يوسف شاهين والآخرون وسينما السبعينات الانتقادية

عرض مواقفه ذاتياً وبأسلوب المؤلّف

TT

يوسف شاهين والآخرون وسينما السبعينات الانتقادية

يعرض موقع Mubi الخاص بالمشتركين فيلم يوسف شاهين «الأرض» ضمن احتفال يضم فيما يضم «باب الحديد» (1953) و«صراع في الوادي» (1954) و«عودة الابن الضال» (1976). بذلك يفتح المجال أمام جيل جديد من الهواة وجيل أكبر منه من الذين يعرفونه جيداً أو من أولئك الذين سمعوا عنه ولم يشاهدوا إلا القليل من الأفلام التي صنعها.
بين كل ما حققه المخرج الراحل من أفلام (39 فيلماً طويلاً) يبقى «الأرض» أكثر أفلامه تقديراً بين النقاد العرب والعديد من النقاد الأجانب الذين شاهدوه. هو من أكبر أفلامه إنتاجاً إلى حين تصويره (1969) وعرضه (1970) جنباً إلى جنب «الناصر صلاح الدين» (1963) و«بياع الخواتم» (1965).
في الواقع هو من أفلامه القليلة آنذاك التي حوت نقداً اجتماعياً أو سياسياً. في ذلك كانت لديه سوابق محدودة في هذا الاتجاه من بينها «صراع في الوادي» (1954) و«باب الحديد» و«جميلة» (كلاهما من إنتاج 1958) بالإضافة إلى «الناصر صلاح الدين» سنة 1963. كما تقدّم.
باقي أفلامه في الواقع، حتى فيلم «الأرض»، مثل «بابا أمين» (1950) و«المهرج الكبير» (1952) «نساء بلا رجال» (1954) و«ودّعت حبك» (1956) كانت حكايات كوميدية وغرامية بإخراج قليل الاهتمام بالمنحى الذاتي. أسلوبياً لا يمكن اعتبارها من سينما المؤلف كما الحال مع «باب الحديد» مثلاً.

- رحلة في الزمن
عن قصّة عبد الرحمن الشرقاوي استخلص يوسف شاهين العناصر التي يريد التوقف عندها ولو بالإيحاء أو بالاستلهام أو بالرمز. كانت مرّت ثلاث سنوات على هزيمة 1967 لكن الرواية وُضعت قبل الهزيمة بسنوات وتدور في ثلاثينات القرن الماضي، أي قبل ثورة 1952. بالنسبة لشاهين فإن صنع محاكاة ما بين هزيمة ثائر ضد الإقطاع اسمه محمد أبو سويلم (محمود المليجي) وهزيمة 1967. ربما في هذه المقارنة المعقودة تباين شديد لكن شاهين لا يبدو أنه اكترث للتفاصيل التي تباعد بين الجانبين، خصوصاً وإن بعض الفيلم يتناول كذلك الفساد والسُلطة وضعف المنكوبين من جراء قيام صاحب أراضي الريف التركي بالسطو على الماء والأرض من دون أن يتمكن أحد من إيقاف اعتداءاته.
ما هو أقوى وأوضح منالاً يكمن في عملية العودة إلى سنوات ما قبل الثورة وبذلك يبقى الفيلم مثالاً جيداً لمرحلة زمنية عانى فيها الفلاح، من بين قطاعات أخرى، في قوته وحياته. السينما نقلت هذا الوجه في أفلام أخرى مثل «الحرام» لهنري بركات (1965) و«الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف (1967). لكن «الأرض» جسّد العلاقة بين الإنسان المصري والأرض وبينه والأرض من ناحية والماء وبين هذه العناصر الثلاثة والمستبد الأجنبي.
إذ أخرج شاهين الفيلم بعد سنتين من الهزيمة (من دون أن نؤكد الروابط التي استوحاها البعض ما بينها وبين الفيلم) بدا أنه رصف طريقاً أمام مخرجين آخرين يريدون السير في ركب أعمال ناقدة. لكن الأمانة تقتضي القول إن بعض تلك الأفلام كانت أكثر ربطاً بين الواقع السياسي ما بين 1967 وحتى أواخر السبعينات. بكلمة أخرى فإن «الأرض» على قوّته درامياً وفنياً وأهميّته بالنسبة للسينما المصرية والعربية على حد سواء، يتيح لنا الريبة في تلك الدلالات غير المؤكدة أصلاً. «الأرض»، في قراءة مباشرة، ليس سوى فيلم عن الإقطاع في زمن مضى وحكايات لشخصيات تبقى شخصية محمد أبو سويلم أقواها شأناً وأبقاها في أي ذاكرة بسبب ذلك المشهد الذي يتم سحله فوق تراب أرضه فيقبض على ذلك التراب في رفض وألم.
في سنة 1969 قدّم حسين كمال فيلمه الجيد «شيء من الخوف»، الذي تقع أحداثه في الريف المصري أيضاً. على عكس «الأرض» فإن هناك ملامح من شخصية بطله عتريس. هذا (كما أدّاه محمود مرسي) كان رئيس عصابة يعيث فساداً وقتلاً في القرية ناشراً الخوف. الفيلم بموضوع كهذا اعتبر من قبل المسؤولين ترميزاً لنظام الرئيس جمال عبد الناصر. لكن الرئيس لم ير ذلك ما مهّد لعرض الفيلم جماهيرياً بعدما كان تم منعه بقرار من الرقابة.

- أفلام ناقدة
رمز أو لم يرمز ليس جوهر المسألة، بل حقيقة أن أحداثه لم تقع في زمن ما قبل الثورة المصرية بل بعدها. بذلك يقوى الإيحاء بأن رواية ثروت أباظة والفيلم المأخوذ عنها عنيا نقداً للنظام.
فيلم مهم آخر من أفلام 1969 هو «ميرامار» لنجيب محفوظ مؤلّفاً وكمال الشيخ مخرجاً. هنا لا يوجد أي التباس في حقيقة أن المقصود من الفيلم تعرية الاتحاد الاشتراكي ومن خلفه نظام الحكم في تلك الآونة. شخصيات «ميرامار» نموذجية من حيث إن الروائي الكبير نجيب محفوظ حشد شخصيات عديدة معظمها كانت ذات مناصب رسمية أو إعلامية أو مستفيدة من وضع وجدوا فيه مناسبة للاستغلال. كان كمال الشيخ قرر منذ البداية ألا يحقق أفلاماً سياسية ونفى في أحاديثه أنه فعل ذلك علماً بأن لديه «الهارب» (1974) و«على من نطلق الرصاص» (1975) وهما من بين أفلام السبعينات المكتوبة بنبض سياسي واضح. لكن «ميرامار» كان أول هذه الأفلام الثلاثة التي خرج بها عن القاعدة.
ما ساعد الفيلم على كسر التهديد بمنعه من قِبل الرقابة حقيقة أن من يعرضهم هم من المستفيدون من النظام، والنقد محصور بممارساتهم وليس بالنظام ذاته.
ولم يمضِ وقت طويل من قبل أن يخوض المخرج علي بدرخان المجال ذاته. ففي سنة 1975 قام بإخراج فيلم «الكرنك»، الذي كتبه نجيب محفوظ أيضاً وبالتالي خرج كرواية، ثم كفيلم، شبيهاً بفيلم «ميرامار» من حيث تعدد شخصياته وتضارب مصالحها مع مصالح المواطن. لكن إذا كان «ميرامار» خص نفسه بانتقاد الموظفين والمسؤولين المستفيدين من النظام، فإن «الكرنك» انتقد النظام نفسه، مما سمح له باستقبال مديح البعض وهجوم البعض الآخر.
في العام ذاته خرج فيلم ممدوح شكري «زائر الفجر» حول صحافية يسارية تريد فضح ممارسات القوى الخفيّة للنظام. رجال المخابرات والأساليب المتّبعة للترهيب التي قد تصل إلى حد الخطف والسجن والتعذيب وبل القتل. وهذا كله يقع، حسب سيناريو لرفيق الصبّان، لتلك الصحافية (ماجدة الخطيب) التي يبدأ الفيلم بها مقتولة، مما يستدعي المحقق البحث عن الجاني ليكتشف أن هناك أكثر من مستفيد لقتلها.
هذا شبيه ببداية ونهاية واستنتاجات فيلم «المذنبون» الذي أخرجه سعيد مرزوق في العام ذاته. فهو يبدأ باكتشاف جريمة قتل، ثم يعود أدراجه لسرد حياة الضحية (سهير رمزي) ليجد أن هناك أكثر من شخص كانت لديه مصلحة في قتلها ولو أن من نفّذ الجريمة شخص واحد (حسين فهمي). في ذلك الفيلم أيضاً شخصيات سياسية يطرحها الفيلم (الذي وضع قصّته نجيب محفوظ أيضاً) كواجهة لنقد المرحلة السابقة لحكم أنور السادات.
المختلف في أفلام يوسف شاهين بعد «الأرض»، تحديداً «الاختيار» (1971) و«العصفور» (1974) هو أن الرجل عالج أعماله بأسلوب المخرج الذي لا يريد تنفيذ الفيلم ورسالاته فقط، بل تقريبه إلى ذاته. كلاهما كان سرداً لفترة وبحث عن أسباب وإظهار نتائج، لكنهما كانا في الوقت ذاته خطوة مهمّة واحدة صوب شاهين المخرج الذي يريد أن يتحدّث عن نفسه في الوقت الذي يسرد فيه أحداثاً. شاهين الذي يرى أن على الفيلم الجيد أن يخرج من الذات وليس من الحكاية التي يضعها سواه سارداً أحداثاً ليست قريبة من مخرجها إلا كفعل تنفيذي للعمل الذي يقوم بتحقيقه.


مقالات ذات صلة

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

في العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (1995)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون.

سارة باهر (نيويورك)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.