تجارة الأزهار في هولندا: قصة ازدهار وانهيار أبطالها «فيروسات»

توزع مجاناً على المستشفيات بعد وقف التصدير... ومصير الإفلاس يهدد زارعيها

جانب من معرض للزهور بعنوان «الأمل يزدهر» في منطقة ديكواكيل بهولندا في 26 مارس 2020 حيث يشدد المزارعون على وجود أمل على رغم أزمة {كورونا} (إ.ب.أ)
جانب من معرض للزهور بعنوان «الأمل يزدهر» في منطقة ديكواكيل بهولندا في 26 مارس 2020 حيث يشدد المزارعون على وجود أمل على رغم أزمة {كورونا} (إ.ب.أ)
TT

تجارة الأزهار في هولندا: قصة ازدهار وانهيار أبطالها «فيروسات»

جانب من معرض للزهور بعنوان «الأمل يزدهر» في منطقة ديكواكيل بهولندا في 26 مارس 2020 حيث يشدد المزارعون على وجود أمل على رغم أزمة {كورونا} (إ.ب.أ)
جانب من معرض للزهور بعنوان «الأمل يزدهر» في منطقة ديكواكيل بهولندا في 26 مارس 2020 حيث يشدد المزارعون على وجود أمل على رغم أزمة {كورونا} (إ.ب.أ)

سنة 1554، أرسل سفير النمسا في القسطنطينية أوجيه غيسلين مجموعة من بصيلات التوليب التركية إلى صديقه عالم النباتات الفلمنكي شارل دوليكلوز، الذي قام بإكثارها لتتأقلم مع الأجواء الباردة في «البلدان المنخفضة». وبفضل تجاربه وأبحاثه، تطورت زراعة التوليب في هولندا لتصبح مع الوقت أضخم منتج في العالم للأزهار البصلية. وكان دوليكلوز ولد في أنتويرب ببلجيكا، وعمل لسنوات في فيينا، قبل أن يصبح أستاذاً في جامعة لايدن الهولندية، حيث طوَّر معظم أبحاثه النباتية.
وفي حين تواجه هولندا حالياً تفشي وباء «كورونا المستجد» بتطبيق سياسات التباعد الاجتماعي، استمر مزارعو الأزهار والنباتات في الإنتاج، ولم توضع قيود على أوقات عمل متاجر بيع الزهور والنباتات ولوازم الحدائق، مع تطبيق تدابير حازمة بشأن المسافة بين الزبائن وتعقيم عربات التسوق بعد كل استعمال. ولم يكن الهدف من هذا محصوراً في تشجيع الإنتاج والحركة الاقتصادية، بل أيضاً الإبقاء على منفذ للناس للتمتع بالأزهار والعمل في حدائق منازلهم؛ تخفيفاً من وطأة الحجر المنزلي معظم الوقت.
غير أن إغلاق الأسواق الخارجية وإلغاء رحلات الطيران وإقفال محال بيع الزهور في معظم الدول أصاب صناعة الزهور الهولندية بضربة قاتلة، حيث انخفض التصدير إلى الصفر تقريباً. فحصة السوق المحلية ضئيلة مقارنة بالكمية المنتجة؛ إذ تُصدِّر هولندا معظم إنتاجها إلى الخارج، وهي تسيطر على أكثر من نصف سوق الأزهار و80 في المائة من سوق الأبصال في العالم. ولأنه من غير الممكن تأجيل نمو الأزهار أو تخزينها، يعمد المنتجون منذ أسابيع إلى إتلاف ملايين الشتول الموسمية والأزهار يومياً، وذلك بعد توزيع كميات كبيرة منها مجاناً على المستشفيات وبيوت العناية بكبار السن وأعضاء المهن الطبية والرعاية الصحية؛ تقديراً لجهودهم في معالجة مرضى الوباء. كما تزدهر في هذه الفترة خدمة توصيل الأزهار إلى المنازل، كهدايا يستعيض بها الأقارب والأصدقاء عن الزيارات.
لكنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها قطاع صناعة الأزهار في هولندا تحديات مصيرية ويتكبّد خسائر جسيمة. فمغامرة البلاد مع التوليب ونباتات الزينة تأثرت أكثر من مرة، سلباً أو إيجاباً، بالكائنات الدقيقة، مثل «الفيروس الكاسر للتوليب» و«بكتيريا اليرسينيا» الطاعونية.

- الطاعون يضرب في القرن السابع عشر
كانت أزهار التوليب مختلفة عن أي زهرة أخرى معروفة في أوروبا في بداية القرن السابع عشر، ولم يكن هناك ما يماثلها في جمال أوراقها المشبعة بالألوان. وتميّز ظهور التوليب كرمز للنبالة والمكانة العالية في ذلك الوقت، مع حصول هولندا على استقلالها النسبي عن إسبانيا؛ مما سمح بزيادة ثرواتها وبدء عصرها الذهبي بفضل التجارة مع جزر الهند الشرقية، حيث يمكن لرحلة واحدة أن تحقق أرباحاً تصل إلى 400 في المائة.
كان التوليب منتجاً فاخراً مرغوباً في هولندا، فجرى تصنيفه إلى أنواع كثيرة حسب لون أزهاره، وكانت تطلق عليه المسمّيات التي تبدأ مثلاً بلقب «الأميرال» أو «جنرال الجنرالات»، وتنتهي باسم المُزارع الذي يقوم بإكثاره. وعُرف أندر الأصناف باسم «توليب بيزاردن»، وهو ذو بتلات حمراء أو بنية أو أرجوانية موشّاة بخطوط صفراء أو بيضاء. ألوانه الشبيهة باللهب جعلت هذا التوليب مطلوباً للغاية، ومن المعروف الآن أن تصبّغه نتج من إصابة بصيلات التوليب بأحد أنواع فيروسات التبرقش النباتي، الذي يعرف باسم «الفيروس الكاسر للتوليب»، وهو من أنواع الفيروسات غير المؤذية.
ينمو التوليب من البصيلات بعد زراعتها في التربة مباشرة، كما يمكن إكثاره بالبراعم والبذور، إلا أن ذلك يستغرق 10 سنوات للحصول على بصيلة مزهرة. عندما تنبت البصيلة ساقاً وأزهاراً، تختفي وتتشكل مكانها بصيلة مطابقة لها، كما تنتج الكثير من البراعم. وتستغرق زراعة أصناف أكثر جاذبية من «توليب بيزاردن» سنوات طويلة، لأن فيروس التبرقش لا ينتقل لبصيلة جديدة أخرى إلا من خلال البراعم، وهذا يعلل ندرتها وارتفاع ثمنها.
تتفتح أزهار التوليب في نصف الكرة الشمالي خلال شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) لمدة أسبوع تقريباً. وخلال مرحلة الخمول بين يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول) يمكن اقتلاع البصيلات ونقلها؛ مما يسمح بعمليات الشراء الفعلية في السوق الفورية. وفي الفترة المتبقية من العام، يوقّع تجّار التوليب عقوداً آجلة أمام كاتب العدل لشراء الزهور في نهاية الموسم. هذه الترتيبات التي اتبعها الهولنديون سمحت بإنشاء سوق لبصيلات التوليب تستفيد من أساليب التمويل المتنوعة التي عرفتها البلاد.
مع نمو شعبية الأزهار، دفع المزارعون المحترفون أسعاراً متزايدة للبصيلات التي تحمل الفيروس المعدِّل للألوان، وارتفعت الأسعار بشكل مطرد بحلول سنة 1634، خاصة مع طلب الفرنسيين للأزهار ودخول مضاربين إلى السوق. وفي سنة 1636 أصبحت بصيلات التوليب رابع منتج رئيسي تصدّره هولندا، بعد المشروبات الكحولية وأسماك الرنجة والأجبان. وبلغ الهوس بالتوليب ذروته خلال شتاء 1636 - 1637 عندما كانت الأيدي تتداول عقود بعض البصيلات عشرات المرات في اليوم الواحد.
في فبراير (شباط) 1637، انهارت أسعار عقود بصيلات التوليب بشكل مفاجئ وتوقفت تجارة الزهور. وبدأ الانهيار في مدينة هارلم، عندما امتنع المشترون عن حضور مزاد اعتيادي لبصيلات التوليب. لكن غياب المشترين لم يكن ناتجاً من فقدان الاهتمام بالتوليب، بل بسبب مخاوف من انتشار الطاعون النزفي، المعروف أيضاً باسم طاعون الغدد اللمفاوية، وهو مرض حيواني المنشأ ينتشر أساساً بين القوارض الصغيرة والبراغيث التي تحملها، وينتقل إلى الإنسان. وهو الأكثر فتكاً بالبشر بين ثلاثة أنواع من الالتهابات الطاعونية التي تسببها بكتيريا «اليرسينيا»، حيث يؤدي بغياب العلاج إلى موت ثلثي المرضى خلال أربعة أيام من الإصابة به.
وعبر تاريخه الطويل، حصد وباء الطاعون أرواح عشرات الملايين من البشر، ولا سيما خلال منتصف القرن الرابع عشر، عندما تسبب في موت ما بين 25 و75 مليون إنسان في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، حيث أُطلق عليه اسم «الموت الأسود». وفي هولندا، أدّت جائحات الطاعون خلال القرن السابع عشر إلى وفاة أكثر من 10 في المائة من سكان أمستردام.
غياب المشترين عن مزاد التوليب في مدينة هارلم خوفاً من الطاعون، الذي انتشر لاحقاً في المدينة، كان عاملاً مؤثراً في تفجير فقاعة الهوس بالتوليب. وعلى الرغم من أن الأثر اقتصر على عددٍ محدودٍ من المضاربين الأثرياء، ولم يؤثر على مجمل الاقتصاد الهولندي في تلك الفترة، فإن صدمة التوليب غيّرت مفهوم «القيمة» لدى الناس. وكان من غير المتصور أن شيئاً بسيطاً مثل الزهرة يمكن أن يحقق عائداً يفوق كد إنسان في العمل على مدار عام كامل.
وفي حين تبدو المرويات التاريخية عن الهوس بالتوليب أقرب للدرس الأخلاقي من التأريخ الفعلي للحقائق، فإن التغيُّرات الاجتماعية والثقافية الناتجة من تحولات توزيع الثروة كانت حقيقية، ولا تختلف كثيراً عن المخاوف المعاصرة التي تستوجب على الدوام تذكير المستثمرين بالابتعاد عن المضاربات غير العقلانية.

- «كورونا» يهدد مزارعي الأزهار بالإفلاس
صحيح أن هولندا تصدِّر مئات الأنواع من الأزهار، لكن التوليب يبقى أشهرها. ومنذ بدء دخوله البلد قبل نحو 500 عام، تحوّل التوليب من زهرة للنخبة فقط إلى زهرة في متناول عامة الناس. كما أدى ظهور أصناف هجينة، نتيجة لتطوير التجارب على التوليب، إلى اختفاء الكثير من الأصناف القديمة، وأصبحت الزهرة الممتلئة والمتشبعة بالألوان مقصد كل المزارعين.
وفي العقد الثاني من القرن العشرين، اتفق مجموعة من المزارعين في مدينة ألزمير الهولندية على تنظيم سوق مزاد دائم لتجارة الأزهار وتصديرها. ومع الوقت تحولت البلدة الصغيرة القريبة من أمستردام، التي يقارب عدد سكانها حالياً 30 ألف نسمة، إلى عاصمة الأزهار العالمية. وهي توفّر فرص عمل لأكثر من 2600 شخص، وتستحوذ على معظم سوق تصدير الأزهار من هولندا، الذي تتجاوز مبيعاته 7 مليارات دولار سنوياً.
وفي حين كانت ألزمير تتوقع هذه السنة تسويق 12 مليار زهرة ونبتة زينة، عدا عن الأبصال، انتشر وباء «كورونا» ليتسبب في تجميد تجارة الأزهار في عز موسمها، ليس فقط في مزادات هولندا، بل في جميع أنحاء العالم. ببساطة، لا يمكن الطلب من الأزهار أن تتوقف عن النمو حتى تزول غمامة الوباء، كما لا يمكن تخزينها إلى أمد غير معروف. لذا؛ كان خيار المزارعين إتلافها أو تركها تذوي في الحقول والبيوت البلاستيكية، التي تنتجها على مدار السنة وليس في الربيع فقط.
هولندا، التي يمثل قطاع الأزهار 5 في المائة من ناتجها المحلي، قد تصاب بخسارة قاسية تصل إلى 80 في المائة من إجمالي إنتاجها هذه السنة. لكن الضرر الذي سيطال مزارعي الأزهار في البلدان النامية مثل كينيا، وإثيوبيا، وكوستاريكا، والهند ربما يكون أشد وطأة. وتبيع هذه الدول معظم صادراتها من الأزهار الموجهة إلى أوروبا عبر سوق المزاد في ألزمير.
وتبلغ قيمة صادرات الأزهار من كينيا أكثر من مليار دولار؛ مما يجعلها ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية. ويشغّل هذا القطاع نحو 200 ألف شخص بمن فيهم العمال الموسميون، ويعتمد على تصدير 70 في المائة من إنتاجه إلى أوروبا، حيث يباع بمعظمه عبر مزادات هولندا. ومع توقف الطلب على الأزهار تحت ضغط سياسات التباعد الاجتماعي وتقييد الرحلات الجوية وحركة البضائع عبر الحدود، لم يكن لدى مزارعي كينيا من خيار سوى مشاهدة أزهارهم تذبل على أغصانها.
وتتواصل جمعيات مزارع الأزهار في هولندا مع الحكومة أملاً في الحصول على تعويضات لهذا القطاع، الذي يمثّل مصدر معيشة لنحو 150 ألف شخص في البلاد. ولم تقتصر الأضرار على تجارة الأزهار، بل طالت أيضاً سياحة الأزهار، إذ أُغلقت حدائق كوكينهوف، وهي معرض الزهور السنوي الأشهر في العالم، التي كانت تتحضر لاستقبال أكثر من 1.5 مليون زائر لمشاهدة تفتُّح 7 ملايين زهرة خلال الربيع، واقتصرت إمكانية المشاهدة على «زيارات افتراضية» عبر الإنترنت. كما ألغي موكب أزهار الخزامى والنرجس والتوليب، الذي يجتذب مليون شخص من جميع أنحاء العالم.
عبر رحلة مستمرة منذ 500 عام، تمكنت هولندا من جعل الأزهار صناعة ضخمة تقود بها تجارة نباتات الزينة في العالم. وكأي صناعة، تأثرت الأزهار بفترات الركود الاقتصادي وازدهرت عندما توفرت الأموال في أيدي الناس. لكن اللاعب الرئيسي في صعودها وتراجعها كان في أغلب الأحيان كائنا غير مرئي، يهدد حياة الملايين أو يجلب الثروة لهم.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.