أول قناة تلفزيونية بكادر نسائي في سوريا تحارب الصور النمطية

«جين» انطلقت قبل عام من مدينة عامودا الكردية

القناة تعتمد على شابات معظمهن طالبات ومنهن مصورات يقفن خلف الكاميرات
القناة تعتمد على شابات معظمهن طالبات ومنهن مصورات يقفن خلف الكاميرات
TT

أول قناة تلفزيونية بكادر نسائي في سوريا تحارب الصور النمطية

القناة تعتمد على شابات معظمهن طالبات ومنهن مصورات يقفن خلف الكاميرات
القناة تعتمد على شابات معظمهن طالبات ومنهن مصورات يقفن خلف الكاميرات

تشهد أول قناة تلفزيونية بكادر نسائي وتحمل اسم «جين T.V»، تجهيزات اللحظات الأخيرة قبل تسجيل البرنامج الحواري «Got û bêj»، أو «النقاش» بالعربية، ووضع اللمسات الأخيرة لإعداد حلقة البرنامج الأسبوعي. القناة موجهة للمرأة السورية وتبث من شمال شرقي البلاد.
منذ ربيع 2011 ظهرت العشرات من الإذاعات الكردية، والصحف والمجلات المطبوعة والدوريات الخاصة في سوريا، لتؤسس إعلاماً محلياً موجهاً للجمهور باللغتين الكردية والعربية. وتحت شعار: «صوت النساء... طريق الحياة»؛ وبمشاركة نسائية خالصة، تدير هذه القناة الجديدة 30 فتاة من استوديوهات متواضعة، وهدفها عرض قضايا المرأة والدفاع عن حقوقها، وانطلق بثها المباشر قبل عام من بلدة عامودا الواقعة أقصى شمال سوريا.
وتعتمد القناة على شابات معظمهنّ طالبات؛ منهن مصورات يقفنّ خلف الكاميرات، وأخريات يعملن في مجالات الرسوم التوضيحية وتشغيل الإضاءة وتحضير الاستوديو. أما قسم المونتاج فأوكل إلى فتيات خضعنً لتدريبات بالمجال الفني والتقني قبل الجلوس في غرفة خاصة للإنتاج، إلى جانب مدربات مختصات للتعليم والتدريب على مهارات الإعلام لزميلاتهنّ اللاتي يلتحقنّ بالقناة حديثاً.
وتروي دجلة؛ البالغة من العمر 25 عاماً وتعمل في القناة منذ 7 أشهر معدة ومقدمة برنامج «النقاش»: «البرنامج أحد أبرز وأكثر البرامج الاحترافية بالقناة، ويحظى بمتابعة وتفاعل عاليين لدى جمهورها، لأنه يسلط الضوء على تجارب نسائية ناجحة عبر إجراء حوار، والاستماع إلى قصصهنّ».
وتركز الإعلاميات في قناة «جين» على تغطية التحديات النسائية والموضوعات السياسية، وتغيير المفاهيم السائدة عن ذكورية الإعلام، وإتاحة الفرصة للنساء لقيادة المؤسسات الإعلامية. وتضيف دجلة: «في البرنامج تتحدث الضيفة عن مشكلات المرأة السورية والشرق أوسطية وسط كل هذه التجاذبات والحروب الدائرة بالمنطقة، فمن الضروري أن يكون هناك منبر حصري لتلك القياديات».
وبمناسبة مرور عام على ولادة القناة، أطلقت حملة تسويقية كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي، وعلى لافتات إعلانية في شوارع المدن والبلدات الواقعة في شمال شرقي سوريا، والخاضعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة أميركية.
وأثناء إنتاج برنامج يومي عن الصحة والرياضة، كانت نهاد (25 سنة) تقوم بتقطيع مقاطع مصوّرة وإعادة لصقها في حقل ثان على الكومبيوتر، ثم تقوم بترتيبها وإخراجها بالشكل النهائي قبل إرسالها إلى غرفة إعداد البرامج وكتابة النص. وعن تجربتها؛ علقت بالقول: «هذا المكان يعني لي منزلي الثاني. نحن فريق عمل نسائي خالص؛ نكمل بعضنا بعضاً»، وأضافت: «كسرنا القوانين والمعايير، فالمرأة بمقدورها تقديم شيء مهني ومميز وجميل من دون الرجل. نعم هذا النجاح بفضل إرادة المرأة لتتحرر من القيود المتوارثة».
المشاق التي تواجه العاملات في مجال الإعلام متعددة وصعبة إلى درجة أن الصحافة وصفته بأنه «مهنة المتاعب»، ويجد معظم العاملين في المهنة أن الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي الإعلامي مهمة شبه مستحيلة لا يبلغها إلا القليلون، ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجهها المرأة في مجال العمل الإعلامي تتضاعف أحياناً فوق تلك التي يواجهها الرجال؛ الأمر الذي أوصل عدداً قليلاً فقط من النساء إلى المراكز القيادية الإعلامية حتى في الدول الغربية.
وقالت كليستان؛ (32 سنة) إحدى الإداريات في القناة، إن الحراك المعارض الذي انطلق في سوريا قبل أعوام، أعطى دفعاً للمرأة بهدف إثبات شخصيتها والعمل في جميع المجالات. وأضافت: «في مناطق شمال شرقي سوريا؛ المرأة حملت السلاح وعملت بالمجالات الطبية والإنسانية والإغاثية، ورسالة قناة (جين) تسليط الضوء على هذه التجارب الناجحة». وحول مفهوم سيطرة الذكور على الإعلام، وتغير الذهنية السائدة القائلة بأن «الرجل شريك أساسي بالنجاح» في أي عمل، قالت إنهما باتا من الماضي، ونوهت قائلة: «المساواة بين الجنسين شعار يحمله الجميع، لكن تطبيقه على أرض الواقع يحتاج إلى مبادرات حقيقية، لذلك كانت قناة (جين) بكادر نسائي».
وتبث القناة باللغتين الكردية والعربية، إلى جانب إفراد مساحة لبث برامج باللغات السريانية والأرمنية والتركية، وتسعى إلى تغيير الموروث الاجتماعي وإبراز قضايا المرأة ومناصرتها. ومن بين أبرز التحديات والعقبات التي واجهت عملها، ذكرت كليستان: «كانت تجربة جديدة، وكنا نفتقر إلى الخبرة والتخصص، والسائد لدى الإعلام المحلي والدولي مشاركة الرجل في صناعة الإعلام، أما أن نكون بمفردنا والقيام بكل شيء؛ فهذا كان تحدياً حقيقياً».
كما انخفضت القيود التي تفرضها الأسرة على الفتيات للعمل بالمجالين الصحافي والإعلامي، وأثبتن نجاحات في هذا القطاع؛ وغيره من مجالات العمل الوظيفي رغم ساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان في بعض مجالات التغطية الإعلامية، وضرورات السفر أحياناً.
وتقول جوزة (22 سنة) التي أنهت دراستها في معهد للكومبيوتر قبل عامين والتحقت بمعهد إعداد وتطوير الإعلام التابع للإدارة الذاتية الكردية شمال شرقي سوريا، إنها خضعت لتدريبات لمدة 3 أشهر على تعلم فنون التصوير وكيفية تشغيل الكاميرا وضبط إعداداتها... «عندما سمعت بافتتاح قناة نسائية وطرحت الموضوع على عائلتي، لقيت تشجيعهم على الفكرة، وأنا كانت لدي رغبة قوية في العمل بالمجال الإعلامي». واليوم باتت لديها خبرة واسعة في هذا المجال، وكانت تقوم بجانب زميلاتها بتصوير حلقة برنامج «النقاش» بثلاث كاميرات، لتضيف: «كل كاميرا لديها مهمة، الأولى موجهة للضيفة. أما الثانية فللمحاورة، والثالثة كادر عام، لإخراج الصورة بشكل احترافي»، على حد تعبير المصورة جوزة.
أحياناً تتسبب التفرقة لصالح الرجال، التي ما زالت سائدة في بعض مجالات العمل، بمزيد من المتاعب والعقبات، ومن أوجه هذه التفرقة في مجال الإعلام أن النساء لا توكل إليهن تغطية الأخبار الرئيسية، ويبعدن عن المجال السياسي أو الأحداث الخطيرة، مثل الجرائم والحروب، كما أن معدلات الدخل المالي بين الإعلاميات يقل عنه بين رجال الإعلام، وهذه كانت من بين أبرز النقاط التي تعمل عليها قناة «جين» لتغيرها ولنشر ثقافة المساواة بحسب الإعلامية بروين.
وأثناء حديثها كانت تجلس بروين (28 سنة) في غرفة الأخبار وتعمل محررة في الديسك السياسي، وتتابع آخر الأحداث المنشورة على مواقع الوكالات العالمية، وقالت إنها أول تجربة لها في العمل، وقالت: «القناة بكادر نسائي موجهة للنسوة، لأنه توجد في مجتمعنا نساء لسن على دراية بحقوقهن، ورسالتنا العمل على رفع أصواتهنً والدفاع عن مطالبهن وصون كرامتهن».
وكانت الصورة النمطية ظهور مذيعات إلى جانب الرجال في نشرات الأخبار والبرامج المنوعة بصورة منتظمة على شاشات كثير من القنوات التلفزيونية؛ «لكن أن تكون قناة (جين) بأكملها من النساء؛ فهذه أول تجربة على صعيد سوريا»، بحسب المذيعة شهناز، البالغة من العمر (24) سنة، وهي «تسلط الضوء على التغيير الذي يحدث في سوريا، حتى وإن كان هذا التغيير بطيئاً وغير منتظم». وتضيف: «يومياً نشاهد ونتابع وجود جمهور كبير من النساء يتوق إلى الأخبار والنقاشات التي تعكس تجاربهنّ».
وقبل دخولها الاستوديو لتقديم نشرة الأخبار، قالت الإعلامية شهناز إنها تجربتها الأولى في الظهور أمام عدسة الكاميرا. وفي حديثها لم تخفِ صعوبة عملها، وتقول: «هناك رهبة من الوقوف أمام الكاميرا. حقيقة أعاني من هذه الحالة قبل تقديم كل نشرة».
وتعمل إعلاميات «جين» في بلد أكلت منه الحروب ومزقته نيران القتال، وبات من بين أخطر وأصعب الدول في العالم بالنسبة للعمل الإعلامي.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».