مهرجان «آسيا» يعرض أفلاماً عربية وعالمية

أنجز دورة سابعة احتفاءً بسينما القارة الكبرى

«شامبالا» أحد الأفضل
«شامبالا» أحد الأفضل
TT

مهرجان «آسيا» يعرض أفلاماً عربية وعالمية

«شامبالا» أحد الأفضل
«شامبالا» أحد الأفضل

انتهت أعمال الدورة السابعة من مهرجان «آسيا العالمي» (Asia World Film Festival) يوم أمس، الخميس بعد عشرة أيام ناجحة اختتمت في قاعة لاندمارك في لوس أنجليس التي تتسع لنحو 2000 شخص.
خلال أيام المهرجان كشف الحدث عن أكثر من 30 فيلماً مشاركاً قدم من نحو 20 دولة آسيوية أنجبت أفلاماً تستحق العرض في مهرجان يوفر للمشاهدين جميعاً (منهم بالطبع أبناء الجاليات الآسيوية في مدينة لوس أنجليس) تلك الفرصة النادرة لرؤية سيل من انعكاسات الحياة على مرايا الخيال والواقع.
مهرجان «آسيا العالمي» كان فكرة عمل عليها المخرج اللبناني جورج شمشوم وقام بتنفيذها رئيس اتحاد السينمائيين في قرغزستان صادق شرنياز.
التنفيذ بأجمعه على عاتق مجموعة من المتطوّعين، لكن شمشوم هو الذي يقوم بمعظم المهام لتأمين الأفلام واختيارها وبرمجتها وكل ما يرتبط بإدارة لو لم تكن ناجحة لما كبر حجم هذا المهرجان من عام لآخر.
على ذلك، هو غاضب على المسؤولين اللبنانيين. يقول في حديث خاص: «أرجو أن تكتب على لساني بأني مستاء للغاية من تجاهل المسؤولين اللبنانيين لما أقوم به. مستاء من طريقتهم في التعامل مع السينما اللبنانية وصانعيها. من عدم مبالاتهم بالتواصل كما تفعل الدول الأخرى وتجاهل مسؤولياتهم حيال كل عمل يهدف لخدمة هذا البلد».
هي ليست المرّة الأولى التي ينتقد فيها شمشوم تقاعس الدولة اللبنانية عن تشجيع السينمائيين والاهتمام بمصائرهم. حين أذكر له أن الدولة لديها من المشاكل ما لا يُحصى حالياً يرد بأن هذا التجاهل ليس وليد الوضع الحالي بل يعود لسنوات الأمس.
«كل ما هو مطلوب كان قيام القنصلية اللبنانية في لوس أنجليس بحضور الفيلم اللبناني المعروض في هذا المهرجان. دعوناهم لكن لا أحد تنازل ولبّى الدعوة ولا حتى اعتذر عنها. سفراء وقناصل دول آسيوية أخرى لا تتأخر في الحضور. حين نتواصل مع مؤسسات هذه الدول حكومية كانت أو خاصة نجدهم سريعي التلبية ومهتمين بالتواجد. عندنا لا شيء. تلمسنا ذلك من الدورة الأولى وما زلنا رغم أن هدفي، كلبناني، خدمة بلدي. هذا واجبي لكن ما هو واجبهم؟».

جماليات قرغيزية
الفيلم اللبناني الذي دعا شمشوم رسميين من القنصلية اللبنانية لحضوره كدعم معنوي هو «يوسف» لمخرج جديد هو كاظم فيّاض: دراما حول توهان رجل ما بين ما يقع فعلاً في حياته وما هو مُتخيل. يجد نفسه يعيش عالمين في كيان واحد ولا يدري في عالم هو في اللحظة التي يمر بها. ليس فيلماً نفسياً، بل هو دراما تشويقية تستمد تصنيفها هذا من أن الشاب وشقيقه يتاجران بالأسلحة في إيعاز من الفيلم بالفلتان الحاصل وتجارة السلاح غير المرخّص.
معظم ما شاهدناه من أفلام يواكب أوضاعاً اجتماعية خاصة ببلدانها. إذ يتناول «يوسف» قضية السلاح الممنوع نجد الأفلام الأخرى تتداول مشاكل شخصية تنعكس على واقع عام تقوم بنقده أو تكتفي بعرضه.
هذا باستثناء فيلم فجاعي ورد من سري - لانكا بعنوان «آسو» (Asu) يدور حول أم حامل تكتشف أن لديها سرطان الثدي. تخشى إذا ما أقدمت على العلاج أن تضر جنينها فتمتنع وتنتهي بعد ساعة ونصف من هذا المنوال على شفى الموت. المخرج سانجيوا بوشباكومارا يريد فيلماً جاداً حول التضحية، لكنه يمارس ذلك بأقل قدر ممكن من الإبداع والإجادة، مما يتركنا أمام مطبّات ميلودرامية وتنفيذ مشهدي ركيك من حين لآخر.
اللافت على صعيد الإجادة هو مجموعة من الأفلام الآتية من آسيا الوسطى. ومن دون الادعاء بمشاهدة كل ما عرضه المهرجان من أفلام، يبرز «شامبالا» كأحد أفضل ما شوهد من أعمال هذا العام.
هو ترشيح قرغيزستان لأوسكار 2022. فيلم يحتفي بجمالياته المبهرة وبموضوع آسر. «شامبالا» هو اسم صبي في قرية نائية يهيم، كالمخرج أرتيكباي سيونداكوف، بالماء وهناك الكثير منه من الجداول الصغيرة إلى الشلالات والأنهر الكبيرة الجارفة. يعيش شامبالا بخياله الرحب. يصنع قارب ورق يعكس رغبته في الانطلاق. في الوقت ذاته هو محكوم بوضع صعب. والده مات ويعيش في كنف جدّه وجدته. والدته تزوّجت رجلاً شرس الأخلاق يكشف عن أنيابه عندما يكتشف الصبي وجود تمثال نصفي مخفياً وسط الأشجار. ينصح الجد الزوج بترك التمثال وشأنه، لكن هذا لا يستمع للنصيحة وينقله إلى داره. يعقب ذلك ثورته على الجميع عندما يكتشف أن الجد أعاد التمثال لمكانه الأصلي. يهدد الزوج الجميع بالقتل بمن فيهم شامبالا أو الطرد.
في وسط ذلك، هناك أيل بقرون تميّزه بجمال نادر يزور المنطقة التي كان هجرها منذ سنوات. في الفصل الأخير من الفيلم يكتشف الصبي أن زوج والدته اصطاد الأيل وقدّمه لضيوفه من الزوّار. في هذا الفصل نرى زوج الأم يمحو الخط الفاصل بين أخلاق القرية والمدينة. يشرب ويرقص ولا يمانع عندما تدخل زوجته الحلبة وتراقص رجلاً آخر.
يستعير المخرج من البيئة ما يُثري الفيلم الماثل، كذلك يعمد إلى رموز كبيرة ليس الماء والحيوان والتمثال سوى جزء منها. الجزء الأكبر تصويره لجحافل منغولية (أو هكذا تبدو) وهي تتقدّم على جيادها بمشاعلها وسيوفها في قلب الليل. سيصل الغزاة إلى القرية ويدمّرونها، لكن هذا في الخيال وحده ويستخدمه المخرج كترميز لعصر مظلم وظالم يتكرر حدوثه مجسّداً في تصرّفات الزوج.
في موازاة هذا الفيلم عمل كازاخستاني بعنوان «نار» ينبض بمعايشة مجتمعية مدنية. حكاية رجل يعمل في شركة لصناعة الخبز وتوزيعه على المحلات. إنه السائق توليك (تولبراغن باييشاكوف) الذي بالكاد يستطيع إعالة عائلته. تتعالى ديونه ويجد نفسه عالقاً أمام وضع لا قدرة له عليه. يزداد الوضع تعقيداً عندما تحبل ابنته من زميل لها في الكلية ويرفض ذوي الشاب الاعتراف بذلك. هذا سيقود إلى سلسلة من الأحداث غير المتوقعة التي تسلب من توليك كل قدرات لصد ما يحدث له.
في الفيلم تذكير ببعض الدراميات الإيطالية الواقعية حين مزجها ببعض الكوميديا السوداء، لكن «نار» يبقى قائماً بذاته. سريع الانتقال وجيد الإيقاع ومهم في إطار ما يطرحه.
فلسطيني وإسرائيلي وجدار
لجانب «يوسف» كفيلم عربي أتاح المهرجان لحاضريه مشاهدة الفيلم الفلسطيني «200 متر» لأمير نايفة. حكاية ذلك الزوج الذي يعيش في القدس الشرقية يفصله عن زوجته (التي تعيش والأولاد) في القدس المحتلّة جدار و200 متر. هو لا يملك إذن دخول للعمل ولا هي تستطيع العودة كونها تعمل في ذلك الجانب الآخر من المدينة. كل شيء يتغيّر عندما يصبح لزاماً عليه اجتياز الجدار عند نقطة بعيدة مع مجموعة من الركّاب بينهم إسرائيلية تريد التعرّف على الواقع لكن باقي الركّاب يعتقدون أنها جاسوسة.
الفيلم بأسره مهم. حكايته دالّة بلا ريب لكن الجهد منصب على التمهيد طويلاً وأحداث الرحلة لا تعكس واقعاً، بل تتحدث عنه فقط رغم أن نيّته تكمن في تناوله الكاشف.
«200 متر» ليس الفيلم الوحيد حول جدار العزلة الشهير. الفيلم الإسرائيلي «ليكن هناك صباح» لإيران كوليرين يتناول الموضوع نفسه معكوساً: بطل الفيلم سامي يعيش في القدس المحتلة مع زوجته، بينما يعيش شقيقه في القدس الشرقية. وهذا يدعوه لحضور حفلة زفافه.
يلبّي سامي الدعوة بكل سرور لكن ما يحدث أن السُلطة الإسرائيلية تفرض حصاراً على القطاع مانعة سامي من العودة إلى منزله.
يستغل المخرج إيران كوليرين الحبكة ليمنح بطله فرصة التعرّف على فلسطينيين يعيشون حياتهم الصعبة في فيلم لا بد لنا من وقفة أخرى مع معطياته. كوليرين سبق له وأن تعامل مع مواضيع عربية - إسرائيلية من قبل بدءاً من «زيارة الفرقة الموسيقية» (The Band‪’‬s Visit) ولاحقاً في «ما وراء الجبال والهضاب» (Beyond the Mountains and Hills) ومن الجيد أن نراه ما يزال يحاول البحث في هذه العلاقة الصعبة بين شعبين لم يجدا بعد حلولاً ناجعة للمشاكل السياسية والأمنية القائمة.‬
في منأى آخر من تعقيدات الحياة الحاضرة تكمن قضية الوباء المستشري في فيلم صيني جديد حول «كوفيد - 19» حين انطلق داخل مدينة ووهان، وما أسفر عنه حينها من كوارث على صعيدي الأفراد وكوضع اجتماعي عام.
ككل وباء عبر التاريخ لم ينتظر «كورونا» ومتفرّعاته تحرك الدول للقضاء عليه بل بادر بالهجوم عليها من دون تمييز. الأفلام التسجيلية التي تحدّثت عنه ما زالت قليلة، لكن الصين أنتجت فيلمان حول الموضوع عرض مهرجان آسيا العالمي أولهما في العام الماضي (تحت عنوان «76 يوم») وعرض ثانيهما هذا العام تحت عنوان «ووهان ووهان».
كلاهما يحمل مفاداً واحداً. في الفيلم السابق (أخرجه وايكجي تشن وهاو وو) تصوير المحنة الإنسانية كما هي وفي موقع واحد هو المستشفى الذي كان يستقبل الحالات على شكل أفواج. الكاميرا تلتقط ولا تعلّق والتوليف ينتقل بين المشاهد ويعود إلى بعضها لينقل الواقع كما هو. هذا لا يمنع من إظهار الجانب الإنساني في المحنة كلها، عبر تقديم نماذج عديدة للمصابين ولسواهم ممن لم تثبت إصابتهم بعد بل نُقلوا احترازياً. هناك حالات إنسانية عديدة في ذلك الفيلم وتصوير لبذل الوحدات الطبية لمعالجة أمر طارئ لم يتوقع حدوثه أحد.
«ووهان ووهان»، للمخرجين يونغ تشانغ وغونغ تشنغ، لا يبتعد كثيراً عن هذا الخط العام عارضاً ما تفجّر من حالات إنسانية على جانبي الخط (الأطباء والمرضى) لكنه ينحو أكثر لدراسة حالة معيّنة أكثر من سواها متمثلة بشخصية الطبيبة النفسية التي كان عليها الاندماج في المساعي الرامية لإنقاذ المصابين في الوقت الذي تحاول فيه حل أزمة عائلية متفاقمة.


مقالات ذات صلة

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

في العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (1995)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون.

سارة باهر (نيويورك)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.