الذاكرة الشعرية العربية في العيد... لماذا يفوح منها الحزن؟

شعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض

تمثال المتنبي في بغداد
تمثال المتنبي في بغداد
TT

الذاكرة الشعرية العربية في العيد... لماذا يفوح منها الحزن؟

تمثال المتنبي في بغداد
تمثال المتنبي في بغداد

مع مناسبة كل عيد تبوح الذاكرة الشعرية العربية بنماذج من الأشعار ورد فيها ذكر للعيد، كمناسبة للتنفيس عن مكنونات النفس، والتعبير عن المشاعر المتباينة معاً، كما وردت أشعار وقصص في ذات المناسبة، وفي عصور مختلفة أبطالها: حكام، وشعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض، ووجدوا في العيد فرصة للتعبير عن مشاعرهم أفراحاً وأتراحاً، هنا نماذج منتقاة عبر عصور ومناسبات مختلفة، كان العيد هو الباعث والمحرك لها.

                                                                           الشاعر السعودي حمد الحجي
عيد الصعلوك
من العصر الجاهلي، ومن طبقة الشعراء الصعاليك، وفي قصيدة أورد في مطلعها العيد، يقول أحد أشهر شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي وهو الشاعر ثابت بن جابر الفهمي الذي اشتهر بلقب «تأبط شراً»، كلاماً يقيّم شخصيته وفيها يصف الطيف، وتجشمه الأخطار، ويشيد بكرمه الشخصي، مندداً بمن يلومه في إنفاق أمواله، فقد مثّل العيد عند تأبط شراً ما اعتاد عليه من حزن وشوق، فهو يخاطب العيد بأفراحه وأحزانه التي لا تنفك تنتابه، فيستعيد بها ذكرياته الماضية وما بها من أحداث تبعث على الفرح والحزن، والتي تجعل الشاعر يلمح من جديد طيفه وهو يجتاز الأهوال ويطرق مكامن الأخطار، متذكراً نفسه وهو يسير متعباً منهك القوى حافي القدمين؛ حيث الأفاعي في الطرق المقفرة، مقيداً نفسه للإنسان السائر في البيداء وحيداً، وقد تخلى عنه الأصدقاء وبخلوا عنه بما عندهم ولم يصدقوا مودته وإخائه، لكنه سرعان ما يتخلص من هؤلاء الصحب ويبتعد عنهم ويجافيهم، كما استطاع أن يتخلص من قبيلة «بجيلة» التي أسرته حين تمكن من الفرار واجتاز الأرض الموحلة، باذلاً مجهوداً خرافياً وشاقاً في ذلك، يدل على قوة عزيمته وصلابته، وقد حدث هذا حين انطلق أفراد القبيلة وفرسانها خلفه بعد فرار عمرو بن براق، وكان هو والشنفرى صديقي تأبط شراً، وأرسلوا عدائيهم ليلقوا القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار ونجا سالماً، واصفاً انطلاقته وعدوه بالقوة والسرعة مثل ذكر النعام الذي تناثر ريشه فسهل عليه الجري، أو مثل الغزال السريع، وهما مضربا المثل في سرعة العدو، بل لم يكن شيء أسرع منه في الركض غير الفرس الأصيلة التي غطى الشعر المنسدل أعلى جبهتها، وغير الطير الكاسر الذي يسكن أعلى الجبال.
ولذلك يأتي حديثه عن العيد مقترناً ببطولة الفرار. يقول تأبط شراً:
يا عيد مالك من شوق وإيراق
ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات مختفيا
نفسي فداؤك من سار على ساق!
إني إذا خلة ضنت بنائلها وأمسكت
بضعيف الوصل أحذاق
نجوت منها نجائي من بجيلة، إذ
ألقيت، ليلة خبت الرهط، أرواقي
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم
بالعيكتين لدى معدى ابن براق
كأنما حثحثوا حصا قوادمه أو
أم خشف، بذي شث وطباق
لا شيء أسرع مني، ليس ذا عذر
وذا جناح، بجنب الريد خفاق

                                                                     معروف الرصافي
عيد أمير الشعر
ويعدّ شاعر العربية المتنبي الذي تربع على عرش الشعر، أفضل من تحدث عن العيد وبث فيه الفرح والترح، بفضل قصيدته المعروفة، التي يهجو فيها كافور الإخشيدي، بعد أن تبخرت آماله وأحلامه بالحصول على ما يطمح إليه من إمارة أو ولاية يتربع على عرشها، يقول:
عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
أمّا الأحِبّة فالبَيْداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
لَوْلا العُلى لم تجب بي ما أجوبُ بهَا
وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرداءُ قَيْدودُ
وَكَان أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَة
أشْبَاه رَوْنَقِه الغِيدُ الأمَاليدُ
لم يترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي
شَيْئا تُتَيّمُه عَين وَلا جِيدُ
كما سجل المتنبي السبق ذاته بتسجيله بيتاً شهيراً يهنّئ بالعيد في قصيدة له جعلها صالحة لمخاطبة أي شخص من خلال تهنئته سيف الدولة بالعيد والبيت هو:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده -
وعيد لمن صلى وضحّى وكبرا
عيد الحاكم السجين
واحتفظت الذاكرة الشعرية العربية بأبيات للمعتمد بن عباد، حاكم قرطبة، قالها يوم العيد وهو في سجن «أغامات» في المغرب بعد أن اكتوى بنار نزاعات حكام الطوائف والصراع بين حكامها، ليلقي زعيم الموحدين يوسف بن تاشفين القبض على ابن عباد ويودعه السجن، وفي أحد أعياد الفطر أوحى إليه (سجانه) بأن اليوم يوم عيد وعليه أن يفطر، وبشروه بزيارة بناته له اللاتي حضرن إلى أبيهم في زنزانته حافيات الأقدام وبلباس ممزق بعد أن كُنّ ذات يوم يخضن في خليط من الكافور والزعفران والمسك على هيئة طين اقترحه والِدُهُنّ الملك، محققاً رغبتهن في أن يخضن في الطين بعد أن شاهدن بعض الجواري في القصر يخضن في طين طبيعي ويحملن القِرَب. يقول الحاكم الشاعر:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدة
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
في لبسهن رأيت الفقر مسطورا
معاشهن بعيد العز ممتهن
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
عيونهن فعاد القلب موتورا
قد أغمضت بعد أن كانت مفترة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
تشكو فراق حذاء كان موفورا
قد لوثت بيد الأقذاء واتسخت
كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره
وقبل كان بماء الورد مغمورا

عيد اليتيم
ومن العصر الحديث جاءت أبيات للشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي من قصيدة طويلة عن «اليتيم في العيد»، تحكي قصة شعرية مليئة بصور تحكي معاناة ومآسي الأيتام، ووجد الشاعر العيد فرصة ليبثها، ومنها:
خرجت بعيد النحر صبحا فلاح لي
مسارح للأضداد فيهن مرتع
خرجت وقرص الشمس قد ذر شارقا
ترى النور سيالا به يتدفع
بحيث تسير الناس كل لوجهة
فهذا على رسل وذلك مسرع
وبعض له أنف أشم من الغنى
وبعض له أنف من الفقر أجدع
وفي الحي مزمار لمشجي نعيره
غدا الطبل في دردابه يتقعقع
فجئت وجوف الطبل يرغو وحوله
شباب وولدان عليه تجمعوا
لقد وقفوا والطبل يهتز صوته
فتهتز بالأبدان سوق وأكرع
ترى ميعة الأطراب والطبل هـادر
تفيض وفي أعصابهم تتميع
فقد كانت الأفراح تفتح بابهـا
لمن كان حول الطبل والطبل يقرع
وقفت أجيل الطرف فيهم فراعني
هناك صبي بينهم مترعرع
صبي صبيح الوجه أسمر شاحب
نحيف المباني أدعج العين أنزع
يزين حجاجيه اتساع جبينه
وفي عينه برق الفطانة يلمع
عليه دريس يعصر اليتم ردنه
فيقطر فقر من حواشيه مدقع
يليح بوجه للكآبة فوقه
غبار به هبت من اليتم زعزع
على كثر قرع الطبل تلقاه واجما
كأن لم يكن للطبل ثمة مقرع
كأن هدير الطبل يقرع سمعه
فلم يلف رجعا للجواب فيرجع

بكائية العيد
ومن العصر الحديث أيضاً يطل شاعر أصيل من السعودية، هو: حمد بن سعد الحجي، تميز بالصدق والعذوبة وتجلت براعته في الغزَل وفي حبه وشوقه إلى وطنه وتعلقه به. وقد أصيب الشاعر بمرض نفسي لم يحجب روائعه الشعرية.
ومن أحد عنابر المصحات النفسية خارج بلاده؛ حيث كان يتلقى العلاج، حل العيد على الشاعر حمد بن سعد الحجي قبل ستة عقود، بعيداً عن الأهل والأحباب، فأطلق زفرات من قلبه المتعب بشوق اللقاء. يقول:
يا عيد وافيت والأشجان مرخية
سدولها ونعيم الروح مفقود
لا الأهل عندي ولا الأحباب جيرتهم
حولي فقلبي رهين الشوق مفؤود
تجري دموعي في محاجرها على
وسادي لها صبع وتسهيد
أمسي وأصبح والأحزان تحدق بي
لا الروض يجدي ولا القيثار والعود
يا ساكني نجد أنا بعد بينكم
كأنما قد شوى الأضلاع سفود
أنا المتيم والأحداث شاهدة
من الهموم علت وجهي تجاعيد
إني غلام ولكن حالتي عجب
أرى كأني في السبعين مولود
لم أشرب الكأس والأشواق تشربني
ولم أغرد ومن حول الأغاريد
نعم شربت كؤوس الهم مترعة
حتى كأني من الأوصاب عربيد
لما أتى العيد أبكاني وهيجني
فليتني بعدكم ما مر بي عيد
عيد الغريب سقام وانبعاث وأسى
ودمعه إن شدا الشادون تغريد



منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».


«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه
TT

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً للكتابة، كاشفاً عن معاناته، وتحولاته النفسية والاجتماعية داخل فضاءات مختلفة. وقد تنوعت موضوعات الرواية التونسية بين قضايا الهوية، والعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مع اعتمادها على تقنيات سردية تعكس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، كما برز الاهتمام بالشخصيات الهامشية التي تعيش حالة من الضياع، والتنقل، مما منح الرواية بعداً إنسانياً واقعياً مميزاً.

وفي هذا السياق تندرج رواية «زمن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حمودة، ذلك الشيخ الذي يجد نفسه في رحلة تيه وترحال بين أمكنة متعددة، فيعيش تجارب مختلفة تكشف هشاشة الإنسان، ووحدته في مواجهة الحياة.

تجليات التيه

يتجلى التيه في رواية «زمن حمودة الأخير» من خلال شخصية حمودة التي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فقد أصبح يتنقل بين الأمكنة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكاناً نحو آخر مدفوعاً بذاكرة متآكلة لم تعد قادرة على حفظ تفاصيل حياته، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حالة نفسية إلى تجربة وجودية يعيشها الجسد، والوعي معاً.

جاء في النص: «خرج مثل هبة الهواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصوات. ثم عبر زقاقاً طويلاً لا تذكره إلا قدماه. وكان ذلك الزقاق ينتهي عند محطة سيارات الأجرة، وهي محطة واسعة لا تفصلها عن داره غير مئات الأمتار». ص10.

كان حمودة يتحرك بلا هدف واضح، مدفوعاً بذاكرة متآكلة أفقدته القدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يسير داخل عالم غامض لا يعرف ملامحه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن.

صور الكاتب حمودة بوصفه شخصية ضائعة فقدت صلتها بالعالم، وبذاتها، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم ما يجري حولها، الأمر الذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحداً واحداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي من ذاكرته. تمنى لو عرف واحداً منهم. أعاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمه. حتى الأبدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند إليها». ص56.

وهكذا أصبح التيه جزءاً من تكوينه الداخلي، لا يقتصر على ضياعه في المكان فحسب، وإنما يمتد إلى ضياع الوعي، والهوية، والذاكرة. ومن هنا تحولت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هشاشة الإنسان حين يفقد ذاكرته، وقدرته على الإمساك بحقائق حياته.

ويظهر التيه المكاني من خلال تنقل الشخصية المستمر بين الفضاءات، إذ تبدو الأمكنة غريبة، ومشوشة، ولا تمنحه الإحساس بالأمان، والاستقرار، فالمكان في الرواية صار انعكاساً لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لذلك بدا حمودة كأنه يعيش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل.

كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعاً داخلياً بين بقايا الماضي، وضبابية الحاضر، الأمر الذي عمّق شعوره بالوحدة، والانفصال عن العالم: «مر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصم. لم يلتقط الكلمة كاملة، بل التقط منها هوية فقط. عندها ارتج شيء في صدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة بقيت له حين ضاع الاسم». ص 96.

لقد أصبح عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، واستيعاب حقيقة وضعه، الأمر الذي ولد داخله إحساساً بالعجز، والانكسار، كما بدت الشخصية مثقلة بالحيرة، والارتباك، وتتأرجح بين لحظات من التذكر الخافت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مع الواقع، وقد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعي متشتت متشظٍ، حتى غدا أسير ذاكرة تتلاشى شيئاً فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات.

البعد الإنساني

يتمثل البعد الإنساني في شخصية حمودة من خلال المعاناة العميقة التي يعيشها إثر تشظي ذاكرته، وفقدانه التدريجي لقدرته على إدراك العالم من حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنساناً هشاً يواجه قسوة المرض والعجز في صمت مؤلم. فقد تحولت حياة حمودة إلى رحلة شاقة داخل متاهة النسيان، حيث يبحث فيها عن ذاته، وعن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على استرجاعها. تكشف الرواية من خلال هذه الشخصية حجم الألم النفسي الذي يرافق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات.

يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف التي تطغى على الشخصية، إذ لم يعد حمودة قادراً على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمر الذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كذلك حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان، والاحتواء، فحمودة لم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كان يبحث بصورة غير واعية عن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية.

ومن خلال هذه التجربة قدمت الرواية صورة إنسانية مؤلمة عن الشيخوخة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجاً للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عاجزاً عن التواصل مع الآخرين، أو الحفاظ على توازنه النفسي، والاجتماعي. وقد منح الكاتب الشخصية أبعاداً إنسانية عميقة جعلتها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتعبر عن مأساة إنسانية عامة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة.

حمودة شخصية تحمل انكسارات داخلية، وأحلاماً مؤجلة، وصراعاً دائماً مع واقع يزداد قسوة. وهو يبدو إنساناً مثقلاً بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثقلت نظرته إلى العالم، فيتحرك داخل الرواية محاولاً التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه.

تتجلى رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان بوصفها نصاً إنسانياً استطاع أن يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الذاكرة، وقسوة الزمن، من خلال شخصية حمودة التي تحولت إلى صورة حية للضياع النفسي، والوجودي. فقد نجح الكاتب في تصوير معاناة الإنسان حين يفقد ارتباطه بالأمكنة، والوجوه، والذكريات، فيصبح أسير عالم مضطرب تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويتحول الماضي إلى شظايا متناثرة يعجز الوعي عن الإمساك بها. وقد أبرزت الرواية حالة التيه التي عاشتها الشخصية عبر تنقلاتها المستمرة، وبحثها الدائم عن مكان يحتويها، أو يمنحها الإحساس بالأمان، غير أن هذا البحث ظل مفتوحاً على الفراغ، والقلق، والانكسار.

كما كشفت الرواية أبعاداً إنسانية مؤثرة من خلال تصوير العزلة التي يعيشها الإنسان عندما يتآكل وعيه، وتضعف قدرته على التواصل مع العالم، فتغدو الحياة سلسلة من اللحظات المشوشة التي تفقد معناها تدريجياً. وقد استطاع الكاتب عباس سليمان أن يمنح الشخصية عمقاً نفسياً جعل القارئ يلامس حجم الألم الداخلي الذي يرافق فقدان الذاكرة، فحمودة لم يكن مجرد شخصية روائية تعاني مرضاً عضوياً، وإنما كان تجسيد إنسان أنهكه الزمن، وأفقده توازنه النفسي، والاجتماعي، والوجودي.

اعتمد الكاتب على لغة تأملية، وسرد وصفي دقيق مكنه من نقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من توتر، وحزن، وقلق، فبدت الرواية فضاء للكشف عن هشاشة الإنسان أمام التحولات القاسية التي قد تسلبه ذاكرته، وهويته، وإحساسه بالحياة. ومن هنا اكتسب النص قيمته الفنية، والفكرية، إذ تجاوز حدود الحكاية الفردية ليعبر عن معاناة إنسانية شاملة ترتبط بالخوف من الفقد، والنسيان، والوحدة.

*كاتبة جزائرية.