قضايا المناخ تعزز وجودها داخل غرف الأخبار

التدريب وعدم تفاعل الجمهور أهم التحديات

صحف تتناول قضايا المناخ
صحف تتناول قضايا المناخ
TT

قضايا المناخ تعزز وجودها داخل غرف الأخبار

صحف تتناول قضايا المناخ
صحف تتناول قضايا المناخ

«احذروا... هذه المدن مُعرَّضة للغرق»، «ارتفاع درجة الحرارة يهدد الأرض»... عناوين انتشرت أخيراً في وسائل الإعلام، بالتزامن مع تغطية الفيضانات وحرائق الغابات، وموجات ارتفاع درجات الحرارة في العالم، جاءت نتيجة طبيعية للتغيرات المناخية الناتجة عن ارتفاع نسبة الانبعاثات الكربونية، والتي لطالما حذر منها العلماء.
وفي ظل هذه التطورات، يؤكد خبراء الإعلام أن «قضايا المناخ، وارتفاع درجة حرارة الأرض، لم تعد موضوعات رفاهية؛ بل باتت قضايا مهمة عرفت طريقها إلى غرف الأخبار».
الخبراء أشاروا أيضاً إلى «إطلاق كثير من المبادرات الدولية لتأهيل وتدريب الصحافيين والإعلاميين، والاهتمام بتغطية قضايا المناخ».
وفي الوقت الذي تتوجه فيه أنظار العالم إلى المنطقة العربية، بالتزامن مع استضافة مصر والإمارات مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (COP27)، و(COP28) خلال العام الجاري والعام المقبل. يتوقع خبراء الإعلام أن «تحظى (قضايا المناخ) بمساحات أكبر من التغطية الإعلامية في الصحافة العربية»، مطالبين بأن «تهتم التغطيات والمتابعات بالتوعية بمخاطر التغيرات المناخية، والتركيز على المبادرات المتعلقة بكيفية التأقلم مع هذه التغيرات، وإيجاد بدائل للممارسات الضارة بالبيئة، فيما يعرف بـ(صحافة الحلول)».
الدكتورة أروى الكعلي، أستاذة الإعلام بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار في تونس، أكدت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «قضايا المناخ لطالما طُرحت على أنها نوع من أنواع الرفاهية الصحافية، فهي ليست من الموضوعات التي يفضلها رؤساء التحرير، أو التي تحظى بأولوية بالنسبة إليهم. وينسحب ذلك على وسائل الإعلام في العالم بشكل عام».
وتضيف الكعلي أن «الإعلام يهتم بالقصص التي يرى نتائجها بسرعة، ولأن الاعتقاد السائد كان يردد أن آثار التغيرات المناخية بعيدة، فلم تكن قصص المناخ جاذبة للإعلام».
لكن أشرف أمين، الصحافي المصري المتخصص في العلوم وقضايا المناخ، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا النوع من القضايا كان يحظى بالاهتمام في فترات سابقة في مصر، مع وجود جيل من الصحافيين المهتمين بقضايا المناخ؛ لكن هذا الاهتمام تراجع على المستوى المحلي، رغم الاهتمام العالمي بهذه القضايا». ويتابع: «للأسف ملفات العلوم والمناخ هي أول ما يتم التضحية به، عند محاولة وسائل الإعلام تقليل النفقات».
في حين علقت الصحافية الأردنية، المتخصصة في مجال التغير المناخي، صفاء الجيوسي، لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن «الصحافة البيئية مهمة؛ لكنها قليلة جداً في الوطن العربي»؛ موضحة أنها بوصفها صحافية متخصصة في قضايا المناخ، «تتلقى عديداً من الاتصالات عند كل مؤتمر أو كارثة أو خبر مناخي؛ لكن دون وجود هذه الأحداث لا يوجد اهتمام حقيقي بقضايا المناخ، مما يعني أن الاهتمام بها موسمي».
وتتفق معها الصحافية المصرية المتخصصة في العلوم وقضايا المناخ، علياء أبو شهبة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «التغطيات تغلب عليها النمطية، كما أنها موسمية، مرتبطة بأحداث معينة، كما حدث أخيراً مع تغطية مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ، المعروف بـ(COP26) في غلاسكو».
من جهة ثانية، عالمياً يبدو أن هناك اهتماماً بقضايا المناخ، من خلال مجموعة من المبادرات الدولية لتدريب الصحافيين وتأهيلهم على تغطية قضايا المناخ، ومن بينها شبكة «أكسفورد لصحافيي المناخ» التابعة لمعهد «رويترز» للصحافة، و«مشروع تغطية المناخ الآن» التابع لـ«كولومبيا جورناليزم ريفيو».
وهنا يقول وولفانغ بلاو، المؤسس المشارك لشبكة «أكسفورد لصحافيي المناخ» في بريطانيا، إن «قضايا التغير المناخي تعتبر الآن أكبر وأطول قصة صحافية سيعمل عليها الجيل الحالي من الصحافيين، ومن وجهة نظر اقتصادية هي أيضاً أكبر قصة اقتصادية سوف يسجلها التاريخ. والإنسانية الآن تواجه سؤالاً مفاده: كيف ستتعامل وتتأقلم مع التغيرات المناخية وتأثيراتها؟ حيث يجب خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 45 في المائة بحلول عام 2030، إذا كنا نريد الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية».
وبالفعل تؤكد الكعلي أن «درجة اهتمام الإعلام بقضايا البيئة تغيرت مع بدء المعاناة من تبعات التغيرات المناخية، فلم يعد الأمر يتعلق بصور نراها في أفلام الخيال العلمي؛ بل أصبحنا نرى ما تمثله هذه التغيرات على حياتنا اليومية، من ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وحرائق الغابات، وذوبان الجليد، والفصول التي لم نعد نفهمها، إضافة إلى التبعات على الأمن الغذائي والاقتصاد وغيرها، لذلك نجد أن التقارير والتغطيات في وسائل الإعلام الغربية تكثفت، وتزداد في الدول العربية». وتشير إلى أنه «في تونس عرفنا في الصيف الماضي درجات حرارة قياسية، فأصبحنا نتحدث عن حجر مناخي بدلاً من الحجر الصحي؛ لأن الحرارة تدفع إلى البقاء في المنزل، ومن الطبيعي أن نجد أن وسائل الإعلام تهتم بالموضوع؛ لكن هذا الاهتمام لا يتزامن مع وضع استراتيجيات للتعامل مع هذا الملف؛ خصوصاً من مقاربة قائمة على صحافة الحلول».
عودة إلى أبو شهبة التي تؤكد أن «الدول العربية تتحمل بعض تبعات مشكلة تغير المناخ، رغم أنها ليست من صنعها، وبمرور الوقت تزداد آثار المشكلة وعواقبها في صور عدة، وهو ما يتطلب التوعية، إما بإظهار تأثير التغير المناخي على النواحي كافة؛ لأن له أثراً صحياً واقتصادياً، وليس بيئياً فقط، وإما عبر التوعية بتوقف سلوك أو نهج صناعي معين».
وتظهر قضايا المناخ الآن بشكل أكبر في التغطيات الصحافية بوسائل الإعلام العالمية، معظمها كان مدفوعاً بتغطية قمة الأطراف في غلاسكو، نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والأهم هو الحوادث المناخية التي شهدها العالم، من موجة الحرارة في مقاطعة كولومبيا البريطانية في كندا التي قتلت 569 في الصيف الماضي، والفيضانات في ألمانيا، والحرائق في اليونان وتركيا وإيطاليا، وهذه هي التأثيرات الظاهرة على السطح للتغيرات المناخية، بحسب تقرير نشره موقع رابطة ناشري الأخبار العالمية «وان إيفرا»، الشهر الماضي.
ووفق وولفانغ بلاو، فإن «عام 2030 يبعد عنا أقل من 3000 يوم، وبعده سيكون علينا خفض الانبعاثات الكربونية إلى الصفر، بحلول عام 2050، وهذا يتعلق بـ(كيف نزرع ونأكل وندفئ منازلنا وننتقل من مكان لآخر وننتج الملابس والأدوات)، فيجب أن نجد طريقة لعمل ذلك دون تدمير الكوكب». ويستطرد بقوله: «إن كثيراً من المؤسسات الإعلامية الآن تنوي توسيع تغطيتها لهذه القضايا؛ لكنها تواجه تحديات تتعلق بالتدريب، وعدم الاقتناع بصحافة الحلول، إضافة إلى التحديات المتعلقة بمكانة هذا النوع من القصص وأهميتها لدى الجمهور».
عودة إلى الجيوسي التي ترى أن «الإعلام والصحافة بشكل عام، والصحافة الاستقصائية بشكل خاص، هي جزء من الشركاء في حلول التغير المناخي، وأحد الشركاء الذين ساهموا في إنجاح اتفاقية باريس 2015، والإعلام العربي يمكنه فعل الكثير بالتوعية بحلول وآثار المناخ، والضغط على أصحاب القرار، والعمل مع الشركاء المحليين والإقليميين».
الجيوسي أعربت عن أملها في أن «يزداد الاهتمام بقضايا المناخ في الإعلام العربي مع استضافة قمتي مناخ في المنطقة؛ حيث سيسلط العالم الضوء على التغير المناخي في المنطقة العربية، وهو ما يدفعنا إلى إنتاج مواد صحافية مبتكرة تجذب المشاهدين، وقصص من حلول وآثار من المجتمعات المحلية الأكثر هشاشة وتأثراً».
بدوره، أعرب أمين عن أمله في «ألا يكون الاهتمام العربي بقضايا المناخ الآن مرتبطاً بتنظيم مؤتمرَي المناخ في مصر والإمارات؛ بل أن يكون اهتماماً حقيقياً، ويتم إفساح المجال لاستعراض مبادرات المجتمع المدني لمواجهة التغيرات المناخية، مع استعراض تأثيراتها، فهذه فرصة لتسليط الضوء وإعادة إحياء صحافة المناخ».
وحول مشكلات تغطية قضايا المناخ، يشير أمين إلى أنها تتلخص في «نقص التدريب لإعداد جيل من الصحافيين المتخصصين، إضافة إلى عدم منح هذه القضايا المساحة المطلوبة من الاهتمام».
وهنا تؤكد أبو شهبة «ضرورة أن يتمتع الصحافي بدرجة كبيرة من الوعي والمعرفة بكل ما يتعلق بالتغير المناخي وتبعاته والمستجدات الدائمة، إضافة إلى المعرفة العلمية، والقدرة على اختيار زاوية مختلفة ومميزة لطرح موضوعات المناخ، وربطها بالحياة اليومية للأفراد، وتبسيط المعلومات بقدر الإمكان». وتشير إلى «زيادة الاهتمام عربياً بتأهيل وتدريب الصحافيين على تغطية القضايا البيئية بوجه عام، والمتعلقة بتغير المناخ على وجه الخصوص، كما حدث في مؤتمر (أريج الرابع عشر للصحافة الاستقصائية) الذي عُقد الشهر الماضي»، مطالبة «بتنظيم مسابقات صحافية في هذا التخصص، لتحفيز الصحافيين على تقديم أفكار مبتكرة».
«العثور على صحافي متخصص ومؤهل لتغطية قضايا المناخ (أمر ليس سهلاً)»، وذلك بحسب وولفانغ بلاو الذي يؤكد أن «تأهيل صحافي متخصص في قضايا المناخ أمر مكلف، إضافة إلى أن هذا النوع من الصحافة لا يحظى بالتفاعل المطلوب من الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو تحدٍّ تنبغي مواجهته».
في السياق نفسه، تقول الكعلي إن «التغيرات المناخية موضوع يمكن تناوله من زوايا مختلفة، ويتطلب مستوى أدنى من التخصص، وهذا يبرر ما نراه أخيراً من دورات تدريبية في العالم العربي، تقدم للصحافيين ممن يريدون التخصص في هذا المجال؛ ولكن تدريجياً سيكون هذا الموضوع هو السائد على أجندة الصحافيين»، مشيرة إلى ضرورة «طرح هذه القضايا من زواياها المختلفة اقتصادياً وسياسياً، وتوضيح تبعاتها على حياة المواطنين لاجتذاب تفاعلهم واهتمامهم، والأهم تقديمها مع مقاربة الحلول؛ لأن الأهم من تسليط الضوء على قضايا المناخ ومعرفة تبعاتها، أن نوضح للمواطن ما يمكنه أن يفعله تجاهها؛ لأن هنالك الكثير مما يمكن أن نفعله، ومن شأنه أن يُحدث لو تغييراً بسيطاً، أو على الأقل يؤجل من تبعات التغيرات المناخية أو يحد منها؛ لأننا كبشر تأخرنا كثيراً في التعامل معها».
الكعلي تشدد أيضاً على «ضرورة التعاون الدولي في تغطية قضايا المناخ، باعتبارها ظاهرة كونية تمتد خارج الحدود الجغرافية، وأن يتم العمل أيضاً على التدقيق في المعلومات المرتبطة بالتغيرات المناخية، والتي ينتشر حولها عديد من المعلومات (المضللة والمغلوطة)».
وهنا، يعتبر خبراء الإعلام أن «عام 2022 فرصة للصحافة لإنقاذ كوكب الأرض، عبر الكتابة عن تأثير التغيرات المناخية»، بحسب تقرير نشره موقع «كولومبيا جورناليزم ريفيو» الشهر الماضي.
وقال الصحافي المتخصص في قضايا المناخ، أندرو فريدمان، في مقال نشره الشهر الماضي موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسة الصحافة والإعلام، إن «عام 2022 هو العام الذي سنتحول فيه كلنا إلى صحافيي مناخ؛ حيث نبهت الأحداث المناخية التي وقعت خلال عام 2021 كثيراً من غرف الأخبار إلى الحاجة إلى تغطية قضايا المناخ وتأثيراتها».


مقالات ذات صلة

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج
يوميات الشرق فيصل عباس رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» يطلق بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»

«عرب فيوز» ينطلق بمقابلة مع تركي الفيصل عن إيران واليمن

يطلق رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» الزميل فيصل عباس بودكاست جديداً بعنوان «عرب فيوز»، يستضيف في حلقته الأولى الأمير تركي الفيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أميركا اللاتينية صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) ومرشح المعارضة فلافيو بولسونارو (أ.ف.ب)

لولا وبولسونارو يرفضان مناظرة تلفزيونية قبل انتخابات الرئاسة البرازيلية

أُلغيت مناظرة رئاسية في البرازيل بعد رفض المرشحَين لولا وفلافيو بولسونارو المشاركة، قبل أيام من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
يوميات الشرق منع مذيعتين مصريتين من الظهور الإعلامي لشهرين (نقابة الإعلاميين على فيسبوك)

تراشق ريهام سعيد وياسمين الخطيب ينتهي بمنعهما من الظهور الإعلامي

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز الخميس، منع ظهور كل من ريهام سعيد وياسمين الخطيب لمدة شهرين.

داليا ماهر (القاهرة)

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟