صحافية حربية كردية تتحدى الصور النمطية من خط النار

فيفيان فتاح غطت أكثر جبهات سوريا والعراق سخونة... واكتشفت خبر وفاة والدها من مواقع التواصل

الإعلامية الكردية الشابة فيفيان فتاح
الإعلامية الكردية الشابة فيفيان فتاح
TT

صحافية حربية كردية تتحدى الصور النمطية من خط النار

الإعلامية الكردية الشابة فيفيان فتاح
الإعلامية الكردية الشابة فيفيان فتاح

في يوم 12 مارس (آذار) 2004، كانت الإعلامية فيفيان فتاح برفقة والدها لمشاهدة مباراة كرة قدم بين فريقي «الفتوّة» من دير الزور، و«الجهاد» من القامشلي، بملعب الأخير. وقعت حينذاك أحداث دامية بين مشجعي الفريقين، على أثرها تدخلت أجهزة الأمن والشرطة لصالح «الفتوة» واستخدمت العنف المفرط لقمع الشغب. أدى ذلك إلى بداية انتفاضة شعبية كردية استمرت أيّاماً عدة وعمّت عدداً من المدن السورية وراح ضحيتها 36 كردياً.
كانت فيفيان آنذاك لم تتخطَّ الـ13 ربيعاً. تتذكر الحادثة وتروي التفاصيل والصور والذكريات المثقلة وكأنها حدثت معها قبل قليل. قالت في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «كانت لدي رغبة شديدة في نقل ما يحدث بالملعب، شاهدت بعيني كيف أطلقوا الرصاص الحي على المشجعين الأكراد، لحظتها كنت أريد نقل الحقيقة».
تلك الفتاة لم تعلم أنّ هذه الحادثة ستترك أثراً بليغاً لديها لتختار العمل في مجال الإعلام لاحقاً. بعد عودتها من المباراة بدأت تدون تلك الوقائع في دفاتر المدرسة، لتنتقل إلى كتابة اليوميات وأبرز مشاهداتها، حتى اكتشف أمرها خالها الذي أقدم على حرق كل الدفاتر التي امتلأت بالكتابات، وعلقت على الموضوع قائلة: «كان يخاف كثيراً عليّ، وحريصاً على إكمال دراستي وعدم فضح أمري».
فيفيان فتاح، التي تعمل مع شبكة «رووداو الإعلامية»، من مواليد مدينة القامشلي عام 1992، وهي حاصلة على إجازة في علم النفس من جامعة حمص وسط سوريا، وتنتمي لعائلة لديها شغف كبير بمتابعة السياسة، وتزيد: «فإذا كانت بنات جيلي قضينّ وقتهنّ في مشاهدة أفلام الكرتون وبرامج الموضة، فأنا كنت أتابع القنوات الإخبارية وأسمع تحليلات الكبار وآراءهم».
بعد انتهاء الدراسة الثانوية العامة صيف 2009 في مدارس القامشلي، كانت لديها رغبة قوية في التسجيل بالصحافة والإعلام، لكن وبسبب ممانعة والدها بحجة ارتباط هذا القسم بأعضاء حزب البعث الحاكم، درست علم النفس وتخرجت منتصف 2015.
ونظراً لأن فرعها 5 سنوات، فقد درسته بجامعة حمص بين أعوام 2010 و2015، ولا تزال تتذكر صيحات المتظاهرين في ساحة «الساعة» في شهر أبريل (نيسان) 2011 في أول أيام الثورة السورية. شاركت في ذاك الاعتصام وحملت هاتفها الجوال بهدف التقاط صور وأرشفتها لنشرها لاحقاً، وهي أول تجربة إعلامية لها، وأشارت: «لم تكن لدي قنوات اتصال مع القنوات العربية والجهات الإعلامية السورية، وقتها قررت وبعد انتهاء دراستي الجامعية العمل بمجال الإعلام».
تطلق على مدينة حمص «عاصمة الثورة السورية»، وتحدثت بشكل مستفيض عن أزير طائرات الـ«ميغ» التابعة لسلاح الجو السوري، وكيف كانت تقصف مناطق المعارضة آنذاك، فعندما كانوا في قاعة المحاضرة كانوا يسمعون صوتها لدرجة أن بناء الجامعة من شدة الاهتزاز وقوة الصوت بدا كأنه سيقع فوق رؤوسهم، وقالت: «كنت على يقين أنها تذهب لقصف المناطق المتمردة، وبالتالي سيسقط مدنيون أبرياء».
بعد تخرجها في الجامعة عادت إلى مدينة القامشلي التي كانت تتمتع بإدارة ذاتية أعلنها أكراد سوريا. عملت في قناة تلفزيونية محلية لمدة عام مصورة صحافية، لتسافر بعدها إلى إقليم كردستان العراق المجاور، وعملت في قنوات كردية محلية مقدمة ومذيعة أخبار، وبقيت هناك 3 سنوات.
في أحد الأيام وعندما كانت تقدم نشرة الأخبار، وصل إليها من غرفة التحرير خبر عاجل بعنوان: «مدني يفقد حياته إثر انفجار لغم أرضي بمدينة القامشلي»، وبعد انتهاء النشرة؛ خرجت من الاستوديو لتكتشف أنّ المدني هو والدها، وأعربت عن مشاعرها بحزن عميق: «تصفحت مواقع التواصل الاجتماعي، وشاهدت صور أبي منتشرة على جميع المنصات، كانت الصدمة كبيرة للغاية أن تنقل خبر وفاة والدك وأنت لا تعلم».
وفي أبريل (نيسان) 2018 بدأت العمل مع قناة «رووداو» الكردية، مراسلة ميدانية غطت أكثر الجبهات سخونة وخطورة؛ فمنذ بداية المعارك في ريف دير الزور شرق سوريا ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، تنقلت بين جبهات عدة كانت أخراها جبهة الباغوز، وكانت أول مراسلة أعلنت القضاء جغرافياً على مناطق التنظيم.
غير أنّ أكثر الوظائف المقربة إلى قلبها هي إعداد وتقديم نشرات الأخبار، لكن نظراً لشخصيتها المتمردة، فقد اختارت العمل مراسلة حربية ميدانية، وأضافت فيفيان: «العمل الإعلامي أوسع وأكبر من غرفة الاستوديو، مهمتنا نقل الصورة بمهنية وموضوعية».
وخلال سنوات عملها، غطت معارك مدينتي كركوك والموصل في العراق. أما في سوريا، فقد ذهبت إلى مدينة عفرين عندما تعرضت لهجوم واسع من قبل الجيش التركي وفصائل سورية مسلحة موالية لها العام الماضي.
وعن كسر الصورة النمطية بمشاهدة مراسل حربي رجل يغطي الجبهات الساخنة، وقلة وجود النساء في هذه المهنة، علقت قائلة: «بشكل لا شعوري كنت من بين السيدات اللاتي كسرن هذه القوالب. حقيقة لا أعاني من أني فتاة أعمل في مهنة أشبه بالمشي في حقل ألغام».
ويتحدث كثير من زميلاتها وزملائها في العمل عن أنها منعطف في الإعلام الكردي، وعبرت عن رأيها لتقول: «هذا الكلام للوهلة الأولى جميل ومدعاة فخر، لكن أنا وكل زميلاتي العاملات بهذا الحقل يقع على عاتقنا مسؤولية مضاعفة؛ مرة لأن المهنة كانت حكراً على الرجال سابقاً، ومرة لأنها مهنة تتطلب المصداقية والموضوعية في نقل الصورة»، بحسب فيفيان.
لم تخفِ أن الصراع الحزبي يعد من بين أبرز المواضيع التي تستشعر حساسيتها، وعندما تتلقى الانتقادات من جهة سياسية تدرك أنها موضوعية ومهنية في نقل الحدث ولا تنحاز إلى أي طرف سياسي، ولفتت: «(المجلس الكردي) المعارض ينتقد عملي، وأيضاً (حركة المجتمع) و(حزب الاتحاد)... هذا دليل كافٍ على أنني أعمل بمهنية عالية».
وأثناء مشاركتها في نشرة الأخبار تحرص على أن تكون مبتسمة بداية الحديث، وتعلل ذلك: «ليكون المشاهد مرتاحاً نفسياً حتى أتمكن من نقل الخبر، عدا أخبار الكوارث والموتى؛ وقتها يتطلب الأمر أن أكون بحجم المأساة».
فيفيان، بالإضافة إلى عملها مراسلة ميدانية، تدرس الماجستير في مجال علم النفس الإعلامي في جامعة دمشق بهدف تطوير الإعلام الكردي، وترى ضرورة وضع قوانين وقواعد صارمة للعمل في مجال الإعلام بمناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، وتشرح السبب: «في تغطياتي اليومية يقف إلى جانبي زميل بعمر 15 و16 سنة؛ أي هو قاصر، فالإعلام الكردي متهم بعمالة الأطفال، وهذا بحد ذاته سبب يدعو لوضع قوانين وقواعد صارمة»، على حد تعبيرها.
وقناة «رووداو» الكردية التي انطلق بثها قبل 6 سنوات من مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، اختطف مراسلها بشمال شرقي سوريا فرهاد حمو على يد متطرفي تنظيم «داعش» ولا يزال مصيره مجهولاً. كما فقدت الإعلامية شفا كردي مراسلة القناة بإقليم كردستان حياتها في معارك قوات البيشمركة ضد التنظيم، ورغم ذلك، فإن فيفيان تمضي في عملها؛ لتزيد: «قد أكون معرضة للخطر كباقي زملائي، لكن عندي إيمان مطلق برسالتي أن المشاهد الكردي يستحق الأفضل».
أثناء تغطيتها الإعلامية في جبهة الباغوز، شاهد كثير من الصحافيين والإعلاميين المراسلة فيفيان فتاح وهي تنتظر وصول نساء وأطفال يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» المتطرف، كانت تقوم بعملها مراسلة ثم تقوم بحمل الأطفال ومساعدة النساء الناجيات، لتقول: «حسي الإعلامي والإنساني موجود في كل مكان وزمان».
وكانت الصورة النمطية ظهور مذيعات إلى جانب الرجال في نشرات الأخبار والبرامج المنوعة والتغطيات الإخبارية بصورة منتظمة على شاشات كثير من القنوات التلفزيونية، وفقاً لدراسة أبرزت أن النساء يمثلن 38 في المائة فقط من قوة غرف الأخبار، ووفقاً لبحث من مؤسسة «نيومن» للصحافة بجامعة هارفارد، فإن تلك النسبة زادت 4 في المائة فقط في الثلاثين سنة الأخيرة. وذكر تقرير لـ«شبكة الصحافيين الدوليين» أن النساء يشغلن فقط نحو 15 في المائة من الوظائف التكنولوجية.
وعن مشاعرها حول وجود زميلات ونساء يعملن في تغطية الجبهات ويقفن أمام عدسات الكاميرات، اختتمت الإعلامية فيفيان حديثها بالقول: «يتولد لدي شعور فخر واعتزاز بهنّ. لم أتوقع أن تكون هناك خبرات وخامات صحافية نسائية ينقلن صورة ما يحدث في هذه البقعة الجغرافية من سوريا».


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».