كلينت إيستوود... «كاوبوي» قديم

جديد ابن الحادية والتسعين قراءة في ماضيه

إيستوود في فيلمه الجديد «كراي ماتشو»
إيستوود في فيلمه الجديد «كراي ماتشو»
TT

كلينت إيستوود... «كاوبوي» قديم

إيستوود في فيلمه الجديد «كراي ماتشو»
إيستوود في فيلمه الجديد «كراي ماتشو»

في الأسبوع الأول من الشهر المقبل فيلم وسترن معاصر (أي يقع في الزمن الحالي) تطرحه شركة وورنر في الأسواق وعلى منصّة HBO MAX في وقت واحد عنوانه Cry Macho. لكن هذا ليس الخبر، وإذا كان فهو يشترك في العديد من الأفلام التي عُرضت أو ستعرض قريباً أو لاحقاً. ‬
الخبر أن البطولة والإخراج لكلينت إيستوود الذي احتفل في 31 مايو (أيار) بعيد ميلاده الحادي والتسعين. ليس هذا فقط، هو كان في الثامنة والثمانين من العمر قبل أربع سنوات عندما أنجز فيلمين متلاحقين: The 15:17 to Paris وThe Mule وكان في مطلع الثمانينات من حياته عندما حقق أفلامه بنسبة فيلم واحد كل سنة.
«كراي ماتشو» هو فيلمه الثالث والستين ممثلاً والثالث والأربعين منتجاً والواحد والأربعين مخرجاً. وإذا ما جمعنا أعمالاً تلفزيونية ومقطوعات موسيقية وبعض الأفلام القصيرة والفيديو ارتفعت الأرقام على نحو يتطلّب الوقت لإحصائه.
في مهنته، التي بدأت سنة 1955 بفيلم «انتقام المخلوق» (Revenge of the Creature)، أمتلك القرار وحافظ على نظام عمل ربطه بشركة وورنر إلى اليوم. وفي حين أنتج وأخرج ومثل وكتب الموسيقى إلا أنه لم يكتب السيناريو. هذا كان موضوع أحد أسئلتي إليه عندما التقيت به سنة 2002 للمرّة الأولى (من مرّتين). ابتسم وقال: «لست جيداً في ابتكار الحكايات. أفضل أن أقرأها. كتابة السيناريو حرفة يجيدها عديدون لكني لا أدري إذا كنت مناسباً لها».
جرذ في المعطف
في ذلك الفيلم الأول الذي أخرجه جاك أرنولد يمر المشهد الذي يظهر فيه خاطفاً. هو مساعد شاب لعالم في المختبر. يتقدّم من رئيسه ويشكو إن هناك جرذاناً فلت من قفصه. ثم ينتبه إلى أن هناك شيئاً في جيب سترته فيمد يده ويخرج جرذاً أبيض اللون ويقول «ما الذي أتى به إلى جيبي؟». إذا كان القصد هنا إحداث لفتة كوميدية في فيلم رعب حول مخلوق برمائي متوحش، فإن النكتة لم يكن لها أي صدى. كذلك تمثيله لم يكن دلالة على أن ممثل مشهد الدقيقة هذا سيعود لاحقاً في أدوار أكبر. ولا حتى أصغر. وعندما دفعه طموحه في تلك الآونة للحديث مع أحد كبار المنتجين في شركة كولمبيا حينها، لعله يؤم بطولة أحد الأفلام قال له ذاك: «لن تصبح نجماً مهما حاولت مستر إيستوود. لديك تفاحة آدم كبيرة تمنع الجمهور من الإعجاب بك».
طبعاً لو اقتنع إيستوود بذلك وبقي في عداد الأدوار الموجزة لما بات لاحقاً أحد أشهر ممثلي عصره وعصر سواه.
حلقات «روهايد» التلفزيونية أنقذته. عُرض عليه تمثيل الدور الثاني في مسلسل الغرب الأميركي حول رعاة البقر المنتقلين دوماً في البراري مع حكاياتهم وصراعاتهم ضد لصوص البقر والعصابات الشريرة والهنود الحمر. لفت نظر سيرجيو ليوني قبل أن يعرف اسمه. كان يبحث عن بطل لفيلم استوحاه من «يوجيمبو» للياباني أكيرا كوروساوا (1961). فيلم ليوني كان «لأجل حفنة دولارات» (1964) و«إيستوود»، الذي وصل إلى التصوير منتعلاً الحذاء ذاته الذي ظهر به في المسلسل، لم يكن الاختيار الأول للدور. المخرج وشركاه كانوا اتصلوا بلي مارفن وهنري سيلفا وروري كالهون وكلي ف روبرتسون وبستيف ريفز من بين آخرين قبله. كلهم رفضوا أو كانوا مرتبطين.
عُرف إيستوود في ذلك الفيلم بالرجل الذي بلا اسم ونجاحه أدّى إلى «لأجل حفنة أخرى من الدولارات» (1965) ولاحقاً إلى «الطيب والسيء والبشع» (1966).
النجاح الكبير الذي حققه إيستوود في هذه الثلاثية أثمر عن عودته إلى أميركا لا مجرد ممثل لا يعرف اسمه أحد، بل إلى بطل الأفلام التي عُرضت سريعاً عليه. أولها «أشنقهم عالياً» لتد بوست (وسترن) و«حيث تجرؤ النسور» لبرايان ج. هاتون (حربي) و«آدهن عربتك» لجوشوا لوغن (وسترن موسيقي)، و«خديعة كوغن» لدون سيغال (بوليسي). كل هذه الأفلام توالت ما بين 1968 و1970.
حلول فردية
«خديعة لوغن» أثمر عن أول تعاون بينه وبين المخرج دون سيغال الذي عاد إليه بسيناريو فيلم وسترن عنوانه «بغلان للأخت سارا» (1970). في تلك الأثناء عرض عليه برايان ج. هاتون بطولة فيلم حربي آخر هو «أبطال كيلي» سنة 1970 أيضاً. لم يكن بطلاً منفرداً لكن إيستوود وافق عليه ثم انطلق من بعده لأداء بطولة فيلم آخر لسيغال هو «المخدوع» (1971) وكل هذا قبل أن ينتقل بنجاح إلى شخصية المحقق الذي يفهم القانون ويطبقه بعيداً عن قواعده وشروطه محوّلاً نفسه إلى قاضٍ ومنفّذ إعدام في الوقت ذاته. الفيلم هو «ديرتي هاري» (1971) الذي تبعته سلسلة مشهودة شملت أربعة أفلام أخرى.
تبعه كذلك وقوف إيستوود مخرجاً للمرة الأولى مفاجئاً معجبيه بأن الفيلم الذي اختاره لهذه الغاية كان فيلماً عاطفياً («اعزف لي ميستي»، 1971)
الطريق باتت مفتوحة أمامه والانطلاقة كانت بسرعة ضوئية. اثنا عشر فيلماً ما بين 1971 و1980 هي مزيج من أفلام حققها آخرون له وأخرى من إخراجه. سمة العديد من هذه الأفلام (خصوصاً التي حققها له دون سيغال) إنها يمينية، لكن يمينية إيستوود لم تمنعه من نقد النظام في أكثر من فيلم. عندما ينفّذ هاري القانون بيديه في «ديرتي هاري» فإنه ينتقد تقاعس وبيروقراطية النظام، ولو من وجهة نظر تقترح تأييد الحلول الفردية. وعندما ووجه بانتقادات الإعلام الحادة لهذا الدور أقدام على تليين الموقف في «ماغنوم فورس»، منتقداً الصورة التي قدّمها في «ديرتي هاري». هذا مكّنه من الاستقرار على نوع منفتح من الأداءات غالباً كما الحال في «ثندربولت ولايتفوت» (مايكل شيمينو، 1975) و«التحدي» (إيستوود، 1977) «الهروب من الكاتراز» (سيغال، 1979) و«برونكو بيلي» (إيستوود، 1980).
في مضامين أفلامه ممثلاً في شكل عام هناك شخصية رجل يريد أن يسخر قليلاً من ماضيه. التحري هاري بات يقارع الشرب في «تأثير مفاجئ» (إيستوود) وفي «هونكي تونك مان» (1982) ويعود إلى شخصية الرجل بلا اسم في «فارس شاحب» (إخراجه، 1985) ويدلف نقاط الظلام في شخصية مستوحاة من شخصية المخرج جون هيستون في «صياد أبيض، قلب أسود» (إخراجه، 1990).لكنه ملتزم بخطه السياسي في فيلمين حربيين هما «فايرفوكس» و«هارتبريك ريدج» وكلاهما في عهد الرئيس (الآتي من التمثيل بدوره) رونالد ريغان. الأول يتحدث عن عملية تسلل للاتحاد السوفياتي سنة 1982) والثاني عن الغزو الأميركي لغواتيمالا (1986).
في فيلمه الجديد «كراي ماتشو» ما يوازي اهتماماته في الأفلام الأخيرة له منذ «غران تورينو» (2008) وما بعد: إعادة النظر في تكوين رجل صعد الجبل ونظر منه إلى العالم ثم هبط عنه مخلفاً هناك أيقونته. في هذا الفيلم يلعب حياته مختصرة: كاوبوي قديم يحاول نقد الهالة التي واكبته ويعيش عالماً لن يعود لما كان عليه من قبل.


مقالات ذات صلة

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.