تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا

الصين وروسيا والخليج وأفريقيا على الخط في «معركة البدائل»

تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا
TT

تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا

تراجع اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا وأوروبا

تعاقبت رحلات الطائرات التونسية والجزائرية مع الصين مؤخراً، لنقل كميات هائلة من المساعدات الطبية والمشتريات لمكافحة جائحة «كوفيد - 19»، وتوفير المواد الخام لمصانع تونسية. وكشفت مؤسسة الإحصاء الحكومية في تونس (المعهد الوطني للإحصاء)، تراجع حصة الشركاء التقليديين، على رأسهم فرنسا والاتحاد الأوروبي في برامج «التعاون العسكري»، والمبادلات الاقتصادية الخارجية للبلاد، تجارة واستثماراً وسياحة، مقابل تضخم حصة دول الجوار في شمال أفريقيا و«القوى الصاعدة» دولياً، مثل الصين والهند وروسيا ودول شرق آسيا.
سُجل هذا التطور في مرحلة تعاقبت فيها دعوات سياسيين وخبراء في تونس والدول المغاربية إلى تنويع علاقات البلاد الخارجية، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، مواكبةً للمتغيرات الدولية، بينها تراجع حضور فرنسا والولايات المتحدة وغالبية دول الاتحاد الأوروبي في بعض دول جنوب المتوسط، وانفتاح أغلب الدول العربية والإسلامية على مجموعة «بريكس» وعلى الأسواق الأفريقية، خصوصاً مجموعة «كوميسا» لبلدان شرق وجنوب القارة السمراء.

توحي غالبية المؤشرات أن من بين نتائج تفشي جائحة «كوفيد - 19»، عالمياً، تعمق الهوة بين تونس والعواصم المغاربية، من جهة، وشركائها التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة من جهة ثانية. وفي المقابل، تزايد الترحيب داخل النخب السياسية بالشراكة مع الصين وغيرها من الدول التي قدمت لها دعماً طبياً ولوجستياً ومادياً، بينما أغلقت الدول الأوروبية الباب، وانشغلت بأوضاعها الكارثية الداخلية.

السيناريوهات المطروحة
70 وزيراً سابقاً للاقتصاد والمالية أو خبيراً دولياً مستقلاً، يتقدمهم وزير الاقتصاد والمالية السابق والخبير لدى البنك الأفريقي للتنمية حكيم بن حمودة، أطلقوا أخيراً مبادرة «اقتصاديون من أجل تونس»، قدموا فيها قراءة لمضاعفات المتغيرات الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية الجديدة على تونس، وأكدوا على حاجة تونس وجيرانها المغاربيين لسياسات جديدة في كل المجالات، بما في ذلك تنويع الشركاء الدوليين.
أيضاً صدرت عن عدد من صناع القرار الاقتصادي والسياسي في تونس تصريحات جديدة تجمع على كون مرحلة ما بعد الجائحة تختلف عن المرحلة السابقة والحالية في العلاقات الدولية، بعد 65 سنة من تبني السلطات «سياسة خارجية تقليدية»، على حد تعبير وزير الخارجية السابق أحمد ونيس.
من جهته، اعتبر محسن حسن، وزير التجارة السابق والخبير الاقتصادي الدولي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مرحلة اعتماد تونس والدول المغاربية على فرنسا والدول الأوربية بنسبة تحوم حول 75 في المائة من علاقاتها الخارجية توريداً وتصديراً وسياحة واستثماراً ولت إلى غير رجعة.
ووفق دراسة أعدها رضا الشكندالي، المدير العام لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية (سيريس) سابقاً، ستفرض الجائحة مسار الانفتاح أكثر على الأسواق «البديلة»، بما فيها الصين والهند وروسيا والدول العربية والآسيوية، بل وخصوصاً الأسواق الأفريقية، التي تحقق نسب نمو تفوق الـ10 في المائة، بينما أصبحت نسب النمو في أوروبا ضعيفة جداً أو سلبية. واستدل الشكندالي بالمحادثات الهاتفية التي أجراها أخيراً الرئيس التونسي قيس سعيد، ورئيس الحكومة إلياس فخفاخ، بعدد من زعماء الدول الآسيوية والعربية والأفريقية، وتنويههم بالمساعدات الصحية الصينية التي وصلت إلى تونس والجزائر وعدة دول أفريقية للحد من أضرار «كوفيد - 19».
أما أحمد كرم، رئيس المنظمة التونسية للبنوك والمؤسسات المالية ونائب محافظ البنك المركزي سابقاً، فرأى أن «هذه التطورات لم تأت من فراغ، لكنها تدعم مساراً بدأ منذ 1983 بين الصين وتونس ودول شمال أفريقيا، وتطور في التسعينات من القرن الماضي». وكانت حصيلة هذا المسار أن تطورت منذ أكثر من 15 سنة المبادلات السياحية والتجارية بنسق سريع جداً، على حساب العلاقات التاريخية مع فرنسا والاتحاد الأوروبي. وأصبحت ثلاثة أرباع الواردات من الصين و«القوى الصاعدة» في قطاعات عديدة، بينها المواد الأولية والملابس والجلود والأحذية، ومكوّنات الصناعات التصديرية، ومكوّنات الصناعات الميكانيكية، والأدوية والتجهيزات الطبية.

نعم... ولكن
في الاتجاه نفسه، توقع الصادق جبنون، الخبير الاقتصادي والناطق الرسمي باسم حزب «قلب تونس» (ليبرالي) أن يتأكد هذا المسار بعد «كوفيد - 19»، خصوصاً إذا أقدمت الصين و«القوى الصاعدة» على رفع قيمة استثماراتها في تونس والبلدان المغاربية والأفريقية، ولم تقصر اهتمامها بتصدير بضائعها إليها بأسعار منخفضة على غرار ما فعلت مع أغلب دول أفريقيا. لكن عياض اللومي، رئيس اللجنة المالية في البرلمان التونسي، سجل في المقابل، أن فرنسا والدول الأوروبية تتميز عن الصين وتركيا و«الشركاء الجدد» بالمزايا الجبائية والجمركية التي توفرها اتفاقيات الشراكة والمنطقة الحرة الأوروبية المتوسطية، بينها «معاهدة برشلونة 1995».
للعلم، يستفيد الحضور الأوروبي في تونس وبقية دول جنوب المتوسط من القرب الجغرافي واللغوي والثقافي والسياسي بين ضفتي البحر المتوسط، ومن إعفاءات تسند إلى المؤسسات الوطنية التصديرية. كذلك تستفيد مؤسسات آسيوية ودولية من حرص المستثمرين الأوروبيين على «إعادة الانتشار» الذي يؤدي إلى توظيف مزايا المنطقة الحرة الأورومتوسطية، والفارق في تكاليف الإنتاج مقابل تصدير كل المنتوج إلى أوروبا والأسواق العالمية، مع إعفاء من الضرائب. وإذا كان الميزان التجاري الخارجي يشكو الآن عجزاً لفائدة الصين وتركيا بنسبة تتراوح بين 70 و85 في المائة، فإن صادرات بلدان مثل تونس والمغرب والجزائر وليبيا إلى أوروبا تفوق بكثير وارداتها، حسب الخبير ورجل الأعمال جمال الدين عويديدي. وهذا المعطى، حسب رئيس البرلمان التونسي السابق عبد الفتاح مورو، قد يعطل مؤقتاً «الزحف الصيني التركي الآسيوي» على تونس وبلدان شمال أفريقيا.

اعتراضات وشكوك ومخاوف
على أي حال، فإن بعض السياسيين والخبراء الاقتصاديين الذين يرجحون الانفتاح أكثر على الأسواق الأفريقية والآسيوية والصين و«القوى الصاعدة»، منهم الأكاديمية جنات بن عبد الله، يشككون في صدقية الإحصائيات الحالية عن حجم الصادرات التونسية والمغاربية نحو أوروبا، ويصفونها بـ«المغلوطة والمزيفة». ويعتبر هؤلاء الخبراء أن الأمر يتعلق بشركات مشتركة أوروبية - تونسية، أو تونسية - عربية، معظم رأسمالها أوروبي، وتستفيد من الإعفاءات الجبائية والجمركية التي تمنح للشركات المحلية، وتصدر بضاعتها، ثم تحتفظ بمرابيحها في البنوك الأوروبية. والسبب أن القوانين لا تجبرها على إرجاع تلك المرابيح، شأنها شأن كثير من «مداخيل شركات تصدير الخدمات والمؤسسات السياحية».
ويذهب سفير تونس السابق إلى إندونيسيا محمود بالسرور، إلى حد اتهام «الشركات التصديرية التونسية الأوروبية (بتبييض أموالها) في شمال أفريقيا، ثم تهريب مرابيحها بطرق (قانونية)»، وبتزييف الإحصائيات الرسمية عبر الخلط بين صادرات المؤسسات الوطنية التي تعيد مرابيحها إلى البلاد والعمليات التجارية للمؤسسات الأجنبية التي يكون لديها شركاء محليون.
في هذا المناخ العام من الأخذ والرد، أعرب رئيس الحكومة التونسية الأسبق علي العريّض، عن مخاوف من المضاعفات الاقتصادية لأزمة «كوفيد - 19» بالنسبة لتونس ودول شمال أفريقيا. وتوقع انهيار عدد السياح الأوروبيين الذين كان من المتوقع أن يزوروا تونس في الموسمين الحالي والمقبل. كان وزير السياحة التونسي السابق روني الطرابلسي، قد أورد في مؤتمر صحافي، أخيراً، أن حوالي ربع الـ10 ملايين سائح الذين زاروا تونس عام 2019 كانوا من بين المهاجرين التونسيين في الدول الأوروبية. وأوضح أيضاً أن أكثر من نصف زوار تونس الأجانب في الموسم الماضي، أي حوالي 5 ملايين سائح، كانوا جزائريين وليبيين ومن المغرب الأقصى وموريتانيا. ومعلوم أنه يعتمد كثيرون من السياح المغاربيين على العملات الأجنبية التي يوفرها أبناؤهم المهاجرون في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا. وهذا يعني أن «الأزمة الاجتماعية الاقتصادية في أوروبا ستؤثر سلباً على تونس على كل المستويات»، وفق وزير السياحة والصناعات التقليدية الجديد محمد علي التومي.

أوروبا تنقسم إلى 3 مجموعات
لكن هذه المعطيات، وغيرها، تبرر في نظر عدد من السياسيين والخبراء، بينهم وزير التجارة السابق محسن حسن، دعوة الحكومة الجديدة إلى القيام بخطوات سياسية اقتصادية جريئة تبرهن عن استيعاب المتغيرات في السياسة الدولية، خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصاً منذ انتشار الجائحة الحالية. وتوقع حسن أن تطوى مرحلة «الاتحاد الأوروبي الكبير» بعد خروج بريطانيا، وبروز 3 كيانات جديدة داخل «القارة العجوز»، هي: أوروبا الشمالية أو الإسكندينافية، وأوروبا الغربية القديمة (من دون بريطانيا)، وأوروبا الجنوبية المطلة على البحر المتوسط، وفيها إيطاليا وإسبانيا واليونان وفرنسا. وهذه الأخيرة هي البلدان المعنية بـ«طريق الحرير» الجديدة مع الصين والأسواق الآسيوية، وهي مرشحة أكثر للاقتراب من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط الـ12 من البلدان المغاربية إلى مصر والأردن ولبنان وتركيا.
من جانبه، طالب المؤرخ والمفكر عبد الجليل التميمي، مدير مؤسسة الأبحاث الجامعية والدراسات، قادة شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، بمزايا تفعيل «الفضاءات الجهوية الصغيرة»، مثل «كوميسا» و«تجمع بلدان الحوض الغربي للبحر المتوسط 5 + 5»، الذي يضم الدول المغاربية زائد إيطاليا ومالطة والبرتغال وإسبانيا وفرنسا عوض الرهان على «التكتلات الكبرى»، مثل «مسار برشلونة» الذي يضم 27 دولة أوروبية و12 دولة من جنوب المتوسط.
غير أن عبد الفتاح مورو، يعتبر أن ألمانيا يمكن أن تكون بديلاً عن بعض شركاء تونس الاقتصاديين البارزين في أوروبا وخارجها. وتوقع مورو أن تبتعد برلين تدريجياً عن بعض حلفائها في أوروبا والعالم، وأن تقترب أكثر من روسيا ومن شرق أوروبا وآسيا ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً تونس والدول المغاربية ومصر. كما رأى أن ألمانيا معنية بعلاقات أكثر تطوراً مع تونس وشمال أفريقيا في مجال الهجرة، لأنها ستحتاج انطلاقاً من عام 2030 إلى ملايين الشباب المهاجرين من ذوي الخبرات، بينهم مئات الآلاف من خريجي الجامعات والأطباء والممرضين والتقنيين والمهندسين والمربّين.

الإرادة السياسية
أيضاً توقع مورو أن تتلقى تونس ودول جنوب المتوسط، بعد الجائحة الحالية، عروضاً جديدة في اتجاه تنويع شركائها الدوليين، بعد تراجع دور الاتحاد الأوروبي التقليدي، واتضاح حدود مسارات التنمية غير المتوازنة بين بلدان «الشمال» و«الجنوب» التي تعمقت منذ ربع قرن، أي منذ انطلاق «مسار برشلونة» واتفاقية المنظمة العالمية للتجارة لعام 1995.
إذن، «معركة البدائل» انطلقت، لكنها قد تتعثر لمدة سنة أو اثنتين، خصوصاً، بالنسبة لبلدان صغيرة مثل تونس، لديها التزامات بتسديد قروض قديمة للمؤسسات المالية الأوروبية والدولية، وتستعد منذ مدة لتنظيم مؤتمرات عالمية يؤمل بأن تعود عليها بمنافع كثيرة، من بينها «قمة الدول الفرانكوفونية» المقررة في وقت لاحق من العام الحالي.

مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية «تيكاد 8»

> أعلنت تونس رسمياً أنها ستحتضن قمة رؤساء منظمة طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية «تيكاد 8» (TICAD 8)، وأيضاً مقرّ مركز التميز الأفريقي للأسواق الشاملة (AIMEC)، وذلك خلال عام 2022. وأوضحت وزارة الخارجية التونسية أن هذه القمة الاقتصادية السياسية الدولية ستكون «أكبر اجتماع دولي تحتضنه تونس منذ استقلالها عن فرنسا في 1956»، ومن المقرر أن يشارك فيها حوالي 50 رئيس دولة وحكومة أفريقية، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الياباني وأعضاء حكومته وعدد كبير من رؤساء العالم ومنظمات دولية وأكثر من 11 ألف مشارك من مؤسسات يابانية وأفريقية من القطاعين العام والخاص وخبراء وأكاديميين وممثلي عن المؤسسات المالية الدولية.
وتعتبر قمة منظمة طوكيو الدولي للتنمية الأفريقية (تيكاد) مبادرة حكومية من اليابان حول التنمية الأفريقية، وكانت قد أطلقت لأول مرة في سنة 1993. وتضم القمة خمسة أطراف رئيسية يطلق عليها مسمى «المنظمون المشاركون»، وهم الحكومة اليابانية، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، ومكتب المستشار الخاص لشؤون أفريقيا التابع للأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الدولي.
وتسعى «التيكاد» إلى تعزيز الحوار السياسي بين أفريقيا وشركائها، وحشد الدعم لصالح مبادرات التنمية الأفريقية. وتتمحور أشغال القمة والاجتماعات الجانبية التي تلتئم على هامشها حول تطوير الشراكة مع الدول الأفريقية في ظل التحولات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال، من خلال تشجيع الاستثمارات الخاصة والابتكار، وتعزيز الأمن والاستقرار والسلام. وتجدر الإشارة إلى أن اليابان استضافت مؤتمرات «تيكاد» الستة الماضية، وستكون تونس ثاني دولة أفريقية تحتضن هذا الحدث الدولي الكبير خارج اليابان بعد مؤتمر نيروبي بكينيا سنة 2016.

تونس عضو في السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا

> وقعت تونس رسمياً على وثيقة انضمامها إلى منظمة «كوميسا» لدول شرق وجنوب أفريقيا خلال القمة التي عقدها رؤساء هذه الدول في مدينة لوساكا، عاصمة جمهورية زامبيا خلال الصيف الماضي. وبذا أصبحت تونس العضو العشرين في هذه المنظمة الإقليمية الاقتصادية الأفريقية، وبدأت تفعيل هذا الاتفاق واستقبلت وفوداً من الأمانة العامة للمنظمة في سياق بحثها عن «بدائل» للشركاء التقليديين.
هذا، وأوردت الأمينة العامة لمنظمة «الكوميسا» شيليشي كيبوابوي (Chileshe Kepwepwe)، خلال زيارة أدتها إلى تونس أن انضمام تونس إلى تركيبتها «سيعطى الفرصة أمام مجتمع الأعمال والمال في تونس والدول الشمال أفريقية لفتح أسواق جديدة والتعرف على الشركاء المحتملين من بلدان (الكوميسا)، وتجسيم الفرص الاستثمارية والمميزات التنافسية التي تتمتع بها دول المجموعة، وما يمكن أن تقدمه لبعضها البعض وإلى باقي دول العالم».
كذلك، أكدت الأمينة العامة أن دول تجمع شرق وجنوب أفريقيا تعد في طليعة الدول المشاركة في مبادرات التكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي في القارة الأفريقية، بما في ذلك دورها الريادي في اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية الأطراف. وهو ما سيساعد البلدان الأفريقية على جني ثمار فتح مزيد من الأسواق، واستغلال الموارد المتاحة، ورفع القدرة التنافسية، والحد من الاعتماد على الشرکاء التجاریین التقلیدیین.
ونبهت كيبوابوي إلى أن القارة الأفريقية تمر بمرحلة تنموية تستوجب تطوير التعاون والتكامل بين بلدانها على مستوى الحكومات فيما بينها، ومع القطاع الخاص الأفريقي والدولي من جهة أخرى.
من ناحية أخرى، اعتبرت الرئاسة التونسية، بمناسبة تفعيل انضمام تونس إلى هذا الفضاء الاقتصادي الإقليمي والدولي، هذه الخطوة «فرصة بالنسبة للقطاعين العام والخاص وأصحاب المؤسسات الصناعية والمالية التونسية الشمال أفريقية، وستستفيد تونس من فرص الانفتاح الاقتصادي على بلدان القارة السمراء، حيث فرص النمو كبيرة جداً خلافاً لغالبية دول العالم. كذلك توقع وزير الخارجية التونسية أن يؤدي انضمام تونس إلى منظمة سوق شرق وجنوب أفريقيا إلى تمكن المستثمرين ورجال الأعمال التونسيين والعرب من بناء شراكات مع نظرائهم ببقية الدول الأعضاء في هذا التجمع الاقتصادي المهم». ووصف هذا التجمع بأنه يعد «سوقاً واعدة لعديد المنتجات وللمؤسسات العاملة في مجالات مثل البنية التحتية وتكنولوجيات المعلومات والاتصال، وأيضاً التعليم والتدريب المهني والتعليم العالي والصحة والصناعات الغذائية والهندسة والمحاسبة والتمويل وغيرها من المجالات».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.