البحار ترتفع... من يسدد فاتورة الخسائر؟

ترتيبات الحماية لن تحول دون وقوع الكوارث بشكل تام

فيضانات في جاكرتا الأسبوع الماضي (أ.ب)
فيضانات في جاكرتا الأسبوع الماضي (أ.ب)
TT

البحار ترتفع... من يسدد فاتورة الخسائر؟

فيضانات في جاكرتا الأسبوع الماضي (أ.ب)
فيضانات في جاكرتا الأسبوع الماضي (أ.ب)

أعلنت الرئاسة الإندونيسية خلال الصيف الماضي عن سعيها إلى إنشاء عاصمة جديدة للبلاد في جزيرة بورنيو، على بُعد مئات الكيلومترات إلى الشمال الشرقي من جاكرتا. وتواجه العاصمة الحالية مجموعة من المشكلات البيئية الحادة، مثل استنزاف مصادر المياه الجوفية، والاكتظاظ السكاني، وحصول تكهُّفات في طبقات التربة تجعل المدينة واحدة من أسرع المدن غرقاً في العالم، حيث يهدد بحر جاوة بابتلاع 95 في المائة من مساحتها خلال العقود الثلاثة المقبلة.
يبدو نزوح الحكومات والسكان بعيداً عن السواحل ضرباً من الخيال، ولكن هذا الأمر يحصل الآن بشكل متسارع. ففي أستراليا وكولومبيا وفيتنام، وفي عدد من مدن الولايات المتحدة مثل هيوستن ونيوجيرسي، يسعى السكان لتوفير موطن بديل عن مساكنهم وعقاراتهم التي تغمرها مياه البحر تدريجياً.
لقد سمح التنافس المحموم على تطوير مجمّعات سكنية على طول السواحل في أكثر من مكان في العالم بالتوسع على أراض جديدة مهددة سلفاً بطغيان البحر. وما يجري حالياً هو أشبه بعرض تمهيدي لمشكلة حذرت الأمم المتحدة من تفاقمها في المستقبل، إذ قد تؤدي العواصف والفيضانات وحالات الجفاف إلى تشريد مليار شخص قبل حلول سنة 2050، إذا لم تُتخذ الاحتياطات الوقائية سريعاً.

- مخاطر لا يمكن تفاديها
يحتجز جليد القطبين أكثر من 70 في المائة من مياه كوكب الأرض العذبة. ومن المتوقع، إذا ذابت الطبقة الجليدية في غرينلاند، أن يرتفع منسوب البحار بمقدار 7.4 متر، وإذا ذاب جليد القطب الجنوبي أن يرتفع المنسوب بنحو 58.3 متراً، وسيؤدي ذوبان الأنهار الجليدية الجبلية إلى ارتفاع المنسوب بمقدار 0.4 متر.
في عالم متغيّر المناخ بفعل غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري، وفي سيناريو يحد من ارتفاع درجة حرارة الكوكب إلى أقل من درجتين مئويتين مقارنة بحرارة الأرض قبل بدء النهضة الصناعية، يشير التقرير الخاص حول المحيط والغلاف الجليدي الذي صدر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ في سبتمبر (أيلول) 2019 إلى أن ارتفاع منسوب سطح البحر سيتراوح ما بين 43 و84 سنتيمتراً في نهاية هذا القرن.
ويؤكد التقرير أن المدن المنخفضة والجزر الصغيرة ستتعرض بشكل متكرر إلى حوادث متطرفة تتصل بارتفاع منسوب سطح البحر في منتصف هذا القرن، على الرغم من أن خفض الانبعاثات سيحد إلى مدى بعيد من شدة هذه الحوادث، وإن كان لن يمنعها تماماً.
وتشمل التأثيرات المتوقعة لارتفاع منسوب سطح البحر على النظم الإيكولوجية الساحلية تقلص الموائل وفقدان التنوع الحيوي والهجرة ضمن المحيط المائي وإلى داخل عمق اليابسة. وسوف تزداد هذه الآثار في حال وجود أعمال مدنية تمنع انزياح الموائل الخاصة بنظم المستنقعات وأشجار المانغروف وتقلِّص من كمية الرواسب التي تصل إلى هذه النظم.
ويمثل ذوبان الجليد بحد ذاته مشكلة بالغة الخطورة، حيث يعتمد نحو مليار شخص على الأنهار الجليدية الجبلية للحصول على المياه العذبة، خصوصاً في آسيا. كما سيؤدي ذوبان الجليد القطبي والجليد في الجبال إلى تحرير الملوثات العضوية الثابتة وغيرها من المركبات الضارة التي كانت محتجزة خلال عشرات السنين الماضية. ومع ارتفاع منسوب سطح البحر، سيزداد تآكل الشواطئ، وتزداد مخاطر الفيضانات الساحلية، وتتسرب المياه المالحة إلى المصادر المائية، مما سيؤدي إلى أضرار بالغة تطال المناطق الحضرية والريفية.
ويتوقع تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ أن يزداد ضرر الفيضانات في المناطق الساحلية بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات في نهاية هذا القرن في حال غياب أي إجراءات وقائية تلطّف من مخاطر ارتفاع منسوب سطح البحر. وفيما تساهم ترتيبات الحماية الساحلية المصممة بشكل جيد في التقليل بشكل فعال من الأضرار التي ستطال المناطق الحضرية، وتلك ذات الكثافة السكانية العالية، سيتعذر غالباً توفير هذه الترتيبات في المناطق الريفية والفقيرة.
وعلى الرغم من أن ترتيبات الحماية من ارتفاع منسوب سطح البحر لن تحول دون وقوع الكوارث بشكل تام، فإن التقديرات تشير إلى أن تكلفة توفيرها عالمياً قد تصل إلى مئات مليارات الدولارات سنوياً. وبينما تواجه المراكز الحضرية مزيداً من الأعباء تحت ضغط تغيُّر المناخ، لا يبدو واضحاً كيفية توفير الأموال لحماية مئات ملايين البشر ومصادر عيشهم من هجوم الأمواج.

- السواحل العربية مهددة
في الولايات المتحدة، خلص تقدير أجراه مركز «تكامل المناخ» إلى أنه بحلول سنة 2040 ستكون المدن الساحلية الأميركية التي يزيد عدد سكانها على 25 ألف نسمة بحاجة إلى بناء جدران بحرية لحمايتها من العواصف تبلغ تكلفتها 42 مليار دولار على الأقل. وإذا تم توسيع امتداد هذه الجدران لتشمل أيضاً المجتمعات التي يقل عدد سكانها عن 25 ألف نسمة، فستبلغ الكلفة 400 مليار دولار، وهو مبلغ يقترب من تكلفة إنشاء شبكة الطرق السريعة التي نفذّت على كامل الأراضي الأميركية خلال العقود الأربعة الماضية.
وبينما تمثل هذه التقديرات مؤشراً تقريبياً لإظهار حجم المشكلة، فهي لا تأخذ في الاعتبار الترتيبات الأخرى للتخفيف من مخاطر الفيضانات، بما في ذلك شراء المنازل المهددة من مالكيها وتعديل البنية التحتية، لا سيما شبكات صرف مياه الأمطار. كما تبين هذه التقديرات وجود فوارق كبيرة في التكاليف التي تستلزمها مشروعات التكيف، مع مشكلة ارتفاع منسوب سطح البحر بين المدن الكبيرة الثرية والمجتمعات الريفية محدودة الموارد.
وعلى المستوى العالمي، ترتفع الفوارق بين دول متقدمة تستطيع تمويل مشروعات التكيُّف مع تغيُّر المناخ ودول نامية «تواجه سلطاتها المحلية شُحّاً في مواردها، ويمثل تأمين هذه الموارد تحدياً سياسياً ومؤسساتياً حقيقياً»، وفقاً لدراسة أجراها البنك الدولي سنة 2013. قد وجدت الدراسة أن الخسائر العالمية نتيجة الفيضانات في 136 مدينة من كبرى المدن الساحلية حول العالم بلغت 6 مليارات دولار سنة 2005، وهي سترتفع إلى أكثر من 50 مليار دولار في السنة بحلول 2050 نتيجة التغيُّرات الاجتماعية والاقتصادية الواسعة التي ستشهدها هذه المدن. وإذا ما جرى ملاحظة تغيُّر المناخ، فإن هذه المدن ستكون بحاجة إلى ترقية نظم حمايتها من أمواج البحر لتتجنب خسائر تصل إلى أكثر من تريليون دولار في السنة.
وتظهر دراسة البنك الدولي الأثر الكبير الذي تحدثه إجراءات الحماية من الفيضانات في البلدان المتقدمة. ففي مدينة مثل العاصمة الهولندية أمستردام، لا تتجاوز الخسائر الناتجة عن الفيضانات الساحلية 3 ملايين دولار سنوياً، علماً بأن أصولها المعرضة للفيضان تبلغ قيمتها 83 مليار دولار. أما في هو تشي منه، كبرى المدن الفيتنامية، فتبلغ الخسائر الناتجة عن الفيضانات 104 ملايين دولار سنوياً، في حين تصل قيمة أصولها المهددة إلى 19 مليار دولار. وما يصنع الفرق بين المدينتين هو إجراءات الحماية من ارتفاع مياه البحر التي تطبّقها أمستردام وتُعدّ الأفضل عالمياً. وتعتمد شركات هولندية على خبرتها ونجاحها محلياً في هذا المجال لتسويق خدماتها عالمياً في إقامة حواجز تحمي المدن الساحلية.
وتشير الدراسة إلى أن عدداً من المدن العربية ستواجه أكبر زيادة في نسبة الخسائر حتى سنة 2050، إذا لم تحسن إجراءات الحماية التي تطبقها حالياً. فمدينة الإسكندرية تأتي في طليعة المدن التي ستعرف زيادة كبيرة في الخسائر بنسبة 154 في المائة لتصل قيمتها في سنة 2050 إلى 504 ملايين دولار في السنة. أما خسائر بنغازي فستكون 22 مليون دولار، في حين تصل خسائر مدينة الجزائر إلى 9 ملايين دولار سنوياً.
وكانت دراسة أجراها لمصلحة «المنتدى العربي للبيئة والتنمية» مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأميركية أظهرت أن ارتفاعاً في مستوى البحر مقداره متر واحد فقط سيؤثر بشكل مباشر على 44500 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية العربية. والتأثيرات الأكثر خطراً لارتفاع مستوى البحر ستكون في مصر وتونس والمغرب والجزائر والكويت وقطر والبحرين والإمارات.
وبحسب الدراسة، ستشهد مصر أكبر التأثيرات على القطاع الزراعي في المنطقة، حيث إن ارتفاعاً بمقدار متر واحد سوف يعرض 12 في المائة من الأراضي الزراعية في البلاد للخطر. كما أن هذا الارتفاع سوف يؤثر مباشرة على 3.2 في المائة من سكان البلدان العربية، بالمقارنة مع نسبة عالمية تبلغ نحو 1.28 في المائة.

- التراجع المخطط نحو الداخل
هناك العديد من الخيارات لمواجهة ارتفاع منسوب مياه البحار، وهي تبدأ ببناء الجدران البحرية التي تحجز المياه خلفها، وإقامة الموانع الطبيعية، كالكثبان الرملية. وقد طوّر المهندسون الهولنديون مادة إسمنتية يمكن إضافتها بسهولة إلى الكثبان الرملية لزيادة مناعتها. كما يمكن رفع المنشآت والمباني عن مستوى الأرض وإجراء تعديلات على البنية التحتية، بما فيها شبكات المياه والكهرباء والطرقات. لكن الحل المتاح في بعض الحالات قد يكون انتقال المجتمعات إلى أماكن بعيدة عن خط الساحل.
ربما يكون خيار «التراجع المخطط» أصعب حل يمكن اعتماده، ولكنه بدأ يفرض نفسه في النقاشات العامة كأداة يمكن استخدامها للتكيُّف مع ارتفاع مستوى سطح البحر. ففي الولايات المتحدة، طالب المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي أندرو يانغ في بيان انتخابي بالاستعداد لـ«حتمية» ارتفاع منسوب سطح البحر، وهو وعد المجتمعات الساحلية بتوفير مبلغ 40 مليار دولار لمساعدة الناس على الانتقال إلى أراض مرتفعة أو رفع منسوب منازلهم، إلى جانب 30 مليار دولار أخرى لبناء الجدران البحرية وغيرها من أشكال الحماية من الأمواج.
تحظى فكرة انتقال المجتمعات باهتمام متزايد من الأكاديميين. وكان بحث نشرته مجلة «ساينس» قبل أشهر حول إشكالية التراجع المخطط خلص إلى أنه ما من شك في حاجة بعض المجتمعات للانتقال بعيداً عن مواطنها، لكن هذا الأمر يستلزم الإجابة عن تساؤلات محرجة، مثل «لماذا وأين ومتى وكيف» يحصل هذا التراجع.
عندما طرح المسؤولون في بلدة باسيفيكا في ولاية كاليفورنيا الأميركية الانتقال إلى الداخل كخيار أكثر جدوى مالياً من مواجهة المحيط عبر تطبيق إجراءات الحماية من ارتفاع منسوب البحر، شنّ مالكو المنازل حملة منظمة ضد المسؤولين. وبدلاً من التصويت على خيار التراجع المخطط، انتهى الأمر بطرح الثقة في رئيس البلدية وطرده من منصبه.
ليس من المستغرب، والحال هذه، أن تكون المحادثات حول الانزياح عن خط الساحل مؤطرة بعبارات الحرب. فالفكرة بحد ذاتها تمثل رفعاً للراية البيضاء في نهاية معركة صنعناها بأيدينا في مواجهة الطبيعة. الأسلم أن نتوقف أولاً عن تصوير علاقتنا بالكوكب على أنها حرب مستمرة، فالقضية ليست فوزاً أو خسارة، بل هي عملية تكيُّف مع ما يحصل حولنا، تأخذ على محمل الجد حجم المخاطر التي تهددنا.


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».