قصور مصر التاريخية... أيقونة العصر الذهبي لفنون العمارة

لم تَسلم من صراعات السياسة وبعضها تحوّل إلى مقرات حكومية

قصور مصر التاريخية... أيقونة العصر الذهبي لفنون العمارة
TT

قصور مصر التاريخية... أيقونة العصر الذهبي لفنون العمارة

قصور مصر التاريخية... أيقونة العصر الذهبي لفنون العمارة

تعرضت ثروة مصر من القصور التاريخية للكثير من الفقد المأساوي بسبب الصراعات السياسية والإهمال المتعمد على مر القرون. ورغم ذلك فالقليل الذي نجا منها لا يزال يثير الدهشة بسبب طرزه المعمارية الباهرة وبراعة التصميم، كما أنه يشكل أيقونة لفنون العمارة بوصفها شاهد عيان على عصور كاملة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عاشتها البلاد.
في كتابها «قصور مصر» الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تشير الباحثة سهير عبد الحميد إلى أن كثيراً من تلك القصور طُمست معالمها حين تحولت إلى مدارس أو مقرات لهيئات ووزارات، ولم ينجُ من «المذبحة» إلا تلك القصور التي شاء القدر أن تتحول إلى متاحف مثل قصر الأمير عمرو إبراهيم «متحف الخزف» وقصر الأمير محمد علي «متحف المنيل» أو مجمع الفنون الإسلامية.
- العودة إلى الجذور
تعود المؤلفة إلى جذور العمارة في مصر عبر مراحل تاريخية مختلفة في محاولة لرصد الأسس الفنية التي قامت عليها نهضة القصور في البلاد، حيث تشير إلى أنه كان بالقاهرة قبيل تولي محمد علي الحكم عُدد من القصور التي عني المسلمون بتشييدها كما في كل بقاع العالم الإسلامي. وفي عمارتها امتزجت الفلسفة العقائدية بمعايير المعالجة البيئية، فجاء صحن البيت المكشوف ساحة يتصل خلالها أهل الدار بالسماء، ثم نافورة تتوسطه لتلطيف درجة حرارة البيت، بينما جاءت المشربية لتمنع أعين المتلصصين من المارة وفي اللحظة ذاتها تسمح بدخول أشعة الشمس هادئة فلا تُقلق سخونتها من في البيت.
وتذكر المؤلفة أن القصور كانت حتى القرن الرابع عشر تتركز في القاهرة الفاطمية حيث شيّد المماليك منذ ذلك التاريخ قصورهم ودورهم خارجها، وتحديداً حول بِرك القاهرة، فتصبح «بركة الفيل» مقصد الصفوة من الأمراء، و«بركة الأزبكية» قبلة البرجوازية القاهرية. وكانت من أهم الدور التي شُيدت منذ الفتح الإسلامي في مصر دار عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط وكانت فسيحة جداً، كما أطلق عليها اسم «القصر الذهبي» وأصبحت داراً للإمارة حتى دمّرها الحريق الذي سببه مروان الثاني في أثناء هروبه، إذ أنشأ صالح بن علي بعد 750 متراً قصراً جديداً في مدينة العسكر إلى الشمال من مدينة الفسطاط بالقرب من جبل يشكر، واستمرت الدار الجديدة مقراً للحكم حتى أنشأ أحمد بن طولون قصر الميدان، وكان لهذا القصر تسعة أبواب وبه ميدان للعب الصوالجة كما في قصر الخليفة المستعصم في سامراء بالعراق.
وتروي أنه عندما احتل العثمانيون مصر سنة 1517 ميلادية ساروا حذو المماليك فأقام «رضوان كتخدا» قصراً كبيراً على الحافة الشرقية لبركة الأزبكية وقد تحول قصر كتخدا إلى مقر لقيادة الحملة الفرنسية على مصر والشام وفي حديقته قُتل القائد الفرنسي كليبر.
لم تنفصل عمارة القصور عن ثقافة العصر، وتباينت نظرة المصريين إليها ما بين التفاؤل والتشاؤم، فقصر الأمير المملوكي «طاز» الذي لا يزال موجوداً في حالة جيدة حتى الآن بعد إعادة ترميمه، تصفه الباحثة بأنه من روائع العمارة المملوكية، بينما تصف قصر الأمير بشتاك بـ«القصر الملعون»، فقد بُني على أنقاض مسجد، مشيرةً إلى أن تاريخ القصر يعود إلى 1334م وأُقيم على رقعة من أرض القصر الكبير الفاطمي. وكان القصر للأمير بدر الدين بكتاش الفخري المعروف بالأمير سلاح. بعد وفاته اشترى بشتاك القصر من ورثته وهدم داراً كانت تُعرف بدار قطوان الساقي، كما هدم أحد عشر مسجداً وأربعة معابد كانت من آثار الخلفاء الفاطميين يسكنها جماعة من الفقراء، وأدخل كل ذلك في البناء إلا مسجداً منها كان لعمه ويُعرف اليوم بمسجد «الفجل».
- أعجوبة العصر
أما عن قصر محمد علي باشا، والي مصر، والذي اختار له منطقة شبرا، فقد كانت تلك المنطقة، كما توضح المؤلفة، تظهر في الخريطة التي وضعها علماء الحملة الفرنسية أرضاً زراعية بها كثير من البساتين وبعض المساكن المتناثرة وأشجار الجميز بجزيرة بدران، في حين أنها حالياً حي مترامي الأطراف يضجّ بالزحام والضوضاء والمباني الخرسانية. قرر محمد علي منذ البداية أن يكون قصره المهيب بعيداً عن مؤامرات المماليك، أعدائه السياسيين، وعن سكان قاهرة المعز وحي بولاق أبو العلا حتى لا تثيرهم مظاهر البذخ والثراء في قصر الوالي.
استمر بناء القصر 13 عاماً، حيث بُني على مراحل مختلفة واستمر طوال حكم محمد علي وخلفائه، حيث أُضيف إليه حوض الفسقية ثم سراي الجبلاية. وفيه كانت تقام أهم الحفلات في عصره كما كان يستقبل الأمراء والضيوف وقناصل الدول الأجنبية حتى وفاته. ورغم حداثته في تاريخ القصور الملكية في مصر فإنه كان أعجوبة زمانه، حيث أُدخل فيه نظام الإضاءة بغاز «الاستصباح» الذي عرفته أوروبا قبل ذلك بسنوات قليلة. وكلف محمد علي المهندس الإنجليزي أجالوري بعمل التجهيزات اللازمة لاستخدام هذا الغاز وتكلف آنداك «ألفي جنيه وخمسمائة قرش» بخلاف ما احتواه القصر من تحف ونجف من الكريستال والبرونز وأثاث فاخر ما زال بعضه موجوداً، مثل طقم الصالون الفرنسي المذهّب الذي ما زال رقمه وموديله في سجلات الشركة الأم، وكذلك ستائر القصر والأباليك والصور والتابلوهات الخاصة بمحمد علي وزوجاته ومائدة البلياردو التي أهداها له ملك فرنسا.
ومع كل هذا الجمال والثراء الفاحش الذي امتاز به هذا القصر ما جعله أشبه بالقصور الأسطورية فإن البعض رآه منحوساً، ففي بهوه استقبل محمد علي جثة ولده الأمير طوسون ومنه خرجت الجنازة الحزينة إلى مدافن الأسرة العلوية. وبسببه ضاع الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، أشهر مؤرخي مصر المعاصرة، عندما دعاه محمد علي لزيارته فركب حماره وفي الطريق اُغتيل ودُفن دون أن يُعرف مكان قبره. البعض أشار إلى قطّاع الطرق والبعض الآخر إلى أعوان محمد علي، فقد عُرف بصراحته وآرائه المعلنة وكان عدواً لدوداً للوالي. وفي هذا القصر قضى محمد علي أسوأ أيامه؛ فعلاقته بابنه إبراهيم اتسمت بالشك والحذر من الجانبين خصوصاً بعدما ثقل على محمد علي داء الدوسنتاريا فكوّن إبراهيم باشا مجلساً للشورى من العلماء مما ساعد على توسيع الهوة بينهما.
- قصر المانسترلي
تذكر المؤلفة أن عراقة جزيرة الروضة الموجود بها دفعت المؤرخ الشهير جلال الدين السيوطي، إلى أن يُفرد لها مؤلفاً سماه «كوكب الروضة»، يسهب في وصف جمال حدائقه. وجاء حسن باشا المانسترلي نائباً للحاكم في عهد الخديو عباس حلمي الأول، ثم وزير داخليته ليستأثر لنفسه بالكثير من الأراضي ومنها سراياه المهيبة التي لم يتبقَّ منها سوى السلاملك الذي نعرفه اليوم بقصر المانسترلي. عمل المجلس الأعلى للآثار وصندوق التنمية الثقافية على العناية به وإصلاحه وطلائه واستكمال رخام الأرضيات، كما أنشئ جسر خشبي ذو طابع جميل يربط بين ضفتي النيل ما بين الجزيرة، حيث القصر وطريق الكورنيش، وتم تأثيثه بقطع منقولة من قصر الأمير محمد علي بالمنيل تتناسب والطراز التركي للقصر، وهو يستخدم حالياً كمقر للمركز الدولي للموسيقى يجاوره الجامع الذي أنشأه المانسترلي ودُفن به بعد وفاته 1859.
- قصر الزعفران
إنه هدية الخديو إسماعيل للوالدة باشا، حيث أرداه أن يأتي في التصميم على غرار قصر فرساي الذي أقام به إسماعيل في أثناء فترة تعليمه بفرنسا، ثم أهداه لوالدته لكي تستمتع رئتاها بهواء الحي البكر. وفي حديقة القصر التي تمتد على مساحة مائة فدان زُرع نبات الزعفران لتستنشق خوشيار هانم عطره الذكي. لا يزال قصر الزعفران يحتفظ بأناقته المعهودة في ستائره التي نُسجت بدقة وطُرزت بعناية ألوانها، ولا تزال زاهية والعمال يحرصون على تنظيفها وإعادتها لشبابيك القصر الكبيرة التي تتناسب مع ارتفاعات السقف التي تصل إلى 6 أمتار ليكون الفراغ وسيلة طبيعية للتكييف. ويبدو القصر كأنه قد بُني بالأمس بطرازه المزيج بين القوطي والباروك الذي يميز قصور القرن الـ19 وحديقته الشتوية التي خُصصت لفصل الشتاء والزجاج البلوري المعشّق بألوان زاهية فوق السلم النحاسي الذي يعكس ألوان السماء الساطعة فضلاً عن الثريات الفخمة والزخارف المنمنمة والمدفأة الخشبية واللوحات الزيتية التي تطل من هنا وهناك.


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).