المكتبات المنزلية الرابح الأكبر في زمن «كورونا»

الروايات أولاً إلى جانب كتب الأطفال واليافعين

المكتبات المنزلية الرابح الأكبر في زمن «كورونا»
TT

المكتبات المنزلية الرابح الأكبر في زمن «كورونا»

المكتبات المنزلية الرابح الأكبر في زمن «كورونا»

فرض فيروس كورونا إيقاعاً جديداً على عملية القراءة، كوسيلة للمعرفة والمقاومة، خاصة مع العزل الاجتماعي وتعميم الحجر المنزلي والمكوث لساعات طويلة في البيت. ودفع هذا المناخ الطارئ الكثير من دور النشر إلى البحث عن حلول لتعويض خسائرها الجمة نتيجة لإلغاء معارض الكتب الدولية، واضطراب سوق النشر، لكن هذا المناخ عزز من فرص الكتاب الإلكتروني.
ففي مصر أطلق عدد من دور النشر مبادرات لتحفيز القراء على اقتناء الكتب بإيصالها إلى منازلهم مع خصومات كبيرة، كما أصدر اتحاد الناشرين المصريين بياناً تحت شعار «خليك في البيت مع خير جليس» لتشجيع القراء على الاستفادة من فترة الحجر. حول المبادرة، يقول رئيس اتحاد الناشرين المصريين، سعيد عبده، لـ«الشرق الأوسط»، «هناك إقبال ملحوظ من جانب القراء على شراء الكتب، لكنه بالطبع لا يعوض خسائر الصناعة، حيث أغلقت المكتبات وتوقفت المطابع، لكن اتحاد الناشرين يقوم بدوره في تشجيع المبادرات التي تساهم في تثقيف القراء كحل ثري لقضاء وقت الفراغ».
وذكر عبده، أنهم بصدد التعجيل بإطلاق «منصة اتحاد الناشرين المصريين للكتب الإلكترونية والصوتية»، فاستمرار الأزمة قد يؤدي إلى نهاية بعض دور النشر «حيث إن 90 في المائة منها كيانات صغيرة معتمدة على النشاط العائلي، وستجد صعوبة في الاستمرار في ظل إغلاق الأسواق الداخلية والخارجية، ووقف الاستيراد والشحن الدولي، وغيرها».
«القارئ بالتأكيد سيلجأ لمكتبته المنزلية»، يقول لنا الناشر مصطفى الشيخ، مدير عام دار «آفاق»، «جاءت الأزمة عقب انتهاء معرض القاهرة للكتاب ومعارض عدة كان آخرها معرض مسقط للكتاب، وبالتأكيد سيجد القراء في فترة التوقف عن العمل فرصة كبيرة للعودة إلى مكتباتهم المنزلية والانتهاء من الكتب التي قاموا باقتنائها خلال الفترة الماضية». المكتبات المنزلية هي الرابح الأكبر في زمن «كورونا».
ويشير الشيخ إلى أن «جميع خطط النشر الجديدة توقفت، فضلاً عن ارتباك كبير حول مآل الأزمة اقتصادياً بعد توقف معارض الكتب التي كنا نعول عليها كثيراً، خاصة أن وباء (كورونا) تفجرت أزمته قبيل معرض الرياض للكتاب، ومعرضَي جدة وأبوظبي، وكلها من أهم المعارض لجميع الناشرين، وتسبب ذلك في خسائر فادحة».
ويذكر مدير عام دار «آفاق»، أن «مبادرات القراءة التي أطلقها اتحاد الناشرين المصريين وعدد من المكتبات ستخلق بلا شك فئات جديدة من القراء وشرائح لم تكن مهتمة بالقراءة كروتين يومي، وهو جانب إيجابي في هذه الأزمة».
يتفق معه أحمد بدير، مدير عام «دار الشروق» المصرية، في أن الأزمة ستخلق قراءً جدداً، مؤكداً أن «الإقبال جيد إلى حد كبير، وحرصنا على اتخاذ إجراءات الوقاية من (كورونا) طبقاً لتوصيات منظمات الصحة الدولية والمحلية، وأغلقنا بعض المكتبات. أما بقية مكتباتنا فتعمل وفقاً لمواعيد حظر التجول. كما أتحنا الشراء عبر المتجر الإلكتروني مع خصومات جيدة وشحن مجاني، والحفاظ على جميع إجراءات السلامة للوقاية بالنسبة لعمال التوصيل وللجمهور».
أما عن نوعية الكتب التي يقبل عليها القراء في فترة الحجر، فيقول «من المبكر تحديد النوعية، لكن من المؤشرات الأولية فإن الروايات لا تزال متصدرة إلى جانب كتب اليافعين وكتب الأطفال التي تسجل إقبالاً غير عادي، فقد لمسنا حرصاً من الأهالي على تشجيع الأطفال على استغلال تلك الفترة في القراءة والاطلاع. لاحظنا كذلك إقبالاً على الشراء عبر الإنترنت من خارج مصر بشكل كبير؛ ما يعكس حرصاً من المواطنين سواء في الداخل أو خارج البلاد على تزجية وقت فراغ أبنائهم وذويهم بشكل مثمر».
وينوه بدير إلى أن أنه من المبكر الحكم على تجربة تحول ذائقة القراء إلى الكتاب الإلكتروني، خاصة أن التجربة لم يمض عليها سوى بضعة أيام، لكنها «قد تولد شريحة جديدة من القراء».
من جهته، أكد رئيس اتحاد الناشرين العرب، الناشر محمد رشاد، لـ«الشرق الأوسط»، أن النتائج الأولية للمبادرات خلال أول أسبوع لها تعتبر مبشّرة جداً، رغم المخاوف الاقتصادية لدى قطاع كبير من الجمهور. صناعة النشر تمر بأزمة غير مسبوقة، كما أن دور النشر أغلقت أبوابها وتوقف العمل فيها من الأسبوع الماضي؛ حفاظاً على صحة العاملين، وبالتالي توقفت الإصدارات الجديدة، وهي المرة الأولى في تاريخ صناعة النشر التي يحدث فيها هذا الأمر حتى في فترات الحروب. أما عن التسويق الإلكتروني للكتب، فإن النتائج لم تتضح بعد».
على صعيد الكتب الإلكترونية، جاءت مبادرة وزارة الثقافة المصرية «الثقافة بين يديك»، لتمنح القراء فرصة القراءة واقتناء الكتب إلكترونياً بشكل مجاني عبر موقع الهيئة العامة المصرية للكتاب، والتي لقيت ترحيباً كبيراً من المثقفين المصريين والعرب على السواء. بينما قامت «مكتبة الإسكندرية» بإتاحة نسخ من إصداراتها ومئات من مؤلفاتها عبر موقعها الإلكتروني بلغات عدة هي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والتي تتنوع ما بين الكتب التاريخية واللغوية والعلمية، فضلاً عن مجموعة من المخطوطات والرسائل العلمية.
كما أعلنت إدارة «مكتبات الشارقة العامة» التابعة لهيئة الشارقة للكتاب، عن فتح مكتبتها الإلكترونية مجاناً لجميع الأفراد والفئات العمرية في مختلف أنحاء العالم لمدة ثلاثة أشهر بدءاً من أبريل (نيسان) الحالي حتى يونيو (حزيران) 2020، مقدمة 6 ملايين كتاب ومصدر معرفي إلكترونياً، بأكثر من 10 لغات مختلفة.
وقال صاحب دار نشر «كتبنا» الناشر محمد جمال «ثلث سكان العالم في الحجر الصحي، لكن التكنولوجيا والبنية التحية للاتصالات والأجهزة الذكية مكّنت الناس من مزاولة نشاطهم، موفرة لهم نوعاً من الاطمئنان، وإلا كانت حالة الرعب واليأس أكبر».
ويعتبر جمال أن «هذا أنسب وقت للقراءة عبر الإنترنت؛ فالأزمة الحالية فرصة لرواج تطبيقات عدة متعلقة بالكتب الإلكترونية والصوتية والتعليمية التفاعلية؛ لتساعد على تخطي الأزمة بهدوء ودون خسائر». وعن تجربتهم الخاصة، يقول «لاحظنا نشاطاً هائلاً على منصة (كتبنا) وعلى مواقعها عبر السوشيال ميديا، وحتى من مختلف الدول العربية، حيث يبدو أن المحتوى الرقمي بات الحل الوحيد فهو لا يتطلب الاختلاط مع الآخرين. إننا نتابع نشر عدد من الكتب إلكترونياً، وحرصنا على تحسين خدماتنا الإلكترونية إلى جانب الطباعة عند الطلب إلى جانب توصيل الكتب للمنازل وفقاً لشروط الوقاية الصحية، كما أن الكتاب الإلكتروني لا يتطلب وسيطاً كشركة شحن ولا تعاملًا نقدياً. علينا أن نؤقلم أنفسنا كناشرين لتخطي الأزمة».
أما أحمد المالكي، المدير التنفيذي لتطبيق «اقرأ لي» للكتب الصوتية، فقال «غالبية المواقع الخاصة بالكتب الإلكترونية تقدم ما لديها بشكل مجاني تشجيعاً للقراء، وبالفعل لاحظنا إقبالاً كبيراً على الكتب الصوتية أكثر من الأوقات العادية».
وأشار إلى أن الروايات وكتب التنمية البشرية هي الأكثر إقبالاً فضلاً عن كتب الأطفال.
وكشف عن أن التطبيق يتوجه حالياً لتقديم خدمات أخرى لم تكن متاحة من قبل وهي توفير ملخصات للكتب باللغة العربية لكتب عربية وأجنبية، تعين القراء على الاطلاع على محتواها في 30 دقيقة.


مقالات ذات صلة

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع
ثقافة وفنون رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
ثقافة وفنون جناح السعودية في المعرض (واس)

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).