رئيس مؤسّسة الحفاظ على الشُّعب المرجانية: تمتدّ لـ2600 كيلومتر في السواحل السعودية

الأصفهاني قال لـ«الشرق الأوسط» إنّ البحر الأحمر يحتضن 15 % من أنواع الأسماك

تتميّز السواحل السعودية على البحر الأحمر بجمال الشُّعب المرجانية (صور المؤسّسة)
تتميّز السواحل السعودية على البحر الأحمر بجمال الشُّعب المرجانية (صور المؤسّسة)
TT

رئيس مؤسّسة الحفاظ على الشُّعب المرجانية: تمتدّ لـ2600 كيلومتر في السواحل السعودية

تتميّز السواحل السعودية على البحر الأحمر بجمال الشُّعب المرجانية (صور المؤسّسة)
تتميّز السواحل السعودية على البحر الأحمر بجمال الشُّعب المرجانية (صور المؤسّسة)

تبنَّت السعودية قضية الحفاظ على البيئة، منها البحرية، فأطلقت أول مؤسّسة على مستوى العالم تُعنى بالمحافظة على الشُّعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر، لامتداد هذه الشُّعب على 2600 كيلومتر من أقصى شمال المملكة إلى أدنى جنوبها.

ومن الخطوات التي سارعت المؤسّسة في تنفيذها، إطلاق «المؤتمر الدولي الأول لحماية السلاحف البحرية في البحر الأحمر»، الذي تحتضنه مدينة جدة، الأحد، بحضور نخبة من الخبراء والمهتمّين في البيئة البحرية لمناقشة موضوعات بيئية، في مقدّمتها واقع السلاحف في البحر المذكور.

في هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لـ«المؤسّسة العامة للحفاظ على الشُّعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر» (شمس)، الدكتور خالد الأصفهاني، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إنّ المؤسسة تأسّست بقرار من مجلس الوزراء في نهاية عام 2022، بهدف الإشراف على الشُّعب المرجانية والسلاحف وأماكنها في البحر الأحمر، وإدارتها وإنمائها واستدامتها، والعمل على إعادة تأهيل تلك المتدهورة.

وأضاف أنّ عمل السعودية تُوِّج باختيارها لرئاسة «المبادرة العالمية للشُّعب المرجانية» للأعوام الـ3 المقبلة، وذلك خلال الاجتماع العام الـ38 لها، وهذا دليل على ثقة المجتمع الدولي بالمملكة في هذا المجال.

شواطئ البحر الأحمر من أهم الوجهات السياحية (واس)

وتحدّث الأصفهاني عن استراتيجية استدامة البحر الأحمر التي ركّزت على 15 نشاطاً اقتصادياً أزرق، منها: السياحة الساحلية، والأنشطة البحرية، واستخراج النفط، والتعدين، واستخراج الغاز، وتحلية المياه... ومن الأهداف، تلك الاستراتيجية ضمن 3 محاور تتمثّل في «الاستراتيجية الوطنية للبيئة»، و«الوطنية لاستدامة البحر الأحمر»، و«استراتيجية الزراعة»، والأخيرة تنبثق منها الأسماك والمصائد والاستزراع المائي.

وتابع أنّ البحر الأحمر وحده يحتضن نحو 15 في المائة من أنواع الأسماك الموجودة حصرياً فيه؛ وهذه النسبة من إجمالي 1200 نوع، مضيفاً أنه يوجد أيضاً 300 نوع من الأسماك المرجانية فيه؛ ترتبط ببيئة الشُّعب المرجانية وتعيش فيها؛ «لذلك ينبغي تحقيق التوازن البيئي للحفاظ عليها».

وعن التنمية الاقتصادية التي يشملها الصيد، قال إنّ أسراً تعيش على هذا الدخل، والسعودية تُصدّر بعض هذه الأسماك، مؤكداً أنّ «العمل يتواصل لتحقيق الاستدامة البيئية لضمان الثروة الوطنية للأصول الطبيعية التي تنتقل من جيل إلى آخر كما انتقلت إلينا عبر الأزمنة».

من أحد الاجتماعات مع خبراء دوليين (صور المؤسّسة)

وأيضاً، أكّد الأصفهاني أنّ الهدف من مؤتمر السلاحف البحرية استقطاب المهتمّين المحلّيين والإقليميين والدوليين، فيتناول تحديد نقاط القوّة والتهديدات والتحدّيات، مقدّماً أبرز الخبراء والباحثين في مجال حماية البيئة البحرية، ومستكشفاً أساليب مبتكرة لمعالجة التحدّيات المرتبطة بحماية هذه السلاحف.

وإذ وصف المؤتمر بالحدث الأبرز، لكونه سيشهد إطلاق برنامج المؤسّسة الشامل لحماية السلاحف البحرية على امتداد الساحل السعودي، وتكوين شبكة تعاون فعّالة بين الجهات المعنيّة، أكّد: «المؤسّسة هدية السعودية إلى العالم؛ لِما لديها من خبراء أكفّاء».

المخاطر التي تواجه الشُّعب

يمثّل التغيُّر المناخي التحدّي الأكبر للشُّعب المرجانية على مستوى العالم، خصوصاً مع ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض. ووفق الأصفهاني، فإن «هذا الارتفاع غير المسبوق يُفقد الشُّعب القدرة على التكيُّف، لتنتشر ظاهرة ابيضاض المرجان. وإن استمرّ الضغط الحراري في فترة الصيف فقد يتسبَّب بوفاة المرجان، علماً أنّ هذه الشُّعب هي بيئة بحرية تتدخّل الطحالب في تكوينها».

جمال البحر وتنوُّع الشُّعب المرجانية ملاذان للاستجمام (واس)

من خليج العقبة شمالاً، إلى حدود السعودية مع اليمن جنوباً، وعلى طول سواحل 2600 كيلومتر، تتراءى الشُّعب المرجانية على شكل شريط ممتد. وأوضح الأصفهاني أنّ شمال البحر الأحمر هو أفضل بيئة للشُّعب، يليها منتصفه، وبعد ذلك جنوبه، وفق درجات الحرارة.

وأضاف: «ثمة أنظمة بيئة في حاله صحّية جيّدة جداً، ونريد الحفاظ عليها. وهناك أخرى تدهورت. والمؤسّسة تعمل على مسارين متوازيين؛ الحفاظ على الشُّعب المتبقّية على حالها، وحصر البيئات المتدهورة لإعادة إحيائها»، مشيراً إلى أنّ «المسبِّبات الطبيعية مثل ارتفاع درجات الحرارة لا يمكن تغييرها، لكن نعمل على الظواهر المُصاحبة من خلال تغيُّر الأنشطة التي تتسبَّب في تدهور الشُّعب والقابلة للتعامل معها».

أكمل حديثه مع «الشرق الأوسط» بالتوقّف عند ممارسات الصيد الجائر، فقال: «ثمة رقابة كبيرة على البحر الأحمر بخلاف الجُزر، ومن المُحال مراقبة جميع هذه المساحة. وعند ضبط الممارسات المخالِفة يُطبَّق النظام»، مضيفاً أنّ المؤسّسة ترصد وتقوِّم، وتتابع عملية الضبط بالتعاون مع الجهات المعنية.

مخلّفات السفن

ورأى الأصفهاني أنّ «ثمة تأثيراً لأي نشاط في البحر، لكنّ حدّته ومداه يختلفان وفق التخطيط والتنظيم. وللسفن مساراتها المحدّدة من الجهات المعنيّة، والمؤسّسة توضح لهذه الجهات أنها ستُهدِّد الشُّعب المرجانية لو اقتربت من مساراتها، لذلك نقترح بقاءها على مسافة من هذه المسارات لضبط تدهور هذه البيئات».

وتابع: «الضوضاء الناتجة عن المحرّكات تؤثّر في الشُّعب المرجانية التي تحتضن كائنات؛ وهذه حلقة متكاملة تتطلّب جهود جميع الجهات والمستثمرين؛ للحفاظ على التوازن البيئي وتنمية الاقتصاد وضمان الاستدامة».

مما لا يمكن التهاون فيه، وفق الأصفهاني، استخدام مادة الديناميت، إذ أكّد أنها تُنهي حياة الشُّعب المرجانية بهدف الحصول على أسماك، فطرق الصيد هذه «مرفوضة، ومنها أيضاً الأقفاص الحديدية، والصيد بالرمح، مما يخلّ من توازن الصيد، بالإضافة إلى الصيد الصناعي الذي له تأثيره».

الدكتور خالد الأصفهاني أكّد أهمية الحفاظ على الشُّعب المرجانية (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنّ ثمة 7 أنواع من السلاحف البحرية عالمياً؛ 5 منها تستخدم البحر الأحمر ممراً وهجرةً، و2 منها يقيمان في السواحل السعودية؛ هما: «السلاحف الخضراء»، و«السلاحف منقارية الصقر»، فكشف الأصفهاني أنّ المؤسّسة نجحت حتى الآن في تأكيد 183 موقعاً لإقامة السلاحف على مستوى البحر الأحمر، موضحاً أنّ هذه السلاحف تعود بعد 40 عاماً إلى موقع ولادتها وتضع بيضها بعد النضوج، فإنْ تغيَّرت ملامح المنطقة بسبب المناخ أو التغيُّر العمراني، فلن تضع ذلك البيض، مما يؤثّر في تكاثرها.

وقال: «تُوازي التنمية الاقتصادية تلك البيئية بهدف ضمان الاستدامة للشُّعب المرجانية التي يمكن منها استخراج مستحضرات تجميل وأدوية، من بينها تلك المتعلّقة بعلاج السرطان بمعدّل 400 ضعف مقارنةً بالنباتات الأخرى، وهذا له أثر اقتصادي».

وختم: «نعمل من خلال كفاءات استقطبتها المؤسّسة، ونتطلّع في المستقبل إلى إسناد هذه المهمّات إلى جهات أخرى مدرَّبة ومؤهَّلة للقيام بهذا الدور، ونطمح أن تكون ثمة شركات خاصة وأخرى غير ربحية تتولّى إعادة التأهيل»، لافتاً إلى أنّ «العمل جارٍ على تدشين موقع إلكتروني يتيح لمرتادي البحر والغواصين تحديد إحداثيات المكان حيث الشُّعب المرجانية أو السلاحف ورفعها ليتعامل معها الفريق المتخصِّص؛ مما يعزّز أهمية المشاركة المجتمعية التي تُعدّ الخطّ الأول لتزويدنا بالبيانات».


مقالات ذات صلة

«قمة جدة» تبحث مساراً دبلوماسياً لإنهاء أزمة المنطقة

الخليج جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (المجلس)

«قمة جدة» تبحث مساراً دبلوماسياً لإنهاء أزمة المنطقة

بحثت القمة التشاورية الخليجية في جدة الأوضاع الإقليمية الراهنة، خاصة المتصلة بالتصعيد في المنطقة، وما تعرضت له دول مجلس التعاون والأردن من اعتداءات إيرانية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج أكد الشيخ تميم بن حمد أن القمة الخليجية التشاورية في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة (واس)

قمة جدة التشاورية... تنسيق خليجي لمواجهة التحديات الإقليمية

ناقش قادة الخليج خلال القمة عدداً من الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمستجدات الإقليمية والدولية وتنسيق الجهود تجاهها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج ملك البحرين في حديث مع ولي العهد السعودي عقب وصوله إلى جدة لحضور القمة الخليجية التشاورية (واس)

«قمة جدة»... حرص سعودي على التشاور وتعزيز التكامل الخليجي

أكد مراقبون لـ«الشرق الأوسط» أن استضافة المملكة القمة الخليجية التشاورية، الثلاثاء، تعكس حرص ولي العهد السعودي على التشاور والتنسيق مع قيادات دول مجلس التعاون.

غازي الحارثي (الرياض)
تحليل إخباري صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تحليل إخباري التكامل الخليجي البحري مطلوب لحماية مضيق هرمز ولمواجهة الابتزاز الاستراتيجي

تحول مضيق هرمز من ممر بحري حيوي إلى ورقة تفاوض استراتيجية، يتطلب رداً خليجياً عبر تكامل الصورة البحرية، ورفع جاهزية الموانئ.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي لدى استقباله ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح الذي وصل إلى جدة للمشاركة في القمة الخليجية (واس) p-circle 00:29

قمة خليجية تشاورية استثنائية في جدة تبحث التصعيد الإيراني والملاحة الدولية

تستضيف مدينة جدة، الثلاثاء، قمة خليجية تشاورية استثنائية، لبحث تطورات الأوضاع في المنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
TT

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)

يمرّ كثيرون بلحظات مفاجئة من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وغالباً ما يتساءلون عمّا إذا كانت لهذه الرغبات توقيتات محددة خلال اليوم. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن نمط لافت يحدد توقيت الذروة لهذه الرغبة، إلى جانب عادات وسلوكيات مرتبطة بها لدى عدد كبير من الأشخاص.

وأظهرت الدراسة أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبلغ ذروتها عند الساعة الـ3:42 مساءً، وهو توقيت يتكرّر لدى شريحة واسعة من المشاركين.

وشملت الدراسة استطلاعاً لآراء 5 آلاف أميركي موزعين بالتساوي بين مختلف الولايات، حيث حُللت أنماط الرغبة الشديدة في تناول الطعام بأنحاء البلاد. وبيّنت النتائج أن الشخص العادي يشعر بنحو رغبتين شديدتين في تناول الطعام يومياً، في حين أفاد نحو ربع المشاركين (24 في المائة) بأنهم يعانون من هذه الرغبات بشكل متكرر، وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

وبصرف النظر عن توقيت هذه الرغبات، فقد أظهرت النتائج أن 6 من كل 10 مشاركين (57 في المائة) لا يستطيعون مقاومة هذه الرغبة أكثر من ساعة، بينما يستسلم واحد من كل 5 (21 في المائة) خلال 15 دقيقة أو أقل.

كما كشفت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش (Talker Research) لمصلحة «إيفري بليت»، عن أن الأشخاص عند شعورهم بالجوع يميلون إلى تفضيل أنواع محددة من الأطعمة، حيث يتوق 33 في المائة منهم إلى ما تُعرف بـ«الأطعمة المريحة»، بينما يفضّل 22 في المائة الأطعمة المقلية، والنسبة نفسها تميل إلى الأطعمة المالحة.

وبغض النظر عن هذه التفضيلات، فقد أشار نحو ثلثي المشاركين إلى أنهم يفضّلون إشباع رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز.

ويمتد تأثير هذه الرغبات إلى عادات التسوق أيضاً؛ إذ أفاد 35 في المائة من المشاركين بأن رغباتهم الغذائية خلال الأسبوع السابق تؤثر بشكل منتظم على قائمة مشترياتهم للأسبوع التالي.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال بنجامين غريبل، مدير «تطوير الطهي» في شركة «إيفري بليت»: «في عصر الراحة، من المشجّع أن نرى أن ثلثي الأميركيين يفضّلون تلبية رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز. وهذا يدل على أن الناس يعرفون أذواقهم جيداً؛ وكل ما يحتاجونه هو القليل من الثقة بالمطبخ لإعادة إحياء نكهاتهم المفضلة».

وأضاف: «لا يتطلب إعداد وجبة شهية قضاء ساعة كاملة في المطبخ. فبالنسبة إلى معظم الناس، لا تكمن الصعوبة في الطهي بحد ذاته، بل في العبء الذهني المرتبط بالتخطيط والاختيار وإعداد الوجبات من الصفر. وعندما يجري التخلص من هذا العبء، يصبح إعداد الطعام أمراً بسيطاً، ومجرد تجربة ممتعة لتناول طعام لذيذ وسهل التحضير».


«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
TT

«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)

رغم رحيل صاحبه، وربما بسبب موته المفاجئ، تحول الجدل المتصاعد حول نظام «الطيبات» إلى «فتنة غذائية»، أحدثت ارتباكاً بين قطاعات عديدة من المصريين، فاقمت الهواجس نحو «الطعام الصحي»، وسط انقسام مجتمعي عَدّه خبراء «مواجهة بين العلم والخرافات».

وتصاعد الجدل حول نظام «الطيبات» الغذائي، عقب وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، خلال وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نحو أسبوع، عن عمر ناهز 47 عاماً.

ويقوم نظام «الطيبات»، الذي روج له العوضي، على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها، شرب الماء عند العطش دون الإكثار منه. ومن بين النقاط المثيرة للجدل التي طرحها العوضي، تحذيره من تناول الدواجن، والزعم بأن منتجات الألبان تضاف إليها مواد خطيرة، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي صاحب نظام «الطيبات» الغذائي (صفحته على فيسبوك)

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية سجالاً ما زال مستمراً بين مؤيدين لآراء العوضي أسسوا صفحات للترويج لنظامه الغذائي الذي يعتمد على «صفر دواء»، ومعارضين يرون أن ما طرحه يعد نوعاً من «الدجل والخرافة»، و«يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية».

وأكد مستشار الرئيس المصري لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه «لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، فكل مرض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء»، وقال تاج الدين في مداخلة تلفزيونية، مساء الاثنين، إن «الأطباء هم من يحددون الأغذية المناسبة للمرضى، كل وفق حالته وطبيعة مرضه»، داعياً المواطنين إلى «الاعتدال في الطعام ليكون متوازناً يشمل عناصر غذائية متنوعة».

وفي مارس (آذار) الماضي أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وفي رأي العميد الأسبق لـ«المعهد القومي للتغذية» أستاذة التغذية الدكتورة زينب بكري، فإنه ثمة عوامل كثيرة ساهمت في الجدل المثار بشأن نظام «الطيبات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الموت المفاجئ لصاحب هذه الآراء ساهم في الترويج لها، بجانب غياب الوعي المجتمعي، وميل الناس إلى الأفكار غير المألوفة ومحاولة تجربتها، (مثل الزار والدجالين)، وبجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية سواء الكشف الطبي أو الأدوية مما يدفع الناس إلى تجربة الأعشاب والعطارين، كما أن الجدل القائم يعكس أيضاً قدراً من عدم الثقة في النظام الصحي، وهو ما يتطلب حملات توعية».

جدل حول الغذاء الصحي في مصر (المعهد القومي للتغذية)

وأكدت زينب أن «كل ما يروج له نظام (الطيبات) يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية الطبية ونظريات علوم التغذية، فالنظام الغذائي لكل مريض يحدده الطبيب بحسب المرض، والشخص الذي لا يعاني أمراضاً واضحة يتبع نظاماً غذائياً عادياً ويمكنه تناول ما يشاء باعتدال ودون إسراف»، لافتة إلى أن «الارتباك الذي حدث لدى الكثيرين بشأن النظام الغذائي يستوجب أن تقوم مؤسسات الدولة بحملات توعية وشرح وتفنيد الحقائق العلمية حول الأطعمة والمنتجات المختلفة»، وأكدت أنه رغم هذا الارتباك، فإن ما يحدث «فتنة ستأخذ وقتها وتمر وسينسى الناس كل هذا الجدل».

متابعة «الفتنة الغذائية» والآراء المختلفة، دفعت الخمسيني، محمود حسان، (الذي يقيم بحي عابدين بوسط القاهرة، ويعمل في ورشة لإصلاح الأجهزة الكهربائية) إلى التراجع عن شراء الدواجن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ابنته طالبة جامعية تتابع (السوشيال ميديا) أخبرته بالجدل الدائر، وأثار الأمر نقاشات مع زوجته، فقرروا ألا يشترون دواجن أو منتجات ألبان حتى يتضح الموقف»، لكن المشكلة بحسب حسان حدثت لأنهم «لم يستطيعوا تحديد الطعام المناسب والصحي؛ لأن نظام (الطيبات) تحدث عن ضرر لمعظم الأطعمة التي تعوّدوا على أكلها».

الجدل بشأن نظام «الطيبات» أصاب أسراً مصرية بالارتباك (وزارة التموين المصرية)

وهو ما حدث نفسه مع المصرية الثلاثينية، سلوى حسن (ربة منزل تقيم في حي شبرا بوسط القاهرة)، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تابعت الحديث عن ضرر الكثير من الأطعمة مما سبب ارتباكاً كبيراً»، موضحة أن «ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار جعلني في حيرة، ولا أعرف ماذا نأكل وماذا نتجنب».

وأكدت استشاري التغذية العلاجية الدكتورة مها راداميس لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الارتباك التي سببها الترويج لنظام (الطيبات) تشكل خطراً على صحة المصريين، وكلها آراء غير علمية وخرافات ساهمت (السوشيال ميديا) في انتشارها»، ورجحت أنها «(فرقعة) وستنتهي».

حالة الارتباك التي أعقبت «الفتنة الغذائية» والتي صاحبت الجدل حول نظام «الطيبات» لم تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى أوساط الفنانين، وناشد الفنان تامر حسني وزارة الصحة، بتقديم توضيحات علمية مبسطة حول التغذية السليمة، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك» الاثنين: «في ظل الفتنة الغذائية اللي حاصلة في مصر وحديث كل الناس دلوقتي عن إيه المفيد لينا وإيه المضر، هل ممكن أناشد وزارة الصحة المصرية وكبار الدكاترة المختصة وأصحاب المستشفيات بردود كافية فيها شرح مفصل عن إيه الأكل المفيد لينا، وإيه اللي مش مفيد».

ورد الطبيب المصري، الدكتور خالد منتصر، على تامر حسني، مؤكداً في منشور على «فيسبوك» أن «ما كان يقوله دكتور ضياء يا أخ تامر اسمه في الطب ضلالات، والضلالات لا تناقش».وكان الفنان علي الحجار قد أكد أنه «يتبع نظام (الطيبات) منذ نحو 11 شهراً»، وقال خلال مراسم عزاء الطبيب ضياء العوضي، إنه كان يعاني من «عدة مشكلات صحية»، والتزامه بتعليمات العوضي من خلال مقاطع الفيديو «ساعده على التعافي».


جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.