كيف تنشئ طفلاً قويّاً نفسيّاً؟

أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في شيكاغو (أ.ف.ب)
أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في شيكاغو (أ.ف.ب)
TT

كيف تنشئ طفلاً قويّاً نفسيّاً؟

أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في شيكاغو (أ.ف.ب)
أطفال يرتدون الأقنعة الواقية للحماية من فيروس «كورونا» في شيكاغو (أ.ف.ب)

عندما أجبرت جائحة «كورونا» المدارس وأماكن العمل على الإغلاق للمرة الأولى في جميع أنحاء الولايات المتحدة في مارس (آذار) عام 2020 اعتقدت شارلوت كلوب، وهي أم لثلاثة أطفال في ولاية كارولاينا الشمالية، مثل الكثيرين، أن الإغلاق سيكون قصير الأجل. وقالت: «اعتقدنا أن الأمر سيستغرق بضعة أسابيع أو ربما شهراً وأن الحياة ستستأنف كالمعتاد بسرعة كبيرة».
مع استمرار الوباء لعدة أشهر، بدأت تدرك أنه عليها مساعدة أطفالها على التغلب على التحديات التي يمكن أن تجلبها هذه الفترة الطويلة من التوتر والاضطراب. وأوضحت كلوب: «في بعض الأحيان يصابون بالإحباط لأنهم لا يستطيعون رؤية أصدقائهم أو القيام بالأشياء التي اعتادنا القيام بها، ولكن من المهم بالنسبة لي أن يكونوا قادرين على التفكير في الإيجابيات ومحاولة النمو من هذه التجربة... أريدهم أن يكونوا مقاومين»، وفقاً لمجة «تايم».
وتعتبر المقاومة (أو المرونة) أي القدرة على التعافي من التجارب الصعبة، كلمة مهمة خلال الوباء حيث يتساءل الآباء عن مدى تأثير شهور العزلة والقلق والملل على أطفالهم على المدى الطويل. لحسن الحظ، هناك أشياء يمكن للوالدين القيام بها لمساعدة أطفالهم على حماية أنفسهم من الآثار السلبية للأوقات العصيبة.
وقالت ألي رايلي، التي تشرف على البرمجة والتقييم لـ«غيرلز أون ران»، وهي منظمة غير ربحية تساعد الفتيات على تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية من خلال النشاط البدني: «المرونة هي مهارة يمكن تعلمها وممارستها وتطويرها مع نمو الأطفال».
وتابعت «إنها صفة مهمة لأن الجميع سيواجهون تحديات أو انتكاسات في مرحلة ما من حياتهم، وعندما تتاح لهم الفرصة لتطوير مهاراتهم، سيكونون أكثر قدرة على تخطي التحديات التي يواجهونها».
ويجب على الآباء ألا يتوقعوا من أطفالهم أن يكونوا أقوياء نفسياً أو مقاومين بشكل طبيعي؛ إنها مهارة يمكن تعلمها وممارستها.
ويقول أنتوني جيمس، مدير برنامج علوم الأسرة في جامعة ميامي في أوهايو إن «مساعدة الشباب على تطوير المرونة ليس شيئا يمكن للوالدين فعله في يوم واحد أو من خلال محادثة واحدة...إنه شيء يحدث بمرور الوقت من خلال التفاعلات الديناميكية بين الوالدين والطفل، حيث يتخذ الآباء قرارات متعمدة بناءً على القدرات التي يرغبون في رؤية أطفالهم يظهرونها بمرور الوقت».
ولا يوجد دليل حول تربية طفل صلب أو قوي نفسياً، لكن الخبراء يقولون إن بعض استراتيجيات الأبوة والأمومة يمكن أن تحدث فرقاً، بغض النظر عن التحديات التي قد يواجهها أطفالك.
*تحديد الهدف
غالباً ما يكون لدى الآباء فكرة عن نوع الشخص الذي يريدون أن يكون طفلهم عليه عندما يبلغ سن الرشد. سواء كانت أخلاقيات العمل القوية أو الشخصية الطيبة أو النظرة الإيجابية للحياة هي الأعلى في قائمة رغبات الوالدين، يمكن أن تساعد الفلسفة التوجيهية الآباء على اتخاذ خيارات من شأنها أن تحرك طفلهم في هذا الاتجاه.
ويقول جيمس: «عندما يحدد الآباء المرونة والمقاومة على أنها سمة يريدون أن يمتلكها طفلهم البالغ، وكشيء سيستغرق وقتاً وممارسة لبنائه، يمكنهم اتخاذ هذا النوع من القرارات الأبوية اليومية التي ستساعد أطفالهم».
وتابع: «تقدير القدرة على الصمود يمكن، على سبيل المثال، أن يساعد الآباء على تحديد الوقت المناسب للتدخل عندما يعبر الطفل عن إحباطه من إكمال مهمة مدرسية أو توجيه الطريقة التي يقدمون بها مهارات وأعمالاً جديدة عندما ينضج الطفل».
ويشبّه جيمس العملية بتعليم الطفل القيادة، ويضيف: «الهدف النهائي هو أن يكون لديك طفل قادر على القيادة بأمان في أي مكان، ولكن لا تبدأ في القيادة على الطريق السريع. بدلاً من ذلك، عليك أن تبدأ في مسارات صغيرة وتساعدهم في شق طريقهم الخاص».
*التعرّف على المشاعر وتسميتها
عندما يتمكن الأطفال من التعرف على مشاعرهم وتسميتها بشكل فعال، فإنهم يكونون قادرين على ربط هذه المشاعر باستراتيجيات محددة من شأنها مساعدتهم على المضي قدماً بطريقة صحية.
على سبيل المثال، قد يدرك الأطفال أنهم يشعرون بالتوتر ويعرفون أن التحدث إلى أحد الوالدين أو مقدم الرعاية يمكن أن يساعدهم على الاسترخاء، أو أنهم يشعرون بالغضب، وأن الذهاب للجري يمكن أن يعطيهم شعورا بالراحة. هذا النوع من الإدارة العاطفية هو جانب أساسي من المرونة.
وقالت رايلي: «إحدى الخطوات الأولى للقدرة على تنظيم المشاعر هي القدرة على تسمية ما نشعر به».
يمكن للوالدين البدء عندما يكون أطفالهم صغاراً من خلال الإشارة إلى تعابير الوجه وردود الفعل الجسدية وربطها بمشاعر محددة. عندما ينضج الأطفال، يمكن للوالدين الاستمرار في مساعدتهم على تحديد المشاعر التي يمرون بها كخطوة أولى في العصف الذهني للاستجابة.
*تعزيز العلاقات الداعمة
غالباً ما تكون العلاقات الإيجابية مهمة في الحياة. بينما لا يجب على الآباء محاولة تنظيم الحياة الاجتماعية الكاملة لأطفالهم، فإن تعليمهم كيفية إقامة علاقات صحية سيمكنهم من القيام بذلك بأنفسهم. يمكن للوالدين تعليم الأطفال عن العلاقات من خلال التحدث عن كيفية اختيارهم للأصدقاء، وكيف يتصرفون كأصدقاء جيدين وكيف يتعاملون مع الخلافات.
وعندما يكون لدى الآباء هذه الأنواع من العلاقات بأنفسهم، يلاحظ الأطفال ذلك. وتقول رايلي: «يتعلم الأطفال الكثير عن العالم من خلال مشاهدة مقدمي الرعاية لهم، لذلك من المهم أيضاً محاولة صياغة نوع العلاقة التي نريدهم أن يقيموها».
*تعليمهم طلب المساعدة
من المهم معرفة أن الشخص القوي نفسياً لا يتخطى المواقف الصعبة بمفرده دائما. يعد طلب المساعدة أمراً بالغ الأهمية، ولا يحدث دائماً بشكل طبيعي، خاصة بالنسبة للأطفال. يقول جيمس: «يعد طلب المساعدة والدعم مهارة مهمة للأطفال والكبار، ولكن قد يكون من الصعب طلب المساعدة لأسباب متنوعة».
ويمكن للوالدين تدريب أطفالهم على طلب المساعدة من خلال عرض ذلك، والانفتاح على الأوقات التي يحتاجون فيها إلى الدعم والتقبل عندما يأتي الأطفال إليهم للحصول على المساعدة.
*تطوير مجموعة من استراتيجيات المواجهة
تقول رايلي: «من الجيد أن يكون لديك استراتيجية واحدة تساعدك على الشعور بتحسن عندما تمر بمشاعر غير مريحة، ولكن من الأفضل أن يكون لديك مجموعة كاملة من الاستراتيجيات في حالة عدم نجاح واحدة منها أو عدم إمكانية ذلك».
ويمكن للوالدين تقديم اقتراحات مثل أخذ نفس عميق أو التحدث مع صديق أو الذهاب في نزهة على الأقدام. عندما يكبر الطفل، يمكن للوالدين طرح أسئلة، مثل: «ما الذي تعتقد أنه سيساعدك على الشعور بالهدوء الآن؟»، لمساعدتهم على اكتشاف أفضل ما يناسبهم عندما تكون الأوقات عصيبة.
*منح الأطفال فرصة لممارسة مهاراتهم الحياتية
قال جيمس: «يرغب كل والد في حماية أطفاله من الأشياء الصعبة في العالم، ورغم أن هذا أمر مفهوم، فإن حمايتهم من كل شيء صعب لا يسمح لهم بتطوير وممارسة المهارات التي يحتاجون إليها ليكونوا أقوياء أو فعالين لاجتياز تحديات الحياة».
ويجب على الآباء التفكير في المهارات التي لن يكتسبها طفلهم إذا تدخلوا في مشاكله كل مرة.
في حين أن الأوقات العصيبة مليئة بالجوانب السلبية، إلا أنها يمكن أن توفر أيضاً فرصاً لصقل المرونة. وتقول كلوب إن أطفالها يتغلبون على الوباء كما هو متوقع، وهم يمارسون عادات ومهارات جديدة للتغلب عليها.
وتابعت: «نمر بأيام صعبة في بعض الأحيان، لكننا نبذل قصارى جهدنا للنظر إلى الجانب المشرق، ولكي نكون مدركين حقاً للأشياء التي نشعر بالامتنان لها».
وبدأت الأسرة في قضاء المزيد من الوقت في حديقتهم الخلفية لتخفيف التوتر، وقد استغلت كلوب كل الوقت معاً لتعليم أطفالها كيف يكونون مسؤولين قليلاً عن ممتلكاتهم.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.