الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفات من كتاب «درء المجاعة عن العراق» لوزير التجارة السابق محمد الراوي

جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)
جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الأولى... علي صالح لصدام: الحرب واقعة... والهدف تدمير الجيش العراقي

جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)
جنود عراقيون يحتفلون بـ«الانتصار» في الحرب ضد إيران يوم 20 أبريل 1988 (أ.ف.ب)

يقدّم الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتابه الجديد «درء المجاعة عن العراق – مذكراتي عن سنين الحصار 1990 – 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»)، رواية مفصلة عن الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. لكن الكتاب لا يتوقف فقط عند الجانب الاقتصادي البحت للعقوبات، والوسائل التي لجأ إليها العراقيون للالتفاف عليها خلال «سنوات الحصار» الطويلة، بل يقدّم أيضاً صورة لما كان يدور سراً –ويُحكى به همساً أحياناً– من نقاشات وخلافات بين أركان حكم الرئيس الراحل صدام حسين.
يتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل زوج ابنة الرئيس العراقي قبل انشقاقه على عمّه عام 1995، وينقل عن صدام قوله في أحد الاجتماعات لحسين كامل الذي كان رئيساً لهيئة التصنيع الحربي: «صواريخك لا قيمة لها إذا جاع شعب العراق».
عمل الراوي في ديوان الرئاسة العراقية منذ العام 1982، وكان، كما يقول، على «تواصل مباشر» في العمل مع صدام حسين على مدى سبع سنوات، ولغاية تعيينه وزيراً للتجارة عام 1987. بعد الغزو الأميركي عام 2003، اعتُقل الراوي في سجن كروبر وكان يحمل الرقم 35 على لائحة «المطلوبين» الشهيرين للأميركيين من قادة النظام المنهار. ظل محتجزاً حتى العام 2012، وهو يعيش حالياً في الأردن. «الشرق الأوسط» تنشر، اليوم وغداً، مقتطفات من كتاب الراوي قبل صدوره:
يكتب الراوي في كتابه «درء المجاعة عن العراق»: «... في فترة حكم الرئيس الراحل عبد الرحمن عارف تمّ قطع العلاقات الكاملة مع الولايات المتّحدة الأميركية لمساندتها العدوان الإسرائيلي عام 1967 في احتلاله لمزيد من الأراضي العربية (الضفة الغربية وسيناء). وبقيت تلك العلاقة مقطوعة بعد ثورة (...) يوليو (تموز) عام 1968. وشارك الجيش العراقي بثقل كبير في حرب 1973 واستمرّت العلاقات مقطوعة مع أميركا لغاية عام 1982 حيث زار دونالد رامسفيلد بغداد مبعوثاً من الرئيس الأميركي رونالد ريغان. عرض في اللقاء، كما ذكر في كتابه (المعروف وغير المعروف)، وأيّده سكرتير الرئيس -آنذاك- حامد يوسف حمادي كما أبلغني في الزنزانة التي كنّا أنا وهو معتقلين فيها بعد احتلال العراق، في مقترح مدّ أنبوب للنفط عن طريق الأردن إلى ميناء العقبة، وإنشاء مصفى. وسأل الرئيس الراحل صدام حسين رامسفيلد فيما إذا كانت أميركا ستقدّم ضمانات بعدم تعرّض هذا المشروع لعدوان إسرائيلي، ولكن المبعوث الأميركي لم يعطِ أي ضمانات، وترك الموضوع الرئيس، ولم يطلب الرئيس الراحل -كما يقول رامسفيلد- أي مساعدة من أميركا في الحرب مع إيران بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاعها، والتي كان يتوقّع رامسفيلد أن يطلبها الرئيس العراقي الراحل. ولكن كانت الزيارة تمثّل بداية فتح علاقات تجارية ومن ثمّ دبلوماسية بين البلدين».

الراوي (الثاني من اليمين) مع مسؤولين عراقيين وأردنيين في بغداد عام 2000 (غيتي)

أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بالفعل عام 1986، ولكن سرعان ما انهارت بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية. يقول الراوي: «في غمرة احتفالات الشعب العراقي بالنصر على إيران وافق مجلس النواب الأميركي، وبضغط من اللوبي الصهيوني المعادي للعراق، على فرض عقوبات على العراق في 22-9-1988 وذلك بعد خمسة وأربعين يوماً من توقّف الحرب. وتمّ إقرار مشروع فرض حصار أحادي الجانب من الولايات المتّحدة على العراق بموجب... لائحة التحريم (الإبادة الجماعية لعام 1988). ونصّ مشروع القرار (...) على إدانة العراق باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد».

صدام حسين في صورة تعود للعام 1983 (غيتي)

ويتحدث الراوي عن قوة العراق النفطية قبل الحرب مع إيران وبعدها، فيقول: «لم يكن العراق بحاجة إلى القروض والتسهيلات الائتمانية في عقد السبعينات، خصوصاً بعد تأميم النفط الذي اتّخذ قراره الراحل صدام حسين حينما كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة مع رئيس مجلس قيادة الثورة رئيس الجمهورية الراحل أحمد حسن البكر، حيث ازدادت عائدات النفط من مليار دولار سنوياً إلى أن وصلت 26.4 مليار دولار عام 1980...»... لكنه يوضح: «لم يكن الإنفاق العسكري المتزايد طوال فترة السنوات الثماني للحرب العراقية - الإيرانية السبب الوحيد في تراكم الديون على العراق التي كان بدايتها منتصف عام 1984، وإنما أيضاً بسبب الانخفاض الكبير في إيرادات النفط جرّاء توقّف تصدير النفط عبر المنفذ الجنوبي الذي كان يصدّر العراق من خلاله ما يقارب ثلثي صادراته المحدّدة من قبل الأوبك، حيث أصبح المنفذ المذكور ضمن نطاق القصف الإيراني اليومي، بالإضافة إلى إيقاف سوريا التصدير من خلال الأنبوب المار عبر أراضيها إلى البحر المتوسط بطاقة تصدير تصل إلى 800 ألف برميل يومياً عام 1982 مساندة لإيران في حربها مع العراق، ما أسهم بالفعل في تراكم نصف ديون العراق البالغة 42 مليار دولار (عدا ديون الخليج) عند انتهاء الحرب عام 1988، ولم يبقَ سوى أنبوب النفط التركي بطاقة نصف مليون برميل يومياً».

حسين كامل زوج ابنة الرئيس العراقي (غيتي)

ويضيف أن انخفاض أسعار النفط في منتصف الثمانينات كان له «تأثير كبير في الوضع الاقتصادي» إذ تم اتخاذ «إجراءات تقشفية» في كثير من القطاعات بهدف ضمان عدم تأثر «خطط تأمين الغذاء والدواء والنفقات الخاصة بدعم المجهود الحربي». ويوضح: «لأوّل مرّة يتمكّن قطاع التصنيع العسكري بعد تولي صهر الرئيس الفريق حسين كامل مهمّة الإشراف على القطاع المذكور من تأمين نسبة عالية من احتياجات القوّات المسلّحة من الأعتدة الخفيفة وأعتدة المدفعية والقنابل وفقاً للتقارير الدورية التي كانت تَرد إلى الدائرة الاقتصادية من هيئة التصنيع العسكري بالإضافة إلى تطوير مدى الصواريخ لتصل إلى طهران، والتي كان لها تأثير في نتيجة الحرب لصالح العراق. ولقد تولّى الهيئة قبل الفريق حسين كامل كلّ من جواد لاوند، والفريق عامر السعدي، والفريق الركن الطيار جسام الجبوري، ولفترة قصيرة حامد يوسف حمادي». ويتابع: «(...) تبنّت قيادة التصنيع العسكري المتمثّلة بالفريق حسين كامل وكوادر التصنيع وبموافقة الرئيس، سياسة التوسّع في بناء القاعدة الصناعية الحربية. وإنتاج السلع الحربية المتطوّرة، والوصول إلى حلقات متقدّمة في تكنولوجيا الإنتاج الحربي، والعمل على استكمال برنامج الطاقة الذرية السلمي والحربي بعد أن تمّ نقل مهمّة ذلك من هيئة الطاقة الذرية إلى هيئة التصنيع العسكري. ومع ذلك كلّه أعطى الرئيس الراحل أولوية لتسديد ديون العراق. كانت تلك الأهداف العديدة والكبيرة والطموحة (...) تتطلّب موارد مالية ليست بالقليلة. وكان العراق الذي يمتلك ثاني احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية، وأصبحت لديه طاقات تصديرية تصل إلى أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً عن طريق المنفذ الجنوبي للعراق وعن طريق تركيا والسعودية، ولديه تفاؤل بتأمين الموارد الماليّة لتحقيق تلك الأهداف بالإضافة إلى تسديد الديون التي تحققت على العراق إبان الحرب الإيرانية - العراقية. وكان هذا التفاؤل يستند إلى استمرار التحسّن في أسعار النفط التي وصلت إلى 18 دولاراً للبرميل».
ويوضح: «لقد كانت عائدات النفط لا تلبّي الأهداف المشار إليها سابقاً. وبدأ التنافس الحاد بين هيئة التصنيع العسكري، وبين بقية الوزارات والجهات المسؤولة عن تنفيذ خططها المدرجة في المنهاج الاستثماري، والموازنة الجارية. ولقد أصبح الفريق حسين كامل بحكم السمعة التي اكتسبها في تطوير الإنتاج الحربي في السنوات الأخيرة من الحرب مع إيران، وصلة القرابة والمصاهرة من الرئيس الراحل، صاحب الكلمة الأولى في الدولة بعد الرئيس الراحل صدام حسين الذي كان بالإضافة إلى كونه رئيساً للجمهورية، رئيساً لمجلس الوزراء في الوقت ذاته. وتمّ تعيين الفريق حسين كامل نائباً لرئيس اللجنة الاقتصادية (غرفة العمليات الاقتصادية سابقاً)، والتي أصبح يرأسها نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الدكتور سعدون حمادي، وعضوية وزراء التجارة، والمالية، والتخطيط ومحافظ البنك المركزي (وكنت آنذاك أتولّى مسؤولية وزارتي التجارة والمالية في آن واحد) ليؤثّر في القرار الاقتصادي لصالح هيئة التصنيع العسكري ووزارة الصناعة على حساب القطاعات الأخرى».
ويقول الراوي: «رغم اعتراضي المتواصل في اللجنة الاقتصادية ولجنة الموارد الماليّة على هذا الموقف الجديد فإن رئيس اللجنة وأعضاءها الآخرين لم يكونوا قادرين على معارضة نائب رئيس اللجنة. وحينما علم الرئيس الراحل بالأمر اتّصل بي هاتفياً وطلبني على عجل وأن أجلب معي الحاسبة التي يعلم الرئيس الراحل بأنها لا تفارقني وذلك لشرح الموضوع. وكان حاضراً في اللقاء لطيف نصيف جاسم، عضو القيادة القطرية ووزير الثقافة والإعلام. على أثر اللقاء ألغى قرارات اللجنة الاقتصادية فيما يتعلّق بجميع تخصيصات وزارة التجارة في المنهاج الاستيرادي المقترح لعام 1990 والتي تمّ تقليصها من اللجنة الاقتصادية، وأضاف خمسمائة مليون دولار إضافية لفقرة الغذاء، وطلب مني الظهور في ندوة تلفزيونية مع رئيس المؤسّسة العامّة للإذاعة والتلفزيون ماجد السامرائي، للإعلان عن تخصيص نصف مليار دولار لشراء لحوم وحليب كبار وأجبان للشعب العراقي بسبب التحسّن في أسعار النفط. وأبلغ الرئيس الراحل الفريق حسين كامل بحضوري وحضور عضو القيادة القطرية لطيف الدليمي بأن (صواريخك لا قيمة لها إذا جاع شعب العراق)».
- هيئة التصنيع العسكري
ويوجه الراوي انتقادات لكشف هيئة التصنيع العسكري عن إنتاجها إعلامياً والمبالغة فيه، قائلاً: «بدلاً من المنهج السرّي المعتمد من الدول المنتجة للأسلحة وعدم الاعتراف بالمحظور منها رغم إنتاجها لها، فإن المشرف على هيئة التصنيع العسكري وكوادره القيادية تبنّوا سياسة مغايرة، وذلك بالإعلان عن برامج وخطط ومنتجات التصنيع العسكري من دون التحسّب لردود الفعل الدولية، خصوصاً الولايات المتّحدة الأميركية وإسرائيل، حيث كان يتمّ الإعلان عن تلك البرامج قبل الوصول إلى الإنتاج الفعلي للأسلحة والمبالغة في الإعلان عنها وكشفها، خصوصاً السريّة منها أمام بعض الزائرين من الرؤساء والملوك. وكان الفعل الإعلامي الأوسع نطاقاً والأكثر ضرراً على التصنيع العسكري وعلى العراق هو إقامة معرض للصناعات العسكرية على أرض معرض بغداد الدولي التابع لوزارة التجارة، ودعوة وسائل الإعلام المحلّية والعربية والدولية، ودعوة سفراء الدول المقيمين والوفود لزيارة أجنحة المعرض والاطّلاع على المنتجات وعلى الخطط المستقبلية من خلال الشروحات التي كان يقدّمها ممثّلو هيئة التصنيع العسكري في أجنحة المعرض للزائرين. ولقد صادف أن رافقت بعض المسؤولين ومنهم نائب رئيس الجمهورية طه ياسين رمضان، واستمعت إلى شروحاتهم المبالغ فيها. وكان هذا الإجراء بحدّ ذاته يمثل عنصر استفزاز وتحريض للإدارة الأميركية وإسرائيل اللتين كانتا تتابعان كلّ خطوة لها أثّر في تهديد أمن إسرائيل».
- غزو الكويت والعقوبات
يقول الراوي عن فترة ما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990:
«كوني وزيراً للتجارة، ووزيراً للمالية بالوكالة، عندما فرض الرئيس بوش الحصار الأميركي الشامل على العراق، وجمّد أرصدته وممتلكاته في الولايات المتّحدة، توجّهت صباح يوم 3 أغسطس (آب) 1990 إلى البنك المركزي للاطّلاع على موجودات العراق من العملة الصعبة في البنوك الخارجية وفي خزائن البنك المركزي. طلبت من محافظ البنك صبحي فرنكول والذي كان من الكوادر المصرفية المهنية البارزة في العراق أن يبدأ فوراً بتحويل أرصدة العراق المودعة في البنوك كافة خارج العراق إلى البنك المركزي الأردني، إلا أنه اعتذر عن تنفيذ ذلك باعتبار أن البنك المركزي ليس مرتبطاً بوزير الماليّة وإنما مرتبط مباشرة بديوان الرئاسة في رئاسة الجمهورية. وطلب أن أستحصل موافقة رئيس الجمهورية. اتّصلت بسكرتير رئيس الجمهورية حامد يوسف حمادي، لعرض الموضوع على الرئيس لاستحصال موافقته والذي أجابني بعد ساعتين بموافقة الرئيس على السير بالإجراء». ويتابع: «أما في داخل العراق فلا توجد مبالغ بالعملة الصعبة مودعة في البنك المركزي أو في مصرفي الرافدين والرشيد الحكوميين سوى مبالغ عائدة للسفارات الأجنبية والمنظّمات الدولية لتغطية نفقاتها المحلّية وكمية من الذهب مودعة في خزانة البنك المركزي اشتراها محافظ البنك المركزي الأسبق حسن النجفي في فترة السبعينات ولم يتمّ بيعها في الثمانينات في أثناء الحرب الإيرانية - العراقية بسبب انخفاض سعر أونصة الذهب عن سعر الشراء البالغ 450 دولاراً للأونصة آنذاك. وقدّر المحافظ قيمتها بما لا يتجاوز خمسمائة وخمسين مليون دولار بالإضافة إلى المخشلات الذهبية التي تبرعت بها الماجدات العراقيات لدعم المجهود الحربي في أثناء الحرب الإيرانية - العراقية، والتي قدّر المحافظ قيمتها بحدود خمسة وخمسين مليون دولار (...) في ضوء ذلك أصبح الرصيد المتاح من العملة الصعبة الذي هو بيد الدولة بحدود 700 مليون دولار. وهذا المبلغ يشكل 28 في المائة من الحاجة السنوية للغذاء المستورد».
ويروي الراوي قائلاً: «في يوم 13-8-1990 طلبني الرئيس الراحل مع وزير الزراعة والري محمود الصباغ، واجتمعنا معه في كرفان في إحدى مزارع الرضوانية. وأبلغنا بأن نستعدّ للحرب. وأبلغني في الاجتماع أن أبدأ فوراً بخزن القمح والشعير تحت الأرض (بطريقة الجفر باللغة المحلّية) لحمايتها من الضربات الجوّية المتوقّعة على صوامع خزن الحبوب إذا نشبت الحرب، وكذلك تشتيت الخزين الغذائي في مواقع متفرّقة في بغداد والمحافظات وللغرض نفسه. كما تمّ اعتماد سياسة دعم أسعار شراء الحبوب (القمح والشعير والأرز) بأسعار مشجّعة من وزارة التجارة تعلن سنوياً. ووافق على طلبي حصر الذهب المتاح لدى البنك المركزي لأغراض البطاقة التموينيّة. كما وافق على طلبي إعادة استحداث الشركة العامّة للمطاحن والأفران التي تتولّى إنتاج الدقيق والخبز والصمون، وتشرف على المطاحن والمخابز العائدة للقطاع الخاصّ، والتي تمّ دمجها مع شركة تجارة الحبوب عام 1988 ضمن حملة ترشيق أجهزة الدولة، وإعادة تعيين مديرها العام السابق غازي الربيعي. وصدر بعد يومين قرار من مجلس قيادة الثورة بذلك، كما أبلغني الرئيس بإيقاف تجهيز النخالة إلى وزارة الصناعة تحوّطاً للاضطرار إلى استخدامها للاستهلاك البشري».
وعن الاستعدادات العراقية لحرب تحرير الكويت عام 1991، يقول الراوي: «تمّ تأمين حاجات كلّ محافظة من الموادّ الغذائية والحبوب كافة لكي لا يحصل عجز في خزين أي محافظة في أثناء الحرب ويصعب إيصال الغذاء لها من المحافظات الأخرى من خلال المناقلة التي تجري في الظروف الاعتيادية. وتمّ التركيز في الخزين الاستراتيجي على محافظتي كربلاء والنجف لأنهما محافظتان دينيتان يُستبعد أن تتعرضا للقصف الجوّي. والأمر نفسه بالنسبة إلى محافظات الحكم الذاتي التي عُدّت هي ومحافظتا كربلاء والنجف من المحافظات الآمنة. ويضاف إلى ذلك إبلاغ أصحاب المطاحن والأفران في بغداد والمحافظات بتأمين خزين كافٍ من الوقود لاستمرار عملهم إذا تعرّضت المنشآت النفطية للقصف الجوّي (...)
قبل أسبوع من انتهاء المهلة الزمنية من مجلس الأمن للعراق سافرت إلى عمّان، ومنها إلى اليمن للقاء الرئيس الراحل علي عبد الله صالح للسماح للوزارة بنقل حمولة باخرة السكر، والتي تمّ تفريغها في ميناء الحديدة من الشركة الناقلة مباشرةً بعد فرض الحصار، إلى ميناء العقبة الأردني. وصلت إلى العاصمة صنعاء وكان الرئيس علي عبد الله صالح في مقرّه الثاني في عدن. رافقني في سفرتي إلى عدن الدكتور محمد سعيد العطار وزير الاقتصاد اليمني. وأصدر الرئيس اليمني موافقته على السماح بنقل الباخرة حسب طلبي. وذكر في أثناء دعوة الغداء أن رأي القيادة اليمنية أن الحرب ستحصل، وأن التجمّع العسكري لقوّات التحالف هدفه الأساسي هو تدمير الجيش العراقي، والحرب ستقع في كلّ الأحوال، وطلب نقل هذه الرسالة إلى الرئيس، وتمّ إبلاغ الفريق عبد حميدي مرافق الرئيس بذلك».
ويتحدث عن بدء الضربات الأميركية في يناير (كانون الثاني) 1991 قائلاً:
«لقد كنت أتابع مع المديرين العامّين نشاط شركات وزارة التجارة في بغداد ومديري الفروع في بقيّة المحافظات (...) اشتدّ القصف الجوّي على الطريق، ورسم خطّاً نارياً شكّلته سلسلة القنابل من طائرات تبيّن لاحقاً أنها بـ52 على يسارنا في الجهة الأخرى للطريق السريع المتوجّه نحو البصرة يتحرك بالاتّجاه الذي نسير فيه. كانت الكتلة النارية المتحرّكة لو انحرفت بالملليمترات من الجو لكنا داخلها. عندها شعرنا بأننا اقتربنا من النهاية، ولكن إرادة الله أنقذتنا. استمرّ الوضع على هذه الحال، والقصف المتبادل شديد لمدّة ثلاثة أرباع الساعة. بدأ القصف يخفّ فطلبت من السائق أن يفتح الضوء الجانبي ثمّ الضوء العادي لحين خروجنا من الطريق السريع إلى مدينة الناصرية عبر الطريق القديم. وصلنا إلى مدينة الناصرية منتصف الليل وهي في ظلام دامس... وعند دخولنا المستشفى أُصبنا بصدمة لا تقلّ عمّا شاهدناه في الطريق، حيث جثث الشهداء من المدنيين مكدّسة في ممرّات المستشفى نتيجة حملة جوية عنيفة على الناصرية». ويقول: «لقد تعدّت الحملة الجوّية لقوّات التحالف هدف إخراج القوّات العراقية من الكويت لتحمل خطّة تدميرية للعراق وتقويض كلّ المنجزات التي حققها والتي ليس لها علاقة بالحرب».
- صدّام يرفض عرضاً حول التسوية في الشرق الأوسط
> يقول الراوي في كتابه: «بتاريخ 4 أغسطس (آب) 2010، أخبرني سكرتير الرئيس الراحل حامد حمادي ونحن معاً في الزنزانة نفسها في سجن الحماية القصوى في الكاظمية العائد لوزارة العدل العراقية بعد انتقالنا من معتقل كروبر تحت سلطة القوّات الأميركية منذ اعتقالي في 23 أبريل (نيسان) 2003، أنّ الرئيس الراحل قد كلّفه بكتابة مذكراته، واقترح عليه عنوان (كنت سكرتيراً للرئيس صدام) وقد أكمل كتابتها في المعتقل، حيث يتمتع بذاكرة قويه صافية، وكان كفؤاً ودقيقاً في أداء عمله كسكرتير مع ميزة التغطية الكاملة والدقيقة للقاءات الرئيس مع الضيوف. وكانت القيود المفروضة على سرّية المعلومات قد انتهت بعد احتلال العراق. وتعرّفت على حامد يوسف حمادي، لأوّل مرّة عند مباشرتي العمل في رئاسة الجمهورية بداية الشهر الأول من عام 1982، حيث كان يشغل منصب مدير الديوان مع صديق الرئيس الشخصي حاتم العزاوي المستشار السياسي، وصديقه الشخصي الآخر اللواء صادق شعبان، والدكتور حكمت عمر الحديثي، بالإضافة إلى اللواء طارق حمد العبد الله سكرتير الرئيس أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية الذي استمرّ بعمله حينما تولّى الرئيس الراحل منصبه كرئيس للجمهورية في يوليو (تموز) عام 1979. (وكان هؤلاء الثلاثة عند مباشرتي العمل يشكّلون الكادر المتقدّم في ديوان الرئاسة). ولقد كان المتوقّع أن ينشر تلك المذكّرات، إلا أنه انتقل إلى جوار ربّه بعد بقائه في غرفة الإنعاش على جهاز التنفس الصناعي في دبي لمدّة تزيد على نصف عام، وجدت نفسي مضطراً لأن أشير إلى المعلومة التالية التي لها صلة بموضوع القوّة العسكرية والصناعية التي خرج العراق بعد انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية، وصلتها بقضية الصراع العربي - الصهيوني. وتتلخّص المعلومة وحسبما أوردها مضموناً وليس نصّاً:
في يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 سافرت بطائرة خاصة إلى جنيف في سويسرا لتسلم رسالة من شقيقه برزان، ممثّل العراق الدائم في جنيف، موجّهة إلى الرئيس صدام حسين من جهة لم يشأ ذكرها. وتضمّنت فحوى الرسالة الموجّهة إلى الرئيس بأنكم خرجتم بقوّة عسكرية وصناعية في التسليح لا يحتاج إليها العراق بهذا الحجم بعد انتهاء الحرب. ونحن لا نطلب منك أن تقبل بمشروع التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين ولا أن تكون جزءاً منه. ولكن الذي نطلبه أن تكفّ يدك عن إسرائيل، وألا تتدخّل بين الطرفين في حلّ الموضوع، وتتخلّى عن موقفك المتشدّد. ونحن ليس لدينا تحفظ أن تكون أقوى زعيم في المنطقة. ويستطرد حامد يوسف حمادي: قدّمت الرسالة في ملف البريد بعد عودتي. وبعد عشر دقائق عادت الرسالة وعليها تعليق الرئيس نصّ قول الرسول ﷺ: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه». يقول دخلت على الرئيس وقلت له: سيدي ما التوجيه الذي أبلغ به؟ فأشار بيده إلى التعليق. واتّصلت هاتفياً بشقيق الرئيس برزان لأبلغه بعدم الموافقة. وكان الردّ: أريد جواباً واضحاً. فقلت له: تأتي إلى بغداد لتسلمه. وحينما وصل الجواب إلى مصدر الرسالة كان رد الفعل: ضاع العراق».
الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها


مقالات ذات صلة

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

تحقيقات وقضايا الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في القصر الرئاسي في هلسنكي في 16 يوليو 2018 (أ.ب)

بومبيو في مذكراته: بوتين «فظ»... وشي «غشاش»

كشف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو، جوانب لم تكن معروفة من المقاربة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب، لتطبيع العلاقات بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنَّه «فظ»، واعتبر أنَّ الرئيس الصيني «غشَّاش». وأوضح في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة..

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية قبل عامين (أ.ف.ب)

بومبيو: طهران معقل «القاعدة»... وهكذا قتلنا سليماني

اعتبر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في مذكراته «لا تعطِ أي بوصة، القتال من أجل أميركا التي أحب»، أنَّ النظام الإيراني الذي أسسه الخميني عام 1979 ما هو إلا «تنظيم إرهابي» يتَّخذ «هيئة دولة» لديها «حدود دولية» و«عملة إلزامية»، متهماً إياه برعاية جماعات مثل «حزب الله»، و«الجهاد الإسلامي»، و«حماس»، و«جماعة الحوثي»، سعياً إلى إقامة «هلال شيعي» يشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وذهب بومبيو إلى أنَّه لا فرق بين إيران وتنظيمات مثل «القاعدة» التي يوجد «معقلها الرئيسي في طهران وليس في تورا بورا بأفغانستان». وكشف تفاصيلَ مثيرة عن عملية صنع القرار الذي أدَّى إلى استهداف قائد «فيلق القدس» لدى «

علي بردى (واشنطن)
تحقيقات وقضايا صدام وأفراد عائلته (إلى يساره عدنان خيرالله أخو زوجته ساجدة)، وفي الصف الثاني (يمين) حسين كامل زوج ابنته رغد (أ.ف.ب./غيتي)

الحلقة الثانية... أكد صدام أن بغداد مطوقة بأسوار دفاعية... لكن الدبابات الأميركية كانت على أبوابها

تنشر «الشرق الأوسط» اليوم الحلقة الثانية من كتاب الدكتور محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003» (الذي يصدر قريباً عن دار «منتدى المعارف»). ويتناول الراوي مرحلة الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق صدام حسين، إثر خروجه مهزوماً من حرب تحرير الكويت، متهماً الإيرانيين بـ«الغدر» بالعراقيين بعدما وعدوهم بالوقوف إلى جانبهم إذا هاجمتهم أميركا، فإذا بهم يدعمون الثورة ضد حكم الرئيس العراقي.

كميل الطويل (لندن)
المشرق العربي صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

صدّام لحسين كامل: صواريخك لا قيمة لها إذا جاع الشعب

يكشف محمد مهدي صالح الراوي، وزير التجارة العراقي السابق، في كتاب جديد عنوانه «درء المجاعة عن العراق - مذكراتي عن سنين الحصار 1990 - 2003»، تنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً مقتطفات منه، تفاصيل الجهود التي قام بها على رأس وزارته للتصدي للعقوبات التي فُرضت على العراق في أعقاب غزوه الكويت عام 1990 واستمرت حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ويتحدث الراوي بصراحة لافتة عن الخلافات التي كانت تعصف بنظام حكم صدام، وجزء منها مرتبط بالفريق حسين كامل، زوج ابنة الرئيس، قبل انشقاقه عام 1995.

كميل الطويل (لندن)
تحقيقات وقضايا صائب سلام مع جمال عبد الناصر

صائب سلام يروي تفاصيل نهاية «الحكم الشهابي»

في آخر حلقة من مذكراته تنشرها «الشرق الأوسط» اليوم، يروي رئيس الحكومة اللبنانية الراحل صائب سلام، قصة المفاوضات التي انتهت بانتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية في لبنان سنة 1970، منهياً «الحكم الشهابي» ممثلاً بالرئيس فؤاد شهاب، كاشفاً أن الموقف السلبي المصري من عودته كان من أبرز العوامل وراء عزوفه عن الترشح. يقول سلام إنه في 28 يوليو (تموز) 1970 «دعوتُ إلى اجتماعٍ مسائيّ، حضره عديد من النوّاب والفعاليات، ومن بينهم كامل الأسعد، وكمال جنبلاط، وتقي الدين الصلح. وخلال ذلك الاجتماع، استعرضنا العديد من الأسماء المرشّحة، ثمّ فجأة ومن دون مقدّمات، طرحتُ اسم سليمان فرنجيّة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.