الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

أحداث كشمير الأخيرة تعطي اليمين الهندوسي القومي سلاحاً إضافياً

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه
TT

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

لا تفصلنا سوى بضعة أسابيع عن أكبر عرس للديمقراطية الهندية... ألا وهو الانتخابات العامة. وهذا الحدث المهم، الذي تشهده الهند كل خمس سنوات، هو الأكبر من نوعه على مستوى العالم.
من المقرر أن تجرى الانتخابات السابعة عشرة منذ الاستقلال، عام 1947، بين شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين، ويتوقع أن يبلغ عدد المشاركين فيها نحو 870 مليون ناخب، أي ما يعادل ضعفي سكان الولايات المتحدة. وكان قد بلغ عدد الناخبين المسجّلين للاقتراع في آخر انتخابات عامة عام 2014 أكثر من 830 مليوناً، اقترع منهم بالفعل ما يزيد على 550 مليوناً. ويومذاك، أسفرت العملية الانتخابية المنظمة على مستوى البلاد، واستمرت لمدة ستة أسابيع، عن فوز رئيس الوزراء اليميني الحالي ناريندرا مودي.
ومن المتوقع أن تعلن اللجنة الهندية للانتخابات خلال الأسبوع المقبل عن الموعد المقرّر للاقتراع الذي يشمل انتخاب 543 عضواً من أعضاء البرلمان، عبر مليون مركز اقتراع، ويقوم على تنفيذها والإشراف عليها أكثر من 10 ملايين شخص يعملون في هذه المراكز، ومن أفراد الشرطة.
«ستكون الانتخابات العامة المقبلة في الهند هي الأعلى تكلفة في تاريخ الهند، وربما في أي دولة ديمقراطية»، وفق الخبير الدكتور ميلان فايشناف، الزميل ومدير برنامج جنوب آسيا في مؤسسة «كارنيغي» للسلام بالولايات المتحدة. ولقد نقلت وكالة «رويترز» عن فايشناف قوله: «بلغت تكلفة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأميركية مجتمعة عام (2016) 6.5 مليار دولار أميركي. وإذا كانت التكلفة التقديرية لانتخابات عام 2014 هي 5 مليارات دولار، سيكون من المتوقع أن تتجاوز انتخابات 2019 هذا الرقم بسهولة؛ ما يجعل تكلفة الانتخابات الهندية هي الأعلى على مستوى العالم».
جدير بالذكر، أن الهند انتخبت بعد الاستقلال 16 مجلساً للنواب خلال سبعة عقود، هي عمر الجمهورية، باستثناء فترة التوقف المؤسفة من 1975 حتى 1977 التي أجلت خلالها الانتخابات. ولم تكن كل الحكومات التي تُشكَّل بعد الانتخابات تكمل مدتها، بل بعضها كان يسقط في غضون أيام. إذ إن الديمقراطية الهندية أبعد ما تكون عن المثالية، لكن لا يوجد نظام ديمقراطي في العالم مثالي وخالٍ من العيوب.
ومن ثم، تعد الانتخابات العامة في الهند واحدة من العمليات الانتخابية الأكثر تطلباً، وربما الأصعب على الصعيد اللوجيستي في العالم. وأول ما يدهش أي مراقب لهذه العملية أهميتها في الحياة السياسية؛ فاللافتات والملصقات والحشود تملأ الشوارع. والفعاليات الحاشدة المكتظة هي النمط السائد. وتورد وسائل الإعلام أخبار الانتخابات باستمرار وكثافة، وتنتشر الأحاديث السياسية في كل ركن من أركان البلاد. ويعد الحشد الانتخابي بما يتضمنه من خطابات في الشوارع، وتجمعات انتخابية كبيرة يحضرها عشرات الآلاف بطبيعة الحال، حدثاً فريداً من نوعه.

الأطراف المشاركة
تستعد الساحة الهندية للانتخابات بمشاركة مختلف الأحزاب السياسية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها. وهو ما يعني أن القرارات والاختيارات ستكون صعبة في ظل هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات. والواضح أن عام 2019 سيكون عام «الطحن السياسي»، الذي يبدو أنه بدأ بالفعل، ويُستبعَد أن ينتهي بالانتخابات.
ويسعى كل من رئيس الوزراء مودي وحزبه الهندوسي «بهاراتيا جاناتا» إلى الفوز بالمعركة التي يُعدّ غريمه المعارض الرئيسي فيها هو حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي، سليل أكبر عائلة سياسية كبيرة في البلاد، أي عائلة نهرو - غاندي. وللعلم، راهول هو ابن رئيس الوزراء السابق راجيف غاندي، وحفيد أنديرا غاندي، أول سيدة تتولى قيادة البلاد، التي كان أبوها جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند.
مع ذلك، تتمتع أحزاب أخرى عدة بنفوذ وتأثير في البلاد، ويؤيد بعضها مودي، في حين يعارضه بعضها الآخر، ومن شأن كل ذلك تحديد النتيجة. وحقاً، كتب روشير شارما في كتابه «الديمقراطية على الطريق» بهذا الصدد: إنه «يتم تصوير انتخابات 2019 باعتبارها مواجهة على مستوى البلاد بين مودي وبقية الأطراف، واستفتاءً على موقف الهند تجاه الحكم الاستبدادي والالتزام بالديمقراطية». كذلك، أوضح أن السنوات القليلة الماضية شهدت تغيرات كثيرة في حزب المؤتمر، لكنه مع ذلك «بأمس الحاجة إلى أي عون ودعم من أجل إلحاق الهزيمة بعملاق مثل مودي».
من ناحية أخرى، يثير الاهتمام تزايد عدد الأحزاب السياسية في الهند بوتيرة سريعة؛ إذ تضاعف عددها بين عامي 2010 و2018، وتجاوز الألفين، بحسب أحدث بيانات صادرة عن اللجنة الهندية للانتخابات. وبلغ إجمالي عدد الأحزاب السياسية خلال انتخابات عام 2014 وعدد المتنافسين بها أكثر من 8 آلاف على مستوى البلاد. وتتحالف عشرات الأحزاب السياسية هذا العام في إطار ائتلاف ضخم من أجل التغلّب على مودي وحلفائه خلال الصيف الحالي. وخلال أهم فعالية تسبق الانتخابات تقاسم قادة من 23 حزباً و14 ولاية منصة واحدة خلال آخر تجمع في مدينة كلكتا. ولعل هذه «الجبهة» الموعودة أكبر «تحالف» للمعارضة منذ عام 1977 حين تعاونت عشرات الأحزاب من أجل التغلب على أنديرا غاندي - رئيسة الوزراء حينذاك - بعد إعلانها حالة الطوارئ في البلاد لسنتين.

فرص فوز مودي
لقد حشد مودي، رئيس الحكومة الحالي، دعماً كبيراً قبيل حملته الانتخابية عام 2014 التي حصل فيها حزبه «بهاراتيا جاناتا» على رقم قياسي في الانتخابات العامة هو 282 مقعداً، يكفي لتشكيل أكبر حكومة غالبية للمرة الأولى منذ الانتخابات العامة في 1984. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفوز بها حزب بما يكفي من المقاعد للحكم دون الحاجة إلى دعم من الأحزاب الأخرى.
هذه المرة لدى كل من «بهارتيا جاناتا» وحزب المؤتمر تحالف يدعمه؛ إذ يدعم الأول التحالف الوطني الديمقراطي، والآخر التحالف التقدّمي الموحّد. ولعل الولايات الخمس الحاسمة في الانتخابات (تبعاً لحجمها السكاني) هي: أوتار براديش (80 مقعداً برلمانياً)، ومهاراشترا (48)، والبنغال الغربية (42)، وبيهار (40) وتاميل نادو (39)؛ ما يعني أن للولايات الخمس مجتمعة 249 مقعداً. وتأتي بعدها في الترتيب: ولايات ماديا براديش (29)، وكارناتاكا (28) وغوجارات (26) وأندرا براديش (25) وراجستان (25)، أي تتمثل هذه الولايات العشر بـ382 مقعداً. ونظراً لتوزّع المقاعد الباقية بين الولايات المتوسطة والصغيرة وغيرها من المناطق الأقل أهمية، لا يستطيع أي تحالف أو ائتلاف الفوز بالغالبية ما لم يحقق نتائج جيدة في بعض الولايات العشر.
حزب مودي فاز عام 2014 بـ213 مقعداً في تلك الولايات الكبرى (قلبها ولايات «الحزام الهندي»). وأوضح استطلاع رأي «إيه بي بي - سي فوتر»، أن التحالف الوطني الديمقراطي اليميني الحاكم الداعم لمودي قد يخفق في الفوز بغالبية المقاعد البالغ عددها 272، ويرجّح أن يكسب 233 مقعداً، في حين أنه يتوقع فوز التحالف التقدمي بـ167 مقعداً. كذلك، يتوقع حصول «بهاراتيا جاناتا» على 203 مقاعد، وحصول حزب المؤتمر على 109 مقاعد. ومن المحتمل فوز أحزاب الجبهة الثالثة مجتمعة بـ130 مقعداً. وهو ما يعني أن التحالف الديمقراطي سيظل الكتلة الأكبر بفارق مريح، حسب الاستطلاع، ما يرجح كفة مودي.
على الجانب الآخر، يبدو أن المناوشات والصراع بين الهند وباكستان قد عززت بدورها شعبية رئيس الوزراء الهندوسي اليميني. وتأتي «أحداث بولواما» الدامية في كشمير يوم 14 فبراير (شباط) الفائت، وما تلاها من غارات جوية هندية على المسلحين داخل باكستان، في خلفية الحراك الانتخابي، ومن المؤكد أنها ستؤثر على النتيجة. وهنا يقول شارما: «ستكون معركة عسيرة، لكنني في كل الأحوال أعرف موقعي حين يبدأ الكرنفال الانتخابي. أنا على ثقة من أنه في هذه الحقبة التي تشهد تراجع الديمقراطية في العالم... فإنها ستزدهر في الهند».
وحول ما سبق، يبدو أن حزب «بهاراتيا» اقتنع بعد الغارات الجوية بأن استغلال سلاح «النزعة القومية» هو السلاح الأمضى والأنفع ضد المعارضة، وبالذات حزب المؤتمر، وبخاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية. وهنا رأى الكاتب الصحافي ساتيش ميشرا «الوضع المستجد بين الهند وباكستان سيغير تركيز خطاب رئيس الوزراء مودي وحزب (بهاراتيا) خلال الانتخابات العامة. وحقاً بدأ (بهاراتيا جاناتا)، الذي كان قبل بضعة أسابيع فقط يفكر في الحصول على نحو 200 مقعد، يتحدث الآن عن احتمال فوزه بـ300 مقعد».
هذا يعني أن على أحزاب المعارضة أن تكون حذرة في مواجهة برنامج «بهاراتيا جاناتا» ذي النزعة القومية؛ لأنها «ستتعرّض لخطر تصنيفها غير وطنية وغير قومية خاصة بعد الهجمات الجوية». ومن جانبه، أخذ مودي زمام المبادرة منذ الغارات الجوية مهاجماً بعنف حزب المؤتمر، حتى إبان الفعاليات الرسمية، كافتتاح النصب التذكاري للحرب في العاصمة. وبالتالي، لن يكون بمقدور معارضة منقسمة مواجهة تحدي تكتل قومي ووطني، بينما التعاضد والتعاون هو أهم ما سيجذب الناخبين إلى «بهاراتيا جاناتا» ومنظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» الهندوسية المتشددة خلال الأسابيع المقبلة قبل الانتخابات. ولا شك، سيصوّر الحزب الحاكم وماكينته الدعائية الضخمة أحزاب المعارضة ومناصريها (من يسار الوسط) على أنهم مناهضون للقومية وناقصو الوطنية، في حين أن مودي وحزبه هم الوطنيون الحقيقيون.

كيف سيصوت الهنود؟
في سياق متصل، يرى البروفسور سانجاي كومار، وهو أستاذ للعلوم السياسية متخصّص في السياسات الانتخابية ويعمل كذلك مديراً لـ«مركز دراسة المجتمعات النامية» في دلهي، أن «الناخبين أصبحوا أكثر التزاماً تجاه التصويت لصالح أو ضد حزب بعينه الآن أكثر من أي وقت مضى. حتى الانتخابات العامة التي أجريت عام 2004، كان كثيرون من الناخبين لا يحسمون رأيهم إلا قبل ثلاثة أو أربعة أيام من يوم الاقتراع. إلا أن هذا الوضع تبدل اليوم. وتكشف البيانات التي جمعناها عن انتخابات عامي 2009 و2014 أن أعداداً هائلة من الناخبين حسمت رأيها قبل الانتخابات بفترة طويلة». ويضيف كومار - الذي يضم مركزه جناحاً بحثياً معنياً بالانتخابات اسمه «لوكنيتي» - «يقدّر الناس في الهند أصواتهم الانتخابية تقديراً كبيراً، فإذا ذهبت إلى بلدية ما بعد إعلان نتائج الانتخابات، سيقول ما بين 80 في المائة و90 في المائة من السكان أنهم صوّتوا لصالح الحزب الفائز؛ ذلك أنه من المرغوب اجتماعياً الظهور بمظهر المنتمي للجانب الفائز».

البطالة والرخاء والقومية
يُعدّ الاقتصاد والتنمية من القضايا المحورية، وسط المقارنات التي يعقدها «بهاراتيا جاناتا» مع فترة حكم «التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر قبل عام 2014، يثير ما شهدته من تباطؤ في النمو الاقتصادي وتفاقم للتضخم وتفجّر عدد من فضائح الفساد. وفي المقابل، يقارن المؤتمر سجل التحالف التقدمي على امتداد 10 سنوات في السلطة (2004 – 2014) بسجل «بهاراتيا جاناتا» خلال السنوات الخمس الأخيرة في المنصب من أجل الترويج لإنجازاته.
الواضح أن المعارضة تنوي شن هجوم بالغ على الحكومة فيما يتعلق بأزمة البطالة وتنامي أعداد العاطلين، وهي إحدى القضايا الشائكة على الصعيد الاقتصادي، في حين أن قضية التنمية والرفاهية هي ما يفضل حزب الرئيس مودي الحديث عنه. من جهته، يعتقد هذا الحزب أن منظومات الرفاهية تحظى بشعبية هائلة بين الناخبين، وبخاصة بين النساء وفي المناطق الريفية. ولدى التطرق إلى موضوع الاقتصاد السياسي للهند، قال الدكتور فايشناف (مؤسسة كارنيغي) خلال مقابلة أجراها معه موقع «ريديف دوت كوم»: إن «الحجة التي يطرحها مودي على الناخبين تتمثل بأن الفضل عائد لـ(بهاراتيا جاناتا) في إرساء دعائم دولة الرفاه الحديثة بالبلاد، وأنه في حاجة إلى خمس سنوات أخرى كي يتمكن من إنجاز هذا العمل ـ من الصرافة العالمية إلى الرعاية الصحية العالمية، وتحويلات الإعانات المباشرة». أما القضية الرئيسية الثالثة، فتتمثل في مسألة النزعة القومية الوطنية، التي برزت مراراً على مدار السنوات الخمس الأخيرة، ذلك أن حكومة مودي حاولت صياغة توجهها الاقتصادي وسياساتها الخارجية والاجتماعية ضمن هذا الإطار. أما بالنسبة للقضايا الأخرى التي تحظى بالاهتمام ففي مقدمها: معاناة المزارعين، وضمور سوق الوظائف، وارتفاع أسعار الوقود، وسحب العملة من السوق، وتفاقم التمييز ضد الأقليات.

المرأة والشباب والمسلمون
على صعيد آخر، تكشف البيانات المتعلقة بالاقتراع على مستوى الولايات أو عموم البلاد في الانتخابات العامة الأخيرة، تنامي مشاركة المرأة. ويرى محللون أن ثمة فرصة قوية لأن تضطلع الناخبات بدور حاسم هذه المرة. ولقد كشفت دراسة بحثية أصدرتها شركة «سنتروم بروكينغ» للصرافة، عن أن النساء حققن قفزات كبرى كناخبات على امتداد العقد الماضي، وأنه بحلول 2019 يمكن أن يساوي معدل مشاركة النساء أو يتجاوز مشاركة الرجال في الانتخابات؛ الأمر الذي يضفي مزيداً من الأهمية على أصواتهن وقضاياهن من المنظور السياسي. وفي هذا الصدد، ذكرت الدراسة الصادرة عن «سنتروم بروكينغ»، أن هذا الأمر «يبدو واضحاً للغاية لدى النظر إلى معدلات مشاركة المرأة في ولايات مثل أوتار براديش وبيهار ومادهيا براديش وراجستان، وهي ولايات شهدت الانتخابات السابقة بها وقوع أعمال عنف».
وبالنظر إلى أن متوسط العمر بلغ 27.9 سنة عام 2018، تعد الهند لذلك دولة شابة. وبحلول عام 2020، سيشكل الشباب 34 في المائة من إجمالي السكان. ومنذ 2014، انضم 45 مليون شخص إلى قوائم الناخبين لبلوغهم سن الـ18؛ وذلك تبعاً لبيانات صدرت عام 2018 من مفوضية الانتخابات. ويعني ذلك أن قوائم الناخبين زادت بنسبة 5 في المائة منذ عام 2014. علاوة على ذلك، من الواضح أن أصوات المسلمين ستلعب دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات العامة عام 2019. ويذكر أنه في أعقاب انتخابات مايو 2014، أجرت مؤسسة «إنديا سبيند» تحليلاً لأنماط الاقتراع داخل الولايات صاحبة التركيز الأعلى من الشباب، وكان الشباب قد دفعوا بحزب «بهاراتيا جاناتا» إلى السلطة داخل الولايات الخمس.
وتكشف البيانات المتعلقة بآخر دورتي انتخاب برلمانيتين عن تراجع مشاركة الناخبين المسلمين، وكذلك انخفاض تمثيلهم داخل البرلمان الهندي. والجدير بالذكر أن المسلمين يشكلون 14.2 في المائة من السكان، وخلال كلتا الدورتين الانتخابيتين كان ما يقل قليلاً عن 10 في المائة من الناخبين من المسلمين. وبين الفائزين عام 2014، كان هناك فقط 22 مسلماً، وهو ما يمثل أدنى معدل على الإطلاق. وفي حين أعرب برلماني مسلم عن اعتقاده بأن المناخ السياسي خلال الانتخابات جعل من العسير للغاية على المرشحين المسلمين الحصول على أصوات غير المسلمين، فإن بعض علماء الاجتماع يختلفون مع هذا الطرح. ومن هؤلاء هلال أحمد، البروفسور المساعد لدى «مركز دراسة المجتمعات النامية»، الذي قال: «لا يمكن للبيانات أن تعبّر عن تعقيدات الدوائر الانتخابية، فثمة عوامل أخرى فاعلة... وبخلاف وجهة النظر السائدة، ثمة درجة كبيرة من التعددية الاجتماعية داخل المجتمع، ويحدد هذا التنوع طبيعة التفاعل السياسي للمسلمين. وأنا أعتقد أن هناك كثيرين من المسلمين لا يرغبون في انتخاب مرشحين مسلمين بعينهم لتمثيلهم».

تأثير كشمير المحتمل على المعركة
- في أعقاب مقتل 40 هندياً شبه عسكريين في كشمير، وما تبع ذلك من تصعيد عسكري بين الهند وباكستان، اكتسبت كشمير أهمية إضافية كقضية انتخابية في إطار الانتخابات العامة المرتقبة داخل الهند، حيث يحاول حزب «بهاراتيا جاناتا»، بقيادة ناريندرا مودي، الاحتفاظ بقبضته على السلطة.
ويعتقد خبراء معنيون باستطلاعات الرأي، أن مودي وحزبه سيستفيدان من رد الفعل الهندي القوي تجاه الهجوم الانتحاري الذي وقع في كشمير، ذلك أن الناخبين ينظرون إليه الآن بصفته قائداً حاسماً وقوياً. وفي هذا الصدد، ذكر إم كيه فينو، أحد هؤلاء الخبراء، أن: «الحقيقة أن هجوم بولواما يشكل فرصة مغرية للغاية أمام (بهاراتيا جاناتا)، ومن المتعذر على الحزب تفويتها دون السعي للاستفادة منها في خدمة أغراض سياسية. وسيكون من المنطقي تماماً أن يحاول مودي تشتيت الأنظار بعيداً عن نقص الوظائف والأزمات المشتعلة في المناطق الريفية، وباتجاه مسألة من الطرف المؤهل على النحو الأمثل للحفاظ على الأمن الوطني للبلاد. وسيسعى (بهاراتيا جاناتا) لمزج الأمن الوطني والغضب الشعبي إزاء ما حدث في كشمير. ومن الممكن أن يمثل ذلك مزيجاً فاعلاً ويجب أن تكون أحزاب المعارضة على استعداد للتصدي لهذا الأمر خلال حملاتها الانتخابية حتى عقد الانتخابات بعد شهرين من الآن».
ويذكر أن أحزاب المعارضة الهندية كانت قد شنّت هجوماً موحّداً ضد رئيس الوزراء مودي لما اعتبروه تسييساً منه للقوات المسلحة في خضم محاولته ركوب موجة المشاعر الوطنية المتأججة حالياً لضمان الفوز بفترة ثانية في السلطة عبر الانتخابات العامة المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن جذور الصراع في كشمير تعود إلى فترة فك الإمبراطورية البريطانية ارتباطها بشبه القارة الهندية. ولدى إعلان الاستقلال عام 1947، ووجه المهراجا الهندوسي لكشمير (الإقليم ذي الغالبية المسلمة) بغزو من جانب أبناء القبائل الباكستانية. ولجأ المهراجا - الذي لم يكن يحظى بشعبية تذكر - إلى الاتحاد الهندي طلباً للعون ووقّع معاهدة انضمام تحوّلت كشمير بمقتضاها إلى جزء من الاتحاد الهندي. وبالفعل، أرسلت الهند قوات إلى الإقليم، وبذا اشتعلت شرارة الحرب الأولى بين الهند وباكستان.
أوقفت القوات الهندية الزحف الباكستاني بعد سيطرته على ثلث كشمير عام 1948، وحالياً ينقسم الإقليم بين الهند وباكستان. ويمثل «خط السيطرة» الحدود الفاصلة بين شطري الإقليم، وكان قد رُسم في أعقاب حرب 1947 - 1948 بين البلدين. وعلى امتداد الحروب التي اشتعلت في السنوات التالية، دخلت تغييرات طفيفة على هذا الخط. لكن منذ ذلك الحين، وقعت أعمال عنف وهجمات إرهابية بانتظام داخل الإقليم، استهدفت غالبيتها أهدافاً عسكرية وشبه عسكرية وحكومية داخل كشمير. واتهمت حكومات هندية متعاقبة المؤسسة العسكرية والاستخبارات الباكستانية بالمسؤولية عن تجنيد ودعم المتورطين في الهجمات، الأمر الذي تنفيه باكستان.



«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
TT

«الموجة الزرقاء» قد تكبح اندفاعة ترمب تجاه روسيا

داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)
داخل أحد مراكز الاقتراع الأميركية (أ.ب)

حملت نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة مفاجآت غير سارة بالنسبة إلى الكرملين، وركّزت وسائل إعلام حكومية على أن «الهزيمة الساحقة» التي مُني بها الرئيس دونالد ترمب ستكون لها تداعيات واسعة على ملف العلاقات الروسية مع واشنطن، التي كانت بالكاد شهدت انفراجة واسعة في الأشهر الأخيرة الماضية، وشهدت إطلاق عملية تطبيع للتعاون الاقتصادي والتجاري تُوجت بصفقة الديزل التي أثارت الكثير من الجدل في الولايات المتحدة وخارجها. ومع أن الكرملين أعرب في أول تعليق رسمي عن الأمل بألّا تؤثر النتائج على مواقف الإدارة الأميركية تجاه ملف التسوية والعلاقات مع موسكو، فإن تعليقات متشائمة برزت على مستوى محللين وصفوا سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي النواب والشيوخ بأنها «السيناريو الأسوأ» بالنسبة إلى روسيا.

قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف معلقاً على الفوز الكبير للديمقراطيين في الانتخابات النصفية والذي وُصف بأنه بمثابة «موجة زرقاء» اكتسحت معاقل الجمهوريين، إن موسكو تأمل أن «يواصل ترمب جهوده في حفظ السلام بعد انتخابات الكونغرس الأميركي».

واعتبر الناطق أن الإدارة الأميركية حققت رزمة من الإنجازات على هذا الصعيد، كان أحدثها «نجاح جهود ميلانيا ترمب في حفظ السلام والعمل الإنساني»، في إشارة إلى الدور الذي لعبته السيدة الأولى في الولايات المتحدة لإنجاز «هدنة أوليشكي» الإنسانية.

وقال بيسكوف رداً على سؤال الصحافيين حول النتائج: «يواصل الرئيس ترمب ممارسة صلاحياته. ونأمل بصدق أن يواصل جهوده في حفظ السلام. هناك تطوراتٌ جارية، وستُعقد الجولة المقبلة من المباحثات الثلاثية قريباً». وعند سؤاله عما إذا كان الكونغرس الأميركي سيتدخل لعرقلة تحركات الرئيس ترمب، أجاب الناطق الروسي بأن «هذا شأنٌ أميركي داخلي، نحن نأمل أن الأمور ستسير على ما يرام».

في السياق ذاته، جاء تعليق السياسي غريغوري كاراسين، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد (الشيوخ)، الذي أكد أن الرئيس الأميركي «من غير المرجح أن يغيّر مساره السياسي بعد انتخابات الكونغرس». وأكد كاراسين قناعة بأن ترمب «سيواصل النهج نفسه الذي اتبعه حتى الآن في القضايا الخارجية والداخلية».

تخوّف روسي من تداعيات سلبية

في المقابل، رجّح خبراء روس تداعيات سلبية للغاية على العلاقة مع موسكو، وحيال الصراع الروسي - الأوكراني، بل توقع المحلّل البارز بافيل شوميلوف أن «تضعف قبضة ترمب على السلطة بعد انتخابات التجديد النصفي».

ومع إشارة شوميلوف إلى تداعيات فوز الديمقراطيين في مجلس النواب على ملف العقوبات المفروضة على روسيا في إطار عرقلة أي مساعٍ لتخفيف بعض القيود أو إلغائها، رأى المحلل الروسي أن «لدى ترمب فرصة واحدة لتخفيف حدة التأثيرات على سياساته تجاه روسيا وملف التسوية في أوكرانيا، من خلال تسريع خطواته في الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يؤدي الكونغرس الجديد اليمين الدستورية».

في غضون ذلك، أشارت يوليا دافيدوفا، الأستاذة المشاركة في قسم التحليل السياسي والعمليات الاجتماعية والنفسية بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، إلى أن خسارة حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي أمر شائع في الولايات المتحدة. وبحسب رأيها، يعود ذلك إلى «إرهاق» الناخبين بالضغوط الرئاسية وما يترتّب عليها من أصوات احتجاجية.

وفي منظور دافيدوفا، فإن فوز الديمقراطيين «يزيد من خطر الخلافات حول الميزانية وإغلاق الحكومة» الأميركية، وفي الوقت نفسه سيحول دون تطبيق مبادرات ضريبية جذرية ونمو غير منضبط في الإنفاق الحكومي. ووفقاً للخبيرة الروسية، فإن هذا الوضع السياسي سيزيد بلا شك من حدة النقاشات حول سقف الدين والضرائب والإنفاق الاجتماعي.

في الوقت نفسه، يعتقد المحلل ياروسلاف كاباكوف أن هذا يعني بالنسبة للولايات المتحدة مواجهة ترمب عقبات سياسية كثيرة، بينها التحقيقات، والصراع حول الميزانية، والتعريفات الجمركية، والسياسة الخارجية... في حين سيتقلّص هامش إطلاق مبادرات إدارية جديدة بشكل حاد.

والأهم بالنسبة إلى روسيا - وفق كاباكوف - وجود احتمال بأن يصيب «شلل» سلطة ترمب، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بمدى قدرة الإدارة على الحفاظ على نافذة لعقد اتفاقيات اقتصادية. ومع توقع الخبراء تراجعاً في سلطة ترمب، فإن السؤال الأبرز هو عن «مدى هذا التراجع».

يرجح في أوساط المحللين الروس

بعد فوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس أن تكون اتصالات الولايات المتحدة

مع روسيا محدودة

«سيناريوهات» ثلاثة

كان خبراء روس قد وضعوا ثلاثة سيناريوهات محتملة عشية توجّه الناخبين الأميركيين إلى مراكز التصويت:

السيناريو الأول: «كونغرس منقسم» رأوا أنه السيناريو الأكثر ترجيحاً، ويستعيد الديمقراطيون بموجبه السيطرة على مجلس النواب، في حين يبقى مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين، أو ينتقل إلى الديمقراطيين بفارق ضئيل. بالنسبة لروسيا، كان هذا سوف يعني «انفراجة مؤقتة»، بسبب انشغال الكونغرس والبيت الأبيض بالصراعات الداخلية، ما قد يُعرقل مبادرات كل منهما، ويقلّل تركيز واشنطن على السياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، ستبقى العقوبات المفروضة على روسيا سارية - وهي مدعومة من الجمهوريين والديمقراطيين على حدٍّ سواء - ولكن حتى يناير (كانون الثاني) 2027، وهو موعد تولي الكونغرس الجديد مهامه.

ورأى هذا السيناريو أنه إذا بقي مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين فستكون أمام الرئيس فرصة قوية للتوصّل إلى اتفاقات واسعة مع روسيا بشأن قضايا مختلفة.

السيناريو الثاني - وهو الذي حصل بالفعل: سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، وقد وصفه الخبراء بأنه سيكون «أسوأ سيناريو بالنسبة إلى روسيا»؛ إذ سيجري الديمقراطيون تحقيقات ضد ترمب، ويعرقلون تعييناته، ويُصعّدون من حدة الخطاب التشديدي للعقوبات. لكن هذا السيناريو استبعد نجاح الديمقراطيين في عزل ترمب، لكن بالنسبة لروسيا هذا يعني فرصاً أقل لعقد صفقات سريعة، ومخاطر أكبر لفرض ضغوط عقابية جديدة.

أما السيناريو الثالث، الذي كان يبدو مفضّلاً لدى الكرملين لكن نتائج الانتخابات بدّدته، فكان يتمثل في محافظة الجمهوريين على سيطرة مريحة في مجلس الشيوخ. ورأى خبراء روس أنه رغم كونه «السيناريو الأفضل بالنسبة لنا، فإنه لا يشكّل اختراقاً؛ إذ سيتمتّع ترمب بمزيد من الحرية، وستكون الصفقات مع روسيا ممكنة. لكن الأمر الأهم هو أن المشاعر المعادية لروسيا في الكونغرس لن تختفي، وسيتعيّن فرض أي اتفاق بالقوة».

الواقع أنه حتى قبل التصويت توقع العديد من الخبراء الروس أن خسارة السيطرة على الكونغرس ستُعقّد جهود ترمب في السياسة الخارجية، لا سيما من خلال التأثير على تطوير العلاقات مع روسيا والضغط على أوكرانيا. لكن في المقابل، رأى خبراء أن ترمب لن يُقدم على تراجع كبير في سياسته الخارجية، التي اعتمدت أصلاً على علاقاته الشخصية ورؤيته الخاصة، كما ذكر نائب مجلس «الدوما» وعالم السياسة ألكسندر أسافوف.

ترمب يواصل دوره المحوري خارجياً

أسافوف أعرب عن قناعة بأن ترمب «سيواصل اتخاذ قراراته بنفسه. ومع ذلك، لا أستبعد أن تتباطأ وتيرة إعادة بناء العلاقات بشكل ملحوظ؛ إذ سيتوجّب على الرئيس الأميركي حل المشاكل داخل الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي سيلجأ بنشاط إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع الكونغرس من عرقلة تحركاته، على الرغم من أن هذا الأداء سيضاعف المشكلات الداخلية في الولايات المتحدة.

عالمة السياسة أناستاسيا غافاروفا تشارك أسافوف هذا الرأي؛ فوفق تحليلها سيبقى أهم شيء في العلاقات مع روسيا دون تغيير، ألا وهو الاعتماد على العلاقات الشخصية والتقلّبات المعتادة. وأردفت: «أعتقد أن ترمب سيواصل في المستقبل القريب التمسك بنهجه السابق، وسيسعى لعقد صفقات، حتى في إطار ثلاثي مع الصين». وأوضحت عالمة السياسة الروسية أنه «بشكل عام، ونظراً لضعف صلاحياته السياسية الداخلية، من المرجح أن يحاول ترمب تحقيق نجاح تاريخي في مجال يُعتبر أكثر ارتباطاً بالسلطة التنفيذية، ألا وهو السياسة الخارجية».

وفي سياق متّصل، أضافت غافاروفا: «لن يتخلّى ترمب عن فكرة إحياء مشروع إمداد الغاز (نورد ستريم 2). وبشكل أعمّ عن جني الأرباح من تجارة المحروقات في أوروبا. وهناك أيضاً قضايا أمنية في القطب الشمالي والمحيط الهادئ... وكلها تتطلّب حواراً مع روسيا، وهو حوار لن يتخلى عنه، وإن لم يخلُ الأمر من ردود فعل عاطفية». وأردفت: «سيعرقل الكونغرس الاتفاقيات القائمة، وسيعرقل عملية التنفيذ. لكن في جوهر الأمر، فعل الكونغرس المؤيد لترمب الشيء نفسه فيما يتعلق بروسيا؛ لذا لن يتغير الكثير على أرض الواقع».

سياسة الرئيس ترمب الروسية أمام حسابات التأثير المحتمل لتغيّر ميزان القوى في الكونغرس (أ.ف.ب)

حول الحرب الإيرانية وحساباتها

في المقابل، رأى المحلل السياسي ألكسندر ليونوف أن الكونغرس سوف يشكل رادعاً إضافياً للرئيس ترمب إذا ما أشعل جولة جديدة من الحرب مع إيران. وبحسب المحلل، فإن استئناف الأعمال العدائية أمرٌ واردٌ كـ«عمل يائس من جانب الرئيس الأميركي»، لكن السؤال هو: هل سيُقدم على ذلك بعد التطوّرات المتعلقة بهذه النتائج؟

ومن ثم، أكّد ليونوف أنه «من حيث المبدأ، التصعيد مُمكن. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الحرب نفسها، على سبيل المثال، تتطلّب تمويلاً إضافياً. وهل سيحصل ترمب على هذا التمويل في هذا الكونغرس؟ لنتذكّر ما قاله الجمهوريون: إذا استمر ترمب في التودّد إلى روسيا عبر ملف وقود الديزل وغيره، فلن يُصوّتوا لصالحه ببساطة».

عودة إلى المحلل ياروسلاف كاباكوف، الذي يرجّح أن يكون لفوز الديمقراطيين آثار سلبية على روسيا على المدى القصير وبشكل مباشر؛ فقد يتخذ الكونغرس موقفاً أكثر صرامة بشأن العقوبات وأوكرانيا؛ لذا لا يُعوّل على رفع سريع للقيود. ويضيف: «لكن لا توجد علاقة مباشرة بين فوز الديمقراطيين وتشديد العقوبات». وسيظل موقف ترمب واستعداده للتوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا العاملَ الحاسم.

واستطراداً، بالنسبة للأصول الروسية - وفق كاباكوف - لا يكمن الخطر الرئيس، وفي الوقت نفسه «الفرصة الأهم»، في الانتخابات، بل في المفاوضات اللاحقة بين واشنطن وموسكو. فإذا سارع ترمب بالمفاوضات بعد الانتخابات، فقد يفوق أثر الانفراج الجيو-سياسي الإشارة السلبية الصادرة عن الكونغرس الجديد. وخلص المحلل الخبير إلى أنه في حال التوصل إلى موقف توافقي بين الحزبين لتشديد الضغط على روسيا، فستشهد السوق الروسية انخفاضاً جديداً.

ترجيح تراجع الاتصالات

في أي حال، فإن الرأي الغالب لدى أوساط المحللين الروس أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس من المرجح أن تكون اتصالات الولايات المتحدة مع روسيا محدودة. ولكن في المقابل، ومع انتظار اتضاح الموقف الرسمي في أوكرانيا، بدا الارتياح واضحاً في تعليق بعض الخبراء. وبرغم التوقعات بأن هزيمة الجمهوريين في الكونغرس ستوفر «مهلةً مؤقتةً لأوكرانيا»، ترى بعض التعليقات أنها لن تُنقذها تماماً.

في هذه الأثناء، بدت الأوساط الروسية قلقة حيال أن «معظم الديمقراطيين البارزين يُدافعون باستمرار عن تقديم المساعدات لأوكرانيا، وبالتالي يُمكن للكونغرس البدء في تهيئة الظروف اللازمة لدعم أوكرانيا. مع ذلك، لا ينبغي اتخاذ خطوات سريعة على الفور؛ فحتى لو قرّر الديمقراطيون زيادة المساعدات لكييف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات قد يستغرق شهوراً، إن لم يكن سنوات. وهذا في حين أن كييف بحاجة ماسّة إلى المساعدات الآن». وهذا ما لحظه الخبير مالك دوداكوف، الذي كتب: «بالطبع، سيحتفل الأوروبيون والأوكرانيون الآن بفوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن تُعاد جميع المساعدات بالكامل في أي وقت قريب».

وأخيراً، أيضاً في سياق التوقعات، رأى ألكسندر ليونوف، مدير مركز «بنتا للأبحاث السياسية»، أنه بعد فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس سيكون كبح جماح رغبة ترمب في التقارب مع روسيا أسهل بكثير.

وتابع: «يمكننا الآن مناقشة ما إذا كانت المساعدات لأوكرانيا ستُستأنف، ومقدارها... إلا أن النتيجة الرئيسة التي يمكن تأكيدها بوضوح هي أن التقارب مع روسيا لن يكون ممكناً بعد الآن. من الواضح أن فرص بوتين، على سبيل المثال، في مناقشة مشاريع اقتصادية مشتركة مع ترمب عبر (كيريل) ديميترييف ستتضاءل، على ما أعتقد. لذلك، من المرجح أن يتم تقليص هذا النهج».وبحسب ليونوف، قد يبدأ الكونغرس بالضغط على روسيا بشأن المبادرات التشريعية في أعقاب الهجمات الروسية المطوّلة على قطاع الطاقة الأوكراني ومقتل المدنيين.


جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
TT

جون أوسوف... ليبرالي هادئ يستعد لمعركة تتجاوز ترمب

يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.
يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة.

قد لا يكون السؤال المحيط بجون أوسوف هو كيف استطاع شاب ديمقراطي الاحتفاظ بمقعد في ولاية صوتت لدونالد ترمب وتعد من بين الولايات الجنوبية المحافظة تقليدياً؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل بانتصاره بعدما تجاوز اختبار البقاء؟ فالسيناتور عن جورجيا، البالغ 39 سنة، خرج من الانتخابات النصفية وقد عزز موقعه بين الوجوه التي يراقبها حزب يبحث عن قيادة، وعن صيغة تجمع ناخبين توحدهم الاعتراضات على الرئيس، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل. وفي ملامحه الهادئة وخطابه الحازم، يجد مؤيدوه وعداً بتجديد سياسي لا يكتفي بتغيير الأعمار. غير أن الطريق من أتلانتا إلى الزعامة الوطنية ليس مفتوحاً تلقائياً. فقد نفى أوسوف رغبته في خوض انتخابات الرئاسة عام 2028، وتعهد خلال الحملة بإكمال ولايته في مجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن فوزه على الجمهوري مايك كولينز يعيد طرح السؤال الذي لا يستطيع نفي الطموح إلغاءه: هل يملك هذا السياسي القدرة على تحويل ائتلاف محلي ناجح إلى مشروع يجمع حزباً منقسماً، ويمنحه سبباً للحكم يتجاوز معارضة ترمب؟

ولد جوناثان (جون) أوسوف في مدينة أتلانتا، عاصمة ولاية جورجيا وكبرى مدنها، في فبراير (شباط) 1987، وتخرّج في كلية الخدمة الخارجية بجامعة جورجتاون في العاصمة واشنطن، قبل حصوله على درجة الماجستير من كلية لندن للاقتصاد المرموقة في العاصمة البريطانية. وفي خلفيته العائلية، يتحدّر أوسوف من عائلة يهودية الأب، وهو متزوّج من الطبيبة أليشا كرامر، ولهما ابنتان.

في بدايات مسيرته، التحق أوسوف متدّرباً بمكتب جون لويس، أحد أبرز رموز حركة الحقوق المدنية، ثم عمل مساعداً للنائب هانك جونسون في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. وبحسب سيرته الشخصية، لم يصل إلى السياسة من خارج مؤسساتها، لكنه لم يمضِ حياته المهنية كلها داخلها.

صحافي استقصائي

أوسوف عمل في الصحافة الاستقصائية وإنتاج الأفلام الوثائقية، وأدار شركة «إنسايت تي دبليو آي». وتُقدمّ حملته هذه التجربة بعدِّها أساس اهتمامه بانتهاكات الحقوق وإساءة استخدام السلطة. وفي هذا المسار ما يفسّر، بالفعل، جانباً من شخصيته العامة، بوصفه سياسياً يهتم بكيفية رواية القضية، وباختيار التفاصيل التي تجعل فساداً مؤسسياً أو تقصيراً إدارياً ظاهرة مفهومة لجمهور لا يتابع جلسات اللجان.

اختباره الانتخابي الكبير الأول جاء عام 2017، حين ترشّح لمجلس النواب في إحدى دوائر ولايته جورجيا، وسرعان ما تحوّلت تلك الانتخابات الخاصة إلى مواجهة وطنية مبكّرة مع ترمب في ولايته الأولى. وبحسب صحيفة الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» المرموقة، كسب أوسوف اهتماماً وجمع أموالاً... غير أنه خسر أمام الجمهورية كارين هاندل. تلك الخسارة كانت تنبيهاً مهماً إلى أن الحماسة الوطنية والظهور الإعلامي لا يكفيان للفوز، بل لا بد للمرشح الذي يطمح لأن يغدو رمزاً لحزبه من أن ينجح في إقناع ناخبين لا يريدون التصويت لرمز حزبي.

تجربة ناجحة حملته إلى مجلس الشيوخ

وحقاً، عاد أوسوف ليجرّب حظه، هذه المرة، في انتخابات مجلس الشيوخ. وهذه المرة هزم منافسه الجمهورية ديفيد بيرديو في جولة الإعادة يوم 5 يناير (كانون الثاني) 2021، بالتزامن مع فوز زميله القس الديمقراطي رافائيل وارنوك.

بهذا الفوز أصبح أوسوف أول سيناتور يهودي يمثل جورجيا، كما أصبح وارنوك أول سيناتور أسود لها. وبحسب وكالة «أسوشييتد برس» جاء هذان الانتصاران التاريخيان قبل يوم واحد من اقتحام الكابيتول، فارتبط صعودهما بلحظة كشفت عمق الصراع على الديمقراطية الأميركية.

إما إعادة انتخابه، بالأمس، فتمنحه الآن حجة أقوى... مفادها بأن نجاحه الأول لم يكن واقعة يتيمة.

هدوء لا يستبعد الهجوم

المفارقة في السيناتور أوسوف أن صورته الشابة، وقوامه النحيل، وملامحه الهادئة قد توحي بأنه سياسي يتجنب الاشتباكات، في حين أن جاذبيته لدى جمهور ديمقراطي تقوم على قدرته على خوضها.

إنه لا يعرض الاعتدال بوصفه خفضاً دائماً للصوت أو الإحجام عن تسمية الخصم. بل يجمع أداءً منضبطاً وانتقادات حادة، ما يمنح أنصاره إحساساً بأن الدفاع عن المؤسّسات لا يقتضي الظهور بمظهر العاجز أمام من يهاجمها.

وخلال حملته، استهدف ما سماه «تبعية» السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز (التي خسرت سباقها لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين) لترمب، وواجه الرئيس بانتقادات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة.

ووفق «أسوشييتد برس»، كانت تجمّعات أوسوف تُعَدّ بعناية، بينما يحوّل مساعدوه مقاطع خطبه سريعاً إلى مواد تنتشر على المنصّات. وهنا كانت تلتقي خبرته بالصورة مع حاجة الحزب إلى ناطق بليغ يستطيع الوصول إلى جمهور ما عادت البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية كافية لاستمالته.

لكن مهارة التواصل ليست برنامجاً، في حين أن قيمة أوسوف السياسية تتوقّف على استخدام هذا الانتشار لبناء ثقة تستمر بعد انتهاء المواجهة. إذ سبق للديمقراطيين أن عرفوا مرشحين جذّابين ومقاطع رائجة، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الشك في قدرتهم على تحسين الحياة اليومية. وبالتالي، سيكون اختباره الأصعب أن يحافظ على وضوح خطابه حين يصبح مُطالَباً بتفسير تسويات تشريعية معقّدة، لا بمهاجمة خصم انتخابي فقط.

الاقتصاد عبر الفساد

يحاول جون أوسوف، في صلب عرضه السياسي، وصل سؤالين كثيراً ما يفصل بينهما الخطاب الحزبي: لماذا ترتفع كلفة الحياة، ولمن تعمل السلطة؟

إنه يقدّم نفوذ المال باعتباره مشكلة يشعر بها المواطن في السكن والخدمات، لا مجرّد مخالفة أخلاقية بعيدة. وفي نصِ نشره عن الفساد، ربط بين اختلال السياسة وقدرة المؤسسات المالية على شراء المنازل، منتقداً اعتماد النظام السياسي على أموال الشركات والأثرياء عبر الحزبين.

غير أن خطابه هذا امتد تشريعياً، حين شارك في جهود لحظر تداول أعضاء الكونغرس الأسهم. فقد طرح مع السيناتور مارك كيلي مشروعاً لحظر «لجان العمل السياسي» التابعة للشركات الربحية، لكن لم يجر إقراره بعد. أما على صعيد الرقابة، فقد أسهم في إقرار قانون لتعزيز الإشراف المستقل على السجون الفيدرالية، بما يتيح له الاستناد إلى حصيلة عملية إلى جانب الوعود.

وتشمل مواقفه الدفاع عن قانون «الرعاية الصحية الميسَّرة»، والسعي إلى استعادة الإعانات المعزّزة لأقساط التأمين، ومعارضة التغييرات الجمهورية في التأمين الصحي «ميديكيد». وبحسب الـ«أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» تناول أيضاً قضية شراء الشركات الكبرى المساكن، واستخدم أدوات التحقيق في مجلس الشيوخ لتوثيق أثر قيود الإجهاض في الرعاية الطبية. وهذه الملفات تمنح عباراته عن السلطة والمال ترجمة ملموسة: فاتورة تأمين، ومنزل يصعب شراؤه، وعلاج تتدخل فيه السياسة.

تنسجم هذه المقاربة مع تقرير في الـ«وول ستريت جورنال» عن توحّد الديمقراطيين حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وبحسب التقرير، اعتبر 89 في المائة من الناخبين كلفة الحياة عاملاً حاسماً أو مهماً في تصويتهم. ويضيف أن الاتفاق على المشكلة لا يحسُم العلاج، إذ يستطيع الوَسَطي والتقدمي الشكوى من الفاتورة نفسها، ثم الاختلاف جذرياً حول الضرائب والتأمين ودور الحكومة. وهنا يبدأ العمل الذي أخّره الانتصار ولم ينجزه.

ائتلاف بلا قطيعة

في الحقيقة، لا يختصر جون أوسوف نفسه في جناح آيديولوجي واحد، كونه يحتاج إلى تعبئة القاعدة الديمقراطية، وإلى طمأنة مستقلين وناخبين قابلين للانتقال بين الحزبين. وفي جورجيا، يمر بناء غالبية ديمقراطية عبر ربط قوة الناخبين السود بقطاعات من الضواحي والشباب والأقليات، مع تجنّب منح المتردّدين انطباعاً بأن التصويت للحزب يتطلب تبنّي جميع مواقف أكثر تياراته صخباً. وفعلاً، وفق مصادر إعلامية حصل أوسوف على تأييد حتى بعض المسؤولين الجمهوريين المحليين الذين أشادوا بعمله في الإغاثة والبنية التحتية والتمويل الفيدرالي. وتضيف المصادر أن هذه نقطة مهمة في فهم أسلوبه، إذ يمكنه مهاجمة ترمب وطنياً، والعمل مع جمهوريين محلياً، وإقناع بعضهم بأن العلاقة معه تُقاس أيضاً بما ينجزه لدوائرهم. فالاستقطاب الوطني لا يلغي تماماً مساحة المصالح المشتركة.

مع ذلك، يصعب اعتبار أوسوف نقيضاً جذرياً للتقدميين، فمقاومة نفوذ الشركات، والرقابة على السلطة، وحماية الحقوق، مواضيع يتقاطع فيها معهم. في حين يتعلّق الاختلاف بترتيب الأولويات وصياغة الرسالة وحدود الالتزام ببرامجهم. وهو لا يجعل الانتماء إلى اليسار عنوان مشروعه، ولا يثبت استقلاله عنه بتبنّي خطاب خصومه، بل يحاول إبقاء مساحة تسمح لمجموعات مختلفة بأن تجد سبباً لتأييده. أيضاً، لا يجوز افتراض أن نتيجة الانتخابات تكشف وحدها التركيب الدقيق لذلك الائتلاف. فمعرفة حجم اختراق أوسوف بين الجمهوريين، أو أثر مشاركة الشباب والناخبين السود، تحتاج إلى بيانات تفصيلية. ثم إن فوزه جاء في موجة وطنية مواتية وأمام منافس واجه مشاكل سياسية. وبالتالي، فالنجاح يثبت قدرته على استثمار الفرصة، لكنه لا يثبت بعد أن نموذجه قابل للنقل إلى كل ولاية.

إسرائيل وحدود التوازن

يشكل ملف إسرائيل اختباراً كاشفاً لموقعه داخل الحزب. فأوسوف يجمع تأييد أمن إسرائيل وانتقاد سياسات حكومتها، وصوّت لتقييد بعض مبيعات السلاح، من دون تبني وقف شامل للدعم العسكري. وفي بيان رسمي بشأن التصويت الذي جرى عام 2025، رفض أوسوف صمت مجلس الشيوخ على حرمان المدنيين في غزة وتجويع الأطفال، مع تأكيد أهمية ردع الهجمات على الإسرائيليين وانتقاد «حماس» واحتجازها الرهائن.

غير أن هذه الموازنة لم تكن مريحة انتخابياً له. إذ أثارت مواقفه من السلاح انتقادات في أوساط يهودية مؤيدة لإسرائيل، لكنها لم تجعله تلقائياً ممثلاً لمواقف الجناح الأكثر يسارية. والأدق أنها تعكس محاولة للفصل بين حماية الإسرائيليين ومنح حكومة بنيامين نتنياهو «موافقة مفتوحة» على طريقة إدارة الحرب. وهنا تصبح هويته اليهودية جزءاً من سياق مواقفه، لا تفسيراً كافياً لها.

هذه القضية تبيّن حجم المهمة أمام أي قائد ديمقراطي مقبل. فجمع الناخبين حول الأسعار أسهل من توحيدهم حول حرب وهوية وطنية وحدود استخدام القوة. كما يستطيع أوسوف أن يقدّم أسلوباً لإدارة التباين، لكن احتواءه داخل ائتلاف انتخابي لا يعني تسويته سياسياً. وبالتالي، إذا اتسع دوره، فسيواجه مطالب متعارضة للحصول على إجابات أكثر حسماً.

اختبار ما بعد الفوز

عموماً، تكمن جاذبية أوسوف في جمع عناصر يحتاج إليها الديمقراطيون: سن أصغر، وخبرة تشريعية متراكمة، وقدرة على التواصل، وسجل انتصارات في ولاية تنافسية. لكنه في المقابل، لم يتولَّ منصباً تنفيذياً، ولم يختبر بعد إدارة تنافس وطني داخل حزبه. لكن الأهم أن الفوز الكبير الأخير لا يمنح الحزب الديمقراطي تفويضاً مفتوحاً.


نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)
TT

نجوم الديمقراطيين... صعود جديد وموازين مختلفة نحو 2028

شابيرو (أ.ب)
شابيرو (أ.ب)

رأى تقرير في صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، أن الانتخابات النصفية لم تمنح الديمقراطيين غالبية جديدة فحسب، بل وسّعت أيضاً دائرة الشخصيات القادرة على التأثير في وجهة الحزب. لكن التمييز يظل ضرورياً بين نجم انتخابي صاعد، وصاحب مشروع وطني، ومرشح رئاسي محتمل. فالانتصار قد يفتح الباب، لكنه لا يمنح الفائز تلقائياً تنظيماً وطنياً أو برنامجاً جاهزاً للرئاسة.

جيمس تالاريكو، الذي اخترق تكساس، مثّل فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ إحدى أبرز المفاجآت. فالمشرّع والمعلم السابق، البالغ 37 سنة، يجمع خطاباً اقتصادياً شعبوياً ولغة دينية يستمدها من دراسته اللاهوتية. وتكمن أهميته في مخاطبة جمهور محافظ ثقافياً من داخل مفرداته الأخلاقية، مع تحدّي نفوذ الأثرياء. وهو يطرح سؤالاً يتجاوز مستقبله الشخصي: هل يستطيع الديمقراطيون استعادة لغة الإيمان من دون تبني سياسات اليمين؟

أما عبد الرحمن السيد، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وذلك عن ميشيغان، فقد منح فوزه الجناح التقدمي حجّة ضد القول إن الفوز في الولايات المتأرجحة يتطلّب دائماً الابتعاد عن اليسار. لقد خاض السيد حملة تقدمية صريحة، بدعم من ألكساندريا أوكاسيو كورتيز. لكن قدرته على تحويل هذا الانتصار نفوذاً وطنياً ستتوقف على أدائه التشريعي وتوسيع تحالفاته، لا على رمزية الاختراق وحدها.

هينوهوسا (أ.ب)

روب ساند وآدم هاميلتون، لقد قدم فوز الأول بحاكمية آيوا والآخر بمقعد كانزاس في مجلس الشيوخ نموذجين مختلفين في الاستقلالية عن العلامة الحزبية. ركز ساند على المساءلة وتحسين الحكم، في حين قدّم هاميلتون، القس الذي كان جمهورياً في بداية العام، نفسه جسراً إلى المعتدلين. وهما يمنحان الوسطيين حجة موازية لحجة التقدميين: يمكن توسيع الخريطة أيضاً بمرشحين يتركون مسافة بينهم وبين الحزب الوطني.

جينا هينوهوسا في تكساس، وكيشا لانس بوتومز في جورجيا، وآمي أكتون في أوهايو، الحاكمات الجديدات، يفتح فوزهنّ مسارات جديدة للقيادة ورصيداً يحتاج إلى إنجاز. وتكتسب بوتومز مكانة تاريخية كأول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة ولاية. لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية يعني أن اختبار الخدمات والموازنات سيبدأ سريعاً، وقد يعيد ترتيب الشعبية التي صنعتها الحملات.

ومع ذلك، حافظت بعض الأسماء الديمقراطية الراسخة على حضورها. فقد تعزّز موقع جوش شابيرو بانتصاره في بنسلفانيا، واحتفظ حاكم ماريلاند ويس مور وحاكم إلينوي جيه بي بريتزكر برصيد تنفيذي بعد إعادة انتخابهما. ويظل غافين نيوسوم وآندي بشير ومارك كيلي ضمن الأسماء المطروحة وطنياً، إلى جانب أوكاسيو كورتيز في النقاش حول قيادة التقدميين، بحسب «أسوشييتد برس».