ أنواع الإجرام، قائلاً له «إن هذه هي خطتي الأساسية التي أتّبعها على الرغم من كلّ ما صدر عن الكتائبيين من وحشية وعنف وإجرام».
- الاجتياح السوري الجديد
ما كدنا نطمئنّ إلى بعض التفاؤل، حتى أتتنا الأنباء متوالية تتحدّث عن اجتياح سوري جديد في منطقة جزّين – صيدا، ومنطقة بعبدا – شانيه عاليه، ولقد ولّد ذلك قلقاً كبيراً عند الكثيرين. طبعاً هذه المرّة لم تكن ردّة فعل المسلمين مماثلة لردّة فعلهم السابقة، يوم دخل الجيش السوري لأول مرّة في يونيو. فالظروف كانت قد تبدّلت كثيراً، ونقمة المسلمين تفاقمت ضدّ المقاومة، بالنسبة إلى الممارسات غير المحمولة، وبالنسبة إلى المساندة المستمرّة التي يلقاها جنبلاط والشيوعيون من هذه المقاومة. إنّ المسلمين يشكون مُرّ الشكوى من الفلسطينيين وعلى الصعد كافة؛ لذلك لا يمكنهم أن يقيسوا ذلك بما يمكن أن يلاقوه على أيدي السوريين، ما دام هذا لم يحصل بعد!
مهما يكن، فإنّ خطة السوريين لم تتوضّح بعد، هل تراهم سيقومون بعمليات محدودة في الجنوب والجبل، أم أنّ ما يقومون به ليس سوى خطوة نحو احتلال شامل للبنان؟ على كلٍّ، هذه المرّة – كما أشرت – لم تصدر ردود فعل عنيفة ضدّهم، بل ولا حتى ردّات فعل عادية. وأنا بدوري لم أتكلم! فمن جهة «أبو عمّار» وجماعته كفّوا عن الاتّصال بي منذ أسبوع على رغم اتّصالي الدائم بهم، ومن جهة أخرى ها هم قد مضوا في تنفيذ خطّتهم مع «المجلس السياسي» و«الإدارة المدنية» و«الأمن الشعبي» في بيروت على رغم امتناعي عن إصدار البيان، وعلى الرغم مما شرحتُه لـ«أبو عمّار» عن الضرر الذي يخشاه أهل بيروت من تسليم شؤونهم لهذا المجلس الذي يسيطر عليه الشيوعيون، وخصوصاً في نواحي الأمن والأمور المعيشية (طحين ومحروقات وغيرها) وفي إدارة المدارس. فالأمن عند من يطلق عليهم اسم «الإدارة المدنية»، يتسلّمه صورياً سنان براج، ولكن وراءهفي الحقيقة ثلاثة شيوعيين حتماً، وهم: إسبر بيطار، «طانيوس» و«كميل». وإدارة التربية كذلك، والدعاية أيضاً، ومن وراء هذا كله أقدَر الشيوعيين، الأمين العام محسن إبراهيم الذي أطلق عليه اسم «ميني بريجنيف»!
- قمة سداسية في الرياض
اتّصل بي علي الشاعر هاتفياً ليبلغني أنّه قد جرى اتفاق على عقد قمّة سداسية في السعودية يحضرها الملك خالد، الأمير الكويتي الشيخ صباح السالم الصباح، الرئيس المصري أنور السادات، الرئيس السوري حافظ الأسد، الرئيس اللبناني إلياس سركيس و«أبو عمّار»، على أن يحاط عقد القمّة بتكتّم شديد. أنا، لمعرفتي بالخبرة، أنّ السرّية في مثل هذه الأمور مستحيلة، أوصلتُ الخبر لبعض أعضاء «الجبهة» وغيرهم! ولم يخبْ تقديري على أي حال، إذ بعد أقلّ من نصف ساعة كان راديو «مونتي كارلو» يذيع الخبر نقلاً عن نيويورك، كما أذاعه راديو «الكتائب» في الوقت نفسه نقلاً عن بيار الجميّل، نقلاً عن إلياس سركيس...
حاولت أن أساعد رشيد كرامي في توجّهه إلى السعودية، بعد أن علمتُ أنّ إلياس سركيس طلب منه مرافقته. كان على كرامي، لكي يتوجّه إلى السعودية، أن يصل أولاً إلى دمشق، لكنّه لم يكن راغباً في أن يخاطر عابراً الطريق إلى العاصمة السورية. هاتفت الشاعر فعلمت منه أنّه سيذهب إلى بعبدا ومن هناك سيرافق سركيس إلى السعودية. اتّصلت بكرامي أغريه بأن يذهب معه فرفض خشية خطر الطريق، إثر ذلك علمت من «أبو عمّار» أنّ طريق مرجعيون سالكة، فهاتفت كرامي مرّة أخرى، فتمنّع قائلاً، إنّ سركيس والسوريين أبلغوه أنّ الطريق خطرة!
ولأول مرّة منذ عشرة أيّام هتفت لياسر عرفات؛ إذ وجدتُ أنّ من غير المناسب في ظروفهم الحالية، وبعد زيارة هاني الحسن لي قبل يوم، وبعد الإعلان عن عقد «قمّة الرياض»، من غير المناسب ألّا أتّصل بالزعيم الفلسطيني قبل سفره، فأشجّعه وأطلب له التوفيق. شعرت على الفور بأنّ مكالمتي كانت بالنسبة إليه أشبه بهبَة من السماء، وكانت مجاملته لي أكثر من المعقول!
على الرغم من انعقاد «قمّة الرياض»، وإشاعتها جوّاً عارماً من التفاؤل، سرعان ما تفاقمت الأمور بعد أيّام قليلة وبشكل أشدّ خطورة وسوءاً من أي وقت مضى، إذ بين يومي 20 و21 أكتوبر (تشرين الأول)، أمضت بيروت أشدّ أيّامها هولاً، بسبب قصف عشوائي يشتدّ حيناً ثمّ يخفّ ويهدأ ليلاً ساعات قليلة لسبب مجهول، ثمّ يشتدّ بصورة مخيفة. قدّر البعض عدد القذائف التي هطلت على جانبَي بيروت بأكثر من خمسة آلاف قذيفة خلال اليومين الأخيرين. أمّا القتلى فتساقطوا بالعشرات والجرحى بالمئات. اتّصلتُ مراراً ببيار الجميّل وبياسر عرفات، وبغيرهما طبعاً، وكنت أحاول أن أحثّ الجميع، وخصوصاً زعيم «الكتائب» وزعيم «المقاومة الفلسطينية»، على التعاون في سبيل إيقاف تلك المجازر المرعبة. وأعتقد أنّني كنت الوحيد الذي يمكنه أن يتّصل بالفريقين معاً. يوم الخميس 21 أكتوبر كنّا قد أمضينا ليلتين في الطابق الأسفل أو الأوسط، وبدا لنا لبعض الوقت أنّ الجحيم الذي فُتح لن يهدأ أبداً. ولكن اعتباراً من يوم الأحد التالي، بدأت نتائج «مؤتمر الرياض» تلوح ميدانياً، فهدأ القصف إلى حدٍّ ما... وساد الأمل في أن يكون وقف النار الجزئي والنسبي الذي ساد في ذلك اليوم، نهائيا هذه المرّة.
مهما يكن، فإنّنا سرعان ما عدنا إلى عيشنا الروتيني، أنا بتّ لا أخرج من الدار إلّا نادراً، ودائماً يرافقني مسلّحون في سيّارة أمامي، وآخرون في سيّارة جيب تسير خلف سيّارتي. ولولا اضطراري إلى المشاركة في اجتماعات «جبهة الاتّحاد الوطني» و«التجمّع الإسلامي» لما كان من شأني أن أخرج أبداً.
- اغتيال كمال جنبلاط وارتداداته
في السادس عشر من مارس (آذار) 1977، اغتيل كمال جنبلاط على طريق المختارة في منطقة الشوف، وكان لذلك الاغتيال رجّة كبيرة في طول لبنان وعرضه، وقد حصلت من قِبل أهل الشوف الدروز ردّة فعل فورية غاضبة، ذهب ضحيّتها أكثر من مائة شوفي مسيحي، ولا سيّما في قرية مزرعة الشوف القريبة من المختارة.
كان واضحاً أنّ البلد مقبل على فتنة كبيرة، قد تكون أكبر من أي فتنة أخرى عرفها، وذلك بسبب مكانة جنبلاط في لبنان، وبسبب تعقّد الظروف اللبنانية، وخصوصاً بسبب الغموض الذي أحاط بالجريمة وجعل محاسبة أي كان عليها بديلاً من محاسبة المسؤولين الحقيقيين عنها. ولئن كان «شمعون» والشمعونيون تعمّدوا إذكاء نار الفتنة، عبر تحريض المسيحيين على إبداء ردود فعل مضادّة على ما حدث لمسيحيي الشوف، فإنّني من جهتي سارعتُ إلى التعاون مع «حزب الكتائب» في محاولة منّا لوأد نار الفتنة، قد نجحنا في ذلك إلى الحدّ الأبعد، وخصوصاً أنّ وليد جنبلاط نجل الزعيم الراحل تبدّى على الفور عاقلاً وحكيماً، وقرّر أن يدفن والده في اليوم التالي مباشرة، بعد أن كانت أحزاب «الحركة الوطنية» قرّرت تأجيل الدفن حتى يوم الأحد تأجيجاً لردود الفعل.
لقد رحل «كمال جنبلاط»، ورحيله أحزننا جميعاً وجعلنا نأسف أسفاً شديداً، في الوقت نفسه الذي دعونا فيه إلى الهدوء والتعقّل، وكانت دعوتنا لذلك قد انطلقت منذ ليلة الاغتيال.
رحل «كمال جنبلاط»، هذا الزعيم الذي لم يكن – في نظري كما في نظر الكثيرين – شخصاً عادياً، بل كان «ظاهرة» إنسانية، إنّه أكبر زعيم قبيلة وأهمّ إقطاعي في لبنان، ومع هذا فإنّه ينادي بالديمقراطية ويرأس حزباً اشتراكياً، هو ينتمي روحياً إلى الدروز – كما يحبّ أن يقول – لكنّه في الوقت نفسه يعلن إسلامه، وهو زعيم إقليمي شوفي ودرزي، ومع هذا نراه ينادي بوحدة لبنان، وبوحدة العرب، ووحدة الإنسانية كلها. إنّه مزيج من التناقضات التي لم يكن ليرفّ له جفن وهو يمارسها جميعاً، متقلّب في مواقفه وسياسته بين يوم وآخر، أفليس هو حامل جائزة «لينين» السوفياتية، في الوقت نفسه الذي يقال عنه فيه إنّه يتبع توجيهات الأميركيين الذين يشتمهم علناً؟
من ناحية الحسابات السياسية البحتة التي كان لا بدّ من أن ترِدَ إلى خاطري رغم فداحة الحدث، كان من الواضح لدي أنّ مقتل كمال جنبلاط وغيابه عن الساحة اللبنانية، سوف يؤدّي مباشرة إلى إضعاف مكانة كميل شمعون، وعلى هامش هذا الواقع طالب إخواننا في «التجمّع الإسلامي» بضرورة أن نتصلّب منذ الآن في مواقفنا، بعد أن كنّا نمثّل نوعاً من الاعتدال بين تطرّف كمال جنبلاط من جهة، وتطرّف كميل شمعون من جهة ثانية، وكنتُ أرى عكس هذا تماماً؛ لذلك رحتُ أقول بضرورة مضاعفة الانفتاح على المسيحيين لكسب المعتدلين وإحراج من يدّعون الاعتدال (وعلى رأس هؤلاء وأولئك «بيار الجميّل» في تناقضاته هو الآخر)، للتعاون على إضعاف شمعون.
في خضمّ ذلك كلّه، كان لا بدّ من طرح السؤال الأساسي: من قتل كمال جنبلاط؟
منذ سنة، وفي عزّ الأوقات العصيبة واشتداد المحنة، كنتُ لا أكفّ عن القول إنّه عندما يهدأ الأمن ظاهراً، ستكون هناك تفجيرات خفيّة، واغتيالات عديدة، والحقيقة أنّنا، منذ هدأت الأحوال نسبياً، كنّا نسمع بين الحين والآخر أسماءَ تتردّد على شفاه العالمين بالأمور، على أساس أنّها مُعرّضة للاغتيال. وكان في مقدّمة تلك الأسماء اسم «ريمون إدّه» واسمي واسم «كمال جنبلاط» واسم «كميل شمعون»، ولكن كان من الواضح لدينا أنّ ترداد الأسماء يهدف أوّلَ ما يهدف إلى إثارة الفتنة والبلبلة. ومع هذا لم أفاجأ أبداً حين جرت محاولات لاغتيال «ريمون إدّه»... الذي كان عمره طويلاً فنجا دائماً من تلك المحاولات. وكذلك لم تفاجئني قذيفة مدفع الهاون التي استهدفت «كميل شمعون» وأخفقت في قتله، والآن لا أحسّ أنّ اغتيال «كمال جنبلاط» كان مفاجأة لي. السؤال الآن: مَن صاحب الاسم التالي على اللائحة؟
غير أنّ هذا السؤال لم يحجب السؤال الآخر، الأساسي: مَن قتل جنبلاط؟
قال البعض، إنّ اغتيال جنبلاط قد نتج من ثارات شخصية...
وقال آخرون، إنّ القتلة عملاء لإسرائيل...
وقال فريق ثالث، إنّ اغتيال «جنبلاط» يقف وراءهالسوريون...
فإلى أي فريق، يا تُرى، يجب أن تتّجه ظنوننا؟
مهما كانت هويّة القاتلين وهويّة محرّضيهم، فإنّ شعور معظم الناس كان الأسف لرحيل رجل من طينة «كمال جنبلاط»، ولكن لم يخلُ الأمر من كثيرين شعروا بالراحة إزاء التخلّص من «جنبلاط»، وهؤلاء لم يكونوا في صفوف المسيحيين وحدهم، بل كان بينهم مسلمون ودروز أيضاً!
- زيارة الأسد والسادات
قبل اغتيال «كمال جنبلاط»، كنت عازماً على التوجّه إلى مصر لمقابلة الرئيس أنور السادات، بعد أن تأخّرَ الجواب الذي كنت أنتظره من سوريا بصدد مقابلة طلبتُها مع الرئيس «حافظ الأسد»، وكنت أوَدّ أن تتمّ قبل زيارتي إلى السعودية، ولكن فجأة، وفيما كنت أستعدّ للسفر إلى مصر، وصلتني برقيّة من السيد «عبد الحليم خدّام» تفيد بأنّ الرئيس «الأسد» سوف يستقبلنا في العاصمة السورية يوم السبت في التاسع عشر من مارس.
- الاجتماع مع حافظ الأسد
توجّهتُ إلى دمشق في الموعد المضروب، وكان الاستقبال كالعادة، لائقاً، تواكبه دراجات نارية وشرطة ووزير الرئاسة «أديب ملحم»، عند نقطة الحدود.
دام الاجتماع بين الرئيس «الأسد» وبيني ثلاث ساعات، من منتصف النهار حتى الثالثة بعد الظهر، وكان بحضور فيصل سلام. ظاهر الحديث كان ودّيّاً للغاية، ولكن لأنّ قلب المؤمن دليله، لم أشعر بأنّ ثمّة صفاءً حقيقياً خلف ذلك الودّ، وخصوصاً أنّ كمال جنبلاط كان لا يزال طريّاً في ذهني وأحاسيسي.
كالعادة، كنت صريحاً مع الرئيس الأسد، فشرحت له كلّ مآخذي على تصرّفاتهم في لبنان، عسكرياً وسياسياً، فلم يتوانَ عن أن يقول لي إنّه يأخذ ذلك في الاعتبار... ومع هذا داخَلَني شعور بأنّه يتصرّف الآن انطلاقاً من الواقع الجديد، أي إحساسه بأنّه أغرَقَ الجيش السوري في الرمال المتحرّكة اللبنانية، وأنّ ذلك يُشعره بالقلق، ويزيد بالتالي من تصلّبه.
بعد زيارتي للرئيس «الأسد»، كان عليّ أن أزور مصر لألتقي الرئيس «السادات»، بعد عشرة أيّام على زيارتي الدمشقية، ولأهمّية زيارتي للقاهرة، وجدت أنّ من الضروري أن أزور الرئيس «إلياس سركيس» وأقابله عشيّة تلك الزيارة، فتوجّهتُ إليه.
أذكر أنّ لقائي بالرئيس سركيس كان بعد ظهر السبت، وكان من المفترض أن يجتمع مجلس الوزراء يوم الاثنين، وفي أهمّ جدول أعماله تعيين قائدٍ جديد للجيش. ويوم الاثنين كنت أنا قد وصلت إلى القاهرة، وهناك صباحاً علمت بحادث الاعتداء الفظيع الذي تعرّض له منزل وزير الدفاع فؤاد بطرس، وكان من الواضح أنّ مسؤولية الاعتداء تقع على كميل شمعون وبشير الجميّل. شعرت بأنّ هذا الإرهاب غايتُه إخضاع رئيس البلاد، ولو خضع هذا للإرهاب لأنهار لبنان، والحقيقة أنّ السلطة برئاسة سركيس لم تخضع للإرهاب، بل إنّها بدلا من ذلك قرّبتْ موعد انعقاد الجلسة الحكومية من بعد الظهر إلى قبل الظهر، وأعلنتْ إعفاء حنّا سعيد من منصبه كقائد للجيش، معيّنة مكانه فكتور خوري. على الفور، حاول كميل شمعون وبشير الجميّل إقامة الدنيا وعدم إقعادها، وساندهم سليمان فرنجيّة في ذلك، لكنّ موقف بيار الجميّل حسم أمر الكتائبيين وحال دون وقوع الفتنة، حيث إنّ «الجميّل» الأب أيّد على الفور ما أقدمتْ عليه السلطة، وكذلك وقف موقفاً حازماً لمنع الإضراب الذي كان قد أعلن، وأيّده الرأي العامّ المسيحي في ذلك تأييداً قويّاً. وأنا حين اجتمعت بـ«بيار الجميّل» بعد ذلك، نبّهتُه إلى أنّ لي يداً في ذلك بالنسبة لما طرأ على الرأي العامّ المسيحي من تطوّر نتيجة لسياسة الانفتاح التي اتّبعتُها، فوافقني على ذلك كلّ الموافقة، والحقيقة أنّ الحادث الذي تعرّض له منزل فؤاد بطرس قد أسهم كثيراً بتبدّل موقف الرأي العامّ المسيحي، الذي لم تعدْ تستبدّ به الرغبة في معاودة الاقتتال.
وأنا، بعد عودتي من القاهرة، وحال وصولي إلى مطار بيروت، أعربت عن سروري بتعيين القائد الجديد، فكان لذلك تأثير طيّب.
- مع الرئيس السادات
وكنت قد توجّهتُ إلى القاهرة إثر مقابلتي للرئيس «سركيس»، وكان برفقتي في زيارتي العاصمة المصرية كلّ من «جميل كبّي» و«علي المملوك»، ومقابلتي مع الرئيس «السادات» جرتْ في «القناطر الخيرية»، واستمرّت ساعة ونصف الساعة، وكان حاضراً خلالها نائبه «حسني مبارك».
كان الحديث ودّيّاً وحميماً، والحقيقة أنّني كنت قد طلبتُ المقابلة قبل أسبوع، لكنّ السفير المصري أجابني، بعد المراجعة، بأنّ وقت الرئيس ضيّق عشية سفره إلى أميركا، وأنّه يفضّل أن يراني بعد عودته منها، لكنّه عاد في اليوم التالي وأخبرني أنّ الرئيس يرغب في مقابلتي قبل سفره، وهو أمر أخبرني به الرئيس «السادات» خلال اللقاء، حيث قال لي «كنت قد قلت للسفير إنّني سأقابلك بعد عودتي من الولايات المتّحدة، لكنّي عدتُ ووجدت أنّ من الأفضل أن نتبادل الرأي قبل ذهابي إلى هناك، رغم ضيق الوقت».
خلال المقابلة شعرت بأنّ «السادات» شديد التفاؤل بمقابلته المقبلة مع الرئيس الأميركي «جيمي كاتر»، قلت له إنّني بدوري متفائل، ومع هذا سألته «هل عندك ما يشير إلى هذا التفاؤل؟» قال «عندي ما نقَلَه إلى كارتر نفسه»، فأطلعتُ الرئيس «السادات» على المذكّرة التي كنت قد بعثتُ بها إلى وزير الخارجية الأميركية «سايروس فانس» خلال زيارته للبنان، فأبدى إعجاباً شديداً بها. بعد ذلك أخبرني الرئيس «السادات» أنّهم كانوا على وشك الاشتباك عسكرياً، مع إسرائيل، أخيراً، بسبب عدوانها في عملية حفر الآبار في خليج «السويس»، وأنّ البوارج والطائرات كانت وشيكة التصادم، لكنّ الرئيس «كارتر» تدخّل مؤكّداً أنّ المنطقة مصرية وستبقى مصرية، وأنّه – أي «كارتر» – لن يسمح بغير ذلك أبداً.
قال «السادات»، إنّه مصرّ على أن يلعب كلّ أوراقه مع الأميركيين؛ لأنّه يعتقد أنّ المفتاح لحلّ النزاع مع إسرائيل كله بيد أميركا، أمّا السوفيات فإنّهم مضطرّون إلى مجاراة واشنطن لا أكثر.
فيما يختصّ بلبنان، قال لي «أنور السادات»، كما سبق للرئيس اللبناني «إلياس سركيس» أن أكّده في خلال اجتماعي به قبل أيّام، أنّ السوريين هم الذين اغتالوا «كمال جنبلاط»، وأكّد «السادات» أنّه رغم كلّ الإشارات التي تنمّ عن رغبة السوريين في وضع اليد نهائياً على لبنان، فهو – أي «السادات» – لن يقبل بذلك، وكشف لي عن أنّه كان قد حذّر الرئيس «الأسد» قائلاً له، إنّ لبنان يجب أن يعود سيّدَ نفسه، في المقابل أخبره بأنّه يوافق على أي اتفاق سوري-أردني على الصعيد العسكري، وحتى على الصعيد السياسي إذا أراد «الأسد» ذلك، لكنّه لن يقبل المساس بلبنان، إلّا إذا رغب لبنان في ذلك بمطلق إرادته الحرّة... وبعد عودته إلى أوضاعه الطبيعية.
ويدرك الرئيس «السادات»، كما قال لي، أنّ المسلمين السُّنّة هم الذين خسروا أكثر من غيرهم من الفئات في لبنان، هذا العام. وللمناسبة، طلب «السادات» من نائبه «حسني مبارك» أن يبلغ السفير والسفارة في بيروت بضرورة التنسيق معي شخصياً في كلّ نشاطاتهم؛ لأنّه يعتبر أنّ صائب سلام هو أمل المسلمين والعرب الوحيد في لبنان. وفي الوقت نفسه حذّرني الرئيس «السادات» من خطر تعرّضي للاغتيال في لبنان، كما طلب منّي أن أبلغ التحذير نفسه إلى «سركيس»؛ لأنّ مَن اغتال «كمال جنبلاط» لن يتورّع عن اغتيال «إلياس سركيس» و«صائب سلام» من بعده. وطلب منّي الرئيس «السادات» أن أبلغ الرئيس سركيس أنّه يؤيّده كامل التأييد، محبّذاً تأييدي لدور الرئيس سركيس ولحكومته الحالية، وانفتاحي على المسيحيين عن طريق «بيار الجميّل». أمّا بالنسبة إلى «شمعون»، فإنّ الرئيس «السادات» يشاطرنا الاعتقاد بأنّه متّفق مع الإسرائيليين.
عندما انتهت المقابلة، وفي حين كان الرئيس السادات يودّعني، حذّرني مرّة أخرى من احتمال اغتيالي، وقال لي إنّني يجب أن أنتبه من السوريين.
- مناورات لتطبيق «اتفاق القاهرة»
مرّت الأسابيع التالية كما التي قبلها، دون أحداث كبيرة يمكن التوقّف عندها: مناورات سياسية وعدم استقرار في الصفّ الإسلامي، إمعان «المقاومة الفلسطينية» في الغرق في أوحال الوضع اللبناني، ازدياد استياء المواطنين... كلّ هذا في وقت راح فيه الجيش السوري يعزّز من وجوده في لبنان. وكان واضحاً أنّ سوريا باتت هي مركز الثقل في الواقع اللبناني. أمّا إسرائيل، فكانت تدخل على الخطّ بين الحين والآخر. وعلى الصعيد العربي، كانت الأوضاع بين شَدّ ومدّ، وكان واضحاً أنّ في الأفق أحداثاً كبيرة تنتظر الفرصة السانحة لتبرز. من ناحيتي، توزّعَ نشاطي بين «المقاصد»، و«التجمّع الإسلامي»، والاستجابة لصرخات الاستغاثة من المواطنين، وكنت أتشدّد أكثر وأكثر تجاه «أبو عمّار» وجماعته، لحرصي عليهم بقدر ما أحرص على «التجّمع» وعلى لبنان ككلّ، لكنّهم لم يشاؤوا أن يُصغوا إلى نصائحي.
وسط ذلك المناخ، تلقّيت دعوة لزيارة دمشق من جديد، والاجتماع بالرئيس «حافظ الأسد»، وكانت الزيارة الجديدة يوم 27 يونيو 1977، وهذه المرّة كان برفقتي النائب جميل كبي الذي كانت تلك هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها الرئيس الأسد. والحقيقة أنّ انطباع «الكبّي» عن الرئيس «الأسد» بعد انتهاء اللقاء فاجأني؛ لأنّه كان مغايراً لما يُجمع عليه الكثيرون. المهمّ، كان الاستقبال الذي بدأ، كالعادة، عند الحدود وصولاً إلى «قصر الضيافة» في دمشق، حاملاً أسمى آيات التكريم، وهو ما أرضاني، لكنّني في الوقت نفسه لم أرتحْ كثيراً لما لمستُه فيه من مبالغة؛ إذ أحسستُ أنّه ربّما كان هناك قدْر من سوء النيّة يُبيَّتُ لي؛ إذ إنّني كنت أنا الوحيد الذي لا أزال أجرؤ على الخروج عن سلطتهم وتوجيهاتهم في لبنان. بعد «قصر الضيافة» أخذونا إلى قصر الرئاسة، حيث اجتمعنا بالرئيس «الأسد»، الذي بعد الترحيب المعتاد والكلام اللطيف والسؤال عن العائلة وعن «تمّام» و«فيصل»، أخذ دفّة الحديث ليقول إنّه يصرّ على ضرورة تنفيذ المقاومة لحصّتها من «اتفاق القاهرة»، طالباً منّا نحن، أن نعلن مطالبنا بذلك ونصرّ عليها، قائلاً إنّه سيحاول الوصول إلى التنفيذ بالتفاهم... فإن لم يُجدِ، فسيكون من الضروري، عندئذٍ، اللجوء إلى القوّة!
كرّر الرئيس الأسد، وكذلك فعل السيد عبد الحليم خدّام، أنّهم ليسوا وراء رشيد كرامي فيما يدعو إليه من «جبهة عريضة»، بل إنّهم منزعجون في الحقيقة من علاقته بالشيوعيين و«جنبلاط» و«المرابطون». قلت لهما إنّ الصورة في لبنان هي خلاف ذلك، وخصوصاً بالنسبة للاتّصالات التي يقوم بها أشخاص مثل «كمال شاتيلا» و«عاصم قانصوه» من المحسوبين على سوريا بشكل أو بآخر.
مهما يكن، فإنّ الرئيس الأسد لم يُخفِ أمامنا أنّه بات أقلّ تفاؤلا اليوم منه حين قابل الرئيس الأميركي «جيمي كارتر»، بل إنّه بات يذهب في تحليله إلى أنّ إسرائيل تتمتّع اليوم بفرصة ذهبية لشنّ حرب جديدة واحتلال أراضٍ عربية أخرى لتضع العالم، من جديد، تجاه الأمر الواقع.
والحقيقة أنّ من يتابع الأمور والتطوّرات، وخصوصاً في أميركا، يلاحظ أنّ التفاؤل الذي كان قد أشاعه الرئيس «كارتر» قبل شهرين، قد أخذ ينقلب إلى شيء من التشاؤم بعد وصول مناحيم بيغن وأحزاب اليمين الإسرائيلي المتطرّف إلى رئاسة الحكومة، وعلى ضوء الهجمة الصحافية وهجمة «الكونغرس» اللتين تجابهان الرئيس «كارتر» وحكومته، في هذا الصدد.
وكان الرئيس «السادات» قد وصف لي خلال زيارة قمت بها لمصر قبل أسابيع مقابلاته الخاصّة والعامّة مع «جيمي كارتر»، مؤكّداً أنّه اتفق وإيّاه على عقد «مؤتمر جنيف» والوصول إلى إقرار السلام قبل نهاية العام. ومع أنّ الرئيس «كارتر» أعلن عزمه على ذلك مرّة أخرى قبل أيّام، فإنّ من يتتبّع الأمور عن قرب يدرك جسامة المَصاعب والعقبات التي تواجه الرئيس الأميركي في «الكونغرس» والإعلام، كلما حاول أن يضغط على «إسرائيل وأن يفرض عليها شيئاً، وهذه ثابتة من ثوابت الوضع السياسي الأميركي. وأذكر هنا أنّني حين نجح «بيغن» وحزبه في الانتخابات الإسرائيلية ووصل اليمين المتطرّف إلى السلطة للمرّة الأولى، لاحظتُ ضخامة الحملة الإعلامية التي شُنّت ضدّه، فقلت لمن حولي «الله يجيرنا من هجمة صهيونية مضادّة». والواقع أنّ هذه الحملة ما لبثت أن بدأت، وبدا واضحاً أنّ «كارتر» سوف يكون ضحيّتها هو وكلّ أحلامه السلمية، اللهمّ إلّا إذا وجد في أوساط العرب تجاوباً معه يتمثّل في تنازلات إزاء تصلّب إسرائيل!
في أواخر يونيو، قابلتُ الرئيس سركيس، فوجدتُه قانطاً يائساً من إمكان قيامه بأي خطوة جدّية قبل حلّ قضيّة تنفيذ «اتفاق القاهرة»، ومع هذا فإنّه يعلّق بعض الأمل على نتائج الرحلة التي يقوم بها الوزير فؤاد بطرس للبلاد العربية (مصر، السعودية، الكويت) قائلاً، إنّ الأمير فهد بن عبد العزيز سيدعو إلى مؤتمر قمّة سداسيّ، يضع فيه المؤتمِرين أمام مسؤوليّاتهم، ويصرّ على الفلسطينيين لتنفيذ الاتفاقات المعقودة معهم.
أمل إلياس سركيس يكمن هنا فقط، أمّا المشكلة الأساسية فتكمن في المعارضة الشرسة التي يلقاها من قبل «الجبهة اللبنانية» ممثّلة بالرباعي «شمعون»/«فرنجيّة»/«الجميّل»/«قسّيس».
قبل يومين، كان قد تناول الغداء عندي سفير الولايات المتّحدة الأميركية «ريتشارد باركر» الذي أحضر لي معه النصّ الأصلي لبيان كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أصدرتْه في اليوم السابق، ولفتني في البيان أنّه يعيد إلينا شيئاً كثيراً من التفاؤل، بعد أن كانت الغيوم قد تلبّدت كثيراً، إثر هجوم الإعلام الصهيوني و«الكونغرس» على الرئيس جيمي كارتر.
بعد أيّام زارني أمين الجميّل برفقة المحامي عبد الحميد الأحدب، وكانت هذه هي المرّة الأولى التي يجري فيها حديث طويل بيننا، وكان همّي الأوّل أن أدرس شخصيّته وأحدّد أهدافه وخلفياته وأستنتج إثر ذلك قيمته الحقيقية. كان مثل والده كثير الكلام، تكلَّم وحده أكثر من نصف ساعة وكان حديثه مزيجاً من الشرق ومن الغرب، المهمّ أنّني لاحظت أنّه متضايق مما يسمّيه «جبهة الكفور»، مستعملاً هذا الاسم بدل اسم «الجبهة اللبنانية»، وهذا الأمر كشف لي بالملموس واقع الخلافات التي كنّا نسمع عنها ولا نعرف لها تقييماً حقيقياً، وانتهى أمين الجميّل إلى اقتراحٍ يرمي إلى أن نضع اتفاقاً لمخطّطٍ مشترك نرسمه أنا ووالده بيار الجميّل، ونذهب به إلى رئيس الجمهورية لنعرضه عليه، ومع هذا قال أمين الجميّل، إنّ الآمال التي كانت معقودة على رئيس الجمهورية قد تبخّرت.
حدّثتُه عن إمكانية تفاهم مع الفلسطينيين لإنقاذ الجنوب ومنع الخطر عن كلّ لبنان، قال «إنهم كذابون!» قلت «لكنّهم اجتمعوا بأخيك بشير وبعدد من رفاقه الكتائبيين». قال «أخي بشير لا يفهم شيئاً، ولا يطلع منه شيء!» ولم أكن في حاجة إلى أكثر من هذا الدليل، حتى أتأكّد من الأخبار التي كانت لا تكفّ عن الحديث عن صراع عنيف بين الأخوين. بالنسبة إلى أمين الجميّل، لمستُ أنّ اختلاط كلّ الأمور في حديثه لا يجعله قادراً على أن يشكّل ثقلاً ليفاوض ويفاوَض. ولكن لا شك في أنّه استخدم مهارته لكي يرمي الطابة، في نهاية الأمر، في ملعبي، بحيث يمكنه في المستقبل أن يلقي اللوم علي قائلاً «لقد زرتك وحدّثتك بصراحة وطلبت منك المساهمة في وضع ورقة عمل لكنّك لم تفعل!». لذلك؛ وتحسّباً لهذه «الشطارة»، طلبتُ من عبد الحميد الأحدب، على حدة، أن يتّصل بمن يعرفهم في «الكتائب» من القوم المعتدلين والمنفتحين، من أمثال إبراهيم النجار، ليطلب منهم أن يضعوا، هم، ورقة العمل.
- قيادات المقاومة في الحضيض
في اليوم التالي زارني «أبو إياد» بعد طول جفوة وافتراق؛ إذ كنت لا أكفّ عن تحميله مسؤولية مساندة الشيوعيين و«المرابطون» في محاولاتهم لاقتحام منطقتنا، التي أوقفناها بعنف. مهما يكن، كنت أشعر بأنّ قيادات المقاومة في الحضيض، والوقت ليس وقت معاتبات، فأنا بعد كلّ شيء أحرص على القضيّة الفلسطينية من قيادات المقاومة نفسها. أخبرت «أبو إياد» بما جرى مع شمعون، وقلت له، إنّ هاني الحسن يلحّ علي بضرورة وصلهم بالقيادات المارونية، فرحّب بذلك كثيراً، لكنّه لم يصدّق أن كميل شمعون رضي بالاجتماع بـ«أبو عمّار»، هو الذي كان دائماً يصرّ على رفض ذلك، قلت له إنّ ما يجعلني أعتقد أنّ شمعون جادٌّ هذه المرّة فيما يقول هو أنّه أضاف لرفيق شاهين، الذي تولّى الوساطة بيننا، أنّني إذا وافقت على اقتراحه عليّ أن أخبره بذلك حتى يتدبّر الأمر مع أصحابه (ومع السوريين) كي لا يقوم هؤلاء بإفساد الأمر، معنى هذا أنّ «شمعون» يدرك أنّ هذا الأمر لا يروق السوريين!
عندما أشرتُ أمام «أبو إياد» إلى ما أعتقده من وجود خلافات وضروب منافسة بين قيادات المقاومة، وإلى انعدام الثقة بين هذه القيادات، وبـ«أبو عمّار» شخصياً، شاء «أبو إياد» أن يؤكّد لي تضامنهم فاقترح أن يبعث لي بالموافقة على هذه الخطوات مع «هاني الحسن» بالذات، علماً بأنّ الشائع هو أنّ الخلاف بين «هاني الحسن» و«أبو إياد» شخصياً على أشدّه، إلى درجة أنّ البعض عزا طلب زيارتي اليوم بالذات إلى ما رآه «أبو إياد» من تكرار زيارات «هاني الحسن» لي.
على أي حال، عاد هاني الحسن من دمشق بعد يومين، ليحدّثني فور زيارته لي عن لقاءاته بـ«ناجي جميل» و«محمد ناصيف»، ونقل إليّ معلومات تفيد بأنّ الأوضاع مضطربة في سوريا، وأنّ الوضع الاقتصادي متردٍّ، وقبل خروج «هاني الحسن» من عندي، وصل القاصد الرسولي (سفير الفاتيكان) فعرّفتُه إليه ورتّبتُ له موعدا لزيارته في الغد، ففرح بذلك كثيراً.
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (2): الأميركيون أمنوا حماية أبو عمّار يوم خروجه من بيروت
زيارة لمذكرات رئيس الوزراء اللبناني الراحل صائب سلام (الأخيرة): موقف القاهرة السلبي من عودة فؤاد شهاب للرئاسة دفعه إلى العزوف عن الترشح


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كميل الطويل (لندن)

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
TT

بغداد ساحة جديدة للمواجهة الأميركية- الإيرانية المقبلة

فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)
فصائل عراقية انخرطت إلى جانب إيران في الحرب الإخيرة مع الولايات المتحدة (إعلام الحشد الشعبي)

بعد أكثر من شهر على نيلها ثقة البرلمان، في 14 مايو (أيار) 2026، لا تزال حكومة علي الزيدي غير مكتملة التشكيل، فما يقرب من 10 حقائب وزارية لم تُحسم بعد، من بينها وزارتان تحتلان موقعاً محورياً في بنية الدولة العراقية، هما الداخلية والدفاع.

وفي بلدٍ كثيراً ما تولد فيه الحكومات بعد مفاوضات طويلة بين الأحزاب، والكتل البرلمانية، وشبكات النفوذ، والقوى الإقليمية، قد يبدو هذا البطء مألوفاً، غير أن هذا الانطباع لا يصح إلا ظاهرياً؛ فعدم اكتمال التشكيلة الحكومية لا يعكس الصعوبات المعتادة المرتبطة بتقاسم المناصب فحسب، بل يكشف، قبل كل شيء، أن التسويات التي أتاحت وصول علي الزيدي إلى السلطة لم تُفضِ بعد إلى توازن حكومي حقيقي.

وبذلك، يتمتع رئيس الوزراء بشرعية برلمانية، لكنه لا يسيطر بصورة كاملة على جهازه التنفيذي. وحكومته قائمة قانونياً، لكنها تبقى ناقصة سياسياً. ولم تعد المسألة الأساسية تتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، بل في هامش المناورة الذي سيُمنح له لتنفيذ برنامجه السياسي والاقتصادي والأمني.

فهل سيكون علي الزيدي مجرد مدير لتسوية أبرمتها القوى الرئيسية داخل المعسكر الشيعي، أم سيتمكن تدريجياً من تحويل هذه التسوية إلى رافعة حقيقية للعمل السياسي، واستعادة جزء، ولو محدود، من قدرة الدولة العراقية على المبادرة؟

في هذا السياق، تكتسب الزيارة التي يُفترض أن يجريها علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف يوليو (تموز) أهمية خاصة؛ فهذه الزيارة تتجاوز بكثير إطار زيارة دبلوماسية تقليدية. وإلى جانب الملفات الاقتصادية والطاقة والقضايا الأمنية التي أُعلن أنها ستكون محور النقاش، فإنها ستمثل أول اختبار حقيقي لولايته الحكومية، كما ستتيح تقييم قدرته على تعزيز شرعيته الدولية، وتوسيع هامش استقلاليته إزاء القوى السياسية التي أوصلته إلى السلطة، وكذلك تحديد طبيعة علاقته بالإدارة الأميركية، في وقت تبدو فيه أولويات واشنطن في العراق آخذة في التغير.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه المبعوث الأميركي توم برَّاك في بغداد 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

العراق في معادلة إقليمية جديدة

استوقفت كثيرين المفاجأة الاستراتيجية التي فجّرتها طهران، وغيرت بعض موازين القوى في المنطقة، وتمثلت في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإدخال تغيير مقلق على القانون الدولي عبر فرض ما سمته «حقها في السيطرة».

وقد أتاح الاتفاق المرحلي الذي جرى التوصل إليه بين واشنطن وطهران وقفاً لإطلاق النار، وفتح مرحلة جديدة من المفاوضات المقبلة. ومن المرجح أن يقلل هذا الاتفاق من احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة على المدى القصير، لكنه لا يحل أياً من الملفات الأساسية التي لا تزال موضع خلاف عميق بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط، بل إن المنافسة بينهما تميل، على العكس، إلى الانتقال نحو ساحات لا تزال مصالحهما تتقاطع فيها، ويأتي العراق في مقدمتها.

بالنسبة إلى بغداد، ينطوي هذا التطور على مفارقة واضحة. فمن جهة، قد يتيح الانفراج النسبي بين واشنطن وطهران لحكومة علي فالح الزيدي هامشاً إضافياً لمواصلة إصلاحاتها، من دون أن تتحمل بصورة مباشرة تداعيات أي تصعيد إقليمي. ومن جهة أخرى، قد يؤدي هذا الانفراج نفسه إلى نقل ساحة التنافس بين القوتين إلى داخل المؤسسات العراقية، بحيث تصبح الدولة العراقية هي ميدان الصراع الرئيسي.

إضافة إلى ذلك، يعيد الاتفاق بين واشنطن وطهران فتح الملف العراقي على جبهات جيوسياسية أخرى.

فمن المتوقع أن تعمل دول الخليج على تسريع استراتيجياتها الرامية إلى ترسيخ مصالحها الإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بالعراق وسوريا ولبنان. وفي الوقت نفسه، ستسعى تركيا، تحديداً عبر استراتيجيتها الجيوسياسية في مجالي الطاقة والربط اللوجستي، إلى تعزيز موقعها في العراق. أما الصين وروسيا، فستحاولان بدورهما تثبيت حضورهما فيما تعدانه «الجبهة الجنوبية» للهجوم الأميركي ــ والغربي عموماً ــ في الفضاء الأوراسي، أي إيران (إلى جانب الجبهة الغربية المتمثلة بأوكرانيا، والجبهة الشرقية المتمثلة بتايوان) وما يحيط بها من فضاءات اتصال وامتداد.

ومن المفترض أن يتمكن العراق من الاستفادة من هذه المنافسة الجديدة على النفوذ الإقليمي، ولا سيما من خلال جذب الاستثمارات الاقتصادية، والحصول على دعم أكبر لمسار التطبيع والاندماج الإقليمي.

وسوف ينعكس هذا التحول الجيوسياسي، بصورة حتمية، على موقع العراق داخل التنافس القائم بين واشنطن وطهران. فعلى امتداد ما يقرب من عقدين، قام النظام السياسي العراقي على توازن ملتبس؛ فلا هو محمية أميركية، ولا تابع مطلق لإيران، بل فضاء مفتوح للتفاوض الدائم بين التأثيرات الخارجية، والنخب المحلية، والأحزاب الطائفية، والفصائل المسلحة، والمؤسسات الهشة، والاقتصاد الريعي.

وأتاح هذا النموذج، رغم هشاشته، قدراً من الاستقرار النسبي طوال سنوات، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأنه يدخل اليوم مرحلة جديدة، يُفترض أن تتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

تحول في السياسة الأميركية

يبدو أن إدارة ترمب لم تعد مستعدة للقبول الكامل بالمنطق الضمني الذي حكم الملف العراقي خلال السنوات الماضية، والقائم على نوع من الإدارة المشتركة، المباشرة أو غير المباشرة، بين واشنطن وطهران.

فالرسائل التي صدرت حتى الآن تشير إلى توجه أميركي يقوم على إرساء نفوذ طويل الأمد، يستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية نفسها، بحيث يؤدي هذا التعزيز، عبر أدوات تكنوقراطية، وربما أيضاً من خلال قدر أكبر من الحياد الآيديولوجي، إلى ترجيح كفة المصالح الوطنية العراقية، لا سيما الاقتصادية منها، على حساب النفوذ الإيراني.

ويبدو أن عدداً من المسؤولين داخل الإدارة الأميركية يتبنون هذه الرؤية؛ إذ يؤكدون أن العراق يمكنه أن يتحرر تدريجياً من اعتماده على الدعم الإيراني إذا ما استعادت مؤسسات الدولة العراقية مصداقيتها وفاعليتها.

وفي وقت يقترب فيه موعد الانسحاب العسكري الأميركي، المقرر في سبتمبر (أيلول) 2026، تبدو المقاربة الأمنية البحتة غير كافية لمعالجة الوضع العراقي، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن عمليات استهداف قادة الفصائل المسلحة وبناها التنظيمية، التي استمرت بصورة متكررة منذ عام 2020، لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في موازين القوى.

ومن بين أبرز المدافعين عن هذا التوجه يبرز توم برّاك، الذي يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المقاربة. فهو السفير الأميركي لدى تركيا، وأحد المقربين من دونالد ترمب، كما يُعرف بعلاقته الوثيقة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان واحد أبرز المدافعين عن فاعلية النظم المركزية (بل حتى التسلطية) في أحداث انتقال، وهو اليوم أحد أبرز الفاعلين في الملفين السوري والعراقي.

وينتمي برّاك إلى المدرسة الكلاسيكية التي ترى أن أي نفوذ مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم من دون دول مركزية تتمتع بحد أدنى من المصداقية السياسية والمؤسساتية. من هنا، يدعم برّاك في سوريا مساراً براغماتياً لتطبيع العلاقات مع الحكم الجديد في دمشق، بينما ينعكس الأمر في العراق في اهتمام خاص بتعزيز دور بغداد، من دون إغفال أهمية أربيل ومكانتها.

لهذا السبب ينبغي فهم إعادة تنشيط عدد من الملفات خلال الفترة الأخيرة؛ فالمساعي الرامية إلى تخفيف التوتر بين بغداد وأربيل، والرغبة في تشجيع تنسيق أوثق بين بغداد ودمشق، وكذلك الاهتمام المتجدد ببعض المشاريع الإقليمية، لا تعكس مجرد اعتبارات دبلوماسية، بل تندرج جميعها ضمن منطق واحد، يتمثل في تعزيز قدرة الدولة العراقية تدريجياً على استعادة دورها بوصفها الفاعل المركزي في التوازنات الإقليمية. وسيؤدي التوصل إلى تسوية للخلافات المزمنة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان ــ سواء فيما يتعلق بالموازنة، أو صادرات النفط، أو إدارة موارد الطاقة، أو توزيع الصلاحيات ــ إلى تعزيز موقع بغداد، ومن ثم إلى تقوية موقع علي الزيدي نفسه.

وينطبق المنطق نفسه على العلاقات بين بغداد ودمشق؛ إذ يبدو أن السلطات الأميركية (تحت تأثير برّاك) باتت تفضل اليوم قيام تنسيق براغماتي بين العاصمتين، ليس انطلاقاً من تأييدها للسلطة السورية الجديدة بقدر ما ينبع ذلك من رغبتها في تحقيق الاستقرار في منطقة حدودية أصبحت ذات أهمية بالغة للأمن الإقليمي.

فلا تزال الحدود العراقية - السورية تمثل رهاناً استراتيجياً رئيسياً في مكافحة الجماعات المسلحة، وعمليات التهريب، وشبكات العبور غير الشرعي، لكنها، في الوقت نفسه، يمكن أن تستعيد دورها فضاءً للتبادل الاقتصادي ولحركة الطاقة إذا ما توفرت الظروف السياسية المناسبة.

وفي هذا السياق، تستعيد فكرة إعادة تشغيل خط أنابيب كركوك – بانياس أهمية خاصة؛ فهذا المشروع لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يحمل أيضاً دلالات جيوسياسية عميقة، ومن شأنه أن يوفر للعراق منفذاً إضافياً لتصدير نفطه عبر البحر الأبيض المتوسط، بما يقلل، ولو جزئياً، من اعتماده على المسارات الحالية التي تمر عبر الخليج أو تركيا.

والأهم من ذلك أنه سيجسد عودة العراق إلى أداء دوره التاريخي بوصفه حلقة وصل بين الخليج والمشرق العربي والبحر الأبيض المتوسط. ورغم أن هذا المشروع، وحده، لن يكون كفيلاً بحل الأزمة الاقتصادية العراقية، فإنه يعبّر عن إرادة لإعادة تموضع العراق في قلب الديناميات الإقليمية، بدلاً من بقائه مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية.

الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

الحكم في ظل القيود المالية

غير أن هذا الأفق شديد الهشاشة، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي الداخلي؛ فحكومة علي الزيدي ورثت أوضاعاً مالية متدهورة. وتقلصت هوامش حركة الدولة بصورة كبيرة نتيجة الالتزامات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في عهد حكومة محمد شياع السوداني. وباتت كتلة الرواتب في القطاع العام، والإنفاق الاجتماعي، والديون الداخلية، والالتزامات المالية المختلفة، تستنزف جزءاً كبيراً من موارد الدولة.

يضاف إلى ذلك ما يحيط بصادرات النفط من صعوبات؛ فالمفاوضات مع تركيا بشأن استئناف التصدير عبر ميناء جيهان لم تحسم بعد، ما يحرم العراق من جزء مهم من إيراداته النفطية. وقبل اندلاع هذه الأزمة، كانت الصادرات عبر هذا الخط تبلغ مئات الآلاف من البراميل يومياً.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد ظرف اقتصادي عابر أو وضع مالي مؤقت، بل تكشف الحدود البنيوية للنموذج السياسي والاقتصادي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003؛ فقد تحولت الدولة العراقية تدريجياً إلى آلية واسعة لإعادة توزيع الريع النفطي. وأصبحت رواتب الموظفين، ومعاشات التقاعد، والإعانات الاجتماعية، والعقود الحكومية، والشركات العامة، وشبكات المقاولات الثانوية، تشكل الأدوات الأساسية التي يجري من خلالها تنظيم التوازنين السياسي والاجتماعي.

وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد ضمان دفع الرواتب بصورة منتظمة مجرد قضية تتعلق بالإدارة المالية أو بالموازنة العامة، بل أصبح قضية جوهرية تتصل باستقرار النظام السياسي نفسه. ويعتمد بصورة مباشرة على المالية العامة ما يقرب من 5 ملايين موظف حكومي، يضاف إليهم ملايين المتقاعدين والمستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية. وأي اضطراب طويل الأمد في هذا النظام قد يؤدي سريعاً إلى انفجار توترات اجتماعية واسعة، ويزيد من هشاشة حكومة تواجه أصلاً تحديات سياسية متعددة ومتزامنة.

أما الخيارات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، فتظل محدودة؛ فقد يوفر إصدار السندات الحكومية سيولة مالية مؤقتة، لكنه لن يعالج الاختلالات البنيوية العميقة، كما أن اللجوء إلى الاقتراض الداخلي يبقى مقيداً بضعف السيولة المتوافرة داخل الاقتصاد العراقي.

ويبقى خيار الاستعانة بالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي قائماً، غير أنه سيقترن بشروط صارمة، من بينها إصلاح الشركات العامة، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة المالية العامة، والحد التدريجي من بعض أشكال الدعم الحكومي.

وقد تسهم هذه الإجراءات في طمأنة الشركاء الدوليين، لكنها تحمل في المقابل مخاطر تغذية حالة من الاستياء الاجتماعي في بلد لا تزال الدولة فيه تمثل صاحب العمل الأكبر، كما تمثل شبكة الأمان الأساسية التي تمتص آثار الأزمات الاقتصادية.

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غربي مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

الفصائل بين المأسسة وإعادة التشكل

ترتبط الأزمة الاقتصادية في العراق ارتباطاً وثيقاً بالمسألة الأمنية؛ لأن الدولة لم تعد مجرد دولة ريعية توزع عوائد النفط، بل أصبحت فضاءً تتداخل فيه مؤسسات الدولة مع شبكات سياسية وإدارية واقتصادية وعسكرية متشابكة، تتغذى جميعها، بدرجات متفاوتة، من الريع العام. ومن هنا، لم تعد الفصائل المسلحة تستمد قوتها من قدراتها العسكرية وحدها، بل من عملية مأسسة طويلة شهدتها خلال العقدين الماضيين، جعلتها تمتلك امتدادات داخل البرلمان والسلطة التنفيذية، وحضوراً في أجهزة الإدارة العامة، وموارد مالية، وشبكات ومكاتب اقتصادية، ومكاتب حماية للعمل مع الشركات النفطية، ووسائل إعلام، ومنظمات اجتماعية، فضلاً عن بعض «الشرعية» التي اكتسبها عدد منها خلال الحرب ضد تنظيم «داعش».

وبذلك، فإن النظر إلى هذه الفصائل بوصفها مجرد جماعات مسلحة تقف خارج الدولة لم يعد يعكس الواقع العراقي كما تشكل بعد عام 2003؛ لهذا، فإن التداخل بين الدولة والفصائل لم يعد مجرد اختراق لمؤسسات الدولة، بل أصبح جزءاً من طريقة اشتغالها نفسها.

وهذا الواقع يدعو أيضاً إلى تجاوز تبسيط آخر كثيراً ما يتكرر في الأدبيات الغربية، وهو اختزال هذه الفصائل في كونها «أذرعاً إيرانية»؛ فليست جميعها على الدرجة نفسها من القرب من طهران، ولا تتمتع بالمستوى نفسه من الارتباط السياسي أو العسكري بها؛ فبعضها يمتلك هامشاً معتبراً من الاستقلالية، ويضع حساباته العراقية في المقام الأول، بينما يبقى بعضها الآخر أكثر اندماجاً في الشبكات الإقليمية لطهران؛ ولذلك يبدو أدقّ الحديث عن «فصائل عراقية قريبة من إيران» بدلاً من اختزالها في كونها مجرد امتدادات مباشرة لها؛ لأن هذا الاختزال يحجب التحولات التي عرفتها هذه التنظيمات داخل المجتمع والدولة العراقيين.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لفهم النقاشات الدائرة اليوم حول مستقبل الفصائل؛ إذ يبدو أن قسماً منها أصبح مستعداً لبحث إعادة تنظيم وضعه بصورة تدريجية، بينما لا تدور المفاوضات القائمة مع الحكومة حول نزع السلاح بصورة فورية، بقدر ما تتمحور حول تعميق اندماج هذه التنظيمات داخل «هيئة الحشد الشعبي»، وإقامة فصل أوضح بين النشاط السياسي والقيادة العسكرية.

وفي المقابل، تبدي تنظيمات أخرى، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء»، تحفظاً أكبر تجاه أي مسار يمكن أن يؤدي إلى تقليص هامش استقلالها أو إعادة تعريف علاقتها بالدولة.

غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى واقعية الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فهل يمكن فعلاً الفصل بين السياسة والسلاح، بينما كلاهما يتحرك ضمن البنية المؤسسية نفسها؟ وهل يمكن تطبيق نماذج تقليدية لنزع السلاح، وإعادة الإدماج على تنظيمات لم تعد تقف خارج الدولة؟

واليوم، لم تعد الفصائل تدافع عن ترساناتها العسكرية، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخل الدولة، وعن حصتها من الموارد العامة، وعن شبكاتها الاقتصادية، وعن جمهور اجتماعي بات يعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ما توفره من وظائف، ورواتب، وخدمات، ورعاية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المنتسبين إليها يتراوح بين 200 ألف و300 ألف عنصر، وهو رقم يعني، مع احتساب أسرهم، أن ملايين العراقيين أصبحوا مرتبطين بهذه المنظومة بدرجات مختلفة؛ ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة هيكلتها أو تقليص دورها سيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغوط أميركية تدفع باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ونفوذ إيراني يسعى إلى الحفاظ على جزء من منظومة الردع الإقليمية، ومصالح محلية واسعة أصبحت ترى في استمرار هذه الفصائل ضماناً لمواقعها الاقتصادية والسياسية.

وفي ظل هذا التداخل، لم يعد السؤال: كيف يمكن نزع سلاح الفصائل؟ بل كيف يمكن إعادة بناء دولة؟

الزمن بوصفه عنصراً في ميزان القوى

يضاف إلى هذا التعقيد المؤسسي بعدٌ آخر غالباً ما يجري التقليل من أهميته، هو العلاقة بالزمن. فالولايات المتحدة تفكر عادة وفق أفق زمني سياسي قصير نسبياً، تحكمه مدة الولاية الرئاسية، والبحث عن نتائج سريعة، والاستحقاقات الدبلوماسية القريبة.

أما الفصائل العراقية القريبة من إيران، شأنها شأن طهران نفسها، فتتحرك ضمن أفق زمني مختلف تماماً؛ فهي تعرف كيف تنتظر، وكيف تؤجل اتخاذ القرارات، وكيف تستوعب الضغوط، وتكثر من الوساطات، وتحول الزمن نفسه إلى مورد سياسي.

وفي العراق، يشكل الزمن في حد ذاته أحد عناصر ميزان القوى؛ فالفاعلون الأكثر رسوخاً هم الذين يعرفون كيف يصمدون أمام تغير الحكومات، والعقوبات الدولية، وتبدل التوازنات السياسية، والأزمات الإقليمية.

وهذه القدرة على العمل بمنطق الزمن الطويل تفسر لماذا أسفرت المحاولات المتعاقبة لإعادة هيكلة المجال الأمني عن نتائج متواضعة؛ فالقوى المحلية تدرك أن موازين القوى الدولية تتغير بوتيرة أسرع كثيراً من تغير التوازنات الداخلية العراقية. كما تساعد هذه الفوارق الزمنية على فهم الكيفية التي جرى بها تلقي الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل داخل جزء مهم من المشهد السياسي العراقي.

فقد ترسخ تدريجياً لدى شريحة واسعة من الفاعلين السياسيين الاعتقاد بأن إيران خرجت من هذه المواجهة وهي أكثر قوة من الناحية السياسية، ولا يعني ذلك أن طهران لم تتكبد خسائر، أو أنها لم تتعرض لضغوط كبيرة، بل يعني ببساطة أن النظام الإيراني لم يسقط، ولم يُدفع إلى هامش المعادلة الإقليمية. وبالنسبة إلى كثير من حلفائه، فإن مجرد قدرته على الصمود قدمت شكلاً من أشكال «الانتصار السياسي».

وتؤثر هذه القراءة بصورة مباشرة في سلوك الفصائل العراقية الأقرب إلى طهران؛ فكثير منها يطرح اليوم سؤالاً بسيطاً: إذا كانت إيران نفسها قد حافظت على قدراتها الإقليمية، فلماذا تقدم الفصائل، داخل العراق، تنازلات؟

عناصر من "الحشد الشعبي" يجرون تمريناً تعبوياً في أحد المعسكرات (إعلام الهيئة)

هل هناك عقيدة أميركية جديدة؟

في المحصلة، لا تسمح المرحلة الراهنة بعدُ بالقول إن ثمة عقيدة أميركية جديدة، واضحة المعالم، قد تبلورت تجاه العراق، غير أن جملة من المؤشرات توحي بأن جزءاً من الإدارة الأميركية بات يرى أن الحد من النفوذ الإيراني لا يمر، عبر المواجهة المباشرة مع طهران، بل عبر تعزيز تدريجي لمصداقية الدولة العراقية وقدرتها على العمل.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بواقع العراقي الآنف الذكر، كما أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران والعراق يتحرك وفق إيقاع زمني مختلف.

وسيجد علي الزيدي نفسه مضطراً إلى مواجهة مجموعة من التحديات المتزامنة. ففي الوقت نفسه، عليه أن يعمل على استعادة التوازن في المالية العامة، وأن يحافظ على التسويات السياسية القائمة، وأن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، وأن يوازن علاقات بغداد بكل من أربيل ودمشق، وأن يحافظ على حوار بنّاء مع واشنطن، من دون أن يؤدي ذلك كله إلى إعادة إنتاج حالة الاستقطاب الداخلي.

لذا، فإن تحدي الحكومة الجديدة اليوم ليس في نجاحها في إدارة شؤون البلاد، بل في معرفة ما إذا كان العراق قادراً، على إعادة بناء دولة أكثر مصداقية، ضمن التوازنات السياسية القائمة التي وفرت قدراً من الاستقرار النسبي.

وفي هذه المنطقة الفاصلة، بين الإصلاح والاستمرار، وبين سلطة الدولة وسلطة شبكات النفوذ والهيمنة، وبين الإيقاعات الوطنية والإقليمية المختلفة، سيتحدد، على الأرجح، مستقبل العراق السياسي خلال السنوات المقبلة.

*باحث في الأنثروبولوجيا السياسية

المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي


بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
TT

بين فيضان جارف وجفاف قاتل... هل تتحكم تركيا بمفاتيح دجلة والفرات؟

سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)
سد أتاتورك المقام على نهر الفرات تسبب في أزمة بين تركيا وسوريا في تسعينات القرن الماضي (موقع المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية الحكومية التركية)

فتحت الفيضانات التي ضربت شمال وشرق سوريا مطلع شهر يونيو (حزيران) الحالي، وارتفاع منسوب المياه في نهر الفرات نتيجة الأمطار الغزيرة إضافة إلى زيادة تدفق المياه الواردة من تركيا، الباب من جديد أمام تساؤلات حول أزمة المياه في سوريا والعراق، وما إذا كانت تركيا تستخدم نهري دجلة والفرات ورقة ضغط سياسية وأمنية.

تتمحور أزمة المياه بين تركيا والعراق وسوريا حول تقاسم حصص مياه نهري دجلة والفرات، وتركيا هي دولة المنبع التي تسيطر على الروافد الرئيسية، وتسببت سياساتها المائية وتوسعها في إنشاء السدود على النهرين في التأثير الشديد على التدفقات المائية وتفاقم الجفاف وانخفاض مناسيب المياه إلى مستويات شبه كارثية، لا سيما في العراق الذي ضربته موجة جفاف لم يشهدها منذ أكثر من 80 عاماً.

وتتمسك تركيا بأن دجلة والفرات نهران عابران للحدود، وأن من حقها إدارة مواردهما بناءً على سيادتها الإقليمية، بينما يطالب العراق وسوريا بتصنيفهما نهرين دوليين، واعتماد معايير التقاسم العادل والقوانين الدولية وفقاً للاتفاقيات التاريخية الموقعة، كمعاهدة لوزان 1923، وبروتوكولات التعاون المشترك.

سوء إدارة أم استنزاف موارد؟

واجهت تركيا اتهامات بتوظيف المياه ورقة ضغط ضد العراق وسوريا لأسباب أمنية تتعلق في الأساس بنشاط حزب «العمال الكردستاني» وامتداداته الموجودة على أراضي البلدين، والتي تطورت إلى التدخل العسكري عبر عمليات جوية وبرية في البلدين الجارين خلَّفت وجوداً عسكرياً تركياً، لطالما كان مثار خلاف بين أنقرة وبغداد على وجه الخصوص.

وتتمحور الأزمة حول قضايا رئيسية عدة، أهمها مشروع «جنوب شرقي الأناضول» لتنمية مناطق شرق وجنوب شرقي تركيا، والذي أقامت خلاله تركيا سدوداً وخزانات ضخمة، من أبرزها سدود أتاتورك، وكيبان، وإليسو، بهدف تنظيم الري وتوليد الطاقة، ما أدى إلى تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي الممر والمصب، سوريا والعراق، بشكل كبير.

أدى شح المياه إلى جفاف شديد في العراق خلال عام 2025 لم يسبق له مثيل منذ 80 عاماً (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الأمر بشكل سلبي جداً على العراق تحديداً، حيث أدى شح المياه إلى أزمة حادة في القطاع الزراعي، وتقلص المساحات الزراعية، وتضرر الأهوار الجنوبية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بالإضافة إلى اندلاع أزمات اجتماعية واضطرابات بيئية متكررة.

كذلك أثر انخفاض التدفقات، بشكل مباشر، على توليد الطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب لملايين الأشخاص، وزيادة مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في سوريا في فترات الجفاف.

وجرت محاولات دبلوماسية بين الحين والآخر؛ لتسوية الخلافات، حيث تم التوصل إلى تفاهمات واتفاقيات مشتركة ومذكرات تفاهم ثنائية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، لضمان تحقيق الحد الأدنى من الاحتياجات الحيوية لكل دولة، أو الاعتماد في بعض فترات الجفاف الشديد على إقناع تركيا بزيادة التدفقات، في ظل تمسكها بأنها دولة فقيرة مائياً، وإصرارها بأن الأزمة في العراق نابعة من سوء إدارة محلية واستغلال للموارد وليس بسبب سدودها.

وغالباً ما شكلت المياه في بلاد ما بين النهرين عنصراً يتجاوز كونه مورداً طبيعياً، إلى عامل مؤسس للحضارة أو مصدر للصراع، وأحياناً مفتاح لإعادة البناء والتنمية المشتركة، كما انعكس في توقيع العراق وتركيا اتفاقية إطارية في مجال المياه والتنمية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ما يجمعه دجلة يفرّقه الفرات

بحسب الكاتب الباحث التركي المتخصص في شؤون المياه، بيلجاي دومان، برزت هذه الاتفاقية، التي لم يكشف الطرفان عن بنودها بالكامل بعد، باعتبارها تطوراً مهماً، ليس فقط في العلاقات بين أنقرة وبغداد، بل في إعادة تعريف مفهوم إدارة الموارد المشتركة في الشرق الأوسط.

ولفت دومان إلى أنه مع نشوء تركيا والعراق وسوريا، أصبح تنظيم استخدام الموارد ضرورة سياسية وقانونية، لكنه في الوقت ذاته تحوّل إلى ملف خلافي دائم، وبينما أصبح نهر الفرات قضية ثلاثية، بات نهر دجلة محوراً أساسياً للعلاقات التركية - العراقية.

فيضانات الفرات أغرقت مساحات شاسعة من الأراضي في دير الزور في شمال شرقي سوريا مطلع يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وجرت محاولات مبكرة للتوصل إلى تفاهمات حول تقسيم الحصص، كاتفاقية أنقرة عام 1921 واتفاقية 1946 بين تركيا والعراق، اللتين وضعتا أسس تقنية للتعاون، شملت تبادل البيانات والسيطرة على الفيضانات.

ولاحقاً، جاءت الاتفاقية السورية - التركية عام 1987، وهي اتفاقية مؤقتة لتقاسم مياه نهر الفرات بين سوريا وتركيا خلال فترة ملء حوض سد أتاتورك والتي امتدت إلى 5 سنوات.

ووقّعت الاتفاقية في 17 يوليو (تموز) 1987، ونصت على تعهد الجانب التركي بأن يوفر معدلاً سنوياً يزيد على 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية - السورية بشكل مؤقت إلى حين الاتفاق على التوزيع النهائي لمياه نهر الفرات بين الدول الثلاث على ضفتيه.

وفي 17 أبريل (نيسان) 1989، وقعت سوريا والعراق اتفاقية تنص على أن تكون حصة العراق الممررة له من الحدود السورية 9.106 مليار متر مكعب، وحصة سوريا 6.627 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة.

وسجلت سوريا اتفاقيتها مع تركيا في الأمم المتحدة عام 1994 لضمان الحد الأدنى من حقها وحق العراق في مياه الفرات، لكن ذلك لم يكن كافياً لحل المشكلة.

المياه مقابل «العمّال الكردستاني»

مع تزايد الاتهامات لتركيا باستخدام المياه ورقة لابتزاز جيرانها، والضغط على الأكراد في سوريا، ودفع العراق إلى اتخاذ موقف من حزب «العمال الكردستاني» وتصنيفه منظمة إرهابية، تم تحديد مبادئ عدم الضرر والعدالة في التوزيع ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه، وضرورة مراعاة الاحتياجات المائية والاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول المشاطئة المعنية، فضلاً عن احتياجات السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي، بما في ذلك الآثار المباشرة والمحتملة.

مسلحون من «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

وعززت هذه الاتفاقية الموقف القانوني للعراق وسوريا في مواجهة تركيا، باعتبارهما دولتين تضمان أراضي واسعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، ولذلك كانت سوريا من أولى الدول التي صادقت عليها فور إعلانها، لكن تركيا لم تنضم إليها؛ لأنها رأت فيها إضراراً بمصالحها وحقوقها المائية، وصوتت ضد اعتمادها.

ولم تلجأ سوريا، التي يروي الفرات أكثر من 640 ألف هكتار من أراضيها، إلى التحكيم الدولي للحصول على حقوقها المائية من تركيا؛ لأن القانون الدولي لا يزال غير حاسم في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن القانون الدولي يشترط موافقة طرفي النزاع على الذهاب للتحكيم.

وتسبب الدعم السوري لحزب «العمال الكردستاني»، والسماح لمسلحيه باستخدام شمال سوريا كقاعدة خلفية لعملياتهم، في أن اتجهت تركيا للتعنت أكثر وربطت هذا الدعم بالخلافات المائية.

وعقدت عام 1993 جولة مفاوضات تركية - سورية في أنقرة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول حصص المياه، لم تصل إلى نتيجة مختلفة عن اتفاقية عام 1987، المؤقتة التي ارتبطت بفترة ملء بحيرة أتاتورك فقط.

وشهدت الفترة نفسها توقيع اتفاقية تنمية مشتركة بين سوريا وتركيا على نهر العاصي، الذي ينبع من أعالي سهل البقاع في لبنان، وكانت تركيا قد استُبعدت من تقاسمه مع سوريا ولبنان عام 1994. وجاء تنازلها عن حصتها منه بمثابة ثمن زهيد دفعته مقابل استفادة أكبر من نهر الفرات، فلم يكن يصل إلى ولاية هاتاي التركية سوى 10 في المائة من مياهه بعدما تكون ملوثة وغير صالحة لأي استخدام. ولعقود طويلة، اعتبر سكان الولاية الحدودية مع سوريا، والمعروفة تاريخياً بـ«لواء إسكندرون»، أن سياسات المركز جاءت مجحفة بحقهم، وأسهمت في تهميشهم وحرمانهم من مورد طبيعي نتيجة لاعتبارات سياسية وقومية ودينية.

استهدفت الفصائل السورية الموالية لتركيا سد تشرين في شرق حلب بعد سقوط نظام بشار الأسد لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة (رويترز)

الثورة السورية... فرصة تركية

بعد انطلاق الثورة السورية على نظام بشار الأسد، سارعت تركيا إلى استكمال تنفيذ مشروع قنوات مياه شانلي أورفا عام 2012، التي سمحت باستخدام المياه المحتجزة في سد أتاتورك لري السهول الحدودية مع سوريا في حرّان وماردين وجيلان بينار، وكذلك اكتمال حجز المياه في سد سيلوان عام 2011، ولم تتخذ سوريا أي خطوة مقابلة نتيجة انشغال سلطة الأسد بقمع الثورة.

وأظهر التحرك السوري في ملف المياه في مواجهة تركيا أن أهم استراتيجيتها كانت التركيز على استغلال الأمن الداخلي وتهديد «العمال الكردستاني»، الذي انتهى مع توقيع اتفاقية أضنة؛ لأن السبل الأخرى بدت غير ممكنة، بحكم قوة تركيا العسكرية وقدرتها على تعزيز موقفها من خلال التحالفات الخارجية، فضلاً عن سيطرتها على منبع نهر الفرات.

العراق: جفاف واضطرابات

كان العراق، الذي يحصل على 60 في المائة من احتياجاته المائية من تركيا، هو الأكثر تضرراً من نقص المياه، وواجه أزمات حادة متتالية في أجزاء مختلفة من أراضيه، وبخاصة بعد بدء تشغيل سد إليسو، الذي بني في أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا، عام 2020، والسدود الأخرى التي بنيت على روافد أصغر، ووصلت التوترات إلى ذروتها مع تركيا بشأن هذه المسألة.

يقول خبراء إن إقامة سد إليسو ضمن مشروع تنمية جنوب شرقي تركيا أثر سلباً على حصة العراق من مياه دجلة وخفضها بنسبة 60 % (موقع ولاية بطمان التركية)

وأدت قضايا بيئية أخرى، مثل قطع الأشجار في شمال العراق وسط حملة عسكرية تركية ضد مسلحي «العمال الكردستاني»، إلى تفاقم التوترات مع أنقرة، ولم تسفر الجهود المبذولة للضغط على الحكومة التركية عن أي تغير بخلاف دفع تركيا إلى تأجيل ملء إليسو قليلاً، أي ترحيل المشكلة قليلاً بدلاً من حلها.

وفي صيف عام 2018، تسبب تضاؤل موارد المياه إلى جانب التلوث في نفوق الأسماك في نهر الفرات، وتحول نقص المياه إلى أحد الأسباب الرئيسية للاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد خلال السنوات التي تلت ذلك، وصولاً إلى ذروة الجفاف في 2025 على نحو غير مسبوق منذ 80 عاماً.

وتسبب سد إليسو في انخفاض حصة العراق من مياه نهر دجلة إلى ما يقرب من 60 في المائة بسبب تشغيل مولدات الكهرباء.

وفي يونيو (حزيران) 2025، دعا العراق إلى عدم استخدام ملف المياه ورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية، وطالب بالتوصل إلى رؤية إقليمية مشتركة تعتمد على توزيع عادل للمياه العابرة للحدود، منوهاً في الوقت نفسه بوجود تقدم في المفاوضات وعمل اللجان المشتركة مع الجانبين التركي والإيراني.

وحافظ البلدان، على الرغم من ذلك، على علاقات إيجابية، تطورت بشكل كبير في ظل رئاسة محمد شياع السوداني للحكومة العراقية، حيث تم التوصل إلى تفاهمات أمنية واقتصادية وتجارية وفي ملفات المياه والطاقة، والتركيز على التعاون في مشروع «طريق التنمية».

وتحولت الخلافات المائية، التي ارتبطت أيضاً بالملف الأمني كما في الحالة السورية، إلى سبيل للتعاون بعدما أعلن مجلس الأمن الوطني العراقي حزب «العمال الكردستاني» جماعة محظورة في 2024.

وزيرا خارجية تركيا هاكان فيدان والعراق فؤاد حسين يوقعان اتفاقية آلية التعاون المائي في بغداد بحضور رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في 2 نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

«طريق التنمية» يمرّ بالسياسة

في 2 نوفمبر 2025، وقّع وزيرا الخارجية التركي، هاكان فيدان، والعراقي، فؤاد حسين، «وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي» كآلية لتنفيذ اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه الموقعة في عام 2024 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى العراق.

ورسمت الاتفاقية إطار التعاون المائي في مشروعات تُقدر بمليارات الدولارات، وبموجبها ستقوم شركات تركية بإنشاء بنية تحتية جديدة لتحسين كفاءة استخدام المياه وتخزينها في العراق، ويتم تمويل هذه المشاريع من عائدات النفط العراقي، في محاولة لتحويل صادرات البلاد من النفط الخام إلى أمن مائي.

وحسب ما رشح عن الاتفاقية، التي لم يعلن الجانبان بنودها، تشمل المشاريع الأولية سدوداً لتجميع المياه ومبادرات لاستصلاح الأراضي.

ووصفت أنقرة هذه المبادرة بأنها مفيدة للطرفين من حيث تحقيق الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي. وقال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مراسم التوقيع: «نحن في تركيا حريصون على دعم أمن العراق وتنميته وسلامته، ودعمنا في هذا الشأن مطلق».

ووصف حسين الاتفاقية بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي والإنتاج الغذائي والاستقرار الاقتصادي، لافتاً إلى أن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه نهري دجلة والفرات.

تثبيت رئاسة إردوغان في 2028؟

وأثارت الاتفاقية شكوكاً ومخاوف لدى بعض السياسيين والخبراء في مجال المياه في العراق، وذهب البعض إلى أنها تخدم مصالح تركيا أكثر من العراق، كما تدعم إردوغان في سعيه إلى البقاء في رئاسة تركيا بعد عام 2028.

وتواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية، التي أعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة بمشروع «طريق التنمية» والتعاون المائي، معتبرة أنه طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا.

كما أن مسألة تخصيص إيرادات نفطية لإبرام عقود مع الشركات التركية تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية، فضلاً عن احتمال نشوء عراقيل بسبب الاعتماد على مورد واحد، هو النفط لهذا التمويل، ما يجعله عرضة للمخاطر والتقلبات حسب الأسعار في أسواق النفط العالمية.

مباحثات تركية - عراقية حول المياه والأمن وقضايا التعاون في أنقرة في 2025 (الخارجية التركية)

ويلفت بعض معارضي الاتفاقية إلى عدم وجود إطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب إطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.

وعلى الرغم من بدء عملية بين تركيا وحزب «العمال الكردستاني» لإنهاء نشاطه، فإن ملف الحزب ووجود عناصره في شمال العراق في مناطق لا تسيطر عليها حكومة بغداد، يمكن أن يتسبب في عقبة تحول دون تنفيذ الاتفاقية.

يضاف إلى ذلك أن الأمر لا يقتصر على الأوضاع الداخلية للعراق بل يمتد إلى الوضع الإقليمي، ورؤية بعض الأطراف أن تعزيز العلاقات بين العراق وتركيا قد يشكل ضغطاً عليها، وهو ما قد يحول العراق إلى ساحة للتنافس وصراع النفوذ بين القوى الإقليمية.

الإرث العثماني

بحسب الكاتب التركي، بيلجاي دومان، فإن الاتفاقية تحقق مصلحة مشتركة لكل من تركيا والعراق، لافتاً إلى أن إشكالية المياه بين تركيا والعراق لم تكن وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى مرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، حين تحول دجلة والفرات من نهرين داخليين في كيان سياسي واحد إلى نهرين عابرين للحدود بين دول مستقلة.

لكنه أشار إلى أن ما يميز المرحلة الراهنة في العلاقات التركية - العراقية هو التحوّل التدريجي من منطق الصراع حول تقاسم المياه إلى منطق إدارة المنفعة المشتركة، وإعادة صياغة شاملة لكيفية فهم الموارد العابرة للحدود على أنها أداة دافعة للتكامل، لا مصدر دائم للتوتر.

إردوغان ورئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني خلال توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع طريق التنمية في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التركية)

وأوضح أن الملمح الجديد الأبرز في الاتفاقية يتمثل في الربط العضوي بين ملفي المياه والطاقة، حيث تستخدم عائدات النفط الذي تستورده تركيا من العراق في تمويل مشاريع مائية داخل الأراضي العراقية، وهي مشاريع تنفذها شركات تركية متخصصة في مجالات السدود، وشبكات الري الحديثة، ومعالجة المياه، والحد من الهدر، وبذلك يجرى تجاوز أحد أهم عوائق التنمية في العراق، وهو نقص التمويل، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو شروط مؤسسات مالية دولية.

وأضاف دومان، في مقال عبر منصة «فكر تورو» التركية، أن هذا النموذج يمنح تركيا دوراً جديداً، لا بوصفها دولة تتحكم بمصادر المياه فحسب، بل كشريك في إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وهو ما يعزز نفوذها الإقليمي بأدوات اقتصادية وتنموية بدل الأدوات الصلبة، مع إمكانية التوسع إقليمياً؛ إذ يمكن أن يشكل مرجعاً عملياً للتعاون مع سوريا في المستقبل، خصوصاً فيما يتعلق بإدارة مياه نهر الفرات، وذلك في حال توفرت الظروف السياسية الملائمة، وتحول دبلوماسية المياه في المشرق من مصدر هشاشة وصراع مزمن إلى منصة لبناء الثقة والتكامل الإقليمي، من خلال الربط بين الموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية بدل اختزالها في معادلات السيادة والصراع.

بدورها، قالت الباحثة التركية البارزة في مجال المياه العابرة للحدود، الدكتورة توبا إيفريم مادن، لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حاجة للإدارة المشتركة القائمة على حلول تكنولوجية لموارد المياه بدلاً من الصراع أو النزاعات القانونية.

وأضافت أن مشاكل دول المصب تنتج في الغالب عن غياب الاستقرار السياسي وتدمير البنية التحتية، وبالتالي سوء استغلال الموارد وهدرها.

تركيا ليست غنية بالمياه

خلافاً للاعتقاد السائد، فإن تركيا ليست دولة غنية بالموارد المائية، كما أنها ليست دولة بها الكثير من المياه في منطقتها؛ إذ تقع في منطقة مناخية شبه قاحلة، ولديها مياه أقل من حيث نصيب الفرد السنوي من المياه مقارنة بجيرانها وأميركا الشمالية وشمال أوروبا الغنية بالمياه.

في البلدان الغنية بالمياه، يبلغ نصيب الفرد من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً أكثر من 10 آلاف متر مكعب، وتبلغ هذه الكمية في تركيا نحو 1350 متراً مكعباً، بحسب بيانات وزارة الخارجية التركية.

ووفقاً للتقديرات بأن عدد السكان سيصل إلى 100 مليون في عام 2030، فمن المتوقع أن تتخفض كمية المياه للفرد في تركيا إلى نحو 1000 متر مكعب، ونظراً لأن موارد المياه في تركيا تختلف جغرافياً وموسمياً، فإنها لا تستطيع تلبية الاحتياجات الحالية والمتوقعة في كل منطقة، وبمعنى آخر، بينما تتمتع بعض مناطق تركيا بموارد مائية وفيرة وغير مناسبة للاستخدام، لا توجد مياه كافية في المناطق الصناعية المكتظة بالسكان.

وتتلقى المناطق القاحلة وشبه القاحلة في تركيا 4 أو 5 أشهر من هطول الأمطار سنوياً، ولذلك فإن مشاريع تطوير موارد المياه، مثل السدود والخزانات التي تسمح بتجميع المياه في أوقات المطر لاستخدامها طول العام، ذات أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

في الوقت ذاته، يزداد استهلاك الطاقة في تركيا بسبب التحضر السريع والتصنيع، ويتوافق نصيب الفرد من استخدام الطاقة في تركيا مع سدس متوسط ​​الاتحاد الأوروبي فقط، ولا تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي، ويتم تنفيذ مشاريع لاستخدام الموارد المحلية لتلبية احتياجات الطاقة المتزايدة، للاستفادة من إمكانات الطاقة المائية المتجددة والرخيصة والصديقة للبيئة.

تسببت قلة هطول الأمطار في جفاف خزانات المياه في تركيا وأثرت بشكل كبير على الزراعة في عام 2025 (إعلام تركي)

ووضع تقرير «بؤر الجفاف حول العالم 2023 - 2025»، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80 في المائة من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

ومع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي، وتقترب، بحسب خبراء أتراك ودوليين، من الوصول إلى العتبة الحرجة للفقر المائي» مع احتمالات لتصنيفها رسمياً كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن.

وتراجع نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا من نحو 1650 متراً مكعباً في مطلع الألفية الثانية إلى ما دون 1300 متر مكعب حالياً، مقترباً من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنوياً، ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19 في المائة خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحدياً هيكلياً بالغ الخطورة، كما يقول خبراء المياه.

وشهدت تركيا عاماً من الجفاف الحاد في 2025، تميز بندرة الأمطار وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، وعاشت أكثر شهور ديسمبر (كانون الأول) حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50 في المائة عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

غياب الاستجابة

يرى خبراء أنه رغم تزايد التحذيرات بشأن الوصول إلى خطر الفقر المائي، فإن الاستجابة الرسمية من جانب السلطات لا تزال دون مستوى التحدي.

ونبه أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، مصطفى تشاشماز، إلى أن التبخر الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية، كما أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر مع نزايد موجات الحر، ما يتطلب حلولاً تقنية عاجلة، مثل إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقاً وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها المياه المالحة المعالجة بها.

وأشار، في الوقت ذاته، إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءاً من المشكلة، بسبب استهلاك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة.

وتواجه تركيا واحداً من أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف، وتزايد مظاهر الإجهاد البيئي خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف 2025، التي بلغت نحو 3 آلاف حريق.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم في نحو 90 في المائة من مياه الفرات، وفي قسم كبير من مياه دجلة.

وخلال افتتاح مشاريع مائية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أكد الرئيس رجب طيب إردوغان أن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه كما يعتقد البعض، موضحاً أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 ملليمتراً، وهو ما يقل كثيراً عن المعدل العالمي.

يطالب خبراء بإيجاد حلول تكنولوجية لتقليل فائض خزانات مياه الأمطار المكشوفة في تركيا لتقليل التبخر (إعلام تركي)

ويوضح الخبراء أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75 في المائة من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35 في المائة عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

وأعلنت الحكومة التركية، مؤخراً، عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غرب البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة، وبناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لا سيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

وتتمثل الأولويات العاجلة في خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15 في المائة، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20 في المائة من الطلب الحضري، وتعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.


«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
TT

«مدن مصغرة» وشقق ذكية تواكب أنماط الحياة المعاصرة في السعودية

وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)
وحدات سكنية ضمن المرحلة الأولى من مشروع «سدرة» في شمال الرياض (روشن)

قبل سنوات قليلة كان البحث عن مسكن في الرياض كالسير بين الألغام: أسعار فلكية لمساحات غير مستغلة وسوق تحكمها «التخمينات». ذلك كله تغير بنقرة سريعة على تطبيق ذكي.

في الطابق العشرين من أحد الأبراج المكتبية شاهقة الارتفاع، شمال العاصمة الرياض، يجلس المهندس خالد (38 عاماً) يتأمل في شاشة هاتفه الذكي تطبيق «إيجار». بضع نقرات سريعة كانت كافية لتجديد عقد شقته السكنية في إحدى الضواحي الحديثة، دون الحاجة لزيارة مكتب عقاري تقليدي، أو مواجهة الاختناقات المرورية في شوارع العاصمة، ودون قلق من «مفاجآت» المؤجر التقليدية التي طالما أرَّقت المستأجرين في سنوات مضت.

قبل خمس سنوات فقط، كانت رحلة البحث عن مسكن للمواطن السعودي تشبه السير في حقل ألغام: أسعار فلكية لمساحات شاسعة غير مستغلة، وسوق تحكمها «العلاقات والتخمينات» الشخصية، وغياب للتنظيم. اليوم، يمثل خالد الجيل الجديد من السعوديين الذين لم يعودوا يبحثون عن مجرد «جدران وأربعة حوائط»، بل عن «جودة حياة»: مجمع سكني متكامل، وممرات مشجرة للمشاة، وموثوقية رقمية كاملة، وجوار شركات عالمية اختارت الرياض مقراً إقليمياً لها.

ما يمر به خالد في يومياته ليس مجرد تغيير اعتيادي في عنوان السكن، بل هو الانعكاس الحي لـ«زلزال» تنظيمي واقتصادي واجتماعي صامت تقوده «رؤية 2030»، يعيد تشكيل أعرق وأكبر الأسواق العقارية في المنطقة، ويحوّلها من بيئة تقليدية غير رسمية، إلى منظومة مؤسسية شفافة تجذب رؤوس الأموال كـ«ملاذ آمن»، وسط عالم مضطرب. هذا المشهد الفردي يعكس بدوره مساراً أوسع تشهده السوق العقارية السعودية، التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقودها مشاريع كبرى، وإصلاحات تنظيمية متتابعة، وتوسع عمراني واقتصادي متسارع في مختلف مناطق المملكة، لا سيما في المدن الرئيسة، وعلى رأسها الرياض.

مشهد عام لمساحات مخصصة لمشاريع الإسكان الحديثة في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

تحول هيكلي ضمن «رؤية 2030»

إن هذا التحول الهيكلي اللّافت الذي تترجمه شاشة هاتف خالد، يختصر الجهود المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي لم تعد تستهدف توفير وحدات سكنية مجردة، بل رَفْع جودة الحياة، وزيادة نسب التملك، وتطوير بيئة عمرانية معاصرة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتسارع.

ويؤكد مختصون عقاريون أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو السكاني الطبيعي، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بجذب الاستثمارات الأجنبية، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، وتطوير المدن الكبرى كمراكز اقتصادية إقليمية، مع إصلاحات تنظيمية غير مسبوقة. ويضيف الخبراء أن المؤشرات الحالية تؤكد أن القطاع العقاري يتجه نحو مزيد من الاحترافية والشفافية والاستدامة، بما يجعله أحد أهم المحركات الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة، مشيرين إلى أن هذه الجهود المتناغمة أعادت رسم ملامح القطاع العقاري السكني والاستثماري، ومنظومة الإسكان بأسرها في أربعة محاور أساسية هي الأسعار، والتمويل، والتشريع، والذوق المعماري، إلى جانب تنظيم علاقة المالك بالمستأجر.

أحد المجمعات السكنية الحديثة في الرياض وقد بدت مواقف السيارات والفسحة الخضراء المشتركة (الشرق الأوسط)

صحيح أن السوق العقارية لم تصل بعد إلى نقطة التوازن الكامل، وما زال الطلب أقوى من العرض في المدى المنظور؛ ما يسهم في احتفاظ الأسعار ببعض زخم الارتفاع مع تفاوت حسب المدينة ونوع السكن، إلا أن التشريعات الجديدة وزيادة المعروض المنظم وتوسع أدوات التمويل المدعوم، تُشير جميعها إلى مستقبل أكثر استدامة واتزاناً.

وكان القطاع العقاري قد شهد نقلة تنظيمية غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، عبر مجموعة من الأنظمة واللوائح التي أسهمت في تعزيز شفافية وحوكمة القطاع، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، وترخيص الوسطاء والمنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية، وتوثيق العمليات العقارية إلكترونياً؛ ما انعكس في الحد من الممارسات غير النظامية، ورفع موثوقية البيانات العقارية، ورفع كفاءة السوق وشفافيتها.

ويبرز هنا دور تفعيل وتطوير منصة «إيجار» وتعزيز دورها في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، ورفع موثوقية السوق الإيجارية، حيث تتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للعقار لتؤكد هذا النجاح التاريخي؛ إذ تجاوز عدد العقود الإيجارية المسجلة عبر المنصة حاجز الـ10 ملايين عقد منذ إطلاقها، تشكل العقود السكنية منها النسبة الأكبر بنحو 8.3 مليون عقد، تمثل 82.3 في المائة من إجمالي العقود، فيما بلغ عدد العقود التجارية نحو 1.7 مليون عقد، مع تسجيل طفرة توثيقية بلغت أكثر من 1.5 مليون عقد خلال عام 2024 وحده.

أحد مشاريع «الوطنية للإسكان» وقد بدت الوحدات السكنية المتوسطة والمستقلة (الشرق الأوسط)

مدن مصغرة ومجتمعات مكتفية

عند الغوص في تفاصيل هذه المجمعات السكنية الجديدة، يتضح أنها لم تعد مجرد كتل خرسانية متراصة للنوم، بل تحولت إلى «مدن مصغرة» مكتفية ذاتياً ومصمَّمة هندسياً لتلبية احتياجات الحياة المعاصرة دون عناء. فالمجمع الذي يقطنه خالد يضم في محيطه نادياً صحياً متطوراً (جيم) منفصلاً، وصيدلية، وميني ماركت متكاملاً، ومقاهي ومغاسل ملابس؛ ما يجعل الساكن في غنى عن مغادرة أسوار المجمع لقضاء احتياجاته اليومية الأساسية.

وتتخذ الحياة داخل هذه المشاريع شكلاً اجتماعياً جديداً يرتكز على «المساحات المشتركة»؛ حيث توفر الحدائق الداخلية المفتوحة، والملاعب الرياضية، والمجالس العامة المخصصة لساكني المجمع بيئة خصبة تتيح للأطفال اللعب بأمان وللكبار التلاقي العفوي. هذا النمط المعماري قدم بدوره بديلاً عصرياً ومنظماً تخلل مكان فكرة «الحي التقليدي» أو «الحارة والشارع القديم» (ما يُطلق عليه «الفريج»). فبدلاً من التفاعل العشوائي السابق في الأزقة، باتت هذه المساحات المشتركة تخلق شبكة علاقات اجتماعية آمنة بين العائلات والوافدين من مختلف الثقافات، تلائم تماماً إيقاع الحياة العصري والسريع.

وهنا يبرز تحول سيكولوجي لافت يفرضه هذا النمط المعماري الجديد، وهو الانتقال نحو مفهوم «العزلة الاختيارية» أو «الخصوصية المشروطة»؛ فخلافاً لـ«الفريج» القديم الذي كان يفرض تفاعلاً اجتماعياً دائماً ومستقراً قد لا يحبذه جيل الشباب اليوم، تمنح المجمعات الحديثة قاطنيها مرونة كاملة في اختيار أوقات الراحة وأوقات التفاعل الاجتماعي.

رجل سعودي يعبر زقاقاً في أحد الأحياء التراثية السياحية في الرياض (غيتي)

الأسرة الصغيرة وغياب «بيت الجد»

هذا التحول المعماري واكبه تحوّل اجتماعي أعمق في بنية الأسرة السعودية التقليدية؛ فلو سألت والد خالد قبل عقدين من الزمن عن مسكن العمر، لقال دون تردد: «فيلا رئيسية كبرى بأسوار عالية ومساحات هائلة تجمع الأبناء والأحفاد». في ذلك الوقت، كان مفهوم «بيت الجد» هو المحور الأساسي الذي يتوزع الأبناء في شقق فوقه أو ملاحق حوله في سكن مشترك ممتد. أما اليوم، فقد انفرط عقد هذا النمط التقليدي لصالح استقلالية كاملة للأسرة النواة الصغيرة. جيل خالد بات يفضل العيش المستقل في شقق معاصرة ومجمعات ذكية تمنحه الخصوصية والراحة وتتناسب مع قدراته المالية، مبتعداً عن أعباء الفيلات السكنية الضخمة والمتهالكة التي باتت تمثل إرثاً معمارياً يصعب على جيل الشباب إدارته أو تحمل تكاليف صيانته وتشغيله بشكل منفرد.

مرونة وعناية بلا «عمالة»

لم يتوقف التغيير عند حدود حجم المسكن، بل امتد ليعيد صياغة تفاصيل الحياة اليومية من الداخل وطبيعة الصيانة المنزلية؛ فالشقق والمجمعات الحديثة بتصاميمها المدروسة والذكية ألغت تماماً الحاجة للأنماط المعمارية السابقة، مثل «الملاحق الخارجية المنفصلة» أو «مجالس الضيوف الضخمة المعزولة» التي كانت تلتهم مساحات شاسعة دون استخدام حقيقي؛ حيث استبدلت بها جلسات داخلية مفتوحة وعملية.

هذه الكفاءة في المساحة وسهولة العناية بالموقع أدَّت تلقائياً إلى تخلي كثير من الأسر المعاصرة عن مفهوم «العاملة المنزلية المقيمة» أو «السائق الخاص»؛ إذ وفرت شركات إدارة المجمعات خدمات صيانة مركزية دورية تشمل النظافة والترميم بضغطة زر عبر التطبيقات، مما قلَّص التكاليف والالتزامات الأسرية المعتادة في البيوت الكبيرة القديمة.

ركاب على متن مترو الرياض في محطة جامعة الملك سعود (أ.ف.ب - غيتي)

النقل وثقافة المترو

على مستوى التخطيط الحضري، ارتبطت هذه الضواحي والمجمعات السكنية الجديدة بشبكة طرق وشرايين نقل حديثة صممتها الدولة لفك الاختناقات المرورية. هذه المشاريع لم تعد تُحدِث ازدحامات عشوائية في محيطها بفضل المداخل والمخارج الذكية، بل على العكس تماماً، بدأت في بث ثقافة جديدة كلياً في المجتمع العقاري، وهي ثقافة الاعتماد على المواصلات العامة.

وجرى ربط معظم هذه المجمعات المعاصرة بمسارات حافلات الرياض ومحطات «مترو الرياض» الذكي، مما دفع موظفين، مثل خالد وجيرانه من الوافدين التنفيذيين، إلى ترك سياراتهم الخاصة في مواقف المجمع، وتفضيل المترو للوصول إلى مقار عملهم في الأبراج المكتبية، شمال ووسط العاصمة، متجاوزين عناء القيادة اليومية.

المرأة... وافد جديد إلى ملعب العقار

لعل التحول الاجتماعي الأكثر دلالة في المجمعات السكنية لعام 2026 هو قدرة الفتيات والمستقلات على السكن بمفردهن والعمل في السعودية كعازبات؛ فقد تلاشت إلى حد بعيد النظرة الفاصلة بين مجمعات «العزاب» ومجمعات «العائلات»، لتصبح الكفاءة والأمان والالتزام بالأنظمة هي المعيار الوحيد الذي يحكم الجميع في مجمعات مختلطة وراقية تحتضن الجميع دون تمييز.

وفي هذا السياق، تروي ريم العبد الله (29 عاماً)، وهي اختصاصية تسويق في إحدى الشركات العالمية بالرياض، تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «انتقلت من المنطقة الشرقية إلى الرياض قبل عامين، بعد حصولي على فرصة عمل، وكان أكبر مخاوفي هو العثور على مسكن آمن ومستقل يعكس نمط حياتي المعاصر كفتاة عازبة تركز على مسيرتها المهنية، لكن الواقع هنا تجاوز كل توقعاتي».

وتستطرد ريم في حديثها عن تفاصيل حياتها اليومية داخل المجمع قائلة: «المجمع الذي أقطنه ليس مجرد مكان للنوم، بل هو نظام حياة متكامل وخالٍ من التعقيد؛ فلم أعد بحاجة لاستقدام عاملة منزلية مقيمة أو الاعتماد على سائق خاص كالسابق؛ حيث تتيح لي إدارة المجمع، عبر تطبيقها الذكي، جدولة خدمات التنظيف والصيانة الدورية بضغطة زر وبموثوقية عالية تمنحني طمأنينة كاملة أثناء غيابي في العمل. وحتى نمط تسوقي واهتمامي بصحتي تغير؛ فالجيم والصيدلية والميني ماركت تقع كلها على بُعد خطوات من مصعد شقتي، مما وفر عليَّ عناء القيادة والبحث عن مواقف بعد يوم عمل طويل».

سعوديتان تمشيان أمام جامع الإمام تركي بن ​​عبد الله في الرياض (أ.ف.ب)

وعن البُعد الاجتماعي وثقافة التنقل الجديدة في العاصمة، تضيف ريم لـ«الشرق الأوسط»: «المساحات المشتركة والمقاهي الملحقة بالمجمع خلقت بديلاً حضارياً وذكياً عن الحي التقليدي؛ حيث ألتقي بجيراني من السعوديين والوافدين وسط أجواء يملأها الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة». وتضيف: «الأجمل من ذلك، أن المجمع مرتبط مباشرة بشبكة النقل الحديثة؛ إذ تفصلني دقائق معدودة مشياً عن محطة المترو، مما جعلني أتخلى تماماً عن قيادة سيارتي في ساعات الذروة الصباحية، لأصل إلى مكتبي، شمال الرياض، براحة تامة وبثقافة نقل عام لم نكن لنتخيلها قبل سنوات؛ فالأنظمة العقارية والأمنية والتحول الحضري هنا منحني أماناً واستقلالية جعلت من سكني في الرياض مكاناً لتحقيق طموحي العملي والشخصي».

حركة حيوية للمارة والمتسوقين في شارع التحلية التجاري النابض بالحياة بوسط العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

العاصمة تشعل «ثورة الطلب»

من شرفة مجمّعه السكني، يلاحظ خالد تنوعاً كبيراً في وجوه جيرانه؛ فبينهم الموظف التنفيذي القادم من جدة، والخبير التقني الأوروبي، والمستثمر الآسيوي. وفي قراءة تحليلية لعمق هذا المشهد، يقول الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنّ القطاع يعيش مرحلة تحول استثنائية تقودها مستهدفات الرؤية، حيث لم يعد الطلب على السكن مرتبطاً بالنمو الديموغرافي التقليدي، بل بات انعكاساً مباشراً للتحول الاقتصادي الكبير الذي تشهده المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض.

ولفت إلى أن خطط تحويل العاصمة إلى مركز اقتصادي عالمي، واستقطاب المقرات الإقليمية للشركات الدولية، أطلقت موجة هجرة داخلية وخارجية واسعة شملت موظفين تنفيذيين ومتخصصين وطلاباً ورواد أعمال - كحالة المهندس خالد وزملائه - مما خلق طلباً غير مسبوق على الوحدات السكنية، سواء للتملك أو الإيجار.

وفي المقابل، يرى الزهراني أن المعروض السكني يواجه تحدياً طبيعياً في مواكبة هذا التدفق المتسارع؛ فالمشاريع الجديدة تتقدم بوتيرة عالية، غير أن هندستها الإنشائية تحتاج إلى وقت لتنعكس بالكامل على السوق، بينما يستمر توافد السكان والأنشطة الاقتصادية بوتيرة أسرع، ما يفسر جانباً من فجوة الأسعار الحالية وارتفاع الإيجارات في بعض المناطق الحيوية التي يقطنها الجيل الجديد.

شقق سكنية في «كافد» بالعاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني)

ميزان التمويل وتحديات الفائدة

هذه الفجوة بين العرض والطلب ترافقت مع تبدل في حسابات الأسر التمويلية. فالمهندس خالد، كغيره من أبناء جيله، يتابع بدقة تحركات السياسات النقدية. ويشير الزهراني إلى أن أسعار الفائدة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بسنوات الطفرة التمويلية السابقة، وذلك في إطار التوجهات الهادفة إلى كبح موجات التضخم والارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق العالمية، خلال الأعوام الماضية.

هذا الارتفاع انعكس تلقائياً على القوة الشرائية للأفراد، ودفع كثيراً من الأسر إلى إعادة حساباتها التمويلية وتأجيل بعض قرارات التملك أو البحث عن خيارات أكثر مرونة، كالإيجار المؤقت الذكي.

يقول الزهراني هنا: «الحكومة السعودية تدرك تماماً هذه التحديات وما تفرضه من ضغوط على المستهلكين، لذلك بادرت بإطلاق حزمة واسعة من الحلول المرنة عبر وزارة البلديات والإسكان وصندوق التنمية العقارية وبرنامج (سكني)، بالشراكة مع المطورين، لتخفيف أثر تكلفة التمويل وزيادة المعروض».

وتتجلى هذه الحلول التي تتبناها المملكة في حزمة تدابير تشريعية وتنظيمية وتمويلية شاملة يترجمها «برنامج الإسكان» أحد أبرز برامج «رؤية 2030»، التي وضعت نصب عينيها هدفاً استراتيجياً برفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 70 في المائة بحلول عام 2030 (وصلت النسبة حالياً إلى 66.2 في المائة من 47 في المائة في 2016)، مدعومة بـ4 محاور استراتيجية تلامس تفاصيل يوميات مواطنين مثل خالد.

التمكين التمويلي الذكي

لم يعد التمويل العقاري عبئاً منفرداً؛ إذ يقدم برنامج «سكني» خيارات تمويلية مدعومة بالشراكة مع البنوك المحلية لتسهيل شراء الوحدات الجاهزة أو البناء الذاتي، بالتوازي مع الدور المحوري الذي تلعبه الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC) بضخ السيولة في السوق، وتثبيت نسب المرابحة طويلة الأجل لحماية جيل الشباب من تقلبات الفائدة العالمية، دون إغفال الفئات الأشد حاجة، عبر تسليم أكثر من 95 ألف وحدة سكنية تنموية تراكمية من خلال برنامج الإسكان التنموي.

الحوكمة ومنع العشوائية

الرحلة الرقمية التي اختبرها خالد بهاتفه تدعمها حزمة من التنظيمات الرقابية؛ بدءاً من منصة «إيجار» وتحويل عقودها إلى «صكوك تنفيذية» تحمي حقوق الجميع، مروراً بتنظيم الوساطة العقارية وحصرها على المرخصين من الهيئة العامة للعقار، وصولاً لبرنامج «وافي» الذي ينظم البيع على الخريطة ويحمي أموال المشترين ويوفر تدفقات آمنة للمطورين.

مترو الرياض يعبر وسط المدينة (أ.ف.ب)

تكسير الاحتكار وأنسنة الضواحي

لضبط ميزان الأسعار ومحاربة المضاربات، جاء تفعيل برنامج «رسوم الأراضي البيضاء» داخل النطاق العمراني ليجبر الملّاك على تطويرها أو بيعها، مما ضاعف المعروض العقاري، وتزامن ذلك مع صعود الضواحي السكنية الكبرى التي تقودها شركات وطنية عملاقة، مثل «روشن» (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة) لتقديم أحياء متكاملة الخدمات تعزز جودة الحياة وأنسنة المدن.

عالمية السوق والاستدامة

التحول لم يقف عند حدود الداخل؛ فمع بدء نفاذ النظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار لعام 2026، فُتحت الأبواب لرساميل عالمية ومسارات استثمارية منظمة وضعت العقار السعودي كـ«حصان أسود» دولي، ترافقه منصات رقمية تضمن جودة الأصول المستدامة، مثل منصة «البناء المستدام»، لفحص المباني قبل الشراء.

ويتوقع الزهراني بدء ظهور دورة أكثر توازناً بين العرض والطلب، في ظل استمرار المشاريع الكبرى وبرامج التطوير الحضري، بشكل تدريجي خلال السنوات المقبلة، وأن تتضح آثارها بشكل أكبر بحلول عام 2028، بما يضمن لجيل خالد فرص تملك أكثر استدامة وأقل عبئاً على المدى الطويل.

امرأتان تتبضعان من سوق محلية وسط الرياض (أ.ف.ب)

وداعاً لـ«الفلل الهالكة»

التغيير لم يكن في طريقة الدفع فحسب، بل في فلسفة المسكن ذاته. لو سألت والد خالد قبل عشرين عاماً عن بيت العمر، لقال فوراً: «فيلا بأسوار عالية ومساحات شاسعة». لكن خالد يفضل شقته الحديثة ذات الممرات المشجرة.

هذا التحول الجوهري يحلله الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أنَّ السوق السكنية تشهد مرحلة تحول نوعي تتجاوز مفهوم توفير الوحدات السكنية المجردة إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030»، حيث لم يعد النجاح يُقاس بعدد الوحدات المطوَّرة، بل بقدرتها على رفع جودة الحياة وتحسين تجربة السكن اليومية.

وفيما يتعلق بدور المطورين العقاريين، يشير الموسى إلى أن الضواحي السكنية الكبرى أسهمت في ترسيخ مفهوم «أنسنة المدن» عبر توفير بيئات متكاملة تجمع بين السكن، والخدمات، والمرافق، والمساحات المفتوحة المشجرة، ضمن نطاق واحد، يحمي سكانها من التنقل اليومي الطويل.

هذا التحول في المعروض واكبه (بحسب الموسى) تغير طبيعي في تفضيلات الأسر السعودية، فالمستهلك اليوم (مثل خالد) أصبح أكثر وعياً واهتماماً بكفاءة المسكن، وجودة الموقع، وسهولة الصيانة، مقارنة بالتركيز التقليدي السابق على المساحات الضخمة المهدورة.

ونتيجة لذلك، نشهد اليوم إقبالاً متزايداً على الشقق السكنية الحديثة والمجمعات المتكاملة التي توفر تجربة معيشية تليق بمتطلبات الحياة المعاصرة.

ثورة التشريعات

السهولة الرقمية التي جدد بها خالد عقده لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج ثورة تشريعية قطعت دابر العشوائية العقارية. فقد شهد القطاع نقلة تنظيمية غير مسبوقة عززت الشفافية والحوكمة، ومن أبرزها: نظام الوساطة العقارية، ترخيص المنصات العقارية، وإطلاق المؤشرات الإيجارية.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الله الموسى أن الأنظمة الحديثة وتنظيم الإعلانات العقارية حمت المتعاملين وجعلت البيانات أكثر دقة لمساعدة المستهلك والمستثمر على اتخاذ قراره بكفاءة، لافتاً إلى الدور المحوري لمنصة «إيجار» في تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وتوثيق الحقوق والالتزامات إلكترونياً، مما قلّص النزاعات القضائية وسرّع إجراءات المعالجة؛ فلم يعد أحد مضطراً لانتظار «مفاجآت المؤجر»، أو زيارة المكاتب التقليدية.

«الحصان الأسود»

حين يغادر خالد مكتبه في ذلك البرج الشمالي، يلتقي في ردهة الاستقبال بمديري مقار الشركات العالمية التي انتقلت حديثاً للرياض. هذا المشهد يؤكد أن العقار السعودي بات يظهر في الأفق الدولي كـ«ملاذ آمن» وسط عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية.

وحول هذا التفاعل الدولي، يؤكد الخبير والمقيّم العقاري المهندس أحمد الفقيه، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاضطرابات الحالية أثبتت أن السعودية هي البيئة الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، لامتلاكها قدرات سيادية وعسكرية متطورة، وهي النقطة التي منحت المستثمرين غير السعوديين رسالة طمأنينة إضافية.

العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

ويوضح الفقيه أن الجاذبية الاستثمارية العالية الحالية للسوق العقارية تبلورت بشكل واضح في التشريعات الأخيرة التي دعمت المستثمر الأجنبي والسعودي على حد سواء، من خلال عدة قنوات استراتيجية، أبرزها نظام الإقامة المميزة، وقانون تملك واستثمار غير السعوديين المحدث الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية هذا العام (2026).

وتجمع التقارير الدولية الصادرة حديثاً على أن السعودية هي «الحصان الأسود» في ملف الاستثمار العقاري العالمي.

وتابع الفقيه بالقول: «إن الأرقام الصادرة عن وزارة الاستثمار تثبت أن المملكة تتقدم يوماً بعد يوم كعملاق اقتصادي قادم لـ«الشرق الأوسط». ويكفي النظر إلى زخم وكثافة الشركات العالمية التي نقلت مقارها الإقليمية إلى العاصمة الرياض، والتي تجاوزت في آخر الإحصاءات الرسمية لعام 2026 أكثر من 660 شركة إقليمية، لندرك حجم المناخ القانوني الجاذب».

وأكمل الفقيه برصد نبض السوق الميداني الذي يتقاطع مع محيط خالد الوظيفي قريباً: «بحكم عملنا ووجودنا اليومي داخل السوق، نلاحظ بشكل جلي تنامي رغبة غير السعوديين في التملك والاستثمار؛ حيث أبرمت بالفعل جنسيات متعددة صفقات ضخمة، وفي مقدمتها الجنسيات الصينية والمصرية وغيرها، وقد تضاعف زخم هذه الأعداد والصفقات مع دخول التصنيفات والتشريعات المحدثة حيز النفاذ مؤخراً».

ميزان التحديات

هذه الترسانة التشريعية والتحولات الرقمية الباهرة التي يلمسها جيل خالد، لا تلغي أن الطريق نحو نقطة الاتزان العقاري الكاملة لا يزال يمر عبر حقل من التحديات التي يفرضها الواقع الاقتصادي والميداني.

ويتمثل أول هذه التحديات في فجوة المدى الزمني بين العرض والطلب؛ فبينما يتدفق السكان والمقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى العاصمة الرياض بوتيرة متسارعة وخاطفة، تحتاج المشاريع الإنشائية والضواحي السكنية الكبرى إلى دورة زمنية تمتد لسنوات حتى تكتمل وتنعكس بالكامل كمخزون متاح في السوق، وهو ما يفسر استمرار طفرة الإيجارات وضغوط الأسعار الحالية في المناطق الحيوية.

أحد المراكز التجارية التابعة لـ«سينومي سنترز» في الرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

وعلى جبهة أخرى، تبرز معادلة تكلفة التمويل كتحدٍ مباشر يواجه القوة الشرائية للأفراد؛ فبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة كأداة لكبح التضخم العالمي يضع عبئاً إضافياً على الأسر، ويدفع قسماً من جيل الشباب إلى تأجيل قرارات التملك واللجوء لخيارات مرنة، مما يضع برامج الدعم السكني أمام اختبار مستمر لابتكار حلول تمويلية أكثر ديناميكية.

يُضاف إلى ذلك تحدي مواكبة المطورين العقاريين المحليين للسرعة والمعايير الصارمة التي تفرضها مفاهيم «أنسنة المدن» والبناء المستدام؛ حيث تتطلب السوق اليوم تحولاً كاملاً من الشركات العقارية التقليدية نحو العمل المؤسسي، لضمان تسليم وحدات ذات جودة عالية وبأسعار تنافسية تلائم الشريحة الأوسع من المواطنين دون تأخير في الجداول الزمنية للبيع على الخريطة.

في الختام، يعود خالد إلى شقته مساءً، يسير في الممر المشجّر المؤدي إلى بوابته الرقمية، يدرك تماماً أن تفاصيل يومه البسيطة هي جزء من لوحة رسمتها «رؤية 2030»... لوحة لا تبني مجرد ناطحات سحاب، بل تُعيد صياغة نمط وعمران حياة بأكملها.