السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

موائد العيد تتنافس بين «الكبدة» و«التشيز بلاتر»

يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)
يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)
TT

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)
يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

في صباح عيد الأضحى، وبينما كانت رائحة «الكبدة والمقلقل» تتصاعد من مطابخ البيوت السعودية بوصفها طقساً قديماً ارتبط بالأضحية، ولا يكتمل العيد من دونه، كان ناصر الإبراهيم يستعد لتناول فطور العيد التقليدي، معتبراً أن «نكهة العيد الحقيقية تبدأ بعد صلاة العيد مباشرة».

يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

لكن، وعلى مسافة مختلفة من المشهد ذاته، اختارت عبير أحمد أن تستقبل صباح العيد بطريقة أكثر عصرية؛ إذ فضّلت شراء صينية «تشيز بلاتر» جاهزة لعائلتها الصغيرة، في انعكاس واضح لتحولات اجتماعية وغذائية بدأت تتسلل بهدوء إلى موائد الأعياد في السعودية.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة مثل «الكبدة» و «المقلقل»، وهو عبارة عن لحم الضأن المقطع المتبل وقطع الطماطم، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة، تجمع بين الطابع الاحتفالي وسهولة التحضير.

«تشيز بلاتر» أحد الأطباق الحديثة التي تُقدَّم بأساليب مبتكرة وعصرية (بيكري تاون)

ويقول ناصر (25 عاماً)، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التمسك بوجبات العيد التقليدية «أمر لا يمكن التفريط فيه»، مضيفاً: «نعم، تناولت الكبدة والمقلقل من الأضحية التي ذُبحت اليوم، وكل العائلة تحرص على ذلك، لأن هذه الأكلات مرتبطة بفرحة العيد وذكرياته».

ومنذ ساعات الفجر الأولى، توافد المواطنون والمقيمون في السعودية إلى ساحات المساجد والمصليات المخصصة لأداء صلاة عيد الأضحى، وسط أجواء تغمرها البهجة، خصوصاً بين الأطفال والعائلات، إذ يُعدُّ العيد أحد أبرز المواسم الدينية والاجتماعية التي تستحضر طقوساً متوارثة تمتد من صلاة العيد حتى موائد الإفطار الأولى.

يستمتع الكثير من السعوديين بالأطباق التقليدية خلال مواسم الأعياد (موقع كبدة المعلمي)

لكن، وعلى امتداد تلك الطقوس، تبدو موائد العيد هي الأخرى أمام تحولات لافتة؛ إذ يرى كثيرون أن الوجبات التقليدية بدأت تتراجع تدريجياً أمام أطباق حديثة تحمل أفكاراً وأساليب تقديم مبتكرة، مدفوعة بتغير أنماط الحياة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، ينتقد آخرون هذه الصيحات الجديدة، معتبرين أن جانباً كبيراً منها «أقرب إلى الاستعراض» من ارتباطه بروح العيد الحقيقية، مؤكدين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل بالنسبة لكثير من السعوديين جزءاً أصيلاً من هوية المناسبة وذاكرتها الاجتماعية.

وتشير عبير (27 عاماً) إلى أن التنافس بين العائلات في طرق تقديم وجبات الإفطار صباح العيد، دفع كثيرين إلى الاتجاه نحو الأطباق الجاهزة ذات الطابع العصري، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تشكيلة واسعة من الأطباق التي تُقدَّم بشكل أنيق صبيحة العيد، ومنها (تشيز بلاتر)، وقد اعتدنا عليه مؤخراً».

وخلال السنوات الأخيرة، تحول «تشيز بلاتر» إلى واحد من أكثر أطباق الإفطار حضوراً في مواسم الأعياد، بوصفه طبقاً يجمع بين التنسيق البصري والتنوع في المكونات. ويتكوّن عادة من أصناف متعددة من الجبن، تُقطّع بعناية وتُرتّب بأسلوب فني داخل أطباق خاصة.

تفضّل بعض العائلات قضاء أوقات ممتعة خارج المنزل احتفالاً بالعيد وذكرياته (تصوير: سعد الدوسري)

ولا يقتصر الطبق على الجبن وحده، بل يُقدَّم إلى جانبه الخبز المحمص، مع إضافات متنوعة تشمل الزيتون المشوي، والطماطم الكرزية، والعنب، بينما تُزيَّن بعض الأطباق بالعسل والبسكويت والجوز و«الشابورة» والمرتديلا، في محاولة لمنح المائدة طابعاً احتفالياً مختلفاً.

وتتفاوت أسعار هذه الأطباق بحسب المكونات والإضافات المستخدمة، إذ تبدأ غالباً من نحو 80 ريالاً، وقد تصل إلى 500 ريال سعودي للطبق الواحد، في سوق موسمية تشهد نشاطاً متزايداً مع حلول الأعياد والمناسبات الاجتماعية.

وبينما اعتاد السعوديون، لعقود طويلة، تناول إفطار العيد داخل المنازل وسط أجواء عائلية تقليدية، بدأت شريحة متزايدة تفضّل قضاء صباح العيد خارج البيت، سواء في المطاعم أو المقاهي أو المنتجعات، بحثاً عن أجواء أكثر احتفالية، وإضفاء مزيد من البهجة على الأطفال والعائلة.

ويعكس هذا التحول تغيراً تدريجياً في أنماط الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية، مع بقاء كثير من الطقوس القديمة حاضرة، وإنْ بصور أكثر حداثة تتماشى مع إيقاع الحياة المتسارع وتبدل اهتمامات الأجيال الجديدة.

بدأت شريحة متزايدة من السعوديين تفضّل قضاء صباح العيد خارج البيت (موسم الرياض)

ورغم هذه التحولات، ما زالت الأضحية تحتفظ بمكانتها الخاصة في حياة السعوديين، بوصفها شعيرة دينية ترتبط بمعانٍ روحية واجتماعية عميقة، إذ يحرص كثيرون على أدائها عن أنفسهم أو عن ذويهم الراحلين، وفاءً لوصايا الآباء والأجداد، وتجسيداً لقيم البرّ والتكافل وصلة الرحم التي يحضر أثرها بوضوح في أيام العيد.


مقالات ذات صلة

الذهب في مهب التقلبات... هل تشتري الآن أم تنتظر؟

خاص صائغ يفحص مشغولات ذهبية في إحدى مدن شرق السعودية (الشرق الأوسط)

الذهب في مهب التقلبات... هل تشتري الآن أم تنتظر؟

هل حان الوقت لشراء الذهب، أم أن التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية تجعل الانتظار خياراً أكثر حكمة.

مساعد الزياني (الرياض)
يوميات الشرق نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

أسهم فريق المركز السعودي لزراعة الأعضاء في إنقاذ حياة 12 مريضاً بينهم 4 أطفال، وإنهاء معاناتهم مع أمراض الفشل العضوي، وإعادة البهجة والسرور إلى أسرهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يتيح التحدي لمن أعمارهم بين 18 و25 عاماً خوض تجربة عملية متكاملة في صناعة الأفلام (مؤسسة البحر الأحمر السينمائي)

«البحر الأحمر السينمائي» تختار 15 فريقاً لتحدي «فيلم في 48 ساعة»

اختارت «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» 15 فريقاً للمشاركة في النسخة السادسة من تحدي «صناعة فيلم في 48 ساعة»، بعد استقبال 127 طلب مشاركة من صنّاع أفلام ناشئين.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم العربي جانب من إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

السعودية: انطلاق فعاليات «صيف التدريب التقني» تحت شعار «حنا ندورك»

تنطلق في التاسع عشر من يوليو الحالي فعاليات «صيف التدريب التقني» ضمن مبادرة حملات تحفيز الالتحاق بالتدريب التقني والمهني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال جانب من الحفل (الشرق الأوسط)

السعودية: تخريج 1611 مختصاً في هندسة وصيانة الطائرات

احتفت الكلية التقنية العالمية لعلوم الطيران في الرياض، برعاية وزير التعليم السعودي يوسف البنيان، بتخريج 1611 خريجاً وخريجة من دفعة العام التدريبي 2025 - 2026…

«الشرق الأوسط» (الرياض)

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟
TT

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟

لطالما ارتبط اللعب في أذهاننا بالأطفال، باعتباره وسيلة للتعلم والتطور خلال سنوات النمو الأولى، لكن الأبحاث العلمية تشير إلى أن هذه الحاجة لا تختفي عند البلوغ.

فاللعب قد يكون عنصراً مهماً في حياة الكبار أيضاً، إذ يساعد على تخفيف التوتر وتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية. فما الذي يجعل اللعب حاجة بيولوجية تستمر معنا طوال العمر؟

ويشرح تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، لماذا يحتاج البالغون إلى اللعب، وكيف يمكن لهذه الأنشطة التي تبدو ترفيهية أن تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التواصل وبناء المرونة النفسية.

لماذا يختفي اللعب من حياة البالغين؟

يرتبط الاعتقاد بأن اللعب مخصص للأطفال بفكرة أن الحاجة إليه تختفي فجأة عندما «ننضج» أو نبلغ سن 18 عاماً. لكن المثير للاهتمام أن الأدلة العلمية تشير إلى عكس ذلك؛ فالحاجة إلى اللعب لا تختفي في مرحلة البلوغ.

يظهر لعب البالغين في أشكال متعددة، مثل ألعاب الطاولة، وألعاب الفيديو، والرياضات، وبرامج المسابقات، وغرف الهروب الترفيهية، وغيرها. لكن طريقة ممارسة الكبار للعب تبدو أكثر تقييداً بسبب التوقعات الاجتماعية.

فالبالغون يُتوقع منهم أن يتصرفوا بطريقة مسؤولة ومنتجة وعقلانية، بينما يُنظر إلى اللعب أحياناً على أنه يتعارض مع هذه الصفات. لذلك، يميل كثيرون إلى إخفاء جانبهم المرح أو تقديم مبررات مقبولة اجتماعياً لأنشطتهم الترفيهية.

فمثلاً، قد يقول شخص إنه يبني نموذج قطار مع طفله باعتباره «وقتاً عائلياً مميزاً»، بدلاً من الاعتراف بأنه يستمتع ببساطة باللعب بالقطارات.

اللعب لا يُعرّف بالنشاط... بل بالشعور بالمتعة

لا يزال تعريف اللعب موضع نقاش في الأبحاث العلمية. فالبعض ينظر إليه باعتباره مجموعة من السلوكيات، مثل الألعاب أو الأنشطة الجسدية المرحة.

لكننا جميعاً اختبرنا مواقف اضطررنا فيها إلى «اللعب» بشيء لا نستمتع به؛ مثل لعبة ورق أو لعبة فيديو أو تمثيل أدوار، لكنها جعلتنا نشعر بالملل أو الانزعاج أو التوتر.

وهذا يشير إلى أن اللعب لا يمكن تعريفه فقط من خلال نوع النشاط، بل من خلال الشعور بالمتعة الذي يرافق المشاركة فيه.

فاللعب قد يكون فردياً أو جماعياً، بسيطاً أو معقداً، في العالم الواقعي أو عبر الإنترنت. والعنصر الأهم هو المتعة والفرح الناتجان عن ممارسة النشاط نفسه.

الحيوانات أيضاً تحب اللعب

يبدو أن اللعب مرتبط بدافع بيولوجي موجود لدى الأطفال والبالغين والحيوانات على حد سواء.

وقد أمضى عالم الأعصاب جاك بانكسيب حياته في دراسة الدوافع والمشاعر، وكان تركيزه الأساسي على الحيوانات. وخلال أبحاثه، اكتشف غريزة اللعب تقريباً بالصدفة.

لاحظ بانكسيب أن الفئران التي كان يدرسها في المختبر بدت مستمتعة عندما كان يداعبها أو يدغدغها. وكانت تعود مراراً للحصول على هذا التفاعل، وكأنها تجد فيه مكافأة، كما كانت تصدر أصواتاً عالية تشبه الضحك.

ورغم أن البعض قد يعتبر ذلك إسقاطاً لمشاعر بشرية على الحيوانات، رأى بانكسيب أن الأدلة كانت واضحة: الفئران كانت تستمتع باللعب.

وأظهرت تجاربه أن سلوك اللعب تحركه مناطق عميقة في الدماغ تُعرف أحياناً باسم «الدماغ البدائي»، وهي مناطق قديمة مسؤولة عن الدوافع والغرائز الأساسية.

كما وجد أن الفئران التي حُرمت من اللعب أظهرت لاحقاً رغبة متزايدة في اللعب عندما أُتيحت لها الفرصة، وأن الحرمان الطويل من اللعب أدى إلى مشكلات لاحقة، خصوصاً في مهاراتها الاجتماعية.

اللعب حاجة أساسية مثل الطعام والأمان

الدوافع البيولوجية ليست أموراً اختيارية، ولا تختفي مع التقدم في العمر. فهي تمثل احتياجات أساسية تحفّز السلوك، مثل الحاجة إلى الطعام أو الأمان أو التحفيز.

وعندما لا تتم تلبية هذه الاحتياجات، تزداد الرغبة فيها. وهذا ما يفسر استمرار البالغين في اللعب حتى عندما يشعرون بالحاجة إلى إخفاء هذا السلوك أو تبريره.

فاللعب لا يعود بالنفع على الأطفال فقط؛ إذ يساعد البالغين أيضاً في توليد مشاعر إيجابية، وتقليل التوتر، وتعزيز مشاعر القبول والثقة مع الآخرين.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يساعد اللعب في بناء الموارد المعرفية والجسدية والاجتماعية التي نحتاج إليها ليس فقط للبقاء، بل للازدهار في حياتنا.

لا تتخلَّ عن اللعب بسبب «النضج»

إذا كنت تشعر بالراحة تجاه اللعب، فقد تكون هذه الأبحاث بمثابة تذكير بأن من حقك تخصيص وقت لأنشطة تمنحك الفرح؛ ليس مجرد السعادة العابرة، بل المتعة العميقة التي تجعلك منغمساً بالكامل في اللحظة.

أما إذا كنت تشعر بعدم الارتياح تجاه اللعب، أو تعتقد أنك تهمل مسؤولياتك ودورك بصفتك شخصاً بالغاً، فقد تكون تفوّت فرصة تلبية حاجة بيولوجية أساسية، والاستفادة من النمو الذي يمكن أن يأتي من اللعب.

فاللعب ليس للأطفال فقط. جرّب أن تجد نشاطاً يمنحك السعادة، لا لسبب آخر سوى أنك تستمتع به.


هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
TT

هل يواجه طفلك صعوبة في التركيز؟... إليك 4 حلول مجربة

معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)
معظم الأطفال في عصرنا يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس (بيكسلز)

يشكو كثير من الآباء والمعلمين من صعوبة جذب انتباه الأطفال أو الحفاظ على تركيزهم، وهي مشكلة أصبحت أكثر شيوعاً في ظل انتشار الشاشات الإلكترونية، وتسارع وتيرة الحياة، وتراجع الوقت الذي يقضيه الأطفال في اللعب الحر أو ممارسة الأنشطة الحركية. ورغم أن تشتت الانتباه بات سمة مألوفة لدى كثير من الأطفال، فإن الخبراء يؤكدون أن التركيز مهارة يمكن تنميتها وتدريب الدماغ عليها من خلال ممارسات بسيطة تُطبق في الحياة اليومية.

وفي هذا السياق، توضح كيرا ويلي، خبيرة التربية الواعية، أن أكثر شكوى تسمعها في ورش العمل، واجتماعات أولياء الأمور، والدورات التدريبية التي تقدمها للمعلمين، لا تتعلق بنوبات الغضب أو اضطرابات النوم أو صعوبة تناول الطعام، بل تتكرر عبارة واحدة باستمرار: «لا أستطيع جعل أطفالي ينتبهون».

وتؤكد ويلي أن هذا الأمر لا يثير استغرابها، لأن طفولة اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه في السابق. وتسترجع ذكرياتها قائلة إنها كانت تقضي مع شقيقها ساعات طويلة في التجول داخل الغابات، أو ممارسة ألعاب لوحية معقدة، أو حتى الشعور بالملل، وهي تجارب كانت تمنح الأطفال فرصة للتركيز والانغماس في نشاط واحد لفترات طويلة.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه اللحظات التي يقضيها الأطفال في نشاط واحد بعيداً عن الشاشات نادرة، وهو ما أسهم في تراجع قدرتهم على التركيز، وذلك وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

لماذا أصبح الأطفال أكثر تشتتاً؟

لا يحصل الأطفال على القدر الكافي من الحركة

تشير ويلي إلى أن أدمغة الأطفال تطورت لتتعلم من خلال الحركة، إلا أن معظم الأطفال اليوم يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس، بينما لا يحصلون إلا على أقل من نصف مقدار النشاط البدني الذي يحتاجونه، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتهم على التركيز والانتباه.

التكنولوجيا تشتت انتباه الأطفال

عند استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية، ينتقل الطفل بين مهمة وأخرى كل 65 ثانية في المتوسط، ما يدرب الدماغ على انتظار محفز جديد باستمرار ويقلل قدرته على التركيز لفترات طويلة في مهمة واحدة.

الكبار أيضاً يرسخون التشتت

لا يقتصر الأمر على الأطفال، فحين يعتاد الآباء أو مقدمو الرعاية تفقد هواتفهم باستمرار، أو أداء عدة مهام في الوقت نفسه، أو الرد على أطفالهم بشرود ومن دون تواصل بصري، فإنهم يرسخون لديهم فكرة أن تشتت الانتباه سلوك طبيعي.

قلة النوم والراحة

تسهم الجداول اليومية المزدحمة، ومواعيد النوم غير المنتظمة، واستخدام الشاشات قبل النوم، في حرمان كثير من الأطفال من النوم العميق الذي يحتاج إليه الدماغ للنمو وتعزيز التركيز والانتباه.

طرق مجربة وفعالة لمساعدة طفلك على التركيز

ترى ويلي أن التخلص تماماً من جميع عوامل التشتيت في حياة الأطفال يكاد يكون مستحيلاً، لكن يمكن تدريب أدمغتهم على تنمية مهارات التركيز والانتباه واستخدامها بوعي من خلال عدد من الأساليب العملية:

1- استخدم اللمس اللطيف للتواصل

تقول ويلي إنها تعلمت هذه الطريقة من معلمة متميزة في إحدى رياض الأطفال.

فقد كانت المعلمة تلاحظ الطفل الذي يبدأ بالتململ أو إثارة الفوضى، لكنها لم تكن تلجأ إلى توبيخه أو مقاطعته. وبدلاً من ذلك، كانت تقترب منه بينما تواصل حديثها مع بقية الأطفال، ثم تضع يدها برفق على كتفه، في رسالة هادئة تقول له: «أنا أراك، وأنا هنا معك».

وتؤكد ويلي أن هذا الأسلوب يمكن تطبيقه بسهولة في المنزل. فعندما يكون الطفل مشتتاً وتحتاج إلى جذب انتباهه، حاول أن تلمس كتفه برفق أو تمسك بيده أثناء الحديث معه. فهذا النوع من التواصل الجسدي يمنحه شعوراً بالأمان والطمأنينة، ويساعده على إعادة تركيزه والانتباه لما تقوله.

2- استخدم لغة إيجابية

تنصح ويلي بإخبار الأطفال بما ينبغي عليهم فعله، بدلاً من التركيز على ما يجب أن يتوقفوا عن فعله، لأن ذلك يمنحهم صورة أوضح عن السلوك المطلوب.

فالعقول الصغيرة تستجيب بصورة أفضل للتعليمات الواضحة والإيجابية، مثل قول: «امشِ بهدوء من فضلك»، بدلاً من: «توقف عن الجري».

وترى أن هذا التغيير البسيط في طريقة الحديث يخلق أجواء أكثر إيجابية، ويجعل الوالدين يؤديان دور المرشد الحازم والداعم، بدلاً من الظهور بمظهر المراقب الذي يكثر من التوبيخ.

3- استخدم عبارة «حان وقت...»

بدلاً من سؤال الطفل: «هل يمكنك ارتداء حذائك؟»، تقترح ويلي أن تقول له: «حان وقت ارتداء حذائك».

وبدلاً من: «هل نرتب ألعابك؟»، يمكن القول: «حان وقت ترتيب ألعابك الآن».

وتوضح أن الأطفال يشعرون بقدر أكبر من الأمان عندما يعرفون بوضوح ما هو متوقع منهم، لذلك ينبغي استخدام الأسئلة فقط عندما يكون لديهم خيار حقيقي، مثل: «هل تفضل ارتداء الحذاء الرياضي أم الحذاء الطويل اليوم؟».

فالأسئلة تمنح الطفل فرصة للاختيار، أما التعليمات فتناسب المواقف التي تتطلب تنفيذ أمر ضروري، وهو ما يساعد على تقليل الخلافات اليومية بصورة ملحوظة.

4- جرّبوا تحديات التوازن

تؤكد ويلي أن أنشطة التوازن تجذب الأطفال بطبيعتها إلى حالة من التركيز العميق، لأنها تجبرهم على الانتباه إلى حركة أجسادهم في اللحظة الراهنة.

فعندما يتخيل الطفل أنه يسير فوق حبل مشدود ويحاول ألا يسقط، فإنه لا يستطيع إلا أن يركز بكل انتباهه على حركاته.

ورغم أن الطفل قد يعتقد أنه يتدرب ليصبح لاعب سيرك في المستقبل، فإن ما يحدث في الواقع هو أنه يعزز قدرته على التركيز والتحكم في انتباهه أثناء الحركة، وهي مهارة تنعكس إيجاباً على جوانب أخرى من حياته اليومية.


اضطراب تشوه صورة الجسم… عندما يتحول القلق بشأن المظهر إلى مرض

اضطراب تشوه صورة الجسم يتخذ أشكالاً متعددة وقد يتركز على أي جزء من أجزاء الجسم أو إحدى السمات الجسدية (بيكسلز)
اضطراب تشوه صورة الجسم يتخذ أشكالاً متعددة وقد يتركز على أي جزء من أجزاء الجسم أو إحدى السمات الجسدية (بيكسلز)
TT

اضطراب تشوه صورة الجسم… عندما يتحول القلق بشأن المظهر إلى مرض

اضطراب تشوه صورة الجسم يتخذ أشكالاً متعددة وقد يتركز على أي جزء من أجزاء الجسم أو إحدى السمات الجسدية (بيكسلز)
اضطراب تشوه صورة الجسم يتخذ أشكالاً متعددة وقد يتركز على أي جزء من أجزاء الجسم أو إحدى السمات الجسدية (بيكسلز)

يهتم معظم الناس بمظهرهم الخارجي ويسعون إلى الظهور بأفضل صورة ممكنة، إلا أن هذا الاهتمام قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى انشغال مفرط بعيوب يعتقدون أنها موجودة في أجسامهم، رغم أنها قد تكون غير ملحوظة للآخرين أو بسيطة للغاية. وعندما يصبح هذا الانشغال مصدراً دائماً للقلق والضيق ويؤثر في الحياة اليومية، فقد يكون مؤشراً على الإصابة باضطراب تشوه صورة الجسم، وهو أحد الاضطرابات النفسية التي قد يُساء فهمها أو تشخيصها.

ووفقاً لموقع «ويب ميد»، فإن اضطراب تشوه صورة الجسم هو اضطراب نفسي يسبب ضيقاً شديداً بسبب المظهر الخارجي؛ إذ يعتقد المصاب أن جزءاً أو أكثر من جسمه يعاني عيوباً واضحة، في حين أن الآخرين قد لا يلاحظون هذه العيوب أو يرونها طفيفة للغاية. وقد يؤدي هذا الانشغال المستمر إلى ضغوط نفسية تؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.

ويرتبط اضطراب تشوه صورة الجسم ارتباطاً وثيقاً باضطراب الوسواس القهري (OCD)، إلا أنه غالباً ما يُشخَّص بصورة خاطئة أو يتأخر اكتشافه.

أنواع اضطراب تشوه صورة الجسم

يتخذ اضطراب تشوه صورة الجسم أشكالاً متعددة، وقد يتركز على أي جزء من أجزاء الجسم أو إحدى السمات الجسدية، مثل البطن أو البشرة أو الشعر أو الأنف أو غيرها. وبينما يعاني بعض الأشخاص من انشغال عام بمظهرهم، يظهر الاضطراب لدى آخرين في صورة أحد النوعين الفرعيين التاليين:

اضطراب تشوه العضلات

في هذا النوع، يشعر الشخص بأن جسمه ليس كبيراً أو قوياً أو عضلياً بما يكفي، حتى إن كان يتمتع ببنية عضلية طبيعية أو قوية.

وقد يدفعه هذا الاعتقاد إلى ممارسة التمارين الرياضية بشكل مفرط، أو حساب السعرات الحرارية بدقة، أو ارتداء ملابس تمنحه مظهراً أكثر ضخامة، أو الالتزام بنظام غذائي صارم وجدول محدد لتناول الطعام بهدف زيادة الكتلة العضلية.

اضطراب تشوه صورة الجسم بالوكالة

في هذا النوع، يركز الشخص بشكل مبالغ فيه على ما يعتقد أنه عيوب في مظهر شخص آخر، سواء كان أحد أفراد العائلة أو صديقاً، أو شخصاً غريباً.

ويتسبب هذا الانشغال في شعور بالضيق النفسي، وقد يؤثر في الحياة اليومية، كما قد يدفع المصاب إلى تكرار سلوكيات معينة في محاولة للتخفيف من القلق أو الشعور بالذنب المرتبط بانشغاله بمظهر ذلك الشخص.

أسباب اضطراب تشوه صورة الجسم

لا يعرف الخبراء السبب الدقيق للإصابة باضطراب تشوه صورة الجسم، إلا أنهم يعتقدون أن مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والبيئية قد تسهم في ظهوره.

ومن بين هذه العوامل احتمال وجود خلل في الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات البصرية، مما قد يجعل الشخص يركز بصورة مفرطة على تفاصيل معينة في مظهره.

كما قد تلعب العوامل الوراثية دوراً في زيادة خطر الإصابة. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات الجينية، يشير بعض الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين لديهم أحد أفراد العائلة مصاب باضطراب تشوه صورة الجسم يكونون أكثر عرضة للإصابة به.

وتوجد أيضاً عوامل أخرى قد تسهم في تطور الاضطراب أو تحفز ظهوره، من أبرزها:

- التعرض لأحداث صادمة أو صراعات عاطفية خلال الطفولة، مثل التنمر.

- تدني تقدير الذات وضعف الثقة بالنفس.

- التعرض لانتقادات متكررة من الوالدين أو الآخرين بشأن المظهر الخارجي.

- ضغوط الأقران والمجتمع التي تربط بين الجمال والقيمة الشخصية، إضافة إلى التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي تروج لمعايير جمالية قد تكون غير واقعية.

أعراض اضطراب تشوه صورة الجسم

هناك عدد من العلامات التحذيرية التي قد تشير إلى الإصابة باضطراب تشوه صورة الجسم، ومن أبرزها:

- الانخراط في سلوكيات متكررة تستنزف الوقت، مثل النظر باستمرار في المرآة أو تجنبها تماماً، أو العبث بالجلد، أو محاولة إخفاء العيب المتصور أو تغطيته.

- مقارنة الجزء الذي يعتقد الشخص أنه معيب بأجزاء أخرى من جسمه أو بأجسام الآخرين بصورة متكررة.

- طلب الطمأنة بشكل مستمر للتأكد من أن العيب غير واضح، أو على العكس، للتأكد من مدى وضوحه.

- عدم تصديق تطمينات الآخرين عندما يؤكدون أن المظهر طبيعي أو جيد.

- قياس أو لمس الجزء الذي يعتقد أنه معيب بصورة متكررة.

- مواجهة صعوبات في العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية بسبب الانشغال المستمر بالعيب المتصور وعدم القدرة على صرف التفكير عنه.

- الشعور بالحرج وتجنب الخروج إلى الأماكن العامة، أو الشعور بقلق شديد عند الوجود مع الآخرين.

- اللجوء إلى عمليات التجميل أو الإجراءات التجميلية المختلفة في محاولة لتصحيح العيب الذي يعتقد بوجوده.