خليل الحيّة... «رجل المفاوضات» يتولّى مهمة صعبة على رأس «حماس»

في مرحلة حساسة من تاريخ النضال الفلسطيني

كان مسؤولاً عن ملف العلاقات العربية والإسلامية في الحركة... وهكذا استطاع الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف عربية وإسلامية عدّة
كان مسؤولاً عن ملف العلاقات العربية والإسلامية في الحركة... وهكذا استطاع الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف عربية وإسلامية عدّة
TT

خليل الحيّة... «رجل المفاوضات» يتولّى مهمة صعبة على رأس «حماس»

كان مسؤولاً عن ملف العلاقات العربية والإسلامية في الحركة... وهكذا استطاع الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف عربية وإسلامية عدّة
كان مسؤولاً عن ملف العلاقات العربية والإسلامية في الحركة... وهكذا استطاع الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف عربية وإسلامية عدّة

في كلمة خليل الحيّة الأولى، بعد انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحركة «حماس»، لم يقدم الرئيس الجديد نفسه بوصفه زعيماً يبدأ مرحلة جديدة، بقدر ما ظهر حارساً لمسار قديم تعهد بمواصلته. إذ تكلّم الرجل عن المنصب باعتباره «أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة»، ثم أعاد وصل تلك الأمانة بـ«جيل المؤسسين»، قائلاً: إن هذه الأمانة هي «عهدة الشهداء الأبرار الذين غرسوا هذه الشجرة المباركة». والحال، أن كلام الحيّة جاء ليؤكد استمرارية النهج في العمل على وقف الحرب، والدفع نحو الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، واستعادة الحياة الإنسانية لسكانه وإعادة الإعمار. مع التعهد بأن تسير الحركة «على الدرب والخطى ذاتهما»، وأن تحمل الراية «حتى تستقر فوق الأقصى وربوع فلسطين». ولكن القيادي، الذي جلس سنوات على طاولة المفاوضات، لم يغفل هذا الجانب، بل دعا الوسطاء إلى ممارسة ضغوط حقيقية على الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ ما سبق الاتفاق عليه.

مزج الخطاب الأول لخليل الحيّة، الذي انتُخب يوم 20 يوليو (تموز) الحالي رئيساً لمكتب حركة «حماس» السياسي، «بين البراغماتية والصرامة... وبين خطاب التعبئة وشروط التفاوض».

ولعل كلام الحيّة يعبّر عن ملامح شخصيته كرجل لا يرى تعارضاً بين التفاوض والتمسك بالسلاح؛ من أجل تحقيق الهدف. وحقاً، حمل انتخاب القيادي الجديد دلالات عدة، فـ«رجل المفاوضات» الذي يوصف من قِبل مقرّبين بأنه «براغماتي وقادر على بناء تفاهمات مع أطراف متباينة»، بينما يرى آخرون في انتخابه إشارة إلى «موقف أكثر صرامة وتشدّداً تجاه مطالب نزع السلاح، والارتباط بإيران». وهو ما يعكس قدرة لافتة على المزج بين صلابة المبادئ، والمرونة في اعتماد وسائل عدة لتجسيد تلك المبادئ.

نشأة دينية محافظة

وُلد خليل إسماعيل الحيّة في قطاع غزة يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1960، في أسرة متدينة محافظة. ودرس في الجامعة الإسلامية بغزة، ثم حصل على درجة الماجستير في الأردن، والدكتوراه في العلوم الإسلامية في السودان، ومن ثم عمل في المجال الأكاديمي والدعوي قبل أن يتفرّغ تدريجياً للعمل السياسي والتنظيمي.

انضم الحيّة في مطلع الثمانينات إلى «جماعة الإخوان المسلمين»، التي انبثقت عنها «حماس»، والتحق بصفوف الحركة منذ تأسيسها عام 1987، ضمن جيل ضم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، واعتقلته إسرائيل في غزة مرات عدّة.

والواقع، أن الحيّة كان جزءاً من دائرة القيادة التي جمعت بين العمل الدعوي والسياسي، قبل أن يصبح وجهاً بارزاً للحركة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006. وعلى الأثر، تولى رئاسة كتلتها البرلمانية خلال الأشهر التي سبقت الانقسام الفلسطيني الحاد بين حركتي «حماس» و«فتح». ثم ترسّخ حضوره داخل القيادة الغزّيّة في السنوات التالية، بعد سيطرة «حماس» على القطاع.

من جهة ثانية، ارتبط صعود الحيّة السياسي بثمن شخصي ثقيل، عبر سنوات من الاستهداف الإسرائيلي، طالته وعائلته. ففي عام 2007، أصابت غارة جوية إسرائيلية منزل عائلته في حي الشجاعية بمدينة غزة؛ ما أسفر عن مقتل عدد من أقاربه. وفي عام 2014 قُتل نجله أسامة وزوجته وثلاثة من أطفالهما. ثم تعرَّض هو شخصياً لعملية اغتيال استهدفته وقيادات من «حماس» في العاصمة القطرية الدوحة، خلال سبتمبر (أيلول) 2025؛ ما أدى إلى مقتل نجله همام، و3 مرافقين آخرين. وبعدها، فقد الحيّة نجله الرابع عزّام في غارة استهدفته مع ناشط ميداني في «كتائب القسام»، الجناح المسلح للحركة، في غزة أخيراً. وهذه الخسائر العائلية منحته ثقلاً معنوياً كبيراً داخل وخارج غزة.

«رجل المفاوضات»

سياسياً، يُعدّ الحيّة الشخصية الأكثر نفوذاً ضمن صفوف الحركة في الخارج منذ مقتل إسماعيل هنية عام 2024. ولقد كان عضواً في مجلس قيادي من خمسة أعضاء، مقرّه قطر، قاد «حماس» منذ مقتل يحيى السنوار. وعلى الرغم من مواقفه الصارمة واعتباره محسوباً على الجناح الأكثر تشدداً في «حماس»، ارتبط حضوره الإقليمي بالمفاوضات. إذ إنه شارك في الجهود التي أدت إلى إنهاء «حرب غزة» عام 2014، ثم تولى لاحقاً رئاسة وفد «حماس» في مباحثات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. وبعد هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 واندلاع الحرب الإسرائيلية الواسعة على القطاع، أصبح واجهة الحركة الأساسية أمام الوسطاء في مصر وقطر وتركيا. وهكذا قاد جولات طويلة من التفاوض غير المباشر مع إسرائيل؛ ما أسفر عن اتفاق لوقف إطلاق بوساطة أميركية في أكتوبر 2025، وإن استمرت الضربات والاشتباكات، ولم تُحسم القضايا الجوهرية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، ونزع سلاح «حماس»، وحسم مستقبل إدارة غزة.

برز اسم الحيّة كرجل مفاوضات يحمل رسائل الحركة إلى الوسطاء، ويناقش صيغاً عدّة للتهدئة، متمسكاً بمبادئ الحركة وأهدافها؛ وهو ما انعكس تماماً في خطابه الأول بعد توليه رئاسة «حماس»، حين وجَّه التحية للوسطاء، متعهداً مواصلة العمل على كل المسارات لتخفيف المعاناة عن سكان القطاع.

لسنوات تقلّب الحيّة بين مسؤوليات عدّة على مستوى قيادة الحركة في غزة. وكان من ضمن قيادات الحركة الذين طلب منهم السنوار مغادرة القطاع قبل هجوم 7 أكتوبر 2023؛ لمتابعة ملفات معينة. وبينما يشير مراقبون إلى أن من غادروا ما كانوا على علم بتفاصيل ما يخطط له السنوار، يقول البعض إنه كان أكثر اطلاعاً من غيره في هذا الصدد وإن لم تكن معلوماته دقيقة.

وبالفعل، سبق للحيّة أن قال في مقابلة نشرها «المركز الفلسطيني للإعلام»، إبّان الحرب إن هجوم 7 أكتوبر «كان من المفترض أن يكون عملية محدودة لأسر جنود إسرائيليين ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين». وطوال فترة الحرب، ظل داخلياً وخارجياً مدافعاً عن قرار هجوم السنوار وقادة «القسام». حتى إنه قال إن «الهجوم نجح في إعادة القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء على الساحة الدولية».

علاقات إقليمية متوازنة

كان الحيّة مسؤولاً عن ملف العلاقات العربية والإسلامية في الحركة، وهكذا استطاع الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف عربية وإسلامية عدّة، منها مصر وقطر وتركيا ودول عربية أخرى، بالتوازي مع علاقات وثيقة بإيران و«حزب الله» اللبناني.

أيضاً يُعرف عن الرجل أنه أحد الذين أيّدوا تحوّل السنوار بالدفع في اتجاه إعادة العلاقات مع إيران، وتوطيدها مع «حزب الله» اللبناني، حتى بات يملك علاقات جيدة مع الطرفين ويقود لقاءات «حماس»، إلى جانب صالح العاروري، مع قيادة «حزب الله» والمسؤولين الإيرانيين.

ولقد رافق الحيّة إسماعيل هنية في زيارته إلى طهران خلال يوليو (تموز) 2024، وهي الزيارة التي نُفّذ فيها اغتيال هنية. كذلك ظهر لاحقاً في لقاءات مع القيادة الإيرانية؛ ما عزّز صورته باعتباره أحد أبرز المدافعين عن استمرار التحالف مع طهران.

بجانب ما سبق، في عام 2022، ترأس الحيّة وفداً من «حماس» إلى دمشق لإعادة العلاقات مع الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد قطيعة استمرت نحو عقد بسبب تأييد الحركة للانتفاضة السورية. وكان إصلاح العلاقة مع دمشق جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء التحالف الإقليمي المرتبط بإيران، لكنها خطوة لم تكتمل. ولكن، رغم علاقته الوثيقة بطهران، حافظ الحيّة على علاقات قوية مع أطراف إقليمية أخرى، مظهراً قدرة واضحة على الانتقال بين دوائر إقليمية مختلفة الأولويات.

هذا الأمر، يؤشر إلى أن «حماس» تحت قيادته ستعمل على الموازنة بين الدوائر المختلفة والسير على النهج ذاته المرتبط بما يُعرَف بـ«محور المقاومة»، لا سيما مع وجود كثير من الشخصيات حول الحية محسوبة على السنوار، غالبيتهم من الأسرى الذين جرى تحريرهم في «صفقة جلعاد شاليط» عام 2011.

التعهد بإعادة الإعمار ... في خطابه الأول

في المقابل، خاطب الحيّة سكان غزة بلغة تتجاوز التعبئة السياسية إلى الاحتياجات اليومية، مؤكداً سعيه لـ«استعادة الحياة الإنسانية الكريمة»، وإفشال مخطّطات التهجير وتسريع إعادة الإعمار. وشدّد على أن إعمار غزة «حق أصيل» للفلسطينيين، وليس «هبة ولا منّة من أحد»، وبالتالي، لا ينبغي ربطه بمقايضات أو تنازلات سياسية. وهذا، طبعاً، ردٌ غير مباشر على المقترحات التي تربط تمويل إعادة الإعمار بنزع سلاح الحركة أو استبعادها الكامل من مستقبل القطاع.

مع هذا، يتولى الحيّة اليوم رئاسة حركة أُنهِكت عسكرياً وسياسياً، وفقدت كثيرين من قياداتها وبنيتها، وتواجه انتقادات داخلية بسبب حجم الخسائر التي نتجت من الحرب وحولت مساحات واسعة من غزة أنقاضاً. ويتزامن هذا مع مطالب دولية وإسرائيلية بنزع سلاح «حماس» وإبعادها عن الحكم؛ ما يضعه أمام معضلة لإثبات قدرة الحركة على تخفيف معاناة السكان، من دون القبول بالشروط التي تراها إنهاءً لدورها السياسي والعسكري.ما سبق يجعل انتخاب الحيّة أقرب إلى «إدارة مرحلة بقاء» منها إلى خلافة طبيعية في تنظيم مستقر. إذ إنه مُطالَب بإعادة بناء القيادة، والحفاظ على وحدة الحركة بين غزة والخارج، وضبط العلاقة مع الجناح العسكري، والتفاوض حول مستقبل القطاع، واحتواء الانتقادات الفلسطينية، والتعامل مع علاقات إقليمية شديدة التعقيد. وفي مواجهة هذه المهام، اختار الحيّة في أول ظهور له أن يربط مستقبله بماضي الحركة، طارحاً نفسه كرجل لا يعلن التراجع عن إرث 7 أكتوبر، لكنه يعرف أن مستقبل الحركة لن يتحدّد في الميدان وحده، وكمفاوض يسعى إلى وقف الحرب... من دون أن يقدم نفسه بوصفه قائد مرحلة نزع السلاح.


مقالات ذات صلة

إسرائيل: الانتخابات «الجبهة التاسعة» في حروب نتنياهو

حصاد الأسبوع توتر رغم اللقاءات المتعددة بين ترمب ونتنياهو(رويترز)

إسرائيل: الانتخابات «الجبهة التاسعة» في حروب نتنياهو

ذات يوم، كانت الانتخابات البرلمانية في إسرائيل مهرجاناً احتفالياً، يُعتبر «عرساً ديمقراطياً». فيوم الاقتراع عطلة مدفوعة الأجر. ومَن يضطر لعمل يحصل على زيادة.

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع موسى ابو مرزوق (المركز الفلسطيني للإعلام)

قيادات «حماس»... بين الاعتقال والاغتيال والنفي

منذ تأسيس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عام 1987، ارتبط معظم التحولات في قيادة الحركة بالاغتيالات والاعتقالات والحروب. ومع انتخاب خليل الحيّة رئيساً للمكتب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع دارلين غراهام نوردون... مرشحة لخلافة أخيها السيناتور الراحل ليندسي غراهام في ساوث كارولاينا (أ.ب)

تمهيديات أميركا 2026... اختبار لترمب و«اللوبيات» أمام الناخب المستقل

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي -أي منتصف الفترة الرئاسية- يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تحوّلت الانتخابات التمهيدية الأميركية إلى ساحة لإعادة تعريف

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز... المحور الحالي للحرب مع إيران (غيتي)

نفوذ «آيباك» و«حرب إيران»... ضمن حسابات المواجهة

تحتل ولاية ميشيغان مركز المواجهة حول «آيباك»، في حين أصبحت الحرب مع إيران عاملاً انتخابياً مباشراً وليس ملفاً خارجياً بعيداً.

أوروبا أندي بيرنهام عقب تسلّمه زعامة حزب العمال في لندن، أمس (إ.ب.أ)

أندي بيرنهام يتعهد رسم «مسار جديد» لبريطانيا

تعهّد أندي بيرنهام رسم «مسار جديد» لبريطانيا، لدى تثبيته زعيماً لحزب «العمال» الحاكم، ورئيساً قادماً للحكومة، خلال مؤتمر استثنائي عقده الحزب في لندن، أمس.

«الشرق الأوسط» (لندن)