حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة» والشعور بـ«اللايقين»، وذلك بعدما أدى الفراغ السياسي الناتج من «تسكين» ملفات النقاش العام، والكلام الوارد على ألسنة قيادات إعلامية بقرار «خفض سقف الحريات»، ووسط انطباع سائد بـ«تراجع الثقة بأداء مجلس النواب»، وانعزال الحكومة وغيابها عن شرح مواقفها وقراراتها. تتفاقم حالة الفراغ السياسي، حسب قادة رأي وسياسيين تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، بسبب «إحباط» تجربة الحياة الحزبية في البلاد بنسختها المُحدثة، ولا سيما بعدما غابت الأحزاب عن النقاش العام، واختفى أثر الكتل الحزبية الممثلة بالبرلمان، أمام طغيان صوت حزب الأمة (حزب جبهة العمل الإسلامي). وحقاً، لم تستفد آلات تصنيع الأحزاب الوسطية (الوطنية) من نوابها لجهة التأثير في المزاج العام من خلال حضور سياسي تشريعي رقابي مؤثر، وتحقيق الهدف المنشود في مواجهة الكتلة الأكثر معارضة والأكثر تماسكاً (كتلة الإسلاميين). وذلك على سبيل صناعة «تعددية تنافسية سياسية تُمثل التيارات الرئيسة الثلاثة».
معظم قرارات الحكومة الأردنية والتشريعات التي تدعمها، يعارضها نواب «الحركة الإسلامية». وفي حين يغيب فيه صوت المنافسين للكتلة الإسلامية، يقطف النواب «الإسلاميون» وحدهم ثمار الشعبية، والسبب تراجع الحكومة عن قرارات أصدرتها وتشريعات بعثت بها للسلطة التشريعية. ذلك أن تجميد النقاش على تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، وما حدث أخيراً في مشروع القانون المعدّل للملكية العقارية، وإصدار قرار يقضي بتعويض استملاكات سكة الحديد بموجب أحكام القانون النافذ، تطورات ضاعفت من حصة «الحركة الإسلامية» شعبياً في أي انتخابات عامة مقبلة.
حساسية إزاء الانتقاد
يقول البعض إن لدى الحكومة «حساسية عالية من الانتقاد»، لكنها في الوقت نفسه لا تملك أدوات مخاطبة الرأي العام. وإذا ما اعتبرنا أن الغالبية النيابية في خدمة الحكومة و«صديقة لها»، فهذا يخفف من الضغط على وزراء الحكومة.
مع هذا، تعاني الحكومة أزمة خطاب غير مفهوم في التعريف عن هويتها؛ ما تسبب في حالة ارتباك محلي. ويلاحظ في هذا المقام الغياب المستمر لدور وزير الإعلام، محمد المومني، لصالح ترك إدارة الملف للنائب الثالث لرئيس الوزراء مهند شحادة، راسماً سياسات إعلامية لأصحاب الاختصاص في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي (قطاع خاص)، وسط أزمة خطاب إعلامي، حسب ثلاثة وزراء إعلام سابقين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».
حسب هؤلاء، لدى الحكومة حساسية عالية ومخاوف لجهة صراعات مراكز القوى، ومدى تأثير تلك الصراعات على مصيرها في المستقبل المنظور. ومع أن العاهل الأردني «جذر» حقاً فكرة استقرار السلطتين التنفيذية والتشريعية ضمن المدد الدستورية، فإن للملك صلاحيات دستورية من شأنها تغيير الحكومة وحلّ مجلس النواب مبكراً، والذهاب لتنشيط الحياة السياسية في البلاد... بعد الفراغ الحاصل بسبب أزمة غياب النقاش العام.
وفي سياق دلالات، قد تؤيد تراجع فرص استقرار السلطتين التنفيذية والتشريعية في استكمال ما تبقى من عمرهما، فإن النواب والمحسوبين على الخط الرسمي ثاروا بـ«عفوية» خلال الأسبوع الماضي، وانقلبوا على تحالفاتهم مع الحكومة، بعد ما اعتبروه «تهميشاً» لدورهم، واستفراداً من الحكومة بإصدار قرارات «شعبية» على حساب ما أقرّوه في مجلس النواب. ومن هذه القرارات ما يخص قانون الملكية العقارية حالياً، على سبيل المثال، ومشروع قانون الضمان الاجتماعي الذي أوقفت الحكومة مناقشته في لجان مجلس النواب، لتحظى وحدها بالشعبية على حساب النواب الذين طالبوا بدراسته تمهيداً لإقراره.
وفي التفاصيل، فإن مصادر مطلعة أبلغت «الشرق الأوسط» بأن «جملة من الملاحظات سجلها معنيون لتقييم المرحلة، ومدى قدرة السلطات على العمل بتوازن في ملفي الإدارة اليومية الداخلية، وقراءة التطوّرات الخارجية والتعامل معها وقائياً. وكان بينها بالتحديد، ملفات تأمين الاحتياطات من مخزونات الطاقة والغذاء»، من دون أن يُطلب من «الحكومة أي جهد في إدارة علاقات الأردن الدبلوماسية والخطوات المدروسة في التعامل مع السياسة الخارجية، والتي يديرها العاهل الأردني بنفسه، ويساعده في ذلك ذراعه الموثوق وزير الخارجية أيمن الصفدي».
من جانبه، فإن رئيس الوزراء جعفر حسان قلق من أي صراع بين مراكز القرار يُعطل برنامجه التنفيذي المستند لخطط الرؤية الاقتصادية والتطوير الإداري، في وقت يبدو أن مسار التحديث السياسي ومتطلبات تعديلات قوانين الانتخاب والأحزاب ليست على جدول أولويات الحكومة على الأقل خلال ما تبقى من شهور العام الحالي.
تفاصيل من أسبوع ساخن
من جهة ثانية، صعّد مجلس النواب الأردني، خلال جلسة الثلاثاء الماضي، من خطابه الغاضب تجاه حكومة الرئيس جعفر حسان، في مشهد تزامن مع إجراء التعديل الثالث على الحكومة، الذي خلا من دخول وزراء جدد واقتصر عملياً على إعادة ترتيب المواقع والصلاحيات داخل الفريق الوزاري، وهذا، في حين بدت العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية أمام اختبار جديد على خلفية ملف استملاك الأراضي لمشروع سكة الحديد.
لقد جاء التصعيد النيابي على خلفية الجدل المتعلق بمشروع قانون الملكية العقارية، بعدما ناقش النواب نصوصاً مرتبطة باعتبار سكة الحديد ضمن تعريف الطريق، وما يترتّب على ذلك في ملف تعويض المواطنين عن الأراضي المُستملكة، لكن بعضهم يسعى للثأر من فقدان شعبية نواب السلطة على حساب زيادة شعبية وزراء الحكومة ورئيسها.
وفي التفاصيل، أقرّ مجلس النواب القانون والتعديلات المتعلقة بالاستملاك، في حين رفض نواب حزب الأمة - «جبهة العمل الإسلامي» -، إلى جانب عدد محدود من النواب، التعديلات التي تمنع تعويض المواطنين عن جزء من الأراضي المستملكة، وتمسكوا بمبدأ التعويض الكامل لأصحاب الأراضي.
وهكذا، وجد النواب الذين أيّدوا التعديلات أنفسهم في مواجهة انتقادات واسعة في الشارع وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، في حين تمسّك المعارضون للنص بموقفهم الرافض لتحميل أصحاب الأراضي تكلفة الاستملاك من دون تعويض كامل.
الحكومة تقلب المعادلة
غير أن المفارقة السياسية جاءت بعد أقل من 24 ساعة، حين اتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على تنسيب لجنة التحديث الاقتصادي والتنمية بشأن آلية التعويض الكامل والمبادلة للأراضي المستملكة لغايات إقامة مشروع سكة حديد العقبة وتوسعة البوتاس.
وحسب القرار، لن يُخصم الربع القانوني من الأراضي التي ستُستملك لصالح مشروع سكة حديد العقبة، حتى في حال امتداد إجراءات الاستملاك فترة زمنية طويلة.
ولقد قرّرت الحكومة أن يكون التعويض الكامل عن الاستملاكات الخاصة بمشروع سكة حديد العقبة وتوسعة البوتاس، إما من خلال دفع التعويض العادل عن كامل المساحة المستملكة وما عليها، أو من خلال مبادلتها بأراضٍ أخرى مماثلة.
وكذلك، تقرر تخصيص ستة آلاف دونم من أراضي سلطة وادي الأردن في المنطقة ذاتها واستصلاحها لغايات المبادلة، وفي حال عدم رغبة أصحاب الأراضي بهذا الخيار، تُستكمل إجراءات التعويض الكامل وفق أحكام قانون الملكية العقارية رقم 13 لسنة 2019 النافذ، من دون تطبيق التعديلات الجديدة المنظورة أمام البرلمان.
ووفق القرار، تلتزم شركة البوتاس العربية بالمساهمة بنسبة 50 في المائة من قيمة التعويض المستحق لمسار سكة الحديد المعتمد، بعد تقدير القيم المالية للأراضي وفق التشريعات ذات الصلة.
القرار الحكومي هذا أحدث مفارقة داخل مجلس النواب؛ إذ وجد النواب الذين أيدوا التعديلات ودافعوا عنها أمام الشارع أنفسهم أمام تحوّل حكومي سريع، في حين منح القرار عملياً رصيداً سياسياً للنواب الذين عارضوا التعديلات وتمسكوا منذ البداية بالتعويض الكامل للمواطنين.
وحسب مصادر نيابية، زاد ذلك من حفيظة نواب موالين للحكومة، رأوا أن الحكومة تركتهم يتحمّلون كلفة الدفاع عن التعديلات في مواجهة الرأي العام، ثم اتخذت بعد أقل من يوم قراراً أقرب إلى موقف النواب المعارضين لها.
غضب عند النواب وارتباك بالحكومة... والفراغ السياسي يعيد طرح الأسئلة في مرحلة ترقب

غضب تحت القبة
أكثر من هذا، كادت جلسة الثلاثاء الماضي أن تفقد نصابها بعدما غادر عدد من النواب القبة احتجاجاً على غياب رئيس الوزراء وحضور خمسة وزراء فقط على مقاعد الحكومة.
وعلى الرغم من محاولات احتواء غضب النواب، خرجت الجلسة عن إيقاعها المعتاد، بفعل ما اعتبره نواب «محاولة حكومية لاستعادة الشعبية» في ملف الاستملاك، بعدما تحمّل مجلس النواب جانباً كبيراً من الانتقادات.
ونقلت مصادر نيابية لـ«الشرق الأوسط»، أن حالة الغضب امتدت إلى نواب محسوبين على الخط الرسمي، في حين طالب النائب فراس القبلان بطرح الثقة بالحكومة. ورفض مجلس النواب شطب ما جاء على لسان النائب عبد الرحمن العوايشة، عندما وصف الحكومة بأنها «واقعة من طيارة»؛ وهو ما فتح باب التكهنات بشأن احتمالات توتر العلاقة بين السلطتين.
مزاج نيابي مضطرب
الواقع، أنه يصعب في هذه المرحلة الحكم على اتجاه المزاج النيابي حيال الحكومة، خصوصاً بعدما وجد النواب أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الرأي العام على خلفية مشروع قانون الملكية العقارية.
ويعزو نواب جانباً من غضبهم إلى ما يعتبرونه تقصيراً حكومياً في شرح أهداف الاستملاكات للرأي العام والدفاع عن النصوص المرتبطة بها؛ ما ترك المجلس منفرداً أمام موجة انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي.
لكن قرار التعويض الكامل أضاف بعداً سياسياً جديداً للأزمة؛ إذ لم يعد الخلاف مقتصراً على مضمون مادة تشريعية، بل امتد إلى طريقة إدارة الحكومة لعلاقتها مع النواب الذين وفّروا التأييد للتعديلات تحت القبّة، قبل أن تنقلب السلطة التنفيذية بقرار خالف عملياً الأثر الذي أثار الجدل الشعبي حول النص.
وفي هذه الأثناء، تبقى اتفاقية سكة الحديد الأردنية - الإماراتية موضع تساؤلات، في ظل شكاوى خبراء ونواب ومهتمين من عجزهم عن الوصول إليها ومعرفة بنودها. ووفق المعلومات المتداولة، بقيت الاتفاقية محصورة في نطاق محدود من المعنيين، بصورة أعادت إلى الأذهان الجدل الذي رافق اتفاقية الغاز عام 2018.
تعديل وزاري لم ينتبه إليه أحد
في أي حال، وسط الضجيج النيابي، سجَّل رئيس الوزراء جعفر حسان سابقة على نظرائه من نادي رؤساء الحكومات في الإعلان المبكر عن نيته إجراء تعديل وزاري، محدداً أهداف التعديل واتجاهاته.
ولاحظ مراقبون أن إعلان الرئيس المبكر عن نيته إجراء التعديل، عبر بيان مقتضب صادر عن مكتبه، لم يُشر إلى «استئذان» العاهل الأردني، الذي يرأس السلطة التنفيذية من خلال وزرائه... لكنه عرّف حدود التعديل وسقفه، في سابقة تُسجل لحكومة حسان.
لقد جاء التعديل الثالث مختلفاً عن الصورة التقليدية للتعديلات الوزارية؛ إذ لم يدخل الحكومة أي وزير جديد، واقتصر على إعادة توزيع المواقع وتعديل مسميات وزارية وتوسيع دائرة نواب رئيس الوزراء.
وأدى، الثلاثاء الماضي، نائبا رئيس الوزراء وليد المصري ومهند شحادة اليمين الدستورية أمام الملك، ليصبح لحسان ثلاثة نواب بدلاً من نائب واحد.
وبقي وزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي نائباً أول لرئيس الوزراء، في حين أصبح وزير الإدارة المحلية وليد المصري نائباً لرئيس الوزراء إلى جانب حقيبته، وتولى وزير الدولة للشؤون الاقتصادية مهند شحادة موقع النائب الثالث لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إلى جانب مهامه الوزارية.
وأدى عزمي محافظة اليمين بعد تغيير مسمى حقيبته، إثر دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي تحت مسمى وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.
وسبق التعديل بأيام قبول استقالة وزير العمل خالد البكّار، الذي خرج من الحكومة بعد تطورات مرتبطة باتهامه بـ«تضارب المصالح» ومخالفته «مدونة السلوك»، في حين تولى وزير النقل نضال القطامين حقيبة العمل إلى جانب وزارة النقل.
إعادة توزيع مراكز القوة داخل الحكومة
< وفق البيان الرسمي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، يتزامن منح وزير الإدارة المحلية وليد المصري موقع نائب رئيس الوزراء مع بدء مجلس النواب مناقشة تعديلات قانون الإدارة المحلية؛ تمهيداً لإجراء الانتخابات البلدية في ربيع العام المقبل. أما تعيين مهند شحادة نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، فيأتي بالتوازي مع قيادته الفريق الاقتصادي واستكمال مسار رؤية التحديث الاقتصادي التي التزمت به الحكومة. ولقد أخذ شحادة على عاتقه، حسب ما نقله عدد من القيادات الإعلامية المشاركة في اجتماعات ترأسها، إدارة لقاءات يومية مع مديري الإعلام الرسمي وشبه الرسمي؛ بهدف وضع خطط للتعريف بالإنجازات الحكومية. مراقبون يرون أن الرئيس حسان يتعامل مع التعديل باعتباره أداة لإعادة تنظيم العمل وتسريع الإنجاز، من دون إحداث تغيير واسع في الفريق الوزاري قد يؤثر في استمرارية تنفيذ السياسات والبرامج الحكومية. على أن يظل الوزير المُقصر تحت طائلة التعديل حتى لو بشكل فردي، كما يقول مراقبون. وكان لافتاً تجاوز التعديل وزراء أثاروا جدلاً محلياً على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات لم تُدعّم بوثائق أو بيانات يمكن التحقق منها، في حين لم تقدّم الحكومة في المقابل دفاعاً تفصيلياً إزاء جملة من الانتقادات التي طالت وزراء في حقائب خدمية.وبين تعديل وزاري بلا وجوه جديدة يعيد توزيع مراكز القوة داخل الحكومة، وقرار حكومي في ملف الاستملاك أغضب نواباً كانوا أقرب إلى مواقفها ومنح معارضي التعديلات رصيداً أمام الشارع، تدخل حكومة حسان مرحلة جديدة تبدو فيها إدارة علاقتها بمجلس النواب اختباراً لا يقل أهمية عن إعادة ترتيب فريقها التنفيذي.

