«آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي

نمت في الهوامش الرمادية للقوانين وكسرت أسوار «المدينة الملاذ»

متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
TT

«آيس»... مواجهة مفتوحة بين «دولة ترمب» والمجتمع الأميركي

متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد «آيس» يرفعون شعارات تطالب الكونغرس باستعادة صلاحياته في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعد الهجرة ملفاً إدارياً خلافياً يطفو على السطح في مواسم الانتخابات ثم يتراجع؛ بل تحولت إلى محور صدام مفتوح يعكس انقساماً عميقاً داخل الدولة الأميركية نفسها. وفي قلب هذا الصدام تقف وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس)، لا بوصفها جهازاً تنفيذياً فحسب؛ بل باعتبارها رمزاً لنهج سياسي وأمني متشدد، وعنواناً لصراع أوسع حول معنى الأمن، وحدود السلطة، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.

وخلال الأشهر الماضية، بات اسم «آيس» حاضراً في نشرات الأخبار، وساحات القضاء، وميادين الاحتجاج، مع توسع عملياتها داخل المدن الكبرى، وازدياد الاحتكاك المباشر بين عناصرها والسكان. الوكالة التي أُنشئت في الأصل في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، تواجه اليوم اتهامات بأنها تجاوزت دورها التنفيذي، لتتحول إلى قوة أمنية داخلية ذات طابع شبه عسكري، تعمل في قلب الأحياء السكنية، وتختبر عملياً حدود الدستور الأميركي. بينما يؤكد أنصارها أنها تمارس صلاحيات قانونية ضرورية لحماية الأمن القومي وتطبيق قوانين الهجرة.

قوات «أيس» تعتقل متظاهراً في مينيابولس - 15 يناير 2026 (أ.ب)

 

نقطة اشتباك

لم تعد «آيس» وكالة تقنية لإدارة الهجرة؛ بل ظاهرة سياسية وأمنية واجتماعية، تحوّلت بفعل السياق السياسي إلى نقطة اشتباك بين الحكومة الفيدرالية والسلطات المحلية، وبين الدولة والمجتمع. فكيف نشأت هذه الوكالة وتطورت صلاحياتها؟ وما بنيتها البشرية وأساليب عملها؟ وما الاتهامات الموجهة إليها، والجدل الدستوري المتصاعد حولها، خصوصاً بعد ما جرى في ولاية مينيسوتا، عبر استهداف الجالية الصومالية، ما حولها خلال فترة وجيزة من ولاية هادئة نسبياً إلى نموذج مصغر للأزمة الوطنية؟

 

من رحم «11 سبتمبر» إلى وزارة الأمن الداخلي

تأسست «أيس» عام 2003، في سياق إعادة هيكلة شاملة للأجهزة الأمنية الأميركية عقب هجمات 11 سبتمبر، حين سادت داخل واشنطن قناعة بأن تفكك الصلاحيات بين أجهزة الهجرة والجمارك يخلق ثغرات أمنية خطيرة. قبل ذلك، كانت مهام الهجرة موزعة بين دائرة الهجرة والتجنيس والجمارك الأميركية، في نموذج عُدّ بيروقراطياً وغير قادر على التعامل مع التهديدات الجديدة، فجاء قرار دمج هذه الصلاحيات في وكالة واحدة، أُلحقت بوزارة الأمن الداخلي المستحدثة، لتعكس عقلية ما بعد الهجمات، حيث باتت الهجرة تُقرأ من زاوية الأمن القومي بقدر ما تُقرأ من زاوية القانون.

ومنذ لحظة تأسيسها، حملت «آيس» في بنيتها الداخلية توتراً بنيوياً: هل هي جهاز مدني لإدارة ملف قانوني وإنساني معقّد؟ أم أداة أمنية هدفها حماية الدولة من أخطار محتملة؟ هذا السؤال لم يكن نظرياً فقط، بل انعكس في ثقافة الوكالة، وفي طريقة تدريب عناصرها، وفي أسلوب عملها الميداني، خصوصاً مع توسع صلاحياتها التدريجي.

عناصر من «أيس» يحرسون مدخل فندق قبيل مظاهرة مناهضة لهم في مينيابوليس - مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ب)

«أيس» والصورة الذهنية

في الواقع تعمل «آيس» عبر ذراعين رئيسيتين مختلفتين جذرياً في طبيعة المهام. الذراع الأولى هي إدارة الإنفاذ والترحيل، المسؤولة عن توقيف المهاجرين غير النظاميين، واحتجازهم، وتنفيذ قرارات الترحيل. وهي الذراع الأكثر احتكاكاً بالجمهور، والأكثر إثارة للجدل، لأنها تعمل داخل الأحياء السكنية وأماكن العمل وحول المحاكم والمدارس.

أما الذراع الثانية فهي إدارة التحقيقات في الأمن الداخلي؛ وهي جهاز تحقيقي يتعامل مع ملفات تهريب البشر والمخدرات، والجرائم المالية، والإرهاب، والجرائم السيبرانية، وغالباً ما تحظى بتقدير حتى من منتقدي الوكالة.

غير أن الرأي العام لا يميز كثيراً بين هاتين الوظيفتين؛ فالصورة الذهنية لـ«آيس» تشكلت أساساً من مشاهد المداهمات، والاعتقالات المفاجئة، والعناصر المسلحة بملابس تكتيكية، وهي صور ارتبطت حصراً تقريباً بإدارة الإنفاذ والترحيل. ويقول مسؤول أمني أميركي سابق عمل في وزارة الأمن الداخلي، إن المشكلة ليست في طبيعة التحقيقات التي تقوم بها الوكالة؛ بل في الطريقة التي تُنفذ بها عمليات الترحيل داخل بيئات مدنية حساسة، حيث يكون أي خطأ أو سوء تقدير قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية.

منذ تأسيسها، عملت «آيس» تحت إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، لكن حجم دورها وطبيعة تفويضها تغيّرا بشكل واضح تبعاً للتوجه السياسي في البيت الأبيض. في عهد الرئيس باراك أوباما، حاولت الإدارة نظرياً فرض أولويات لإنفاذ قوانين الهجرة، تركز على ترحيل من يشكلون خطراً أمنياً أو جنائياً. غير أن هذه السياسة لم تمنع تسجيل أرقام ترحيل مرتفعة، ما دفع ناشطين إلى اتهام أوباما بأنه «رحّل أكثر من أي رئيس آخر»، رغم خطابه الأكثر تصالحية.

كتابات تدعو إلى خروج هيئة «أيس» من مينيسوتا - الأحد 25 يناير (أ.ف.ب)

توسيع الصلاحيات

التحول الجذري جاء مع إدارة ترمب الأولى، حين أُلغي معظم القيود، وتوسعت صلاحيات «آيس» عملياً لتشمل جميع المهاجرين غير النظاميين، بغض النظر عن سجلاتهم أو ظروفهم. ومع عودة ترمب إلى الحكم في ولايته الثانية، مدعوماً بخطاب سياسي يربط الهجرة بالجريمة، ويمنح الوكالة غطاءً سياسياً واسعاً، عاد هذا النهج بقوة أكبر، خصوصاً مع توسيع نشاطها داخل الولايات غير الحدودية؛ مثل مينيسوتا، وإلينوي، ونيويورك، وتعزيز تعاونها مع الشرطة المحلية، ما جعلها حاضرة في مدن لم تكن معتادة على هذا النوع من العمليات الفيدرالية المكثفة. وهو ما فُسّر من قبل منتقدي الوكالة بوصفه تصعيداً في توظيف القوة التنفيذية، وعجزاً في التفريق بين إنفاذ القانون وتنفيذ سياسات الهجرة بطرق متشددة. وفي أحد خطاباته، قال ترمب إن الدولة لا يمكن أن تكون دولة بلا حدود، ولا يمكن للقانون أن يكون قانوناً إذا لم يُنفذ، وهي عبارات تحولت إلى مرجعية سياسية لعمل «آيس».

كما هدّد ترمب باستعمال قانون التمرد الذي لم يتم استخدامه منذ عام 1992، حين استعمله الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في لوس أنجليس، بعد مقتل الأميركي من أصول أفريقية رودني كينغ، على أيدي عناصر من الشرطة. ويعطي هذا القانون الحكومة الفيدرالية صلاحيات تتخطى السلطات المحلية، ويُمكّن الرئيس من نشر قوات مسلحة في الولاية، كما ينقل سلطة التحكم بالحرس الوطني فيها من الحاكم إلى البيت الأبيض.

عناصر «أيس» في مينيابوليس - 21 يناير 2026 (أ.ب)

الموارد البشرية ومشكلة «المتعاقدين»

يبلغ عدد موظفي الوكالة نحو 20 ألف موظف، موزعين بين ضباط تنفيذ، ومحققين فيدراليين، ومحللي استخبارات، وموظفي احتجاز، وكوادر إدارية. ويأتي هؤلاء من خلفيات متنوعة تشمل الشرطة المحلية والولائية، والجيش الأميركي، خصوصاً قدامى المحاربين، ووكالات فيدرالية أخرى، إضافة إلى خريجي جامعات في تخصصات القانون والأمن. ويتلقى المنتسبون تدريباً فيدرالياً متخصصاً يركز على قوانين الهجرة، والإجراءات الجنائية، واستخدام القوة، والسلامة الميدانية، لكنه يبقى أقصر وأقل شمولاً من التدريب العسكري، ما فتح الباب أمام انتقادات تتعلق بجاهزية بعض العناصر للعمل داخل مجتمعات مدنية متوترة.

أحد أكثر الملفات حساسية في عمل «آيس» يتمثل في اعتمادها الواسع على متعاقدين من القطاع الخاص، لا سيما في تشغيل مراكز الاحتجاز ونقل المحتجزين. هؤلاء المتعاقدون لا يتمتعون بالصفة نفسها للموظف الفيدرالي، ولا يخضعون دائماً للمعايير الصارمة ذاتها في التوظيف والمساءلة. ووثقت تقارير حقوقية وإعلامية خلال السنوات الماضية، حالات سوء معاملة وإهمال طبي واستخدام مفرط للقوة داخل مراكز احتجاز تديرها شركات خاصة. ويرى منتقدون أن خصخصة جزء من منظومة الاحتجاز خلقت حوافز مالية غير مباشرة لتوسيع عمليات التوقيف، حيث تُحتسب قيمة بعض العقود على أساس عدد المحتجزين.

ولا يوجد داخل «آيس» برنامج رسمي يمنح المهاجرين غير النظاميين الإقامة أو الجنسية مقابل العمل مع الوكالة، كما هي الحال في الجيش الأميركي. لكن عملياً، تعتمد الوكالة على مخبرين وشهود متعاونين في قضايا تهريب البشر أو الجريمة المنظمة، وقد يحصل بعض هؤلاء على تسهيلات قانونية مثل تأشيرات خاصة لضحايا الجرائم أو الاتجار بالبشر. ويرى محامون أن هذه المساحة الرمادية تثير أسئلة أخلاقية جدية، خصوصاً عندما يكون الشخص مهدداً بالترحيل، ويُطلب منه التعاون تحت ضغط الخوف.

مينيسوتا: مواجهات مفتوحة

بلغ الجدل حول «آيس» ذروته في ولاية مينيسوتا، التي شهدت منذ أواخر عام 2025، انتشاراً واسعاً لعناصر الوكالة ضمن ما عُرف بـ«عملية زيادة سعة المترو»، التي وُصفت بأنها أكبر عملية إنفاذ للهجرة في تاريخ الولاية، وتركزت في مدينتي مينيابوليس وسانت بول، حيث تعيش جالية صومالية كبيرة. السلطات الفيدرالية أعلنت أن العملية استهدفت «مجرمين خطرين» و«مخالفين للقانون»، وأنها أسفرت عن آلاف الاعتقالات، مؤكدة أنها تعيد فرض سيادة القانون بعد سنوات من تراخي الإدارات المحلية. كما أعلنت أنها ستستأنف التقييدات القضائية المفروضة على تعاملها مع المتظاهرين، معتبرة أن مثل هذه القواعد قد تعيق تنفيذ مهامها الأمنية.

لكن ما جرى على الأرض رسم صورة مختلفة في نظر كثيرين؛ ففي يناير (كانون الثاني) 2026، قُتلت رينيه نيكول غود، وهي مواطنة أميركية تبلغ 37 عاماً، خلال عملية نفذها عناصر من «آيس» في مينيابوليس. وتضاربت الروايات حول ملابسات الحادثة، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة: الضحية ليست مهاجرة غير نظامية؛ بل مواطنة أميركية، وهو ما أدى إلى تفجر موجة غضب واسعة، تحولت إلى شرارة أشعلت احتجاجات غير مسبوقة في الولاية.

وفي أحد التطورات الملحوظة، أعلنت الشرطة المحلية أن احتجاجين توقفا بعد أن قام متظاهرون بإعاقة قداس في كنيسة بولاية مينيسوتا احتجاجاً على أن أحد القساوسة يعمل مع «أيس»، ما أثار تحقيق وزارة العدل حول ما إذا كانت تلك الاعتراضات قد انتهكت قوانين خاصة بالأماكن الدينية، أم لا.

المجتمع ساحة اشتباك

عمدة مينيابوليس جاكوب فري، الذي وصف الحملة بأنها «تهدد قدرة شرطة الولاية على حماية السكان»، وجعلت من المجتمع «ساحة اشتباك» بين قوات فيدرالية وسكان مدنيين، قال حينها إن ما حدث ليس الطريقة التي ينبغي أن تُنفذ بها القوانين في مدينته، داعياً إلى تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين. وسرعان ما اتسعت رقعة الاحتجاجات، لتشمل مسيرات واعتصامات ودعوات إلى عصيان مدني اقتصادي، فيما رفعت سلطات محلية دعاوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي، متهمة «آيس» بتجاوز صلاحياتها وانتهاك الحقوق الدستورية، لا سيما حرية التجمع والحماية من الاعتقال غير المبرر.

بيد أن الأحداث لم تتوقف عند وفاة غود؛ فقد تسببت التحركات الميدانية لـ«آيس» في سلسلة من المواجهات. في 14 يناير الحالي، أُبلغ عن إطلاق نار على رجل من أصل فنزويلي في ساقه بواسطة عنصر من «آيس» أثناء محاولة توقيفه، ما أثار احتجاجات جديدة في شمال مينيابوليس. كما تم تداول فيديوهات على وسائل التواصل أظهرت رجلاً أميركياً في ملابسه الداخلية في طقس شتوي قارس بعد اقتحام منزله دون أمر قضائي واضح، وهو ما أثار غضباً واسعاً حول أساليب التنفيذ نفسها. كما أفادت تقارير محامين بأن بعض الأشخاص المعتقلين حرموا من الاتصال بمحامين، أو الحصول على حقوقهم القانونية الأساسية.

وبلغت «الكوميديا السوداء» حد نشر فيديوهات وصور على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر عرض جواز السفر مع العلم الأميركي وبطاقة الضمان الاجتماعي وقبعة «ماغا» الحمراء (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) على لوحة القيادة الأمامية للسيارة، لتجنب الاعتقال العشوائي.

صورة للأميركية رينيه غود التي قتلت برصاص عنصر «أيس» في 15 يناير 2026 (رويترز)

مأزق «المدينة الملاذ»

دخل القضاء الفيدرالي على الخط، وأصدر قاضٍ أمراً يقيد تعامل عناصر الهجرة مع المتظاهرين السلميين، معتبراً أن بعض الممارسات تختبر حدود التعديلين الأول والرابع في الدستور الأميركي. الإدارة الفيدرالية ردت بالقول إن هذه القيود تعيق إنفاذ القانون، وأعلنت نيتها استئناف القرار، في مواجهة قانونية عكست حجم التوتر بين السلطتين التنفيذية والقضائية.

يطرح هذا التصعيد سؤالاً جوهرياً حول حدود السلطة الفيدرالية داخل الولايات؛ ففيما يُعرف بـ«المدن الملاذ»، ترفض الشرطة المحلية التعاون مع «آيس» لمنع تحويل ضباطها إلى أدوات لتنفيذ قوانين الهجرة، ما يثير غضب الإدارة الفيدرالية التي ترى في ذلك تمرداً على القانون. وفي دلالة على تصاعد التوتر بين سلطات الولايات والإدارة الفيدرالية، أصدرت الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، حاكمة ولاية فيرجينيا الجديدة، أمراً تنفيذياً قضى بعدم تعاون قوات إنفاذ القانون في الولاية مع وكالة «آيس»، وذلك في اليوم الأول لتسلمها منصبها في الـ17 من الشهر الحالي.

ومن الناحية القانونية، لا تُعد «آيس» ميليشيا، فهي وكالة فيدرالية تعمل بموجب قوانين أقرها الكونغرس الذي يمتلك صلاحية إعادة هيكلتها، أو حتى حلها ودمج مهامها في أجهزة أخرى. وقد طُرحت بالفعل أفكار لفصل ذراع التحقيقات الجنائية عن مهام الترحيل، وإخضاع عمليات التوقيف لرقابة قضائية أشد. لكن عملياً، تبدو هذه السيناريوهات بعيدة المنال في ظل الإدارة الحالية التي جعلت من «القبضة الحديدية» في ملف الهجرة ركيزة أساسية لسياساتها، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الأمني، وتحول الهجرة إلى ملف انتخابي حاسم. ويرى منتقدوها أن اتساع صلاحياتها، محدودية الشفافية، والطابع شبه العسكري لبعض عملياتها، جعلها أقرب إلى قوة أمنية داخلية ذات استقلالية مفرطة؛ فعناصر الوكالة غالباً ما يرتدون ملابس تكتيكية، ويستخدمون سيارات غير مميزة، وينفذون عمليات سريعة ومفاجئة ومداهمات «فجرية» داخل أحياء سكنية، وهي سمات زادت من التوتر وسوء التقدير، وأحياناً من احتمالات العنف.

ويرى باحثون أن المشكلة لا تكمن في وجود «آيس» بحد ذاته؛ بل في «تسييس» عملها وربطه بخطاب أمني متشدد، يحوّل إنفاذ القانون إلى أداة صدامية بدل أن يكون ممارسة مؤسسية خاضعة للرقابة.

أميركيون تجمعوا حداداً في الموقع الذي قتل الممرض أليكس بريتي برصاص «أيس» في مينيابوليس - مينيسوتا (أ.ف.ب)

هل يمكن إصلاح الوكالة؟

تتراوح السيناريوهات المطروحة بين توسيع دور الوكالة وترسيخه، أو إخضاعها لإصلاحات هيكلية تقلص صلاحياتها، أو حتى الدعوة إلى تفكيكها أو دمجها مع أجهزة أخرى. لكن المؤكد أن «آيس» ستظل، في المستقبل المنظور، في قلب النقاش الأميركي حول الهجرة، والسيادة، وحدود استخدام القوة داخل المجتمع المدني. إذ لم تعد «آيس» مجرد قصة جهاز أمني يطبق القانون؛ بل هي صراع على هوية أميركا: هل هي دولة تُعرف بحدودها الصارمة وقبضتها الأمنية؟ أم مجتمع يحمي الحريات الفردية بوصفها أولوية مطلقة؟ ما جرى في مينيسوتا قد لا يكون استثناءً، بل قد يكون نموذجاً مرشحاً للتكرار في ولايات أخرى، مع توسع عمليات «آيس» داخل المدن الكبرى. وفي هذا السياق، تتحول الوكالة إلى مرآة لانقسام أميركا: دولة تسعى إلى فرض القانون باسم الأمن، ومجتمع يخشى أن يدفع ثمن هذا الأمن من حرياته وثقته بالمؤسسات.

في نهاية المطاف، تبقى قصة «آيس» أكثر تعقيداً من اختزالها في ثنائية مؤيد ومعارض؛ فهي نتاج نظام سياسي منقسم، يعمل في منطقة رمادية يلتقي فيها الخوف بالقانون، والأمن بالسياسة. والسؤال الذي تطرحه هذه القصة لا يتعلق بوكالة واحدة فقط؛ بل بجوهر التجربة الأميركية نفسها: كيف يمكن تطبيق القانون، دون أن يتحول إنفاذه إلى مصدر انقسام دائم؟ وكيف يمكن لدولة ديمقراطية أن تحمي حدودها، من دون أن تفقد ثقة مواطنيها؟


مقالات ذات صلة

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
أوروبا التصويت على المقترحات التشريعية خلال جلسة عامة للبرلمان الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يوافق على إنشاء مراكز لإرسال المهاجرين إلى خارج التكتل

مهّد المشرعون الأوروبيون الطريق أمام تشديد العقوبات على المهاجرين غير النظاميين مع إمكانية ترحيلهم إلى ما يسمى «مراكز العودة» خارج الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

عبَّرت تونس عن تطلعها إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أفريقيا مهاجرون إثيوبيون يسيرون على شواطئ رأس العارة في اليمن بعد نزولهم من قارب... 26 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

عدد قياسي من المهاجرين المفقودين في البحر الأحمر خلال 2025

أفادت «المنظمة الدولية للهجرة» التابعة للأمم المتحدة اليوم (الأربعاء) بمقتل أو فقدان أكثر من 900 مهاجر في البحر الأحمر خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

«الدولية للحقوقيين» تطالب السلطات الليبية بوقف «الانتهاكات ضد الأجانب»

عبّرت «اللجنة الدولية للحقوقيين» عن «قلقها لتقاعس السلطات الليبية عن قبول كثير من التوصيات المتعلقة بحقوق الإنسان للمهاجرين بما في ذلك إنهاء احتجازهم التعسفي»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».