الذاكرة الشعرية العربية في العيد... لماذا يفوح منها الحزن؟

شعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض

تمثال المتنبي في بغداد
تمثال المتنبي في بغداد
TT

الذاكرة الشعرية العربية في العيد... لماذا يفوح منها الحزن؟

تمثال المتنبي في بغداد
تمثال المتنبي في بغداد

مع مناسبة كل عيد تبوح الذاكرة الشعرية العربية بنماذج من الأشعار ورد فيها ذكر للعيد، كمناسبة للتنفيس عن مكنونات النفس، والتعبير عن المشاعر المتباينة معاً، كما وردت أشعار وقصص في ذات المناسبة، وفي عصور مختلفة أبطالها: حكام، وشعراء تحوّلت حياتهم من النقيض إلى النقيض، ووجدوا في العيد فرصة للتعبير عن مشاعرهم أفراحاً وأتراحاً، هنا نماذج منتقاة عبر عصور ومناسبات مختلفة، كان العيد هو الباعث والمحرك لها.

                                                                           الشاعر السعودي حمد الحجي
عيد الصعلوك
من العصر الجاهلي، ومن طبقة الشعراء الصعاليك، وفي قصيدة أورد في مطلعها العيد، يقول أحد أشهر شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي وهو الشاعر ثابت بن جابر الفهمي الذي اشتهر بلقب «تأبط شراً»، كلاماً يقيّم شخصيته وفيها يصف الطيف، وتجشمه الأخطار، ويشيد بكرمه الشخصي، مندداً بمن يلومه في إنفاق أمواله، فقد مثّل العيد عند تأبط شراً ما اعتاد عليه من حزن وشوق، فهو يخاطب العيد بأفراحه وأحزانه التي لا تنفك تنتابه، فيستعيد بها ذكرياته الماضية وما بها من أحداث تبعث على الفرح والحزن، والتي تجعل الشاعر يلمح من جديد طيفه وهو يجتاز الأهوال ويطرق مكامن الأخطار، متذكراً نفسه وهو يسير متعباً منهك القوى حافي القدمين؛ حيث الأفاعي في الطرق المقفرة، مقيداً نفسه للإنسان السائر في البيداء وحيداً، وقد تخلى عنه الأصدقاء وبخلوا عنه بما عندهم ولم يصدقوا مودته وإخائه، لكنه سرعان ما يتخلص من هؤلاء الصحب ويبتعد عنهم ويجافيهم، كما استطاع أن يتخلص من قبيلة «بجيلة» التي أسرته حين تمكن من الفرار واجتاز الأرض الموحلة، باذلاً مجهوداً خرافياً وشاقاً في ذلك، يدل على قوة عزيمته وصلابته، وقد حدث هذا حين انطلق أفراد القبيلة وفرسانها خلفه بعد فرار عمرو بن براق، وكان هو والشنفرى صديقي تأبط شراً، وأرسلوا عدائيهم ليلقوا القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار ونجا سالماً، واصفاً انطلاقته وعدوه بالقوة والسرعة مثل ذكر النعام الذي تناثر ريشه فسهل عليه الجري، أو مثل الغزال السريع، وهما مضربا المثل في سرعة العدو، بل لم يكن شيء أسرع منه في الركض غير الفرس الأصيلة التي غطى الشعر المنسدل أعلى جبهتها، وغير الطير الكاسر الذي يسكن أعلى الجبال.
ولذلك يأتي حديثه عن العيد مقترناً ببطولة الفرار. يقول تأبط شراً:
يا عيد مالك من شوق وإيراق
ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات مختفيا
نفسي فداؤك من سار على ساق!
إني إذا خلة ضنت بنائلها وأمسكت
بضعيف الوصل أحذاق
نجوت منها نجائي من بجيلة، إذ
ألقيت، ليلة خبت الرهط، أرواقي
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم
بالعيكتين لدى معدى ابن براق
كأنما حثحثوا حصا قوادمه أو
أم خشف، بذي شث وطباق
لا شيء أسرع مني، ليس ذا عذر
وذا جناح، بجنب الريد خفاق

                                                                     معروف الرصافي
عيد أمير الشعر
ويعدّ شاعر العربية المتنبي الذي تربع على عرش الشعر، أفضل من تحدث عن العيد وبث فيه الفرح والترح، بفضل قصيدته المعروفة، التي يهجو فيها كافور الإخشيدي، بعد أن تبخرت آماله وأحلامه بالحصول على ما يطمح إليه من إمارة أو ولاية يتربع على عرشها، يقول:
عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
أمّا الأحِبّة فالبَيْداءُ دونَهُمُ
فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ
لَوْلا العُلى لم تجب بي ما أجوبُ بهَا
وَجْنَاءُ حَرْفٌ وَلا جَرداءُ قَيْدودُ
وَكَان أطيَبَ مِنْ سَيفي مُعانَقَة
أشْبَاه رَوْنَقِه الغِيدُ الأمَاليدُ
لم يترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي
شَيْئا تُتَيّمُه عَين وَلا جِيدُ
كما سجل المتنبي السبق ذاته بتسجيله بيتاً شهيراً يهنّئ بالعيد في قصيدة له جعلها صالحة لمخاطبة أي شخص من خلال تهنئته سيف الدولة بالعيد والبيت هو:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده -
وعيد لمن صلى وضحّى وكبرا
عيد الحاكم السجين
واحتفظت الذاكرة الشعرية العربية بأبيات للمعتمد بن عباد، حاكم قرطبة، قالها يوم العيد وهو في سجن «أغامات» في المغرب بعد أن اكتوى بنار نزاعات حكام الطوائف والصراع بين حكامها، ليلقي زعيم الموحدين يوسف بن تاشفين القبض على ابن عباد ويودعه السجن، وفي أحد أعياد الفطر أوحى إليه (سجانه) بأن اليوم يوم عيد وعليه أن يفطر، وبشروه بزيارة بناته له اللاتي حضرن إلى أبيهم في زنزانته حافيات الأقدام وبلباس ممزق بعد أن كُنّ ذات يوم يخضن في خليط من الكافور والزعفران والمسك على هيئة طين اقترحه والِدُهُنّ الملك، محققاً رغبتهن في أن يخضن في الطين بعد أن شاهدن بعض الجواري في القصر يخضن في طين طبيعي ويحملن القِرَب. يقول الحاكم الشاعر:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنت تحسب أن العيد مسعدة
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
في لبسهن رأيت الفقر مسطورا
معاشهن بعيد العز ممتهن
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
عيونهن فعاد القلب موتورا
قد أغمضت بعد أن كانت مفترة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
تشكو فراق حذاء كان موفورا
قد لوثت بيد الأقذاء واتسخت
كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
لا خد إلا ويشكو الجدب ظاهره
وقبل كان بماء الورد مغمورا

عيد اليتيم
ومن العصر الحديث جاءت أبيات للشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي من قصيدة طويلة عن «اليتيم في العيد»، تحكي قصة شعرية مليئة بصور تحكي معاناة ومآسي الأيتام، ووجد الشاعر العيد فرصة ليبثها، ومنها:
خرجت بعيد النحر صبحا فلاح لي
مسارح للأضداد فيهن مرتع
خرجت وقرص الشمس قد ذر شارقا
ترى النور سيالا به يتدفع
بحيث تسير الناس كل لوجهة
فهذا على رسل وذلك مسرع
وبعض له أنف أشم من الغنى
وبعض له أنف من الفقر أجدع
وفي الحي مزمار لمشجي نعيره
غدا الطبل في دردابه يتقعقع
فجئت وجوف الطبل يرغو وحوله
شباب وولدان عليه تجمعوا
لقد وقفوا والطبل يهتز صوته
فتهتز بالأبدان سوق وأكرع
ترى ميعة الأطراب والطبل هـادر
تفيض وفي أعصابهم تتميع
فقد كانت الأفراح تفتح بابهـا
لمن كان حول الطبل والطبل يقرع
وقفت أجيل الطرف فيهم فراعني
هناك صبي بينهم مترعرع
صبي صبيح الوجه أسمر شاحب
نحيف المباني أدعج العين أنزع
يزين حجاجيه اتساع جبينه
وفي عينه برق الفطانة يلمع
عليه دريس يعصر اليتم ردنه
فيقطر فقر من حواشيه مدقع
يليح بوجه للكآبة فوقه
غبار به هبت من اليتم زعزع
على كثر قرع الطبل تلقاه واجما
كأن لم يكن للطبل ثمة مقرع
كأن هدير الطبل يقرع سمعه
فلم يلف رجعا للجواب فيرجع

بكائية العيد
ومن العصر الحديث أيضاً يطل شاعر أصيل من السعودية، هو: حمد بن سعد الحجي، تميز بالصدق والعذوبة وتجلت براعته في الغزَل وفي حبه وشوقه إلى وطنه وتعلقه به. وقد أصيب الشاعر بمرض نفسي لم يحجب روائعه الشعرية.
ومن أحد عنابر المصحات النفسية خارج بلاده؛ حيث كان يتلقى العلاج، حل العيد على الشاعر حمد بن سعد الحجي قبل ستة عقود، بعيداً عن الأهل والأحباب، فأطلق زفرات من قلبه المتعب بشوق اللقاء. يقول:
يا عيد وافيت والأشجان مرخية
سدولها ونعيم الروح مفقود
لا الأهل عندي ولا الأحباب جيرتهم
حولي فقلبي رهين الشوق مفؤود
تجري دموعي في محاجرها على
وسادي لها صبع وتسهيد
أمسي وأصبح والأحزان تحدق بي
لا الروض يجدي ولا القيثار والعود
يا ساكني نجد أنا بعد بينكم
كأنما قد شوى الأضلاع سفود
أنا المتيم والأحداث شاهدة
من الهموم علت وجهي تجاعيد
إني غلام ولكن حالتي عجب
أرى كأني في السبعين مولود
لم أشرب الكأس والأشواق تشربني
ولم أغرد ومن حول الأغاريد
نعم شربت كؤوس الهم مترعة
حتى كأني من الأوصاب عربيد
لما أتى العيد أبكاني وهيجني
فليتني بعدكم ما مر بي عيد
عيد الغريب سقام وانبعاث وأسى
ودمعه إن شدا الشادون تغريد



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.