ترمب ودبلوماسية الاستعجال المدروس في سنغافورة

TT

ترمب ودبلوماسية الاستعجال المدروس في سنغافورة

بصرف النظر عن النتيجة النهائية لقمة سنغافورة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، لقد جذب ذلك اللقاء انتباه العالم بالفعل، لأن يوصف بالمشهد الدراماتيكي الأبلغ أثراً لما يُمكِن أن يُطلق عليه «أسلوب ترمب الدبلوماسي».
وإن فهمنا الأمر على نحوه الصحيح، فمن شأن هذا الأسلوب المساعدة في علاج عدد من المشكلات والقضايا الدولية الرئيسية بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية. وإن أسيء الفهم، فمن شأن أسلوب ترمب أن يسفر عن تعقيد بالغ في كثير من القضايا، وقد يؤدي، كما تقول بعض الدوائر النخبوية السياسية والثقافية الغربية، إلى إضعاف تحالف الدول الديمقراطية التي أرست الكثير من الأجندات العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.
ولكن ما السمات الرئيسية لأسلوب ترمب الدبلوماسي؟
الطريقة المثلى للإجابة عن هذا التساؤل هي مقارنة أسلوب ترمب مع دبلوماسية سلفه باراك أوباما.
كان أوباما يفضل أن يُطلَق على أسلوبه اسم «الصبر الاستراتيجي»، والمثال الأبرز لذلك كما يزعم كان الاتفاق النووي مع جمهورية إيران الإسلامية. ولقد أمضى باراك أوباما قرابة الخمس سنوات في مفاوضات سرية وعلنية بغية إنجاز هذه الغاية. ولقد أدار عجلات المحرك بجولاته الكثيرة حول العالم من خلال إلقاء الخطب الرنانة المشيدة بالإسلام، بما في ذلك في إسطنبول والقاهرة، ومنح الجمهورية الإسلامية الشرعية كنموذج يُحتذى به للحكم الإسلامي في العالم.
كما أنه وجه كثيراً من الرسائل إلى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي والرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، متوسلاً الموافقة على الاجتماع في أي وقت وأي مكان، غير أنه لم يتلقَّ أي رد على الإطلاق.
ولقد جنَّد دعم وإسناد عدد كبير من القوى الأخرى، التي ضمَّت في وقت من الأوقات كلاً من البرازيل وتركيا، بهدف التوصل إلى إبرام الاتفاق النووي الذي كان من بين نتائجه إضفاء المشروعية على البرنامج النووي الإيراني ولأن يكون مقبولاً به لدى المجتمع العالمي. واتباعاً لأسلوب القيادة من خلف الكواليس، منح أوباما ملالي طهران الفرصة الذهبية السانحة للتلاعب بالأوروبيين، والروس، والصينيين، وضرب بعضهم ببعض، وفوق كل شيء، اللعب ضد الولايات المتحدة الأميركية ذاتها.
ونجم عن أسلوب أوباما بيان صحافي من 176 صفحة في نسخ مختلفة، ذلك الذي لم يوقع عليه أحد قط ولا يحظى بتصديق أية هيئة تشريعية في أية دولة حول العالم، ولكنه رغم ذلك مُنح صفة النص المقدس من قبل باراك أوباما.
أما ترمب على النقيض من ذلك، لم يتلُ الخطب المطوَّلة، ولم يبعث بأية رسائل إلى كيم، ولم يتوسل الحصول على أية تفضيلات من كوريا الشمالية ونظامها الحاكم. وعندما حلَّق بخياله كان يستخدم اللغة الفجة الوقحة في وصف كيم عبر تغريدات قصيرة وحادة وموجزة، وألغى القمة في مرة ثم أعاد الموافقة على حضورها، مؤكداً على أنه ليس بالخصم السهل أو ليِّن العريكة.
استغرقت عملية المفاوضات الكاملة مع بيونغ يانغ ستة أسابيع فحسب، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية الأميركي الجديد مايك بومبيو. واستغرقت القمة الفعلية بين الزعيمين بضع ساعات قليلة، بما في ذلك الافتتاحية التي استمرت لدقيقة واحدة، والتي قرر دونالد ترمب خلالها أنه يمكنه التعامل مع شخصية كيم. وكانت النتيجة النهائية عبارة عن نص مقتضب، أوجز بكثير من النص المطول لباراك أوباما في حالة إيران واتفاقها النووي. ولقد رفض أوباما التوقيع على ذلك النص مع إيران، في حين أن دونالد ترمب وقَّع بالفعل على النص مع كوريا الشمالية.
لا يفضل ترمب أسلوب القيادة من وراء الكواليس، وبالتالي لم تكن لديه حاجة لبهرجة الاحتفالات. ومع ذلك، فهو يحتفظ ببطاقات اليابان وكوريا الجنوبية والصين في مرحلة مؤجلة، وحتى روسيا نفسها تؤيد محاولته لتسوية المشكلة مع كوريا الشمالية. لقد أظهر ترمب أنه يفضل القيادة من الأمام، وربما في قلب الجبهة إن اقتضت الضرورة.
لقد منح أوباما الكثير لإيران قبل أن يحصل منها على شيء باستثناء التعهدات اللفظية بعدم القيام بأمور معينة. في حين أن ترمب لم يمنح كوريا الشمالية شيئاً ملموساً قط، حتى مع إصراره بعد انقضاء القمة على استمرار سريان العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية حتى استكمال الصفقة تماماً. إلا أن كيم قد أطلق سراح الرهائن الأميركيين، ودمَّر الموقع الرئيسي لإجراء التجارب النووية في بلاده، وأنهى تقليداً شعبياً عمره 70 عاماً من حرق العلم الأميركي في البلاد، وأوقف ازدراء الإمبريالية الأميركية في الخطب الرسمية. وتعين على أوباما الابتسام والتحمل في الوقت الذي احتجزت طهران فيه الرعايا الأميركيين، وواصل كبار المسؤولين الإسلاميين في البلاد الوطء على العلم الأميركي يومياً قبل دخولهم إلى مكاتبهم.
وبعد دقائق من الكشف عن النص النهائي لقمة سنغافورة، سمح كيم أيضاً بإغلاق الموقع الرئيسي لاختبارات الصواريخ الباليستية، وهي مكافأة ما بعد القمة للسيد دونالد ترمب.
عمد أوباما إلى تعليق العقوبات على إيران، وأفرج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة، وحتى إنه سمح بتهريب الأموال النقدية إلى طهران في عملية لا تقوم بها إلا عصابات المافيا.
وبطبيعة الحال، منح ترمب كيم شيئين مهمين: أولاً، معاملة زعيم كوريا الشمالية على قدم المساواة وأنه الرئيس الذي يستحق عقد قمة كاملة معه. وثانياً، التعهد بتأجيل المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، التي لم تكن مقررة قبل عام 2020 على أية حال.
كان نص باراك أوباما مع إيران محملاً بالمفردات القانونية والاصطلاحات السياسية، الأمر الذي يجعل من المستحيل الخروج بعدة تفسيرات من النص. أما نص دونالد ترمب بشأن كوريا الشمالية، رغم كل شيء، كان موجزاً ومباشراً من خلال التأكيد على الغاية من ورائه، وهو استكمال نزع السلاح النووي تماماً في مقابل الضمانات الأمنية لصالح بيونغ يانغ.
ولقد رفض نقاد ترمب على الفور «الاستعجال التكتيكي» في مقابل «الصبر الاستراتيجي» لباراك أوباما. وأحد الأسباب وراء هذا الاختلاف بين الأسلوبين هو أن أوباما كان في الأربعينات من عمره رئيساً للبلاد، في حين أن ترمب في السبعينات الآن، مما يمنح الرجلين رؤى جد مختلفة ومتعارضة للدور الذي يلعبه الزمن في الدبلوماسية.
ربما أن قرار ترمب الحديث عن كيم بعبارات متوهجة قد أثار حفيظة الكثيرين في الغرب. ولكن أسلوب ترمب لا يملك الوقت الكافي للإشادات الشفهية.
وكان هدف دونالد ترمب في سنغافورة هو إلزام كيم بالتنازل التام عن المشروع النووي العسكري لكوريا الشمالية، وليس محاولة إقناعه بتغيير آيديولوجيته في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان واقتصادات السوق. ومن ثم، كان الاختبار النهائي للنجاح أو الفشل هو ما إذا كانت كوريا الشمالية سوف تُغلِق مشروعها النووي كما فعلت جنوب أفريقيا، وأوكرانيا، وروسيا البيضاء، وكازاخستان، والأرجنتين، والبرازيل في أوقات مختلفة.
ومن السابق لأوانه، بطبيعة الحال، ترشيح دونالد ترمب لجائزة نوبل للسلام، على الرغم من حصول باراك أوباما عليها من قبل أن يفعل أي شيء سليم أو خاطئ. ويبقى العمل الشاق المضني في تنفيذ اتفاقية سنغافورة الموجزة.
لا بد لحالة الحرب التي خيمت على آفاق شبه الجزيرة الكورية لما يزيد على سبعة عقود أن تنتهي. ولا بد من محاسبة المسؤولين عن الآلاف من الكوريين الجنوبيين الذي اختفوا أو سُجنوا في كوريا الشمالية.
وهناك أكثر من 30 ألف مواطن كوري شمالي يشاركون في المشروع النووي الوطني لا بد من إعادة تدريبهم وتكليفهم بأعمال أخرى.
يتعين على الولايات المتحدة وعلى كوريا الشمالية إقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء. ولا بد لمعاهدة السلام الكاملة أن تحل محل الهدنة الراهنة القائمة تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.
ويجب تحويل المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين إلى حدود طبيعية ومناسبة بين البلدين، كخطوة على طريق لم الشمل النهائي وبموافقة متبادلة بين الجانبين.
تترك صفقة سنغافورة الأخيرة الجمهورية الإسلامية في إيران باعتبارها الحلقة الوحيدة المتبقية مما يُعرف عالميا باسم «محور الشر»، وهو الأمر الذي تحتاج القيادة في طهران إلى النظر والتفكير فيه بمنتهى الجدية.
في الوقت الذي كان التاريخ فيه على أتم الاستعداد للتحرك بسرعة أكبر، تسبب صبر أوباما الاستراتيجي في تفاقم الأوضاع بالنسبة إلى إيران.
لذلك، قد يكون أسلوب الاستعجال التكتيكي لدونالد ترمب موحياً بنموذج جديد من نماذج حل المشكلات الدبلوماسية الدولية.



بعد قمة ترمب وشي... قواعد جديدة للتنافس الأميركي – الصيني؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

بعد قمة ترمب وشي... قواعد جديدة للتنافس الأميركي – الصيني؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

بعد سنوات من تصاعد الضغوط التجارية والتكنولوجية، لم تقترب الولايات المتحدة والصين من إنهاء تنافسهما، لكنهما تبدوان أحرص على منع خروجه عن السيطرة.

وغادر الرئيس الصيني شي جينبينغ واشنطن، الجمعة 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، بعد زيارة دولة استمرت 3 أيام وقمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أبقت التهدئة التجارية قائمة وفتحت قنوات إضافية للحوار، فيما ظلت ملفات «التجارة» و«التكنولوجيا» و«المعادن النادرة» و«تايوان» في قلب التنافس بينهما.

ومدّدت واشنطن وبكين الهدنة التجارية القائمة بينهما شهرين، في نتيجة محدودة مقارنة بحجم الملفات العالقة. لكن أهمية القمة قد تكمن في ما لم يحدث أيضاً: لا تسوية للخلافات الكبرى، ولا عودة إلى التصعيد المفتوح.

فهل بدأت الولايات المتحدة والصين الانتقال من تصعيد الضغوط المتبادلة إلى إدارة تنافس طويل الأمد ومنعه من التحول مواجهةً يصعب احتواؤها؟

سفينة شحن تبحر بنهر هوانغبو في شنغهاي بالصين يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

من حرب الرسوم إلى الهدنة

مرت المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وبكين خلال السنوات الماضية بمراحل متتالية من التصعيد والتهدئة، استخدم خلالها البلدان الرسوم، والقيود التكنولوجية، وإجراءات التصدير، أدواتٍ للضغط.

ويرى رايان هاس، مدير «مركز جون إل ثورنتون للصين» في «معهد بروكينغز» الأميركي، أن العلاقة تمر بحالة من «الهدوء غير المريح»؛ إذ يواصل البلدان خطواتهما التنافسية، لكن لا أحد منهما يمتلك تفوقاً يسمح له بالتصعيد الاقتصادي من دون أن يتمكن الآخر من الرد.

وتساعد هذه المعادلة في تفسير مسار القمة. فالولايات المتحدة تحتفظ بأوراق ضغط مهمة في التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات، بينما تستطيع الصين الرد عبر نقاط ضعف أميركية، أبرزها المعادن النادرة وسلاسل الإمداد.

أرض مقترحة لإنشاء مركز «باكس سيليكا» في الفلبين ضمن مبادرة تقودها الولايات المتحدة لتعزيز سلاسل توريد أشباه الموصلات والمعادن النادرة وتقليل الاعتماد على الصين... يوم 10 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

المعادن النادرة... ورقة بكين

ظهر امتلاك الطرفين أوراق ضغط متبادل بوضوح خلال المواجهة التجارية. فالقيود الصينية على صادرات بعض المعادن النادرة والمغناطيسات الدائمة المصنوعة منها كشفت مدى اعتماد الشركات الأميركية على إمدادات يصعب تعويضها سريعاً.

ولهذا لم يكن الملف هامشياً في القمة. وقال البيت الأبيض إن البلدين سيواصلان معالجة النقص في سلاسل توريد المعادن النادرة وغيرها من المعادن الحرجة بهدف إعادة الشحنات إلى مستويات مناسبة.

وتكشف القضية عن حدود قدرة كل طرف على الضغط. فالرسوم والقيود الأميركية تستطيع إلحاق ضرر بالصين، لكن بكين تمتلك بدورها أدوات يمكن أن تطول قطاعات صناعية أميركية.

رمز عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية في هذه الصورة الملتقطة يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يدخل المنافسة

ويمثل الذكاء الاصطناعي مجالاً آخر يجمع بين المنافسة ومحاولات الحد من مخاطرها. فالولايات المتحدة والصين تتسابقان على تطوير الأنظمة الأعلى تقدماً والرقائق والبنية التحتية اللازمة لها، لكنهما بدأتا في الوقت نفسه فتح قنوات للتعامل مع المخاطر التي قد ترافق هذا السباق.

واتفقت واشنطن وبكين خلال القمة على بدء حوار ثنائي مستمر بشأن الذكاء الاصطناعي لمناقشة مخاطره وفوائده، إلى جانب قناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بهذه التكنولوجيا. وكان مسؤولون من البلدين قد بدأوا قبل القمة مناقشة هذه الآلية، في مؤشر على محاولة موازية للحد من بعض مخاطر السباق التكنولوجي بينهما.

ولا يعني هذا الحوار تراجع السباق التكنولوجي بين البلدين، لكنه يعكس محاولة لإيجاد قنوات للتعامل مع بعض مخاطره، بالتوازي مع استمرار السباق على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة.

شاحنات صهريج عراقية تحمّل البنزين بميناء بانياس السوري يوم 27 سبتمبر 2026 لنقله إلى العراق في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز (د.ب.أ)

حرب إيران تختبر إدارة التنافس

فرضت حرب إيران نفسَها على محادثات ترمب وشي، واتفق الرئيسان، وفق الموقع الرسمي للبيت الأبيض، على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً، وعلى رفض فرض رسوم على الممرات المائية الدولية. ويأتي ذلك في ظل علاقات بكين الوثيقة بطهران واستمرار مشترياتها من النفط الإيراني، فيما تسعى واشنطن إلى دفع الصين لممارسة مزيد من الضغط على إيران.

ورأى غرانت روملي وإليزابيث دِنت، الباحثان في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» الأميركي ومقره واشنطن، قبيل القمة أن الحرب منحت ترمب فرصة للضغط على شي بشأن علاقات الصين بإيران، خصوصاً مشترياتها النفطية، فيما تمتلك بكين بدورها مصلحة في استقرار تدفقات الطاقة من المنطقة.

وتكشف الحرب جانباً آخر من تعقيد العلاقة بين البلدين: فموقفاهما من إيران مختلفان، لكن استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط وتهديد إمدادات الطاقة لا يخدم المصالح الاقتصادية الصينية. ولذلك؛ يصبح هذا الملف مثالاً إضافياً على منافسة لا تختفي، لكن الطرفين يحاولان منع تداعياتها من الإضرار بمصالحهما الأوسع.

حاملة الطائرات الصينية «لياونينغ» خلال مناورة عسكرية للبحرية التابعة لـ«جيش التحرير الشعبي الصيني» في غرب المحيط الهادئ يوم 18 أبريل 2018 (رويترز)

تايوان... حدود التهدئة

تبقى تايوان من أبرز الملفات التي تكشف عن حدود أي تقارب بين واشنطن وبكين. فالصين تَعدّ الجزيرة جزءاً من أراضيها، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات غير رسمية مع تايبيه وتواصل دعم قدراتها الدفاعية.

ولم تُظهر نتائج القمة تسوية لهذا الخلاف. ولهذا تختلف «تايوان» عن ملفات مثل «الرسوم» أو «المشتريات التجارية» حيث يمكن التوصل إلى تنازلات محددة أو تمديد هدنة.

شراء الوقت

ورأى إدغارد كاغان، الباحث في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الأميركي ومقره واشنطن، قبيل القمة أن ترمب وشي يرغبان في تخفيف التوتر وتحقيق مزيد من الاستقرار في العلاقة، رغم انعدام الثقة بين مسؤولي البلدين. وأشار إلى أن كلاً من الرئيسين يرى أن الوقت يعمل لمصلحة بلاده؛ إذ يراهن ترمب على تقدّم أميركي في الذكاء الاصطناعي وتقليص الاعتماد على المعادن الصينية، بينما يرى شي أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة تراجع.

ومن الجانب الصيني، يرى وو شينبو، عميد «معهد الدراسات الدولية» ومدير «مركز الدراسات الأميركية» بجامعة فودان الصينية في شنغهاي، أن العلاقات بين البلدين تتجه نحو مرحلة جديدة أكبر استقراراً. ويقول إن تحقيق «الاستقرار الاستراتيجي» يتطلب إدارة المنافسة والخلافات بفاعلية، بالتوازي مع تعزيز التعاون في المجالات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين.

ومن هذا المنظور، يمنح استمرارُ التهدئة الطرفين وقتاً لتعزيز موقعيهما في المنافسة بدلاً من الدخول في جولة جديدة من التصعيد. فالولايات المتحدة تواصل محاولاتها تقليل اعتمادها على الصين في القطاعات الحساسة، في حين تعمل بكين على تعزيز قدراتها التكنولوجية والصناعية.

وفي الوقت نفسه، يحاول البلدان إبقاء قنوات الحوار مفتوحة في ملفات التجارة والاستثمار والذكاء الاصطناعي، بما يسمح باستمرار المنافسة من دون أن تتحول كل نقطة خلاف جولةً جديدةً من التصعيد.

علما الولايات المتحدة والصين على موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته «متحف الأرشيف الوطني» مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

هدنة أم قواعد جديدة؟

لا تكفي قمة واحدة للقول إن واشنطن وبكين وضعتا قواعد جديدة لتنافسهما. فالخلافات بشأن ملفات «التجارة» و«التكنولوجيا» و«المعادن» و«تايوان» ما زالت قائمة، والهدنة التجارية نفسها مؤقتة.

لكن القمة أظهرت أن المنافسة لم تعد تعني بالضرورة التصعيد المستمر. فإلى جانب أدوات الضغط، يعمل الطرفان على بناء قنوات تسمح بإدارة بعض الخلافات ومنع توسعها.

وقد تكون هذه الدلالةَ الأهم للقمة: الولايات المتحدة والصين لا تتجهان إلى إنهاء تنافسهما، بل ربما إلى التعايش معه مدة طويلة، فيما يحاول كل منهما تعزيز نقاط قوته وتقليل نقاط ضعفه من دون دفع العلاقة إلى مواجهة لا يريدها أي منهما.


زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، إن هناك أكثر من 8000 جندي كوري شمالي على الأراضي الروسية، وإن الاستعدادات جارية لنشر 10 آلاف جندي إضافي.

وأشار زيلينسكي إلى «بيانات جديدة» حول نشر قوات من كوريا الشمالية في روسيا، قائلاً في منشور على منصة «إكس» إن القوات «يجري اختيارها للتدريب والنشر لاحقاً في روسيا».

وكان زيلينسكي قد ذكر في أغسطس (آب) أن ما يصل إلى 50 ألف جندي كوري شمالي قد يتم إرسالهم للقتال إلى جانب روسيا، ودعا كوريا الجنوبية إلى تقديم دعم في مجال الدفاع الجوي لأوكرانيا.

وأعلنت سيول في يوليو (تموز) عن حزمة مساعدات بقيمة 100 مليون دولار لكييف، لكنها استبعدت الأسلحة الفتاكة منها.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، جاءت تصريحات زيلينسكي، الاثنين، بعد خلاف بين سيول وكييف بسبب إعلانه الأسبوع الماضي أن أوكرانيا نقلت جنديين كوريين شماليين أسيرين إلى كوريا الجنوبية.

وعبّرت سيول عن أسفها إزاء هذا الإعلان، مشيرة إلى اتفاق يقضي بالحفاظ على سرية عملية النقل.

وبحسب تقديرات من كييف وسيول، أرسلت كوريا الشمالية ما يتراوح بين 14 و15 ألف جندي لدعم حرب روسيا في أوكرانيا منذ عام 2024، تم نشر معظمهم في منطقة كورسك للمساعدة في صد توغل أوكراني.

وتشير تقييمات أوكرانية ومستقلة إلى أن بيونغ يانغ زودت روسيا بملايين من قذائف المدفعية وقذائف الهاون، بالإضافة إلى صواريخ باليستية وأنظمة مدفعية بعيدة المدى وأنظمة إطلاق صواريخ متعددة.


الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

الدعوات الدولية لوقف اضطرابات إثيوبيا... هل تقود لوساطة جديدة؟

أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
أعضاء من «جبهة تحرير تيغراي» يسيرون على طريق رئيسي في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

بعد أيام من تحركات عسكرية لجبهة تحرير تيغراي المعارضة ومعارك مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، توالت دعوات إقليمية ودولية بوقف الاضطرابات والعودة لمسار الحوار.

تلك الدعوات التي صدرت من قطر والإمارات وجيبوتي والولايات المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي، يرى خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قد تعزز الوساطة الحالية لإعادة الأطراف لاتفاق 2022 أو وساطة جديدة مع وجود تحالف أوسع من الجبهة يحتاج لاتفاق موسع جديد.

وتتواصل المعارك بين الحكومة وجبهة تيغراي لليوم الخامس بحسب وسائل إعلام إثيوبية. واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك، الأسبوع الماضي، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

وأدانت قطر «التصعيد العسكري ضد القوات الفيدرالية الإثيوبية»، مؤكدة «دعمها الكامل لجميع الجهود الرامية إلى خفض التوتر في إثيوبيا». كما دعت جيبوتي، الأحد، إلى خفض التصعيد في إثيوبيا، وتسوية النزاعات من خلال الحوار.

ودعت الإمارات، الجمعة الماضية، إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية وخفض التصعيد، والالتزام باتفاق بريتوريا للسلام، مجددة دعمها لجميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار الدائمين في إثيوبيا.

كذلك، دعا الاتحاد الأفريقي في بيان خلال الساعات الماضية إلى التهدئة، وكذلك طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى خفض التوتر على الفور، مجدداً في بيان دعمه لجهود الاتحاد الأفريقي بما في ذلك المبذولة من رئيس نيجيريا السابق أولوسيغون أوباسانغو الهادفة إلى تخفيف التوترات، وإعادة إشراك الأطراف في المحادثات بحسن نية تحت إطار عمل اتفاق بريتوريا.

أيضاً دعا الاتحاد الأوروبي، أخيراً، إلى خفض التصعيد بشكل فوري في شمال إثيوبيا، مؤكداً مواصلة دعمه لجهود خفض التصعيد، وعملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، والحوار الهادف بين الأطراف.

عناصر من «جبهة تحرير تيغراي» في ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد أن تلك المواقف المكثفة ترغب في العودة إلى طاولة المفاوضات، وتفعيل اتفاق بريتوريا، مؤكداً أن العودة للتفاهمات وتطبيق الاتفاق يصب في مصلحة الحكومة الإثيوبية؛ كونها غير معنية بالانجرار نحو حرب استنزاف تسعى إليها أطراف معينة، والالتزام بمسار بريتوريا يمثل مصلحة عليا لإثيوبيا ولدول المنطقة كافة.

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس إلى أن جبهة تيغراي سبق أن رحبت بأي خطوات للسلام فضلاً على أن هذه الدعوات تدرك أهمية استقرار إثيوبيا للأمن في الإقليم. ويعتقد أبو إدريس أن هذا التحرك المتسارع دولياً يحتاج إلى معادلة جديدة أكبر من اتفاق بريتوريا 2022 بسبب دخول فاعلين جدد إلى الملعب مع تكوين التحالف المسلح الجديد.

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991 وحكمت إثيوبيا 3 عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018؛ ما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي، وحشدت قواتها على حدود الإقليم، وسط اتهامات من الطرفين بانتهاك الاتفاق.

ويرى أبو إدريس أن أي وساطة مهما كان الطرف الذي يقوم بها إذا لم تصاحبها إرادة داخلية تريد طي صفحة النزاعات في البلد لن تحقق نجاحاً كاملاً، وقد تنجح الوساطة الجديدة في الوصول إلى هدنة مؤقتة لكنها يمكن أن تنهار في أي وقت.

وحول مدى استجابة القيادات الميدانية داخل الجبهة المعارضة، أوضح عبد الصمد أن الواقع العسكري والاقتصادي والسياسي داخل إقليم تيغراي وموازين القوى الراهنة لا تمنح هذه الأطراف خيار الرفض؛ ما سيجبرها في النهاية على القبول بالجهود الجارية للعودة للاتفاق.