مهرجان لندن السينمائي يواصل نجاحاته الكبيرة

دورته الخامسة والستون انطلقت قبل يومين

TT

مهرجان لندن السينمائي يواصل نجاحاته الكبيرة

إذ انطق «لندن فيلم فستيفل» قبل يومين (في السادس من هذا الشهر) ويستمر حتى السابع عشر منه، يتصدر الرقم 65 صفحاته وشاشاته حسب عدد السنوات التي أقيم بها من عام 1956 وحتى الآن.
للوهلة الأولى من العذر أن يصدّق بعضنا أن ستة عقود ونصف مرّت على المهرجان اللندني العتيد. هذا يعني أنه على بعد عقد واحد من بعض أعتى وأقدم مهرجانات العالم مثل «كان» و«فينيسيا» و«برلين» و«لوكارنو».
والواقع أن «لندن» لم يبدأ كبيراً وبل لم ينمُ سريعاً. أخذ وقته الطويل في الانتقال من طور الولادة إلى ما هو عليه الآن من أهمية وحجم. انطلق على شاشة واحدة والآن أصبح متوفراً في عشر مدن (بينها بلفاست وغلاسغو وبريستول ونيوكاسل ومانشستر). انطلق كمجموعة من الأفلام التي كانت عرضت في مهرجانات أخرى وتم تجميعها من هنا وهناك، إلى مهرجان يتمتع بـ21 عرضاً عالمياً أول هذا العام.
مثل سواه، تعرّض في العام الماضي إلى ذلك الزلزال الذي أحدثه وباء «كورونا». عرض خدماته المنزلية كما تفعل محلات السوبر ماركت والمطاعم مع إبقاء شاشاته الفعلية مفتوحة لمن يرغب. لكنه يعود إلى النشاط الكامل هذا العام وبزخم مرتفع النبرة ليؤكد حالتين: حضوره بين مهرجانات العالم السينمائية وحضوره لهواة السينما في ربوع بريطانيا وحيثما هناك شاشة تشارك عرض الأفلام.

- تنوّع كبير
في الواقع لعب وباء «كورونا» دوراً في تشييد دورة قوية هذا العام. كان بمثابة الدافع للإجادة والتقدم. وُلد هذا الدافع على نحو غير متوقع. فلجانب أن إدارته، متمثلة بترشيا تاتل، قررت المضي قُدُماً بإنجاز دورة العام الماضي، وعلى مستويين، عزز حضوره ذلك التصميم على تجاوز الصعاب، كما فعل مهرجان فينيسيا بين كل مهرجانات الصف الأول.
والحال أن الإقبال على الاشتراك بعروض المهرجان المنزلية كان بمثابة توسيع رقعة وعملية دعائية ذكّرت البعض بوجود المهرجان الذي كان، قبل ذلك، يعتمد على عشرات الألوف من زبائنه المخلصين في الصالات المخصصة له. تقول مديرته تاتل إن ما حدث في العام الماضي كان تجاوزاً ناجحاً للتحدي الذي فرضه «كورونا» على المهرجان: «دفعنا للمزيد من العمل والمقاومة لأننا لم نرد أن نرفع راية بيضاء متمنين لجمهورنا ولنا عودة لاحقة هذا العام».
ما يتلمّسه المرء من متابعة محتويات الدورة الجديدة، ذلك التنوّع الكبير في الاختيارات من حيث تصنيف الأفلام المعروضة ومن حيث الجغرافيا (السعودية ومصر ولبنان من بين القلّة العربية الممثلة) ومن حيث ذلك الضم لأساليب عديدة من أساليب الإخراج وكيفيات نقل الأحلام إلى أفلام.
هذا كان حدث في السابق عندما كان مهرجان لندن السينمائي مكتفياً بجلب أفلامه من المهرجانات المختلفة حوله. مثل مهرجان تورونتو في السبعينات، كان لا يزال يحمل شعار «مهرجان المهرجانات» نسبة لاستحواذه على ما وجده أفضل ما سبق لمهرجانات العالم المتقدّمة عليه عرضه. لكن إذ قوي عضد مهرجان لندن منذ سنوات فإنه بات قادراً على ضمان رقعة أوسع من الأفلام وأنواعها والمدارس المختلفة التي تنتمي إليها.
على ذلك هناك معضلة لا يمكن حلّها بسهولة: ما زال على بعد غير يسير من منافسة مهرجانات الصف الأول. هذا يتطلب تغيير خطّة عمل وتطوير إمكانيات واستحداث أسواق وتوزيع جوائز (مما يعني اعتماد لجان تحكيم) وهذا كله ليس متاحاً الآن.

- محو الفوارق
رغم ذلك، ما يتيحه المهرجان من أفلام يشيد بانوراما واسعة ورائعة لجمهور متعطش لأفلام قرأ عنها حين عرضت في بعض المهرجانات الأخرى أو لأفلام من تلك الواحدة والعشرين التي لم تعرض بعد في أي مكان.
أحد هذه الأعمال غير المعروضة سابقاً فيلم الافتتاح The Harder They Fall لجايمس (Jeymes) سامويل: وسترن على أصوله من بطولة إدريس ألبا ورجينا كينغ يعيد البسمة على وجوه عشّاق النوع كما حب الاكتشاف لجيل لم يعاصر هذا النوع شبه المندثر الذي كان (حتى مطلع الستينات) يشكل نسبة تصل إلى 45 في المائة من إنتاجات هوليوود من الأفلام.
هو فيلم من إنتاج «نتفليكس» لكن الجدار السابق الذي نشأ بين ما هو منتج للعروض المنزلية وبين ما هو إنتاج للصالات التجارية بات أقل سماكة وأهمية اليوم مما كان عليه في عهد قريب. والمهرجانات هي واحدة من أسباب محو الفارق، ذلك عائد إلى أن معظمها لم يتوانَ عن استقبال فيلم لـ«نتفليكس» أو «أمازون» إذا ما توفر لهم. في الواقع يقف «كان» وحيداً بين صنف الرافضين لذلك ولسبب آخر لا علاقة له برفض الأفلام غير المصنوعة للسينما، وهو هيمنة شركات الإنتاج والتوزيع الفرنسية على ما يختاره «كان» لعروضه. هذه تريد أن تكون معظم العروض قابلة للصرف على شاشات السينما وكثير منها هو من تمويل فرنسي كامل أو جزئي على أي حال.
إذ يتصدّر «ذا هارد ذاي فول» عروض المهرجان مفتتحاً الدورة الجديدة فإن العرض الختامي هو لفيلم أميركي آخر خاص (وإن سبق وأن تم عرضه في مطلع مهرجان نيويورك قبل أقل من شهر). الفيلم هو «تراجيديا شكسبير» والكثير من الاهتمام يدور حوله لأكثر من سبب في مقدّمتها أنه الجهد الأول لجووَل كووَن بعيداً عن شقيقه ناتان. كيف تم ذلك ولماذا وهل سيعودان للعمل معاً أم لا؟ أسئلة لا جواب عليها قبل المؤتمر الصحافي للمخرج وزوجته فرنسيس مكدورمند بطلة الفيلم.
الفيلم اقتباس آخر جديد للنص الذي وضعه ويليام شكسبير قبل 401 سنة تحت عنوان «ماكبث». تم تداول الفيلم أكثر من 200 مرّة رئيسية من أيام السينما الصامتة، لكن نسخة كووَن تعد بأن تكون مختلفة (هذا لا يعني، إلى أن تُتاح لنا مشاهدة الفيلم، إنها جيدة أو لا).
شكسبير كتب أيضاً «الملك ريتشارد» لكن فيلم رينالدو مرقص غرين «الملك ريتشارد» لا علاقة له بنص شكسبير. هو من بطولة ول سميث الذي يؤدي دور أب يسعى كل طاقته لضم ابنتيه لفريق كرة ناجح.

- أفلام عربية
عربياً نجد «الحارة» للأردني باسل غندور (مع عماد عزي وبركة رحماني في البطولة) ممثلاً أربع دول اشتركت في تمويله هي السعودية ومصر وقطر والأردن. وهناك فيلم مصري (خالص) بعنوان «ما لا نعرفه عن مريم» لمراد مصطفى.
لبنان حاضر في أربعة أفلام هي «صندوق الذاكرة» للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج: دراما عن توابع الحرب اللبنانية التي تركت تأثيراتها العميقة في شخصيات الفيلم. و«كوستا برافا ليبانون» لمنية عقل وهو حكاية عائلة استقرّت في منعزل جبلي بعيداً عن قاذورات المدينة المتراكمة في أزمة 2018 الشهيرة، لتجد أن الحكومة قررت تحويل أرض ملاصقة كحاضن للنفايات التي هربت العائلة منها.
«البحر أمامكم» فيلم آخر يستدعي الانتباه (أسوة بهذه المجموعة التي تم إنتاجها لبنانياً رغم الظروف العسيرة) حول فتاة (منال عيسى) عادت من باريس فجأة إلى مدينة بيروت حيث تلجأ إلى دار والديها وإلى صديقها الأول (روجيه عازار). هناك سبب خفي لعودتها يبني المخرج إيلي داغر الفيلم عليه.
الفيلم الرابع هو «فلسطين الصغيرة، مفكرة حصار» لعبد الله الخطيب، وهو تسجيلي حول قيام السلطات السورية قبل أعوام بإغلاق الحي الذي يقطنه الفلسطينيون في دمشق.
فيلم تسجيلي آخر، إنما سوري الراية، يتمثل في فيلم هالة عبد الله عنوانه «عمر أميرالاي: أسف، زمن»، وهو عن المخرج السوري الراحل منذ عقود والذي ما زال أهل السينما يتذكرون أعماله التي سبقت سواها في نقد البنية السياسية السورية.


مقالات ذات صلة

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

يوميات الشرق حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

بعد 4 سنوات من الغياب يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة».

انتصار دردير (القاهرة )
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المخرجة هناء العمير أثناء كواليس تصوير الفيلم (الشرق الأوسط)

هناء العمير لـ«الشرق الأوسط»: شعبية «جحيم العابرين» تحدٍ سينمائي

بعد سنوات من العمل في الأفلام القصيرة والدراما التلفزيونية تخوض المخرجة السعودية هناء العمير تجربتها الأولى في إخراج فيلم روائي طويل هو «جحيم العابرين».

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

في العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.