الصورة... لغة تواصل صامتة مع الأطباق

السعودي محمد المنسّف يتألق وشعاره «لا ألتقط الصورة بل أبنيها»

محمد المنسف
محمد المنسف
TT

الصورة... لغة تواصل صامتة مع الأطباق

محمد المنسف
محمد المنسف

أواني أنتيك، وخلفيات معتقّة، وأطباقٌ مكوناتها الملونة تفتح الشهية، فلا يقاوم الجائع قطرات الليمون في أثناء تصببها على مهل فوق ورق العنب المبتهج؛ في تلك اللحظة تلتهم عيناه الأطايب، ويصبح في حيرة من أمره أيها حلوة المذاق أكثر: الباستا أم حبات الكرز أم قطع الشوكولاته؛ وجميعها ما هي إلا صور لسعودي شقّ طريقه الخاص في خلق لغة تواصل صامتة مع الطعام والمنتجات، من دون أن يجبر نفسه على التقيد بأساليب المصورين المتبعة.
حالة تألق يشهدها مصورون عرب يضعون لمستهم الخاصة في هذا الحقل الممتع، ومن بينهم محمد المنسّف الذي يعمل وفق شعار «لا ألتقط الصورة، بل أبنيها»، فقد أدمنَ بشكل جميل هواية تصوير الأطعمة منذ عشر سنوات، راكمَ خلالها كثيراً من الممارسة والتدريب والتغذية البصرية والاطلاع، حتى صار متمرساً ومدرباً له اسمه.
إبداعه في الإضاءة لفتَ انتباه المطاعم والشركات الغذائية، فقد يستخدم في الخلفيات أدواتٍ منزلية لا تخطر بالبال، مثل «الليف المنزلي»، ليعطي لمعاناً محبباً في الإضاءة؛ إنه بالمختصر: يجيد تحليلها، فينشر الظل بنهاية هادئة، ولا يتردد في كسر القواعد من أجل إيصال فكرة الإعلان.
لم يهنأ المنسّف بطفولة تشهد على ذكريات دافئة مع خبز وقهوة أمه، فقد توفيت وهو في عمر التاسعة، إلا أنه كان يحاول بين حين وآخر تحضير الكيك لأخوته، دون أن يهتم لإخفاقه في المهمة؛ يسترجع تلك الأيام بضحكة طيبة.
درس تخصص إدارة الألوان والإخراج الفني، مما مهدّ له طريق تصوير الأطعمة بشكلٍ أو بآخر، والتحق بدورات للتصميم والتصوير الدعائي في ألمانيا وبريطانيا.
يستهلّ حديثه مع «الشرق الأوسط» بالقول: «إن دراستي منحتني مساحة رحبة للتفكير خارج الصندوق، لا سيما حين أخذت ألتفت إلى الأعمال البصرية في الشوارع والمحلات، خصوصاً تلك التي تأخذ طابعاً تجارياً».
يرتدي عادة الملابس الداكنة في أثناء ممارسة شغفه، حتى يقلل من تأثير الانعكاس على المنتج، ثم يلتقط صوراً للأطباق من زوايا تعطي بعداً احترافياً، حتى يكاد المرء يشتم روائحها الزكية، فيهرع إلى تلبية النداء، ولا عجب أنه رجل بطبعه يحب الطعام، في حين بدأت مواهبه الكامنة تخرج رويداً رويداً حين اقترن بزوجته التي تشاركه في موهبة التصوير.
كان الاستمرار في هذا الشغف أول التحديات التي أظهرت نفسها، بحسب ما يقول لنا، ومن ثّم تطوير أدائه يأتي في المقام التالي، ولم يخلو الأمر من مواجهة صعوبة في غلاء المعدات نظراً لعدم توفرها في السوق المحلية.
وفي سؤاله عما جذبه إلى هذا القطاع على وجه الخصوص، قال المصور السعودي: «لقد جربت سابقاً تصوير الطبيعة الصامتة، ومن ثم تصوير الأشخاص، وحين خضت مجال تصوير الأطعمة والمنتجات، كانت النتائج التي تتمخض عن الجلسات مبهرة لي ولمن حولي. وفي تلك الآونة، بدأ موقع (إنستغرام) في الانتشار، ورأيت صدى واضحاً لما أفعله».
- تفتقد إلى القواعد
من يظن أن تصوير الناس أصعب من تصوير الطعام، فإن المنسف يصحّح له المعلومة بالقول: «العقدة تكمن في تكوين العناصر، وتناغم بعضها مع بعض بالشكل العفوي المقبول لدى المتلقي. فمن الممكن توجيه الشخص المراد تصويره لتحريك رأسه يمنة أو رفعه يسرة، ومن ثم نجري التعديل بواسطة الكاميرا. أما في حال الأطعمة والمنتجات، فيدور الحوار حينها بين المصور ونفسه لأجل الوصول بالصورة إلى أعلى كفاءة».
«الكاميرا باهظة الثمن لا تصنع مصوراً محترفاً»؛ إنه معتقد مهني يجزم به، موضحاً: «الصور الجميلة سرها ليس في التكلفة العالية، بل في مقدار ما يرتقي صاحبها باحترافيته».
في البداية، «نيكون»، ثم تبعتها «كانون»، وقبل عام ونصف العام، صارت «سوني» رفيقته الجديدة، مشدداً على أن الهواتف النقالة الحديثة لا تغني عن الكاميرات الاحترافية، وإن باتت تفي بالغرض لدى كثيرين.
وعلى ما يبدو، فإن محمداً أخذ موهبته على محمل الجد، بدليل أنه اتخذ قراراً بترك وظيفته، والتفرغ للشغف، فقد يستغرق منه تصوير طبق أكثر من ساعة.
ترتيبات الطبخ يجب أن تتم بشروط معينة من أجل التصوير، فالأمر يتجاوز بكثير مجرد طبق معدّ للأكل، حيث إن الأطعمة الباردة والساخنة كل منها له طريقة في التعامل، والسبب من وحي تجربته: «يصعب على مصور البورتريه أن يلتقط صوراً ناجحة للأطعمة لأن ذلك يحتاج إلى التوزيع الصحيح للإضاءة، وتكوين العناصر العفوي، واختيار موفق لزاوية الالتقاط، وللأرضية والخلفية، وإلى معالجة متكافئة تتضمن تحسين الألوان. وعلاوة على ما سبق، فإن إعداد الصحن والطاولة بشكل لائق يجب ألا نغفله؛ إنها تفاصيل تجعلنا لا نستهين بتصوير الطعام».
ويروي لنا ما حدث معه ذات صباح: «ذهبت إلى أحد الزبائن كي أصور له وصفات معينة، وإذ به قد أتم طهيها في اليوم السابق. بطبيعة الحال، أُلغيت الجلسة، وعدت في وقت لاحق، بعد أن أخبرته بضرورة أن يكون الطعام طازجاً ساخناً». ويحدّثنا عن أحد طقوسه الطريفة: «لا أبدأ بالجلسة قبل أن أكون قد تناولت وجبة الغداء أو العشاء، حتى لا أقنع بأي نتيجة بسبب الجوع».
ومن لطائف عمله التي تعود بالنفع على زوجته التي تجد نفسها في تصوير البورتريه أن محمداً دائماً يعود إلى البيت حاملاً أطباقاً وأكواباً جديدة، علّها تكون أدوات مساعدة في صور يستعد لها، مع العلم بأن بعض الديكورات اللازمة لا تتوفر في السوق المحلية، وعندئذ لا يتردد في اقتنائها عبر التسوق الإلكتروني، وفقاً له.
وفي أثناء تصفحي لصوره، توقفت للحظة عند قطعة معجنات، جزء منها قفزت إليه لمعة مثيرة، وجزء آخر يعانقه الظل، وما بينهما «حقيقي تماماً»، وكان لا بد أن أسأله عن الفرق بين تصوير منتجات الطعام التي تأخذ صبغة دعائية وما تنشره مدونات الطعام من أطباق يسيل لها اللعاب، ويبدع فيها هواة جادون في الطبخ والتصوير، خصوصاً من العنصر النسائي؛ يشرح المنسّف بحماسة: «المرأة بطبيعتها تربطها علاقة حميمة مع المطبخ، حتى أنني أتوقع قريباً أن تصبح الكاميرا من ضمن مستلزمات تجهيز هذا الركن المهم في كل بيت. أرى أن ما يُنشر من صور لأطباق شهية في (إنستغرام) وغيره في الغالب يفتقد إلى القواعد، وبالتالي تستمد الصورة جمالها من جمال الطبق، أو روعة المكان، وذلك لا يقلل من شأن هذا النمط، وإنما يبقى اجتهاداً شخصياً من المرجّح ألا يميل له أصحاب المطاعم والشركات، في حين أن التصوير التجاري يستلزم إلماماً بجميع الجوانب التي تزيد من مبيعات المنتج، وتجنب العناصر المشتتة التي تحول دون استحواذ العنصر الأساسي، ناهيك عن خلق بيئة جذابة عبر أفكار وتقنيات جديدة».
- حتى يبدو طازجاً
يُقال إن التصوير في المنزل يوفر مستوى أكبر من التحكم الإبداعي مما لو تم في المطعم؛ يبرز الشعرة الفاصلة بينهما قائلاً إن التصوير في المنزل أو الاستديو يخرج بنتائج رائعة نظراً لتوفر المعدات والأدوات والجو الفني، لكن في المطعم يبقى العميل إلى جانب المصور ليوعز إليه بالتعديلات المطلوبة، وهذا من الناحية التجارية أمر سليم، لأن ما يقع على عاتق المصور الخروج بصورة تتوافق إلى حد كبير مع ما يدور في ذهن العميل.
وحتى تتوازن تلك الشَعرة، يضيف في السياق نفسه: «تعرضت مرة لموقف مزعج، حين نسيت إحدى أدوات التصوير في الاستوديو، مما استغرق مني وقتاً لإحضاره بسبب بعد المسافة».
«ماذا عن أهم عوامل النجاح حتى يبدو الطعام طازجاً فاتحاً للشهية؟»، يقول المنسّف: «أولاً، توزيع الإضاءة حتى لو لم يحظ المنتج أو الطبق بجمالية فائقة، ولا بد من صفّ الطعام داخل الصحن بطريقة تبرز جميع المكونات بشكل مشوق، وكذلك صفّ أدوات الأكل مثل الملاحة والفلفل، وعدم إغفال الإتيكيت، على غرار وضع السكين جهة اليمين والشوكة جهة اليسار؛ أي إجمالاً: مراعاة ما يعرف بـ«Food styling».
ويتابع المصور السعودي: «في تصوير الأطعمة، علينا التأني وأخذ أكثر من لقطة، وإجراء التعديل عليها، وتغيير الأماكن إن اقتضى الأمر، حتى نصل إلى أجمل صورة ممكنة، ويتوجب إجراء كثير من التعديلات، بحسب ما تراه الكاميرا، وليس ما تراه عيني وعينك».
وعما إذا كان المصور قد يساهم في خداع المستهلك بشكلٍ ما، يؤكد المنسّف أن دوره يتلخص في تصوير المنتج أو طبق الطعام في أبهى حالة، أي أن يجعله أكثر بهاء، ثم تأتي مسؤولية المطعم في تقديم المنتج أو الطبق بالجودة نفسها التي ظهرت في الصورة.
الحلوى والشوكولاته هما أكثر ما يحلو له تصويره، وأحب صوره إليه تلك التي يلتقطها للحلويات بخلفيات ناصعة البياض، كما يروق له تصوير أطعمة سعودية شعبية تحظى بإعجاب المتلقي العربي والغربي، مثل الكبسة والقهوة العربية. أما المصور الذي يلهمه، فهو المبدع الروسيّ Alex Koloskov.
الأسلوب الروسي أيضاً نجده مفضلاً لديه، إذ يعتمد على العناصر الريفية، مثل استخدام القطع الأثرية وقماش الكتان والخيش، وقد قدم فيه كثيراً من المحاضرات، داخل وخارج السعودية، كما أن الأسلوب «المودرن» نجد لمسته واضحة في صور له تأخذ طابعاً أوروبياً.
ويرد على سؤال «الشرق الأوسط» حول إذا ما كانت دوراته تستقطب غير المصورين، فيقول: «نعم، ففي كل مرة يلتحق عدد غير متوقع من الرجال والنساء، قد يفوق أكثر من 400 متدرب؛ أعتقد أن شح المعلومات المنشورة باللغة العربية في هذا التخصص تجعلهم متعطشين للمعرفة».


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
TT

أطباق من أجلها يسافر الذواقة حول العالم

سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)
سيفيتشي طبق البيرو الأشهر (غيتي)

لم تعد خريطة السفر تُرسم فقط حول المعالم التاريخية والشواطئ والمتاحف. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت المطاعم والأطباق الشهيرة وجهات سياحية بحد ذاتها، وأصبح هناك مسافرون يخططون رحلاتهم حول تجربة طبق معين في مطعم لا يوجد إلا في مدينة معينة.

البيتزا هي أشهر طبق في نابولي (أ.ف.ب)

بالنسبة إلى هؤلاء الذواقة، لا تكفي صورة الطبق أو وصفه، ولا يمكن أن تحل نسخة أخرى منه في مطعم مختلف محل التجربة الأصلية. فهناك أطباق ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمطاعمها وطهاتها ومدنها، حتى أصبح تذوقها جزءاً من برنامج السفر، وأحياناً سبباً رئيسياً وراء الرحلة.

من نيويورك إلى مودينا وبرشلونة وطوكيو وليما، هذه عشرة أطباق وتجارب غذائية أصبحت تستحق، بالنسبة إلى عشاق الطعام، رحلة كاملة.

تونة كارباتشيو: «لو بيرناندين» نيويورك

في نيويورك، يعد «Le Bernardin» من أشهر عناوين المأكولات البحرية الفاخرة. ومن الأطباق التي ارتبطت بالمطعم «تونة كارباتشيو»، حيث تقدم شرائح التونة الرقيقة بطريقة تبرز جودة المكون الأساسي وتوازن النكهات.

بالنسبة إلى عشاق المأكولات البحرية، تمثل زيارة المطعم فرصة لتجربة فلسفة الشيف إريك ريبير التي تقوم على احترام المكونات البحرية وعدم إغراقها بالتعقيد.

حساء توم يام الشهير في بانكوك (بيكسيلز)

وهنا يتحول الطبق إلى جزء من هوية المكان، وليس مجرد عنصر في قائمة طويلة.

لازانيا: «أوستيريا فراتشيسكانا» مودينا (إيطاليا)

في مودينا الإيطالية، أعاد الشيف ماسيمو بوتورا تعريف العلاقة بين الطعام والذاكرة. ومن أشهر أفكاره طبق «الجزء المقرمش من اللازانيا»، الذي يستلهم الجزء الذي يحبه كثيرون من اللازانيا التقليدية: الأطراف المقرمشة.

قد يبدو الطبق بسيطاً، لكنه يعكس فلسفة المطعم في إعادة تفسير الأطباق الإيطالية المعروفة بأسلوب معاصر. ولذلك أصبح من التجارب التي يبحث عنها الزوار الذين يضعون المطعم على قائمة رحلاتهم إلى إيطاليا.

تجربة الطعام في «ديسفروتار» برشلونة

في برشلونة، أصبح مطعم «Disfrutar» من أهم العناوين العالمية لعشاق المطبخ المعاصر. المطعم الذي تصدر قائمة أفضل مطاعم العالم عام 2024 لا يعتمد على طبق واحد فقط، بل على تجربة تذوق متكاملة.

بعض ابتكاراته أصبحت معروفة عالمياً، وتحولت طريقة تقديم الطعام فيه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها. الزائر لا يأتي فقط لتناول العشاء، وإنما لخوض تجربة يصعب العثور على نسخة مماثلة لها في مكان آخر.

السوشي في طوكيو

في اليابان، يمكن أن يكون السوشي نفسه سبباً كافياً للسفر. لكن التجربة تختلف جذرياً عندما يكون الهدف تناول السوشي في مطعم عالمي.

بط بيكين الشهير في الصين (غيتي)

في طوكيو، ترتبط قيمة التجربة بالدقة، وجودة الأسماك، ومهارة الشيف، وطريقة التعامل مع الأرز والصلصة ودرجة الحرارة. ولهذا يسافر عشاق السوشي إلى العاصمة اليابانية ليس فقط من أجل الطعام الياباني، وإنما من أجل تجربة طريقة تقديمه في موطنه.

بيتزا نابولي (إيطاليا)

هناك أطعمة لا تحتاج إلى تعريف، والبيتزا النابولية واحدة منها. لكن الذواقة يعرفون أن تناول البيتزا في نابولي يختلف عن تناولها في أي مكان آخر.

فزيارة المدينة الإيطالية تمنح السائح فرصة لتذوق البيتزا في بيئتها الأصلية، حيث أصبحت طريقة إعداد العجين والخبز والمكونات جزءاً من التراث الثقافي للمدينة.

ولهذا تحولت بعض مطاعم البيتزا التاريخية في نابولي إلى محطات ثابتة في برامج عشاق الطعام الذين يزورون المدينة.

«بكين داك» في بكين (الصين)

يُعد بط بكين من أشهر الأطباق الصينية التي ارتبطت بالعاصمة الصينية. ويأتي الزوار إلى مطاعم متخصصة بحثاً عن التجربة التقليدية التي تشمل تحضير البط، وطريقة تقطيعه وتقديمه مع الفطائر الرقيقة والمكونات المصاحبة.

هنا لا يتعلق الأمر بطبق فقط، وإنما بطقس كامل حول الطعام، وهو ما يجعل التجربة جزءاً من اكتشاف ثقافة المدينة.

سيفيتشي في ليما (البيرو)

في ليما، أصبح السيفيتشي رمزاً للمطبخ البيروفي الحديث. السمك الطازج المتبل بالحمضيات والفلفل والمكونات المحلية يقدم تجربة مرتبطة مباشرة بالمحيط الهادئ وثقافة الطعام في بيرو.

ولهذا أصبحت المطاعم البيروفية الراقية وجهة مهمة للزوار الذين يريدون فهم المطبخ المحلي من خلال أطباقه الأساسية، وليس فقط تناول وجبة عابرة.

«نوما» في كوبنهاغن

في كوبنهاغن، قدم مطعم «Noma» مفهوماً مختلفا للسياحة الغذائية، حيث أصبحت المكونات المحلية والموسمية جزءاً من قصة الرحلة.

لم يكن الهدف دائماً تقديم طبق يعرفه الزائر مسبقاً، وإنما اكتشاف النكهات والمكونات التي تعبر عن البيئة الاسكندنافية. وهكذا أصبحت زيارة المطعم بالنسبة إلى كثير من الذواقة تجربة ثقافية بقدر ما هي تجربة غذائية.

حساء «توم يام» في بانكوك

في بانكوك، تمثل أطباق المطبخ التايلاندي عامل جذب للسياح من جميع أنحاء العالم، ومن بينها حساء «Tom Yum» الشهير، الذي يجمع بين الحموضة والحرارة والأعشاب العطرية.

وتزداد قيمة التجربة عندما يتناول الزائر الطبق في مطعم محلي معروف، حيث ترتبط النكهات بالمكونات والتقاليد الغذائية التي يصعب فصلها عن البيئة التايلاندية نفسها.

«تاكوس» في مكسيكو سيتي

أما في مكسيكو سيتي، فأصبح التاكو أحد رموز ثقافة الطعام في المدينة. وبين المطاعم الراقية وأكشاك الشوارع، يبحث المسافرون عن أماكن بعينها لتجربة أنواع محددة من التاكو. واللافت أن السياحة الغذائية هنا لا ترتبط بالمطاعم الفاخرة فقط. فقد يكون كشك صغير في شارع مزدحم مقصداً لآلاف الزوار لأنه يقدم طعاماً ارتبط بالمدينة وتناقل الناس شهرته عبر الأجيال ووسائل التواصل الاجتماعي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الطعام لم يعد مجرد خدمة تقدم للسائح بعد وصوله إلى وجهته. بل أصبح في بعض الحالات دافعاً للوصول إلى الوجهة نفسها. ويؤدي تصنيف المطاعم والجوائز العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا التحول. فصورة طبق مميز أو مراجعة من مسافر معروف يمكن أن تجعل مطعماً صغيرا على خريطة مدينة ما مقصداً لزوار من قارات مختلفة.


مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
TT

مطاعم ترتقي بمفهوم «صفر نفايات» إلى مستويات جديدة

حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)
حديقة ميرازور التي تعتمد على الزراعة فيها (أفضل 50 مطعما)

من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.

في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.

سانت بيتر - سيدني

من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.

ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.

أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.

وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.

أتولييه كرين - سان فرانسيسكو

في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.

وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.

كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.

بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.

يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.

من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.

وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.

بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس

يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.

مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.

ميرازور - مينتون

منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.

يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.


سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
TT

سندويشات الذكريات... حين تختبئ الطفولة بين طبقات الخبز

ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)
ترتبط نكهات بعض السندويشات بالطفولة (إنستغرام)

يتعلّق المرء أحياناً برائحة أو ملمس أو طعمٍ ما، فيجد نفسه يستعيد ذكرياتٍ دفينة تنبشها الذاكرة من طفولةٍ مضت، ويحتلّ الطعام صدارة ما يوقظ هذه الذكريات، سواء عبر نكهته أو رائحته أو شكله. تصبح كل قضمة، أو «كدشة» كما يسمّيها اللبنانيون، بمثابة رحلة خاطفة إلى زمنٍ يحنّ إليه المرء، ويتمنّى لو يعود به إلى الوراء.

ورغم أنّ بعض الأشخاص يربطون أكلةً أو سندويشاً معيّناً بمرحلة حربٍ أو جوع، فإنها تبقى بالنسبة إليهم حاملةً للحظة البهجة التي عاشوها وهم يتناولونها، فتنتصر الذكرى الجميلة على قسوة الظروف.

الجبن الأبيض مع البطيخ (إنستغرام)

ويرى علماء النفس أن علاقة وثيقة تربط بين حاستَي الشمّ والتذوّق والذاكرة، إذ تُعدّ الروائح والنكهات من أكثر المحفّزات على استعادة تفاصيل ظنّ الإنسان أنّها اندثرت. فما إن يتذوّق المرء لقمة اعتادها في طفولته أو يشمّ رائحة خبز خرج للتوّ من الفرن، حتى يجد نفسه يعود إلى بيت العائلة، أو إلى ساحة المدرسة، أو إلى جلسة جمعت أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة. وكأنّ الطعام يتحوّل إلى أرشيف حيّ يحتفظ بالمشاعر أكثر مما يحتفظ بالمذاقات.

ولا ترتبط هذه الذكريات دائماً بالأطباق الفاخرة أو الوصفات المعقّدة، بل غالباً ما تكون لأطعمة شديدة البساطة. فسندويش أعدّته الأم على عجل، أو قطعة خبز غُمست بزيت الزيتون والزعتر، أو رغيف خرج ساخناً من فرن القرية، قد يترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. فالقيمة هنا لا تكمن في المكوّنات، بل في الأشخاص الذين شاركونا تلك اللحظات، وفي الشعور بالأمان والدفء الذي رافقها.

سندويشات تحاكي الطفولة (إنستغرام)

ولكلّ فئة من اللبنانيين محطّاتها الخاصة مع هذه الذكريات. فالمغترب قد تثير فيه رائحة الزعتر شوقاً جارفاً إلى الوطن، بينما يحتفظ أبناء جيل السبعينات، الذين عايشوا سنوات الحرب، بنكهات أكلات بسيطة، كان معظمها عبارة عن سندويشات متواضعة المكوّنات، لكنها تركت أثراً عميقاً في الذاكرة. أما الذين أمضوا طفولتهم في القرى، فيكفي أن تفوح رائحة خبز الصاج حتى يعودوا إلى أيام لا تزال تسكن وجدانهم.

وإذا سألت أحد أبناء جيل السبعينات عن الأكلة التي تختصر مرحلة الحرب اللبنانية، فسيردّ على الأرجح بأنها «عروس الجبنة المبسترة (بيكون) مع البندورة». ففي ظل انقطاع لبنان عن الخارج، وغياب التيار الكهربائي، وتنقّل اللبنانيين من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، تحوّل هذا السندويش إلى رفيق دائم في رحلة النزوح.

ويأتي سندويش البطاطا والبيض المسلوق في طليعة النكهات التي لا تزال تستحضرها الذاكرة اللبنانية. وتقول منى بريدي: «هذا السندويش الذي كانت والدتي تحضّره لي على الغداء أو العشاء لا أزال أتلذّذ به حتى اليوم، وأعدّه جزءاً لا يتجزأ من طفولتي». بينما ترى صديقتها نايلة حلو أنّ أكثر ما تفتقده من حلويات الماضي هو «عروس الطحينة بالسكر». وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «كان هذا السندويش بديلاً عن الحلاوة التي لم تكن متوفرة دائماً، فكنا نلتهمه أنا وإخوتي بشهية، ولا أزال حتى اليوم أعود إليه بين حين وآخر».

أما المغتربون اللبنانيون، فيجمعهم حنين واحد يتمثّل برائحة المناقيش، ولا سيما منقوشة الزعتر. فكثير منهم، ما إن تطأ أقدامهم أرض الوطن، حتى يتوجّهون مباشرة إلى أقرب مخبز لتناول منقوشة ساخنة. بينما يفضّل آخرون أن تحضّر لهم والدتهم «عروس الزعتر وزيت الزيتون» كما كانت تفعل في طفولتهم، فيكون طعمها مزيجاً من الحنين والدفء العائلي.

ومن السندويشات التي ارتبطت بذكريات الطفولة «عروس الجبن الرومي مع المربّى» و«عروس البندورة والنعناع» و«عروس الجبنة البلغارية مع البطيخ» وكلمة عروس في لبنان تُطلق على السندويش. وقد أعاد مطعم «أم شريف ديلي» إحياء هذه الوصفات البسيطة، فخصّص لها حيّزاً في لائحة طعامه، ووصل سعر بعضها إلى نحو 15 دولاراً، رغم مكوّناتها المتواضعة. وبينما انتقد كثيرون هذا الارتفاع في الأسعار، رأى آخرون أنّ استعادة نكهة تختزن ذكريات الطفولة تستحق أن تُدفع في سبيلها كلفة أكبر.

وتطول لائحة «سندويشات الذكريات» لتشمل أصنافاً ارتبطت بمناطق لبنانية معيّنة، حتى باتت جزءاً من هويتها الشعبية. فأبناء مدينة طرابلس يستحضرون بحنين «سندويش المغربية»، الذي شكّل لسنوات وجبةً لا تغيب عن طفولتهم. بينما يحتفظ كثيرون بذكرى «عروس اللبنة والنعناع اليابس»، التي كانت محطةً شبه إلزامية للعائلات في طريقها إلى شتورا، قبل أن تتابع رحلتها نحو البقاع أو زحلة.

وللبحر أيضاً سندويشاته الخاصة. فكثير من اللبنانيين لا يزالون يربطون رحلات الصيف العائلية إلى الشاطئ بـ«سندويش البطاطا المقلية مع الكاتشاب»، الذي كان يُحضَّر في المنزل ويوزَّع على الأولاد بعد ساعات من السباحة واللعب. كما يحضر في الذاكرة «عروس المرتديلا»، أو سندويش «الكشك» في مواسمه، وسندويش الجبنة البيضاء مع البندورة، وهي وجبات لم تكن تحتاج إلى مكوّنات كثيرة بقدر ما كانت تحتاج إلى لمّة العائلة ونزهة بسيطة لتصبح ذكرى لا تُنسى.

ولعلّ ما يجمع هذه السندويشات جميعها أنّها لم تكن مجرّد وجبات تسدّ الجوع، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية للبنانيين. فهي تختزن رائحة البيت، ودفءَ الأم، وضحكات الإخوة، ورحلات المدرسة، والنزهات العائلية. ومع مرور السنين، لم يعد مذاقها مجرّد نكهة، بل صار يستحضر زمناً جميلاً يحنّ إليه كثيرون، ويصفونه بـ«زمن البركة»، حين كانت البساطة كافية لصناعة أجمل الذكريات.