بهاء سلطان لـ«الشرق الأوسط»: صوتي أصبح حراً طليقاً

قال إنه التزم قرار المحكمة ويعيد تسجيل أغنيات ألبومه الأخير

سلطان مع المنتج نصر محروس بعد قرار فسخ التعاقد بينهما
سلطان مع المنتج نصر محروس بعد قرار فسخ التعاقد بينهما
TT

بهاء سلطان لـ«الشرق الأوسط»: صوتي أصبح حراً طليقاً

سلطان مع المنتج نصر محروس بعد قرار فسخ التعاقد بينهما
سلطان مع المنتج نصر محروس بعد قرار فسخ التعاقد بينهما

تمكن الفنان المصري بهاء سلطان، من فسخ تعاقده مؤخرا مع المنتج نصر محروس الذي منعه من الغناء طوال السنوات الماضية بعد صراع دام 6 سنوات في ساحات المحاكم المصرية، وكشف سلطان في حواره مع «الشرق الأوسط» التفاصيل الكاملة للخلاف بينه وبين المنتج نصر محروس، وقال إن صوته أصبح حراً طليقاً للمرة الأولى منذ سنوات، ونفى سلطان توجهه لتسجيل القرآن الكريم بصوته... وإلى نص الحوار.
> كيف بدأت الأزمة بينك وبين المنتج نصر محروس؟
- الأزمة الحقيقة بدأت مع العقد الثاني المبرم بيني وبين نصر محروس والذي حُرر عام 2009 والذي انتهى عام 2014 بطرح الألبوم الثالث، ولكن في تلك الفترة رفض محروس فكرة تحرير عقد جديد، وأصر على تحرير ملحق للعقد الذي انتهى بالشروط نفسها، وأن يحتكر صوتي بشكل دائم، واعترضت على طلبه، وطلبت تحرير عقد جديد بيني وبينه يتضمن شروطاً خاصة بي، ولكن رفض هذا الأمر ولم يقم بطرح ألبومي الذي كان يحمل عنوان «سيجارة»، وفوجئت بقيامه بإنذاري بشكل رسمي في مايو (أيار) عام 2015 واتهمني بأنني لم أقم بتسجيل أغنيات ألبوماتي ولم أدفع نسب الشركة.
> ولماذا لم تبادر أنت لمقاضاته لحفظ «حقوقك»؟
- بيني وبين نصر محروس عشرة عمر، ونعمل معا لأكثر من 15 عاماً بشكل يومي، وأنا لست من هواة المشكلات، ولا أحب الدخول إلى ساحات القضاء والمحاكم، وكنت أود أن يتم حل الموضوع بشكل ودي، وأنا لم أذهب للقضاء إلا عندما بدأ هو بمقاضاتي، وتواصلت مع المحامي يوسف إبراهيم الذي أعاد لي حقي، واستطاع إثبات أنني قمت بسداد جميع الرسوم والنسب الخاصة بالحفلات التي أحييتها عكس ما كان يردده، كما أثبت حماسي الدائم في تسجيل الأغنيات المتبقية في عقدي.
> وكيف مرت عليك سنوات الأزمة؟
- كنت أواجه صعوبات عدة، فأنا منذ عام 2014 لا أقدم أي أعمال غنائية كثيرة سوى عدد من التترات الغنائية وبعض الإعلانات، فقد كان محروس يتقدم بإنذارات ضد كل من كان يتعاون معي، لذلك فإن إنتاجي الغنائي معدود على أصابع اليد الواحدة، على غرار شارتي مسلسل «الكيف» و«ولد الغلابة»، بجانب إعلان «بنك مصر» مع الفنان محمود العسيلي، ولكن الله دائما ما كان يوفقني في تلك الأعمال، فرغم قلتها فإنها كانت تحقق نجاحات بالغة جعلت صوتي مسموعاً في الشارع المصري والعربي.
> وهل معنى ذلك أنك أصبحت قادراً على الغناء كما تريد؟
- قرار المحكمة يؤكد أن صوتي أصبح حراً طليقاً بعد فسخ العقد بيني وبين نصر محروس، ولكن علي استكمال تسجيل أغنيات ألبومي الأخير «سيجارة»، فرغم تسجيلي لجميع أغنياته من قبل، فإن المنتج قال في المحكمة إن هناك أغنيات بها عيوب هندسية، وهو أمر لا يخصني فأنا كمطرب دوري هو وضع صوتي فقط، وليس لدي علاقة بهندسة الصوت، ولكنني التزمت بقرار المحكمة، وأقوم حاليا بإعادة تسجيل تلك الأغنيات وهي «أنا الغلطان»، و«رامي الحمول»، و«ده حب ولا»، و«ليالي طويلة»، ومع نهاية التسجيل أكون قد انتهيت فعليا من العقد القديم وأكون حراً من دون أي قيود في التعاون أو التعاقد مع أي شركة فنية أخرى.
> المنتج نصر محروس أعلن عن عقد جلسة صلح بينه وبينك، ما حقيقة ذلك؟
- ما أعلنه محروس، ليس له أي أساس من الصحة، ففي أول يوم في تسجيل الأغنيات الأربع اللاتي ألزمتني المحكمة بتسجيلها من جديد، قابلت نصر محروس وشقيقه هاني محروس، واحتفلا بحضوري أنا والمحامي، وطلب نصر أن نسجل ونتحدث في الأعمال الجديدة، بجانب مناقشة استكمال العقد القديم، ولكنني طلبت منه أن أنتهي أولاً من تسجيل الأغنيات القديمة، وعقب مغادرتي الاستوديو، فوجئت بإعلان نصر تصالحه معي.
> وهل بادرت لحل الخلاف بينكما بشكل ودي قبل اللجوء للقضاء؟
- نعم... في بداية الأمر أردت أن يكون حل الخلاف بشكل ودي، ورفضت فكرة دخول محام بيني وبينه، وقمت باستشارة شقيقي الذي يعيش في الإمارات، ولكن نصر لم يعط له أي اهتمام، ثم حاول الفنان مصطفى كامل نقيب الموسيقيين السابق حل الخلاف وجلسنا في إحدى الجلسات بالساعات، ولم يحدث جديد، لدرجة أن الفنان السعودي الكبير رابح صقر تدخل في الأمر واتصل بنصر محروس وحاول إنهاء الخلاف، كما حاول الملحن محمود الخيامي وعدد من الموسيقيين، وأخيراً الفنانة إسعاد يونس ولكن من دون أي جدوى.
> هل ستجدد تعاقدك مع نصر محروس أم ستتعاقد مع شركة أخرى؟
- حتى الآن لم أحسم قراري وموقفي الجديد، فأنا لم أتعاقد بعد مع أي شركة، رغم أن هناك عدداً من الأصدقاء تدخلوا وحاولوا مساعدتي مثل الفنان رامي جمال، ورغم ذلك فإنني لست ضد فكرة التجديد مع نصر محروس، فأنا سأجلس معه عقب الانتهاء من أغنيات الألبوم القديم وسأضع شروطي أمامه، وأهم تلك البنود هو بند عدم الاحتكار فإذا وافق على شروطي فسأتعاون معه وأكمل مسيرتي التي بدأت معه منذ عام 2000. وإذا لم يوافق عليها فسأشكره على كل ما قدمه لي خلال الفترة الماضية، وأبدأ في بحث العروض الفنية المقدمة لي.
> ولماذا لم يتم حل أزمتك بشكل سريع مثلما حدث مع تامر حسني وشيرين عبد الوهاب؟
- أزمة تامر حسني وشيرين عبد الوهاب مع نصر محروس انتهت منذ أكثر من 10 سنوات، بعدما استطاعت شركة إنتاج قوية دفع ملايين الجنيهات لنصر محروس وتخليص تامر وشيرين من أجل التعاقد معهما، لكن الآن لا توجد شركة إنتاج قوية قادرة على دفع ملايين الجنيهات من أجل فنان، فأغلبية الفنانين يدفعون وينتجون لأنفسهم بشكل كامل أو كمنتج مساعد، لذلك ظللت طوال تلك السنوات غير قادر على الغناء أو فسخ تعاقدي معه.
> ما قصة صورتك الشهيرة مع إمام مسجد لمح إلى توجهك للابتهالات الدينية؟
- هذه الصورة جاءت بمحض الصدفة، بعدما ذهبت لأداء صلاة الفجر في أحد المساجد، وقابلت الشيخ أحمد درويش، وقال لي إنه كان يتحدث عني قبلها بيوم، وتبادلنا أرقام بعضنا، وعقب ذلك قام بكتابة ما كتبه وهو ما كان يتمناه لي.
> لماذا قمت بطرح آيات القرآن الكريم بصوتك؟
- لم أطرح تسجيلي لآيات القرآن الكريم بقصد، فهي كانت تجربة بيني وبين عدد من أفراد أسرتي الذين يتولون مسؤولية السوشيال ميديا الخاصة بي، وتم طرحها بشكل غير رسمي، ولم أكن أتوقع أن تحقق هذا المردود الكبير من الجمهور، ولكني لا أفكر في هذا الأمر، لأنه لديه أحكام وترتيبات خاصة.
> وما تقييمك للنجاحات المستمرة لمطربي المهرجانات خلال السنوات الماضية؟
- أنا ضد فكرة المنع في حد ذاتها، والجمهور والمستمعون أصبحوا يحبون تلك النوعية من الأغنيات، فعلى الجميع تقديم أعماله الفنية والغنائية وعلى الجمهور اختيار ما يفضل سماعه سواء كان رومانسيا أو أغنيات مهرجانات أو راب.
> وهل أنت من محبي هذه النوعية من الأغنيات؟
- لست من هواة الاستماع لأغاني المهرجانات، ولا أركز فيها ولا في كلماتها، ربما أولادي أحيانا يلعبون على نغماتها.



أعلى جسر في العالم يستقطب عشاق المغامرة في الصين

يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
TT

أعلى جسر في العالم يستقطب عشاق المغامرة في الصين

يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)
يُعد جسر "هواجيانغ" الكبير أعلى جسر في العالم. (شاترستوك)

وسط الجبال الشاهقة جنوب غربي الصين، تجمّع حشد من المتفرجين لمتابعة شاب يستعد للقفز بالحبال المطاطية من أعلى جسر في العالم، حسب شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقف الشاب فوق أخدود سحيق، بينما ارتفع سطح الجسر عن مياه النهر إلى علوّ يزيد بنحو تسعة أضعاف على ارتفاع جسر «غولدن غيت» الشهير في سان فرانسيسكو. وخلفه، امتدت قمم جبال مقاطعة قويتشو نحو الأفق، بينما اقترب المتفرجون من الحافة، رافعين هواتفهم المحمولة لتوثيق اللحظة.

بدأت العملية بإجراءات السلامة؛ إذ ثبّت العاملون حزام الأمان حول جسده، ثم تفقدوا المعدات بعناية، بينما وقف على منصة معلّقة أسفل سطح الجسر.

وبعد لحظات، ألقى بنفسه في الفراغ.

لمدة سبع ثوانٍ، ظل يهوي باتجاه قاع الوادي، على بُعد مئات الأمتار تحته، قبل أن يشدّه الحبل المطاطي الضخم إلى أعلى، وسط تصفيق الحاضرين.

كان المشهد استثنائياً، ليس بسبب القفزة وحدها، بل أيضاً للمكان الذي احتضنها: جسر معلّق شاهق في واحدة من أكثر المناطق الجبلية وعورة في الصين، تحوّل من إنجاز هندسي إلى ساحة مفتوحة أمام السياح وعشاق المغامرات.

وافتُتح جسر هواجيانغ الكبير في سبتمبر (أيلول) 2025، ويرتفع 625 متراً (2051 قدماً) فوق نهر بيبان جنوب غربي الصين، ما يجعله أعلى جسر في العالم، وفقاً لموسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.

ولم يكن الهدف من تشييده استعراض القدرات الهندسية فحسب، بل معالجة صعوبات التنقل في منطقة جبلية وعرة. فقد صُمم الجسر لاختصار رحلة كانت تستغرق نحو ساعتين لعبور الوادي إلى دقيقتين فقط، موفراً بذلك اتصالاً أسرع بين التجمعات السكانية الريفية وشبكة الطرق الوطنية في الصين.

لكن الجسر تجاوز وظيفته الأساسية، ليصبح مقصداً سياحياً قائماً بذاته. ووفقاً لأرقام قدمها مسؤولون محليون لشبكة «سي إن إن»، استقطب الجسر نحو 3.3 مليون زائر منذ افتتاحه وحتى أغسطس (آب) 2026.

وعلى مدى عقود، شيدت الصين جسوراً ضخمة للتغلب على تضاريسها الصعبة وربط المناطق النائية بمراكز المدن. غير أن تجربة هواجيانغ تطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يتحول الجسر، الذي أُنشئ لتسهيل الوصول إلى الوجهات، إلى وجهة سياحية.


آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
TT

آرثر إدواردز… نصف قرن خلف عدسة وثّقت أسرار العائلة المالكة البريطانية

تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)
تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة (أ.ب)

على مدى نصف قرن، لم يكن آرثر إدواردز مجرد مصور صحافي يتعقب أخبار العائلة المالكة البريطانية، بل شاهداً على تحولات مؤسسة ملكية ظلت، رغم تغير الزمن، محط أنظار العالم. فمن خلف عدسته، وثّق لحظات رسمية وأخرى إنسانية، ورافق أمراء وملوكاً وشخصيات سياسية ودينية بارزة، ليصبح واحداً من أبرز المصورين الذين ارتبطت أسماؤهم بتغطية أخبار العائلة المالكة في بريطانيا.

وتكشف مسيرته، التي استمرت خمسين عاماً، جانباً من العلاقة المعقدة بين الصحافة والمؤسسة الملكية؛ علاقة تقوم على الاقتراب من الشخصيات العامة، مع الاحتفاظ بالمسافة المهنية التي تفرضها الكاميرا، في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية مع مقتضيات العمل الصحافي.

ويحمل إدواردز في سجله المهني صوراً وذكريات من محطات مختلفة، تنقلت به بين الأمراء والباباوات والرؤساء، وأتاحت له مشاهدة أحداث تاريخية من موقع قريب. وهو موقع يمنح المصور امتياز الوصول إلى لحظات لا تتاح للجمهور، لكنه يضعه أيضاً أمام تحديات تتعلق بالثقة والخصوصية وحدود العلاقة مع الشخصيات التي يتولى تغطيتها.

ومن أبرز ما يلفت في تجربته حديثه عن خلافات حادة جمعته بالملك تشارلز الثالث. فالعنوان الذي يتناول مسيرته يشير إلى مشادات قوية بين الرجلين، في إشارة إلى أن العلاقة بين المصور والشخصية الملكية لا تخلو بالضرورة من التوتر، حتى عندما تستمر لسنوات طويلة. فالصحافي، مهما بلغت درجة قربه من دوائر النفوذ، يظل مطالباً بأداء مهمته، فيما يسعى أصحاب السلطة إلى التحكم في الطريقة التي تظهر بها حياتهم أمام الجمهور.

وتكتسب تجربة إدواردز أهمية إضافية في عصر أصبحت فيه الصور تنتشر خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية، وتنافس فيه الهواتف المحمولة والكاميرات الصغيرة التصوير الصحافي التقليدي. ومع ذلك، تظل خبرة المصور المخضرم وقدرته على قراءة اللحظة واختيار زاوية الصورة عنصرين أساسيين في صناعة صورة تتجاوز قيمتها التوثيقية إلى دلالاتها السياسية والإنسانية.

وبين صور البروتوكول الملكي واللحظات العفوية، تبدو مسيرة آرثر إدواردز أكثر من حكاية مهنية طويلة؛ إنها نافذة على نصف قرن من التحولات في العائلة المالكة البريطانية، وعلى الدور الذي تؤديه الصحافة المصورة في توثيق التاريخ، ومساءلة السلطة، وصناعة الذاكرة.


جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)
ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)
TT

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)
ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

يُسافر التشكيلي اللبناني جميل ملاعب منذ أكثر من 5 عقود، ويعود مُحمَّلاً بما تعجز الحقائب عن حمله. زار مدناً. عَبَرَ شوارع. صادف وجوهاً. واحتفظت عيناه بالأماكن بعدما غادر أصحابها. ومع تراكُم الرحلات، تتشكَّل سيرة موازية لحياته يمكن قراءتها في اللوحات التي جمعها معرضه «رحلات مُدن» (Itinéraire)، المُقام في «غاليري جانين ربيز» ببيروت حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. مع كلّ رحلة، يتغيَّر شيء في نظرة الإنسان إلى العالم وإلى نفسه، وتترك المدن التي يعبرُها أثراً فيه حتى بعد الرحيل.

مدينتان فوق بعضهما... وبينهما قرون من اختلاف معنى العمران (الشرق الأوسط)

يرسم ملاعب المدن كما يراها في لحظة من حياته. وفي كلّ مشهد شيء من تاريخ المكان، وشيء من عين الرجل الذي مرَّ به. في لوحاته، تجتمع ثلاثة أزمنة، لكلّ منها حكايته. الأبنية تحمل تاريخ المدينة وما تعاقَبَ عليها من أجيال، والشوارع تحتفظ بإيقاع الحياة التي تجري فيها اليوم، فيما يضيف الفنان زمناً ثالثاً، هو لحظة لقائه بالمكان ورؤيته له. وقد تكون هذه اللحظة قصيرة في عُمُر مدينة عاشت مئات السنوات، لكنها تكفي لتمنحها وجهاً آخر على قماشته. فالمدينة التي يرسمها الفنان كانت موجودة قبله وستظلُّ بعد مغادرته، أما صورتها في اللوحة فتحتفظ باللحظة التي التقت فيها حياته بحياتها.

والرسّام الذي زار مدناً في آسيا وأوروبا والأميركتين وشمال أفريقيا والعالم العربي، يضع المُشاهد أمام جغرافيا تخضع لقوانين الذاكرة أكثر ممّا تخضع لقوانين الخرائط. وفي اختياراته التشكيلية، تتفاوت أهمية التفاصيل وفق الأثر الذي أحدثته فيه، فتحظى واجهة متواضعة أحياناً باهتمام يفوق مَعْلماً شهيراً، ويستأثر لون أو مشهد خاطف بانتباه كان يمكن أن تمنحه العين لعمارة أكثر فخامة.

كلّ عصر يظنّ أنه الحاضر الأخير (الشرق الأوسط)

وتكشف لوحاته عن اختلاف نظرته إلى كلّ مدينة وما يختاره من تفاصيلها. ففي «إسطنبول» (2004)، يستحوذ الماء الأزرق على معظم التكوين وتتراجع المدينة إلى أطراف المشهد. كأنّ الرسّام اختار أن يراها من خلال ما يفصل ضفّتيها ويصلهما. وفي «شنغهاي» (2016)، تتكدَّس العمارات والشخصيات داخل نسيج ورديّ كثيف، فتلتقي الحياة البشرية مع البنية العمرانية حتى يصعب فصل المدينة عن سكانها. أما «الجزائر» (1973)، فتبلغ اختزالاً لافتاً، بطائر أبيض فوق زرقة البحر، في مشهد تكاد تختفي منه العمارة. ثلاث تجارب تُبيّن اختلاف العلاقة البصرية مع المكان، بين الامتداد والازدحام والتجرُّد.

مدن لم يجمعها التاريخ... جمعها عُمر الرسّام (الشرق الأوسط)

وفي لوحات بيروت وبعلبك والقدس، يتبدَّل إيقاع الرسم. تتراكم الأبنية والرموز والوجوه حتى تبدو العمارة حاملةً لذاكرة بشرية عريقة. في «بيروت الأولى»، تزدحم السيارات والمارّة والطائرات وسط الأبنية المتراصّة، وتبدو المدينة منشغلة بكلّ ما يجري فيها حتى تكاد تفاصيلها تتزاحم على اللوحة. وفي «بعلبك»، تختلط الآثار بالأجساد والتفاصيل الدقيقة، في تركيب يضغط الأزمنة بعضها فوق بعض، ويُعيد إدخال الإنسان إلى التاريخ الذي تميل الصور الأثرية إلى إفراغه من سكانه.

تكشف لوحات ملاعب عن المدن التي زارها، وعن الرجل الذي زارها أيضاً. فالمدينة الواحدة تحتمل آلاف الصور، وما يختاره الرسّام منها يرتبط بما يشغله في تلك المرحلة من حياته، وبالأشياء التي تعلّمت عينُه أن تنتبه إليها. وحين ننظر إلى «الجزائر» (1973)، ثم إلى «الفاتيكان» (2024) و«بعلبك الثانية» (2026)، نجد أمامنا أكثر من نصف قرن من الرسم. وخلال هذه السنوات، تغيَّر العالم وتغيَّر جميل ملاعب معه، لتحمل اللوحات شيئاً من سيرة صاحبها، حتى في تلك التي تخلو من صورته.

أمضى جميل ملاعب نصف قرن يعبر المسافات ثم ألغى المسافة بين مدنه (الشرق الأوسط)

بدأ الرسّام اللبناني رحلته مع الفنّ في الستينات، قبل أن تقوده دراسته إلى الولايات المتحدة، حيث درس في معهد «برات» بنيويورك وحصل على الدكتوراه في التربية الفنّية من جامعة أوهايو. ودرّس الفنّ في الجامعة اللبنانية والجامعة اللبنانية الأميركية، فيما واصل السفر والرسم وإقامة المعارض. ولـ«غاليري جانين ربيز» حضور طويل في مسيرته، إذ احتضنت معارضه منذ التسعينات، ورافقت مراحل مختلفة من تجربته. وتعود صلة ملاعب بهذا الإرث الفنّي إلى ما قبل تأسيس الغاليري عام 1992، فقد شارك في معرضين ضمن «دار الفنّ»، التي أسَّستها جانين ربيز عام 1967. وهكذا، تجمع هذه المحطة الجديدة بين تاريخ الفنان وتاريخ مؤسَّسة فنية عرفته شاباً، وتُواصل عرض أعماله بعد نحو 6 عقود من بداياته.

كلّ هؤلاء الغائبين ما زالوا يتزاحمون على حقّهم في الظهور (الشرق الأوسط)

تظلُّ بيروت نقطة الانطلاق والعودة في هذه الرحلات. لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية. فالفنان الذي يجوب العالم يعود بعين تعرَّفت إلى احتمالات أخرى للعيش والبناء والنظر. ثمة شيء مؤثّر في أن يمضي رجل معظم عمره متنقّلاً بين مدن العالم، ثم يجمعها على جدران معرض. لقد قطع ملاعب آلاف الكيلومترات ليراها، وها هي اليوم على مقربة بعضها من بعض، بعدما اختصر الرسمُ المسافات التي احتاج إلى عُمر طويل ليقطعها.