توجهات طبية جديدة لتشخيص عجز القلب وعلاجه

إرشادات محدّثة للجمعية الأوروبية

توجهات طبية جديدة لتشخيص عجز القلب وعلاجه
TT

توجهات طبية جديدة لتشخيص عجز القلب وعلاجه

توجهات طبية جديدة لتشخيص عجز القلب وعلاجه

أصدرت جمعية القلب الأوروبية ESC تحديثها للإرشادات الطبية الخاصة بتشخيص ومعالجة أنواع حالات عجز القلب Heart Failure، بنوعيه المزمن والحاد. واتخذت الجمعية نهجاً غير مسبوق في طريقة إعداد الإرشادات الطبية، وذلك بشمولها عدداً من مرضى عجز القلب كأعضاء كاملي العضوية ضمن فريق العمل لإعداد وإصدار الإرشادات الطبية هذه. كما ألقت جائحة كوفيد - 19 الحالية بظلالها على جوانب متعددة في الإصدار الحديث لجمعية القلب الأوروبية حول طرق معالجته ومتابعة المرضى.

إرشادات محدثة

وتم إصدار الإرشادات المحدثة هذه في السابع والعشرين من شهر أغسطس (آب) الحالي على الموقع الإلكتروني للجمعية، وذلك ضمن فعاليات اليوم الثاني للمؤتمر السنوي لجمعية القلب الأوروبية. كما نشرت في نفس اليوم ضمن المجلة الأوروبية للقلب European Heart Journal، وذلك في 128 صفحة. ورئس فريق عمل إعداد الإرشادات المحدثة كل من البروفسورة تيريزا ماكدونا من المملكة المتحدة والبروفسور ماركو ميترا من إيطاليا، بالإضافة إلى 29 من الخبراء في عجز القلب.
ولدى الأوساط الطبية، تمثل الإرشادات الطبية لأي هيئة طبية عالمية، وثيقة تلخص وتقيم الأدلة العلمية المتوفرة حول حالة مرضية معينة، بهدف مساعدة الأطباء لأفضل استراتيجيات إدارة معالجة المريض الذي يعاني منها. ولذا تفيد في تسهيل اتخاذ القرارات الإكلينيكية من قبل الأطباء في ممارساتهم اليومية عند التشاور مع المريض حول أفضل سبل معالجته.
وأفادت لجنة جمعية القلب الأوروبية لإعداد هذه الإرشادات الطبية المحدثة، أن معدلات الإصابة بعجز القلب، أو قصور القلب HF، آخذة في الزيادة عالمياً، وخاصةً بين متوسطي العمر، إضافة إلى ما هو معلوم ومستمر في الارتفاع، لمعدلات الإصابة به مع زيادة التقدم في العمر. إذ ترتفع النسبة إلى أكثر من 10 في المائة لمن هم في سن السبعين وأكثر.
كما أفادوا أن حالات قصور القلب ليست نوعاً واحداً، وأنها ليست بالضرورة مرتبطة بحصول عجز في قوة انقباض القلب، والذي يعبر عنه بـ«الكسر القذفي»Ejection Fraction للبطين الأيسر، أي نسبة كمية الدم التي يقذفها البطين الأيسر عند انقباضه في كل نبضة، مقارنة مع كمية الدم التي تجمعت فيه قبل انقباضه.
وتحديداً أفادوا أن بين مجمل مرضى عجز القلب، فإن لدى 60 في المائة منهم عجز واضح في قوة انقباض القلب HFrEF (انخفاض الكسر القذفي)، بينما لدى بقية المرضى الذين تظهر عليهم علامات عجز القلب، ويعانون من تبعات وتداعيات تلك الحالة الإكلينيكية، فإن قوة انقباض القلب لديهم تكون إما طبيعية HFpEF (حفظ الكسر القذفي) أو متضررة بشكل متوسط HFmrEF (انخفاض بسيط في الكسر القذفي).
ولذا كان أحد الأجزاء المهمة في هذ الإرشادات المحدثة، هو وضع تعريفات دقيقة لأنواع حالات عجز القلب ومسبباتها، وذلك بغية الحصول على تشخيص دقيق لحالة عجز القلب لدى كل مريض منفرداً، وبالتالي وضع خطة المعالجة والمتابعة له.

حالات الاشتباه

وفيما يتعلق بالتشخيص عند «الاشتباه» في الإصابة بقصور القلب المزمن، توصي الإرشادات بقياس مستوى الهرمونات التي ينتجها القلب (الببتيدات الناتريوتريك Natriuretic Peptides). وإذا كانت المستويات طبيعية، يمكن طمأنة المريض إلى أن فشل القلب أمر غير محتمل لديه. أما إذا كانت مرتفعة، فيجب إجراء تصوير القلب بالأشعة فوق الصوتية (الإيكو) Echocardiogram.
ويعالج جميع مرضى قصور القلب عادة بمدرات البول Diuretics لتقليل الشعور بضيق التنفس وخفض حجم تورم الكاحل. وبالنسبة لفشل القلب مع انخفاض الكسر القذفي، هناك العديد من العلاجات الدوائية التي تعمل على تحسين البقاء على قيد الحياة، مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين (ACE)، ومثبطات مستقبلات الأنجيوتنسين (ARNIs)، وحاصرات بيتا BB، ومدرات البول من نوع مضادات مستقبلات القشرانيات المعدنية (MRAs). وبالإضافة إلى ذلك، توصي الدلائل الإرشادية بفئة جديدة من الأدوية، وهي مثبطات الناقل المشترك للصوديوم والغلوكوز 2 (SGLT2)، والتي تسمى أيضاً غليفلوزين Gliflozins. حيث إنه عند إضافتها لبقية أدوية العلاج، تقل احتمالات كل من خطر الموت القلبي الوعائي والحاجة إلى تكرار دخول المستشفى نتيجة انتكاس حالة فشل القلب. ومن أمثلتها عقار داباغليفلوزين Dapagliflozin وإمباغليفلوزين Empagliflozin. كما قد يستفيد بعض المرضى الذين يعانون من قصور القلب مع انخفاض الكسر القذفي، من زراعة أجهزة داعمة للقلب، عبر عملها على ضبطها نبض القلب، وإزالتها أي اضطرابات خطيرة في إيقاع نبض القلب، مثل أجهزة تقويم نظم القلب وإزالة الرجفان البطيني ICD، وأنواع متقدمة من أجهزة العلاج بإعادة التزامن القلبيCRT. ويعاني كثير من المصابين بعجز القلب من مشاكل في النظام الكهربي للقلب، التي تتسبب في أن تنبض عضلة القلب (الضعيفة أصلاً) نبضاً غير متناسق. وقد يتسبب هذا الانقباض العضلي غير ذي الكفاءة، في تدهور حالة عجز القلب. وهذه الأجهزة تتعامل مع هذه المشاكل.

برامج علاجية

ونظراً لحداثة تنبه أوساط طب القلب إلى وجود حالات عجز القلب مع حفظ الكسر القذفي، ووفق ما توفر للجنة إعداد هذه الإرشادات الطبية من دراسات، فإن الإرشادات الجديدة نبهت إلى أنه لا يوجد حتى الآن علاج قد ثبت بالفعل أنه يقلل الوفيات ويقلل من المعاناة المرضية (المراضة Morbidity) لدى المرضى الذين يعانون من قصور القلب مع الكسر القذفي المحفوظ. وهو ما يعتبر مجالاً محتملاً للتطور في المستقبل المنظور.
وأشارت الإرشادات المحدثة إلى أن ممارسة التمارين الرياضية يوصى بها لـ«جميع» مرضى القلب المزمن «القادرين»، وذلك بغية تحسين جودة نوعية الحياة لديهم وتقليل اضطرار تكرار دخول المستشفى بسبب انتكاسات قصور القلب لديهم. وثمة وسائل إكلينيكية لتقيم درجات تلك «القدرة» على أداء المجهود البدني. وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من عجز أكثر حدة أو أمراض متعددة مصاحبة، ينبغي النظر في إدخال المريض ضمن «برنامج إعادة تأهيل القلب»، الخاضع للإشراف الطبي والقائم على التدريب لأداء التمارين بشكل مدروس ومتدرج.
وقالت رئيسة فريق عمل إعداد الإرشادات المحدثة البروفسورة تيريزا ماكدونا من مستشفى كينغز كوليدج في لندن بالمملكة المتحدة: «الغالبية العظمى من العلاجات الدوائية، تعمل على تحسين البقاء على قيد الحياة وتقلل من ضرورة الدخول إلى المستشفى، ولها أيضاً آثار مفيدة على جودة نوعية الحياة وشدة الأعراض لدى مريض عجز القلب. وهناك بعض التدخلات التي لا تؤثر (بشكل إيجابي واضح) في البقاء على قيد الحياة، ولكنها تعمل على تحسين جودة نوعية الحياة وشدة المعاناة من الأعراض. وإعادة التأهيل القلبي بالتمارين الرياضية، يجب تقديمها أيضاً للمرضى الذين يعانون من قصور القلب المزمن».
وتوصي الإرشادات المحدثة بأن يتمكن جميع مرضى عجز القلب من الوصول إلى عيادات برنامج إدارة معالجة أمراض قصور القلب. وهو بالعادة برنامج علاجي يتضمن عدد من المتخصصين الطبيين للمشاركة في مراحل معالجة جوانب شتى لدى المرضي، وذلك لضمان تشخيص ومعالجة جميع جوانب تداعيات ومضاعفات قصور القلب لدى المرضى بشكل صحيح. وأكدت الإرشادات المحدثة أهمية هذا الأمر بإشارتها إلى أن هذه البرامج ارتبطت بتقديم رعاية أفضل ونتائج محسنة لدى المرضى.

رعاية ذاتية

وبالإضافة إلى ذلك، أكدت الإرشادات المحدثة على ضرورة تشجيع مرضى قصور القلب في المشاركة بإدارة معالجة حالتهم الصحية مع الطاقم الطبي المعالج. وإضافة إلى فهم الحالة الصحية لديهم، وأنواع الأدوية التي يتناولونها، ودواعي تكرار إجراء الفحوصات الطبية قبيل زيارة العيادة، فإن الرعاية الذاتية من قبل المريض لنفسه تشمل: اتباع عادات صحية في سلوكيات نمط الحياة، مثل ممارسة النشاط البدني، وتجنب الإفراط في تناول الملح، والحفاظ على وزن صحي للجسم، وتجنب الإفراط في استهلاك الكحول، وعدم التدخين. ومن المهم أيضاً تجنب شرب كميات كبيرة من السوائل، والتعرف على مشاكل النوم لديهم ومعالجتها، ومراقبة التغيرات في الأعراض عند بدء حصولها. إضافة إلى التنبه المبكر لأي علامات أو أعراض قد تشير إلى احتمال بدء حصول حالة انتكاس لاستقرار عجز القلب، وخاصةً معرفة وقت ودواعي عدم التأخير في الاتصال باختصاصي تقديم الرعاية الطبية لهم.
وقدمت الإرشادات كذلك نصائح عامة حول كيفية الوقاية من قصور القلب. وهذا يشمل النشاط البدني المنتظم، والامتناع عن التدخين، والنظام الغذائي الصحي، وعدم تناول الكحوليات/ تناول الكحوليات الخفيفة، وتلقي التطعيمات، وعلاج ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول. وتم تقديم توصيات أيضاً حول كيفية إدارة المرضى الذين لديهم قصور القلب ويعانون في نفس الوقت من حالات مرضية مزمنة مثل الرجفان الأذيني AF وأمراض صمامات القلب VHD. وقال رئيس فريق عمل إعداد الإرشادات المحدثة البروفسور ماركو ميترا من جامعة بريشيا بإيطاليا: «من الضروري معالجة الأسباب الكامنة وراء قصور القلب والأمراض المصاحبة له. والعلاج المناسب لارتفاع ضغط الدم والسكري ومرض الشريان التاجي يمكن أن يمنع تطور قصور القلب. وغالباً ما يترافق الرجفان الأذيني وأمراض القلب الصمامية ومرض السكري وأمراض الكلى المزمنة ونقص الحديد والأمراض المصاحبة الأخرى، مع حالات قصور القلب. وقد يكون لاعتماد علاجات محددة تأثير كبير على المسار الإكلينيكي لمرضانا».

مرضى عجز القلب و«كوفيد ـ 19»

> ألقت جائحة كوفيد - 19 الحالية بظلالها على جوانب متعددة في الإصدار الحديث لجمعية القلب الأوروبية حول عجز القلب وتشخيص الإصابة به وطرق معالجته ومتابعة المرضى.
وأشارت الإرشادات الجديدة على وجه الخصوص إلى أن مرضى قصور القلب هم بالفعل أعلى عرضة لخطر متزايد للإصابة بالعدوى، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض ويكون عاملاً محفزاً لفشل القلب الحاد. ونصت، وبشكل مؤكد، على وجوب أخذ هؤلاء المرضى للقاح الأنفلونزا السنوي ولقاح المكورات الرئوية ولقاح كوفيد - 19.
وأفادت أن المراقبة المنزلية عن بعد Home Tele Monitoring، والتواصل المباشر بين المريض ومقدمي الرعاية الصحية عن بعد في العيادات الافتراضية Virtual Clinic، يمكن أن يساعد في الحفاظ على جودة الرعاية الصحية المقدمة للمريض، ويسهم بشكل عملي وفاعل في تسهيل الوصول السريع إلى الرعاية عند الحاجة، وتقليل تكاليف سفر المريض، وتقليل تكرار زيارات العيادة.
وضمن الفصل الثالث عشر للإرشادات المحدثة، والذي كان بعنوان: «الأمراض المصاحبة غير القلبية الوعائية»، وتحت عنوان «العدوى»، قالت الإرشادات: «في الآونة الأخيرة، ظهرت جائحة فيروس كوفيد - 19، باعتبارها سبباً رئيسياً لتفاقم الحالة المرضية والوفيات لدى مرضى عجز القلب، بالإضافة انتكاس استقرار حالات عجز القلبHF Decompensation».
وضمن الجدول الخاص بالتهابات العدوى لدى مرضى قصور القلب، قالت الإرشادات:
- المرضى الذين يعانون قصور القلب معرضون لخطر متزايد للإصابة بالعدوى وتظهر لديهم نتائج أسوأ بمجرد الإصابة.
- تؤدي المراقبة الطبية عن بعد، إلى تجنب مخاطر العدوى التي يسببها الاتصال الوثيق. إنها مفيدة أثناء ظروف الوباء.
- يمكن تنفيذ المراقبة عن بعد لمتابعة المرضى في حالات الجائحة.
- أثناء الجوائح، يجب فحص مرضى قصور القلب بحثاً عن العدوى في وقت دخول المستشفى في حالة الإدخال العاجل، أو قبل دخول المستشفى في حالة الإدخال الاختياري.

أعراض وعلامات انتكاس حالات عجز القلب المزمن

> عجز القلب قد يكون حالة مؤقتة، ولكن في الغالب هو حالة مزمنة. وثمة أسباب متعددة لحصول العجز في القلب وظهور تداعياته ومضاعفاته. وتهدف المعالجة الطبية معرفة السبب وعلاجه إن أمكن، كما تهدف إلى تخفيف معاناة المريض من الأعراض وتحسين جودة الحياة التي يعيشها، والأهم إطالة البقاء على قيد الحياة وتقليل احتمالات الوفاة المفاجئة. ويمكن أن تتحسن علامات وأعراض عجز القلب بالعلاج، ولكن يجدر بالمريض التنبه لأي أعراض قد تدل على احتمال حصول انتكاس في الحالة. وهي ما تشمل:
- زيادة الشعور بضيق التنفس عند بذل الجهد البدني.
- ضيق التنفس عند الاستلقاء على الظهر.
- الشعور بالإرهاق والوهن البدني.
- تورم في الساقين والكاحلين والقدمين (وذمة).
- زيادة سرعة ضربات القلب أو عدم انتظام النبض (الخفقان).
- عدم القدرة على ممارسة التمارين الرياضية المجهدة.
- السعال مع خروج بلغم أبيض أو ممزوج بدم خفيف.
- تكرار الحاجة إلى التبول في الليل.
- تورم البطن (الاستسقاء).
- زيادة احتباس السوائل في الجسم مع زيادة سريعة للغاية في الوزن.
- تدني الشهية والشعور بالغثيان (احتقان المعدة).
- انخفاض مستوى التركيز الذهني وصعوبة التركيز.


مقالات ذات صلة

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

صحتك مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

على الرغم من أنه يُنصح بتأجيل القهوة 60 إلى 90 دقيقة بعد الاستيقاظ لتجنب تداخل تأثير الكافيين مع النعاس الطبيعي فإنه لا توجد أدلة قوية تثبت ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت أخيراً في مجلة «علم نفس التواصل» (Communications Psychology)، لباحثين من جامعة نوتردام University of Notre Dame في الولايات المتحدة

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك القسطرة لدراسة شرايين القلب

ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

ربما لا توجد شكوى طبية تثير القلق مثل ألم الصدر، إذ يكفي أن يشعر الإنسان بألم أو بضغط مفاجئ في منتصف صدره حتى يخطر في ذهنه احتمال الجلطة القلبية،

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
TT

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)

على الرغم من أنه يُنصح بتأجيل القهوة 60 إلى 90 دقيقة بعد الاستيقاظ لتجنب تداخل تأثير الكافيين مع النعاس الطبيعي الناتج عن تراكم الأدينوزين، وهو مادة كيميائية في الدماغ تزداد نسبتها في أثناء اليقظة وتشعرك بالنعاس، فإنه لا توجد أدلة قوية تثبت أن الانتظار 90 دقيقة تحديداً أفضل للجميع.

ويمكن تناول القهوة فور الاستيقاظ إذا كانت تناسب الشخص، مع مراعاة تأثيرها في القلق والمعدة والنوم، وتجنّبها في الساعات القريبة من موعد النوم.

ووفقاً لموقع «فيري ويل هيلث»، فإن الأدلة العلمية التي تدعم هذه المقولة محدودة وتستند في الغالب إلى تجارب شخصية.

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)

وذكر أن هذه المقولة - التي ساهم عالم الأعصاب أندرو هوبرمان في نشرها على نطاق واسع - تستند إلى عمليتين بيولوجيتين رئيسيتين:

استجابة الكورتيزول عند الاستيقاظ

يفرز جسمك طبيعياً دفعة من الكورتيزول، وهو هرمون يعزز اليقظة وعمليات التمثيل الغذائي في غضون 30 إلى 45 دقيقة من الاستيقاظ.

ويرى المؤيدون لهذه المقولة أن تناول الكافيين خلال ذروة الإفراز الطبيعي هذه يُعد أمراً زائداً عن الحاجة، وقد يؤدي إلى تحفيز إضافي لجهازٍ هو بالفعل في حالة يقظة، مما قد يسبب التوتر أو القلق أو تسريع وتيرة اعتياد الجسم على الكافيين.

وفي المقابل، يقول العلم إن الأشخاص الذين يشربون القهوة بانتظام سرعان ما يطورون القدرة على تحمل تأثيرات الكافيين المتعلقة برفع مستويات الكورتيزول، وهذا يعني أن من يتناولون القهوة يومياً لا يواجهون سوى اضطراب طفيف جداً في مستويات هذا الهرمون.

التخلص من الأدينوزين

يتراكم الأدينوزين خلال النهار، بينما تنخفض مستوياته في أثناء النوم، لتصل إلى أدنى مستوياتها عند الاستيقاظ. يعمل الكافيين عن طريق حجب مستقبلات الأدينوزين، مما يمنع شعورك بالتعب.

ويُفترض أن الانتظار لمدة 90 دقيقة يسمح بتراكم كمية بسيطة من الأدينوزين، مما يوفر للكافيين «أهدافاً» أكثر ليقوم بحجبها، وهو ما قد يمنع - نظرياً - حدوث هبوط في الطاقة خلال فترة ما بعد الظهر.

ولكن لا تُظهر الدراسات المضبوطة علمياً أن تأخير تناول القهوة يمنع فعلياً هبوط الطاقة في فترة ما بعد الظهر، أو يُحدث تغييراً في مستويات الطاقة اليومية.


رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
TT

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه، مثل جميع الأسباب الأخرى لرائحة النفس الكريهة.

جفاف الفم

إذا كنت تتمتع بنظافة فم جيدة، فمن المرجح أن يكون جفاف الفم هو السبب. فاللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة. وعندما ننام ينخفض إنتاج اللعاب بشكل ملحوظ. ويمكن لبعض الأدوية أن تسبب جفاف الفم، مما يجعل رائحة النفس الصباحية أسوأ، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

عدم الاعتناء بنظافة الفم

يُعد سوء نظافة الفم سبباً شائعاً آخر. فأفواهنا هي بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا. وإذا لم تكن تنظف أسنانك بالفرشاة، أو بالخيط بشكل فعّال، فقد تعلق جزيئات الطعام في الشقوق الموجودة على سطح اللسان، أو بين الأسنان، أو على طول أنسجة اللثة.

وستقوم البكتيريا الموجودة في فمك بتحليل جزيئات الطعام تلك، مما يُطلق رائحة النفس الكريهة في الصباح. وقد تكون رائحة النفس الصباحية عَرَضاً لمرض اللثة، خاصة إذا تُرك سوء نظافة الفم دون علاج.

تؤدي أمراض اللثة لالتهابات في الجيوب تحت الأسنان يمكن أن تسبب رائحة نفس كريهة قوية، ومستمرة. ويحتاج مرض اللثة، الذي يبدأ على شكل التهاب اللثة، إلى علاج من طبيب أسنانك.

تناول أطعمة معينة

يمكن لما تُدخله إلى جسمك أن يؤدي إلى رائحة النفس الصباحية. فتناول الأطعمة ذات الرائحة القوية في المساء -مثل الثوم أو البصل النيئ- يمكن أن يسبب رائحة النفس الصباحية في اليوم التالي، حتى لو نظفت أسنانك جيداً.

التبغ

يرتبط استخدام التبغ، وخاصة التدخين، ارتباطاً مباشراً أيضاً برائحة النفس الصباحية، ورائحة النفس الكريهة بشكل عام. فهو يمكن أن يجفف فمك، ويجعلك أكثر عرضة لأمراض اللثة. وإذا أضفت رائحة الدخان إلى ذلك، فقد تكون وصفة لنفس كريه قوي.

مرض الارتجاع المعدي المريئي

قد يعاني الأشخاص المصابون بالارتجاع المعدي المريئي (GERD)، المعروف أيضاً بالارتجاع الحمضي، من رائحة النفس الكريهة بسبب ارتداد حمض المعدة إلى المريء أثناء نومهم في الليل.

كيف تعالج رائحة النفس الصباحية؟

في كثير من الحالات يمكن علاج رائحة النفس الصباحية في المنزل من خلال مزيج من العناية الفموية الأفضل، وتغييرات نمط الحياة. والحفاظ على نظافة جيدة للفم هو أفضل حل سريع، وحل طويل الأمد في آنٍ واحد لأي نوع من رائحة النفس الكريهة.

نظّف أسنانك بالفرشاة فوراً قبل أن تذهب إلى النوم ليلاً، ولا تأكل أو تشرب أي شيء بعد ذلك. فالقيام بذلك يمكن أن يُدخل جزيئات طعام سيتم تحليلها طوال الليل. نظّف أسنانك بالخيط، واستخدم غسول فم مطهراً بعد استخدام مكشطة اللسان.

وإذا كنت ترتدي مثبت أسنان، أو أي أدوات تقويم أخرى، فنظفها يومياً. ونظف أسنانك بالفرشاة بمجرد أن تستيقظ للتخلص من أي رائحة نفس صباحية متبقية. وإذا كنت تدخن أو تستخدم التبغ، فتوقف فوراً.

وقد تكون العلكة الخالية من السكر مفيدة أيضاً، خاصة إذا كنت في تنقلات، وكنت تعاني من رائحة نفس كريهة متكررة إلى جانب رائحة النفس الصباحية. فالعلكة الخالية من السكر لا تمنح البكتيريا الموجودة في فمك سكراً تتغذى عليه. ويمكنها أيضاً أن تساعد في تحفيز تدفق اللعاب، وإنعاش نفسك في الوقت نفسه.

سيحتاج طبيب أسنانك إلى علاج مرض اللثة بتنظيفات عميقة. حيث يزيل طبيب أسنانك البلاك والجير من الأسنان، واللثة.

وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من رائحة النفس الكريهة نتيجة لمرض الارتجاع المعدي المريئي، يمكن لطبيبك أن يصف دواء مخفضاً للحموضة يمكنك تناوله في الليل قبل النوم. وقد يوصي أيضاً بالنوم في وضع أكثر استقامة لتقليل الحمض في المريء.


كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟
TT

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً... وبعد رحلة بين العيادات والفحوص، تُقرر الأسرة إجراء أحد أكثر الاختبارات الطبية تقدماً: تسلسل الإكسوم، أو الجينوم، بحثاً عن سبب وراثي.

تصل العينة إلى المختبر، وتُقرأ المادة الوراثية، لكن النتيجة قد تكون مفاجئة: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح». أو ربما يجد المختبر تغيراً جينياً، لكنه يصنفه «متغيراً ذا دلالة غير مؤكدة» (VUS)، أي إن الأدلة لا تكفي بعد لمعرفة إن كان هذا المتغير مسؤولاً عن المرض.

هذه المعضلة كانت من أبرز ما طُرح في المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي SSMG 2026-الذي حضره ملحق «صحتك» في جدة- وعُقد تحت شعار: «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم».

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف نستطيع قراءة الجينوم ولا نستطيع دائماً تفسير ما أصاب المريض؟

بين التنبؤ والتشخيص

في إحدى جلسات المؤتمر المخصصة للذكاء الاصطناعي والطب الجينومي، قدمت الدكتورة نوف الغانمي، الأستاذة المشاركة للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبد العزيز ورئيسة وحدة المعلوماتية الحيوية بمعهد علوم طب الجينوم، محاضرة بعنوان: «المعلوماتية الحيوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في الجينوم العصبي».

واللافت أنها لم تبدأ بالخوارزميات، وإنما بالمريض: طفل بأعراض عصبية، وتاريخ عائلي، وفحص جيني، ثم تقرير يقول: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح»، أو «متغير ذو دلالة غير مؤكدة». وكان سؤالها: ماذا حدث بين المريض وتلك الجملة التي ظهرت في التقرير؟

• البحث عن واحد بين الملايين. لفهم المشكلة، يمكن تخيل الجينوم كمدينة ضخمة يسكنها ملايين الأشخاص، بينما نحاول العثور على شخص واحد قد يقودنا إلى تفسير المرض.

يختلف جينوم الإنسان عن الجينوم المرجعي في نحو أربعة إلى خمسة ملايين موضع. ومع التحليل تبدأ عملية تضييق دائرة البحث، حتى تتحول الملايين إلى عشرات من المتغيرات، ثم إلى عدد قليل يستحق الدراسة. لكن كلما ضيقنا دائرة البحث، ظهر خطر استبعاد الإجابة الحقيقية بالخطأ. فكل خطوة يمكن أن تقربنا من السبب، لكنها قد تستبعد أيضاً المتغير المسؤول عن المرض.

وتزداد المهمة صعوبة في الأمراض العصبية؛ فقد تؤدي تغيرات في جينات مختلفة إلى أعراض متشابهة، كالصرع، أو التأخر النمائي، كما قد تتغير الأعراض مع العمر، فضلاً عن وجود تغيرات وراثية لا تلتقطها بعض الاختبارات بسهولة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية، وهي أن قراءة الجينوم لا تعني بالضرورة فهمه.

• بين التنبؤ والتشخيص. أوضحت الدكتورة نوف الغانمي في محاضرتها أن العثور على تغير جيني لا يعني الوصول إلى تشخيص. فإذا وجد المختبر تغيراً في الحمض النووي «دي إن إيه» DNA، فهناك ثلاثة أسئلة ينبغي الإجابة عنها:

- أولاً: هل يؤثر هذا التغير فعلاً في عمل الخلية؟

- ثانياً: حتى لو كان له تأثير، هل يمكن لهذا الجين أن يفسر حالة المريض وأعراضه؟

- وثالثاً: هل أصبحت الأدلة مجتمعة قوية بما يكفي لتصنيف هذا المتغير على أنه مسبب للمرض؟

قد يتنبأ نموذج ذكاء اصطناعي بدرجة عالية بأن تغيراً ما سيؤثر في أحد البروتينات، لكن ذلك وحده لا يعني أنه سبب مرض الطفل.

توظيف الذكاء الاصطناعي

• أدوات ذكية لجوانب مختلفة. بدأ الذكاء الاصطناعي يغير طريقة العمل في مختبرات الجينوم، لكن ليس هناك برنامج واحد يعرف كل شيء. فإذا كشف الفحص تغيراً جينياً غامضاً، يمكن لنموذج أن يسأل: هل سيؤثر في البروتين؟ ويبحث آخر عن تأثيره في تعامل الخلية مع الرسالة الجينية، بينما تقارن أداة أخرى أعراض الطفل بالأمراض المعروفة.

ومن أمثلة هذه الأدوات AlphaMissense، وSpliceAI، وExomiser. وهي لا تتنافس على إعطاء «الإجابة الصحيحة»، بل تنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. ولهذا لا ينبغي التعامل معها كلجنة تصويت؛ إذ إن قول عدة خوارزميات إن المتغير ضار لا يعني أن لدينا عدة أدلة مستقلة. والسؤال الأفضل هو: هل تتفق الأدلة المختلفة على تفسير واحد لما يحدث لهذا المريض؟

ومن أبرز التطورات الحديثة نموذج AlphaGenome الذي يحاول توقع تأثير تغيرات «دي إن إيه» في عمليات متعددة داخل الخلية، بما فيها تشغيل الجينات، ومعالجة الحمض النووي الريبوز «آر إن إيه» RNA، وتنظيم نشاط مناطق من الجينوم.

وبذلك يتوسع السؤال من «هل هذا التغير ضار؟» إلى «ما الذي قد يغيره هذا الاختلاف في طريقة عمل الخلية؟»، لكن AlphaGenome يظل أداة بحثية لتوليد الفرضيات، وليس أداة تصدر تشخيصاً طبياً، أو حكماً نهائياً على المتغير.

• نتائج مربكة في التحليل الجيني. وتوقفت الدكتورة نوف الغانمي عند إحدى أكثر النتائج إرباكاً في التحليل الجيني: المتغير ذو الدلالة غير المؤكدة Variant of Uncertain Significance (VUS).

نعود إلى تقرير الطفل، حيث ظهر متغير جيني، لكن الأدلة لا تكفي بعد لتحديد ما إذا كان مسؤولاً عن المرض. ويمكن تشبيه الأمر -للتبسيط- بوجود مشتبه به لا تكفي الأدلة لإدانته، ولا لتبرئته. فالمتغير يستحق الاهتمام، لكن العلم لا يملك بعد ما يكفي للقول إنه سبب المرض. وهنا قد يكون أحد أهم أدوار الذكاء الاصطناعي ليس أن يقول: «وجدت التشخيص»، وإنما: «هذا هو الدليل الذي ينقصنا».

قد تكون الخطوة التالية فحص الوالدين، أو فحص RNA، أو اختباراً وظيفياً، أو البحث عن علامة سريرية محددة لدى الطفل.

وهكذا يساعد الذكاء الاصطناعي على تحويل عدم اليقين إلى سؤال يمكن اختباره. فالهدف -كما أوضحت الغانمي- ليس القول إن «الذكاء الاصطناعي توصل إلى التشخيص»، بل جعل حالة عدم اليقين قابلة للعمل.

الدكتورة نوف الغانمي

الذكاء الوكيلي

إذا كانت لدينا أداة للبروتين، وأخرى لمعالجة «آر إن إيه» RNA، وثالثة للأعراض، فضلاً عن قواعد البيانات، والدراسات المتجددة، فمن سيجمعها في صورة واحدة؟

هنا طرحت د. نوف الغانمي مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وقدمت تصوراً مقترحاً لتوظيفه في الجينوم العصبي، بحيث يبدأ التحليل من المريض، ثم تُستدعى الأدوات المناسبة لكل سؤال، وتُجمع نتائجها، وتراجع أوجه التعارض أو النقص بينها، قبل أن تعود إلى الخبير البشري في صورة فرضيات مدعومة بالأدلة.

ورغم الاسم التقني، فالفكرة بسيطة: تخيل منسقاً ذكياً يعمل مع مجموعة من الخبراء؛ يعرف أي خبير ينبغي أن يسأل، ومتى، ثم يجمع الإجابات في صورة واحدة. فالابتكار ليس في استبدال الأدوات المتخصصة، وإنما في جعلها تعمل معاً حول المريض.

وهذا الاتجاه بدأ يجد تطبيقات بحثية فعلية. ففي عام 2026 نشرت مجلة «نتشر» Nature دراسة عن نظام يسمى DeepRare يستخدم نهجاً وكيلياً في الأمراض النادرة، ويجمع أكثر من 40 أداة ومصدراً للمعرفة.

وفي مجموعة اختبار ضمت 168 حالة، وضع النظام التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى في 69.1 في المائة من الحالات، مقابل 55.9 في المائة لأداة تقليدية لترتيب الأمراض والجينات المرشحة. ولا يعني ذلك أن الكمبيوتر أصبح طبيب وراثة، لكنه يشير إلى أن جمع أجزاء الصورة قد يكون أقوى من النظر إلى كل جزء منفرداً. أما التصور الذي عرضته الغانمي للجينوم العصبي، فقد شددت على أنه مقترح بحثي، وليس نظاماً سريرياً مطبقاً أو مثبتاً حتى الآن.

• الذكاء الاصطناعي يقترح والإنسان يقرر. ومهما تطورت هذه الأنظمة، يبقى القرار النهائي للإنسان. فالذكاء الاصطناعي يجمع الأدلة، ويقترح، واختصاصي الوراثة يقيّمها، والمختبر يتحقق عند الحاجة، ثم يضع الطبيب المعالج النتيجة في سياق المريض، ويتخذ القرار الطبي.

إنها علاقة يمكن وصفها بـ«الذكاء الهجين» (Hybrid Intelligence)، الآلة تساعد على رؤية الصورة، والإنسان يتحمل مسؤولية تفسيرها، واتخاذ القرار.

• تشخيص لاحق. وإذا خضع طفل لفحص جيني عام 2022 ولم نجد السبب، فهل ينبغي أن يبقى «غير مشخص» إلى الأبد؟

ليس بالضرورة. فقد يُكتشف لاحقاً ارتباط جين جديد بالمرض، أو تتحسن طرق التحليل، أو تظهر معلومات تغير فهمنا لمتغير كان مجهول الدلالة، أو تظهر لدى الطفل أعراض تجعل الصورة أوضح. لهذا استخدمت د. الغانمي عبارة لافتة: «النتيجة السلبية للإكسوم لها تاريخ».

وفي 2026 نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة عن نظام آلي لإعادة تحليل بيانات مرضى الأمراض النادرة الذين لم يصل الباحثون إلى تشخيص لحالاتهم. وعند إعادة تحليل بيانات 4735 حالة غير مشخصة، أمكن الوصول إلى 241 تشخيصاً جديداً، أي نحو 5.1 في المائة، نتيجة تطور أدوات التحليل، والمعرفة العلمية. ولا تعني النسبة أنها ستتكرر في كل مجموعة من المرضى، لكن الرسالة واضحة: ما لم يكشفه التقرير الجيني اليوم، قد تكشفه إعادة التحليل غداً. وأما عبارة «لم نجد سبباً»، فقد تعني في الحقيقة: «لم نجد السبب بعد».

• ما أهمية هذا في السعودية؟ الذكاء الاصطناعي لا يتعلم في فراغ؛ فجودة نتائجه مرتبطة بجودة البيانات التي يتعلم منها. وعند تفسير تغير جيني تصبح معرفة مدى شيوعه بين السكان مهمة. فما يبدو نادراً جداً في قاعدة بيانات عالمية، قد تكون له صورة مختلفة في مجتمع لم يكن ممثلاً فيها بالقدر الكافي.

كما أن وجود القرابة بين الوالدين في بعض الأسر قد يغير طريقة البحث عن بعض الأمراض الوراثية المتنحية، وبالتالي استراتيجية تحليل الجينوم نفسها.

ولذلك فإن بناء طب جينومي سعودي لا يعني فقط امتلاك أحدث أجهزة التسلسل، أو نماذج الذكاء الاصطناعي، بل بناء معرفة جينومية محلية تساعد على تفسير ما نراه لدى المرضى، مع حماية البيانات، وإبقاء القرار الطبي خاضعاً للتدقيق البشري.

• عودة أخيرة إلى الطفل. لم يحصل طفلنا بعد على تشخيص واضح. وربما لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعطينا اسم المرض، لكنه يستطيع مساعدة الفريق الطبي في تحديد المتغيرات التي تستحق الاهتمام، والأدلة التي ما زالت تنقصنا.

وهنا تتجلى رسائل د. نوف الغانمي الخمس: المريض أولاً، وتأثير المتغير لا يعني بالضرورة أنه سبب المرض، ولكل نموذج ذكاء اصطناعي وظيفة مختلفة، وتكامل الأدوات ينبغي أن يقود إلى فرضيات قابلة للاختبار، أما النتيجة الجينية السلبية، أو المتغير غير المؤكد، فلا يعنيان نهاية البحث.

وعندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، وإنما أداة تساعده على الوصول إلى السؤال الصحيح.

ولسنوات كان السؤال الأكبر في مختبرات الجينات: «هل هذا المتغير ممرض؟» وأما السؤال الأكثر فائدة للمريض فهو: «هل يفسر هذا المتغير حالة هذا المريض؟... وما الذي ينبغي أن نختبره بعد ذلك؟».

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الطب الجينومي: ليس في أن يقدم تشخيصاً بضغطة زر، بل في أن يحول غموض الجينوم إلى أسئلة أفضل، والأسئلة إلى اختبارات، والاختبارات إلى فرصة أقرب للوصول إلى الإجابة.

*استشاري طب المجتمع.